أكد المحلل العسكري في صحيفة هآرتس، عاموس هرئيل أن المواجهة العسكرية المباشرة مع إيران دخلت مرحلة مراجعة التوقعات بعد تبخر الرهانات الكبرى. وأوضح أن واشنطن وتل أبيب بنتا استراتيجياتهما على فرضية أن الضغط العسكري سيولد انفجاراً شعبياً يؤدي لإسقاط النظام، وهو ما لم يحدث.
وأشار هرئيل إلى أن التقديرات الاستخباراتية كانت تشير إلى أن توجيه ضربات قاصمة لأجهزة النظام الحيوية، مثل الحرس الثوري والباسيج، سيشل قدرتها على القمع. وكان من المفترض أن تمنح هذه الحالة من الضعف الأمني دفعة للجماهير للنزول إلى الشوارع، إلا أن أسبوعين من القصف المكثف لم يغيرا المشهد الداخلي.
وتطرق المحلل العسكري إلى خيبة أمل أخرى تتعلق بالمكون الكردي في إيران، حيث سادت توقعات بأن يتحرك الأكراد من الجبال لإشعال التمرد في المدن. ورغم الترويج الإعلامي الواسع لهذه الفرضية في الأوساط العبرية، إلا أن الواقع الميداني أثبت عدم قدرة هذه المجموعات على تغيير موازين القوى الداخلية.
وفيما يخص الملف النووي، لفت هرئيل إلى أن الضربات الجوية، رغم قوتها، لم تنهِ التهديد الإيراني بشكل كامل. فإيران لا تزال تحتفظ بنحو 440 كيلوغراماً من اليورانيوم المخصب بنسبة 60%، وهي كمية كافية لإنتاج سلاح نووي بدائي في حال اتخاذ قرار سياسي بذلك.
وحذر التحليل من أن طهران نجحت في توزيع مخزونها النووي ومنشآتها الحساسة على مواقع محصنة تحت الأرض، مما يجعل القضاء عليها بالوسائل التقليدية أمراً معقداً. ويبدو أن القدرة التقنية الإيرانية على العودة للتصنيع العسكري تظل قائمة وقوية رغم الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية.
وعلى صعيد القدرات الصاروخية، كشفت مصادر أن إيران عادت لتسريع برنامج الصواريخ الباليستية فور هدوء وتيرة القتال السابق. وتشير التقديرات إلى أن طهران قد تنجح خلال عامين فقط في امتلاك ترسانة تضم آلاف الصواريخ القادرة على الوصول إلى عمق الأراضي المحتلة بدقة عالية.
وفي سياق الدوافع الأمريكية، أوضح هرئيل أن الرئيس دونالد ترامب كان متردداً في البداية تجاه فكرة الهجوم الشامل. لكن نجاح واشنطن في الإطاحة بمادورو في فنزويلا، والاحتجاجات السابقة في إيران، حفزا رغبته في تكرار التجربة للهيمنة على سوق الطاقة العالمي ومنافسة الصين.
خاب الأمل في تحرك الأكراد أو خروج الإيرانيين للشوارع، والواقع أثبت أن النظام لم يتأثر بالضربات القاسية كما كان متوقعاً.
ويرى المحلل العسكري أن هناك نمطاً متكرراً في الحملات العسكرية المشتركة، حيث تبدأ بمفاجآت تكنولوجية واستخباراتية تمنح تفوقاً مؤقتاً. لكن سرعان ما يستوعب الخصم الصدمة ويبدأ في تنفيذ خطط مضادة تهدف إلى توسيع رقعة الصراع واستنزاف القوات المهاجمة في حرب طويلة الأمد.
وتشير المعطيات الاقتصادية إلى فجوة هائلة في التكاليف، حيث تبلغ الميزانية العسكرية الأمريكية 886 مليار دولار مقابل 25 ملياراً فقط لإيران. ومع ذلك، تنجح طهران في استنزاف هذه الميزانيات الضخمة عبر استخدام أسلحة رخيصة الثمن مثل الطائرات المسيرة التي لا تتجاوز تكلفتها 50 ألف دولار.
وفي المقابل، تضطر الدفاعات الجوية لاستخدام صواريخ اعتراضية تصل تكلفة الواحد منها إلى مليوني دولار، مما يجعل الاستمرار في المواجهة عبئاً مالياً ثقيلاً. وتقدر مصادر أن كلفة العمليات العسكرية الأمريكية اليومية في المنطقة وصلت إلى نحو مليار دولار، وهو ما يخدم استراتيجية 'إرهاق الخصم'.
وتعتمد الاستراتيجية الإيرانية بشكل أساسي على الحرب غير المتكافئة واستهداف مفاصل النظام العالمي الحيوية مثل طرق الشحن وإمدادات النفط. ويمثل مضيق هرمز، الذي يمر عبره 20% من نفط العالم، ورقة ضغط استراتيجية بيد طهران يمكنها استخدامها لتعطيل الاقتصاد العالمي في أي لحظة.
ولفت هرئيل إلى أن حزب الله في لبنان أثبت أيضاً أنه أقل ضعفاً مما كانت تشير إليه التقديرات الأولية قبل بدء العمليات. هذا الصمود في الجبهات المساندة لإيران ساهم في تشتيت الجهد العسكري لواشنطن وتل أبيب، وأدى إلى إطالة أمد القتال وزيادة الأضرار في الجبهة الداخلية.
وخلص التحليل إلى أن النتيجة الحالية تشير إلى تصاعد المخاطر على دول الخليج والجبهة الداخلية للاحتلال في مواجهة خصم يمتلك نفساً طويلاً. ويبدو أن 'فخ التحالفات' الذي نصبته إيران بدأ يؤتي ثماره في استنزاف القدرات العسكرية والمالية للولايات المتحدة وحلفائها في المنطقة.
إن الواقع الجديد يفرض على صناع القرار إعادة تقييم شاملة للخطط المستقبلية، خاصة مع فشل الرهان على التغيير من الداخل. فإيران أثبتت قدرة على التكيف مع الضربات العسكرية، مع الحفاظ على وتيرة إنتاج عسكري تهدد أمن المنطقة لسنوات قادمة.





שתף את דעתך
هرئيل: رهانات واشنطن وتل أبيب على سقوط النظام الإيراني من الداخل باءت بالفشل