لم تكن تصريحات رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو حول تشكيل تحالف سداسي في الشرق الأوسط مجرد حديث عابر، بل جاءت كخطاب مُعد بعناية في مستهل جلسة الحكومة. وقد تعمد نتنياهو إضفاء الطابع الرسمي على هذه الرؤية المستقبلية، تزامناً مع التحضيرات لزيارة مرتقبة لرئيس وزراء الهند ناريندرا مودي، مما يعكس رغبة إسرائيلية في توسيع نطاق التغطية الإعلامية لهذا المشروع.
يعيد هذا الطرح إلى الأذهان 'نظرية الأطراف' التي أسسها بن غوريون في الخمسينيات، والتي تهدف إلى تجاوز دول الطوق العربي وبناء تحالفات مع قوى إقليمية وأقليات عرقية. وتسعى هذه الاستراتيجية تاريخياً إلى إضعاف المركز العربي من خلال إشغاله بصراعات جانبية وتوترات مع دول الجوار مثل تركيا وإيران وإثيوبيا، لضمان استنزاف البيئة العربية بعيداً عن مواجهة الاحتلال.
يرى مراقبون أن نتنياهو يحاول اليوم تعويض فشل هذه الاستراتيجية سابقاً، خاصة بعد سقوط نظام الشاه في إيران وتحول السياسة التركية. ورغم نجاح إسرائيل في تطبيع علاقاتها مع عدة دول عربية مركزية، إلا أن الحاجة لـ 'شد الأطراف' برزت مجدداً كأداة للضغط السياسي وضمان الهيمنة المطلقة في ظل المتغيرات الإقليمية المتسارعة.
تأتي هذه التحركات في وقت تفتقر فيه المنطقة لما يسمى 'المحور الراديكالي السني'، حيث أن القوى التي يلمح إليها نتنياهو مثل السعودية وباكستان وتركيا تتبنى مواقف معتدلة. وتؤكد مصادر أن هذه الدول ترتبط بعلاقات استراتيجية مع واشنطن وتدعم مسار التسوية السلمية وحل الدولتين، مما يجعل ادعاءات نتنياهو حول وجود خطر راديكالي حالة مصطنعة لأهداف سياسية.
لقد تسببت الوحشية الإسرائيلية وحرب الإبادة في قطاع غزة برفع منسوب القلق لدى الأنظمة الإقليمية، بما فيها تلك التي سلكت مسار التطبيع. وباتت هذه الدول تتساءل عن جدوى بناء علاقات مع نظام سياسي يعتمد 'العصا الغليظة' لفرض هيمنته، ويسعى لتحويل الشراكة المفترضة إلى علاقة بين 'سيد' إسرائيلي و'تابع' عربي.
يزيد السلوك الأمريكي في عهد ترامب من مخاوف حلفاء واشنطن في المنطقة، نظراً لعقليته البراغماتية التي تقدس القوة والمصلحة وتتجاوز القوانين الدولية. هذا المناخ من عدم اليقين دفع دولاً مثل السعودية ومصر إلى محاولة تنويع مصادر السلاح وتبطئ مسارات التطبيع، وهو ما أشعل 'الضوء الأحمر' لدى القيادة الإسرائيلية التي ترفض أي هامش من الاستقلالية العربية.
يهدف نتنياهو من إعلان هذا المحور، الذي يضم الهند واليونان وقبرص وإثيوبيا، إلى تقديم نفسه للجمهور الإسرائيلي كزعيم استراتيجي قادر على فك العزلة الدولية. ويحاول من خلال هذه الرؤية ترميم صورته التي تضررت بعد أحداث طوفان الأقصى، مظهراً قدرته على تشكيل تحالفات إقليمية تعزل المخاطر الخارجية المحتملة وتضمن بقاءه في السلطة.
نتنياهو يحاول تكييف الشرق الأوسط وفق المعايير الإسرائيلية، بدلاً من تكييف إسرائيل مع بيئة المنطقة الواقعية.
يعكس اصطناع 'عدو وهمي' حاجة نتنياهو المستمرة لضمان حالة الشد الداخلي في المجتمع الإسرائيلي وتبرير السياسات العدوانية. كما يهدف هذا السلوك إلى إيجاد مبررات دائمة لرفض المسار السياسي أو تقديم أي أثمان حقيقية تتعلق بحل الدولتين، عبر الادعاء بأن إسرائيل تواجه تهديدات وجودية على جبهات متعددة.
تجلت حالة القلق الوجودي الإسرائيلي بعد طوفان الأقصى في تحول النظرية الأمنية من 'الردع بالتهديد' إلى 'الردع بالتدمير الشامل'. ويسعى الاحتلال حالياً لضرب المخاطر في مكامنها ومنعها من النمو، مع محاولة إعادة صياغة الشرق الأوسط وفق المعايير الأمنية الإسرائيلية الصرفة، دون اعتبار لواقع المنطقة أو مصالح شعوبها.
أثارت تصريحات السفير الأمريكي هاكابي، التي اعتبر فيها مصر والأردن جبهات محتملة بسبب وجود تيارات إسلامية، ارتباكاً في الأوساط الدبلوماسية. فرغم التزام هذه الدول بمسار التسوية، إلا أن العقلية الإسرائيلية الحالية باتت تستعدي حتى الأطراف المطبّعة، مما يكشف عن رغبة في ممارسة ابتزاز سياسي يمنع أي تحرك مستقل عن الإرادة الأمريكية الإسرائيلية.
يتضمن سلوك نتنياهو تناقضاً ذاتياً قد يؤدي إلى نتائج عكسية، حيث أن استعداء الشركاء المحتملين يزيد من مخاوفهم ويظهر إسرائيل كطرف لا يمكن الوثوق به. وبدلاً من فك العزلة، قد تؤدي هذه السياسات إلى توسيع دائرة العداء ضد المشروع الصهيوني، حتى بين الأنظمة التي كانت توصف بأنها الأكثر اعتدالاً وقرباً من الغرب.
في الخلاصة، يبدو أن مشروع المحور السداسي يواجه عقبات واقعية كبيرة، نظراً لتقاطع مصالح الدول المرشحة لعضويته مع البيئة العربية والإسلامية. فمن المستبعد أن ترهن دول مثل الهند أو اليونان سياساتها بالكامل للإرادة الإسرائيلية، مما يجعل كلام نتنياهو يدخل في إطار المبالغات السياسية والتمنيات الشخصية لتعزيز موقفه الداخلي.
تظل الدعوة قائمة للأنظمة العربية بضرورة مراجعة جدوى مشاريع التسوية والتطبيع في ظل هذه العقلية الإسرائيلية التوسعية. إن التطورات الراهنة تستدعي إعادة النظر في أولويات الأمن القومي العربي، واعتبار صمود الشعب الفلسطيني ومقاومته خط الدفاع الجوهري والاستراتيجي الذي يحمي المنطقة من طموحات الهيمنة الصهيونية.
إن محاولة نتنياهو إحياء 'شد الأطراف' عبر وضع الهند في مواجهة باكستان، وإثيوبيا في مواجهة مصر، تعكس رغبة في تأجيج النزاعات الإقليمية. لكن الوعي المتزايد بمخاطر هذا المشروع يتطلب تنسيقاً عربياً وإسلامياً مضاداً يحمي المصالح المشتركة ويمنع إسرائيل من تحويل المنطقة إلى ساحة لتجاربها الأمنية والسياسية.





שתף את דעתך
المحور السداسي لنتنياهو: محاولة لإحياء 'استراتيجية الأطراف' وتطويق المنطقة