شهدت منطقة الخليج العربي تحولاً دراماتيكياً في الساعات الأولى من صباح السبت الماضي، حيث تحولت التوترات المزمنة إلى مواجهة دامية عقب انطلاق عمليات عسكرية أمريكية وإسرائيلية واسعة النطاق ضد أهداف داخل الأراضي الإيرانية. هذا الانفجار العسكري لم يكن مفاجئاً للمراقبين، لكنه وضع دول الجوار الخليجي أمام واقع أمني جديد يعيد للأذهان اضطرابات ما بعد عام 1979.
وفي رد فعل عسكري مباشر، وجهت طهران ترسانتها من الصواريخ والمسيّرات نحو منشآت حيوية في دول المنطقة، متجاوزة علاقات الجوار والوساطات الدبلوماسية التي قادتها عواصم مثل الدوحة ومسقط. وقد ولدت هذه الهجمات شعوراً عميقاً بالخيانة لدى القادة الخليجيين، خاصة وأن القصف طال أهدافاً مدنية واقتصادية حساسة في وقت كانت فيه هذه الدول تسعى لخفض التصعيد.
التحرك الدبلوماسي الأبرز جاء من الرياض، حيث بادر ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان بإجراء اتصالات مكثفة مع قادة الإمارات وقطر والبحرين والكويت والأردن. وأكدت مصادر رسمية أن هذه التحركات تهدف إلى بناء جبهة موحدة ووضع كافة الإمكانات لمساندة الدول التي تعرضت للاعتداءات الإيرانية، مما ساهم في تذويب جليد الخلافات البينية السابقة.
وعلى الصعيد الميداني، أعلنت شركة 'بابكو إنرجيز' في البحرين حالة القوة القاهرة عقب استهداف مصفاة النفط الحكومية، وهو إجراء تكرر في قطر التي علقت إنتاج الغاز المسال في منشآت رأس لفان. هذه التطورات تعكس حجم الضرر الاقتصادي الذي لحق بشرايين الطاقة العالمية نتيجة الإصرار الإيراني على نقل المعركة إلى أراضي دول الجوار.
من جانبه، وصف رئيس الوزراء القطري الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني الهجمات بأنها 'خطأ فادح'، مشيراً إلى أن استهداف المنشآت المدنية لا يمكن تبريره. وأوضح في تصريحات صحفية أن بلاده لن تكون طرفاً في حروب ضد جيرانها، لكن ما حدث في الخليج يمثل تهديداً لن يبقى حبيساً في المنطقة الجغرافية الضيقة.
وزارة الدفاع السعودية أعلنت من جهتها عن إحباط هجمات متعددة استهدفت حقل شيبة النفطي ومجمع رأس تنورة، مؤكدة أن المملكة تحتفظ بحقها الكامل في الرد وحماية سيادتها. وشددت الرياض على أن استهداف الأعيان المدنية يمثل انتهاكاً سافراً للمواثيق الدولية، ويعكس رغبة طهران في زعزعة استقرار المنطقة بالكامل.
وتبرر طهران هذه الهجمات بادعاء استهداف القواعد الأمريكية الموجودة في المنطقة، حيث اعتبر مسؤولون إيرانيون أن هذه القواعد تمثل 'أراضي أمريكية' مشروعة للاستهداف. هذا المنطق يضع دول الخليج في مأزق سيادي، إذ تجد نفسها تدفع ثمن صراع دولي لا ناقة لها فيه ولا جمل، رغم تأكيداتها المستمرة بأن أراضيها لا تستخدم كمنطلق للغارات.
الهجمات الإيرانية على قطر ودول الخليج خطأ فادح، وقد أشعرتنا بخيانة كبيرة من جار كنا نعتبره قدراً لا مفر منه.
تاريخياً، كان هاجس 'تصدير الثورة' الذي تبناه الخميني عام 1979 هو المحرك الأساسي لتأسيس مجلس التعاون الخليجي عام 1981. واليوم، تعيد الأحداث الراهنة التأكيد على أن الطموحات التوسعية الإيرانية لا تزال تمثل التحدي الأمني الأول للمنظومة الخليجية، مما يستوجب مراجعة شاملة لآليات الدفاع المشترك.
المفارقة التاريخية تكمن في أن إيران، التي كانت سبباً في توترات خليجية سابقة وصلت لحد الحصار في 2017، باتت اليوم هي العامل الموحد لهذه الدول. فقد أدركت العواصم الخليجية أن الخطر المشترك يتجاوز الخلافات الجانبية حول ملفات إقليمية مثل اليمن، مما دفعها لإعادة اللُّحمة السياسية بشكل متسارع.
وعلى الرغم من وجود اتفاقيات دفاعية مع واشنطن، إلا أن هناك شعوراً متزايداً في العواصم الخليجية بعدم جدوى التعويل الكامل على الحماية الأمريكية. فبينما تتعرض المنشآت النفطية للقصف اليومي، تكتفي القوات الدولية بالدفاع عن مصالحها المباشرة، مما يترك دول المنطقة في مواجهة منفردة مع التهديدات الصاروخية.
قوات 'درع الجزيرة'، التي أُنشئت في الثمانينيات لحماية الأمن الجماعي، تواجه اليوم تساؤلات صعبة حول فاعليتها في ظل الحروب الحديثة والمسيّرات. فالتحديات الراهنة تتجاوز القدرات التقليدية لهذه القوات، مما يفرض ضرورة تطوير منظومات دفاع جوي متكاملة قادرة على صد آلاف الهجمات المتزامنة.
إن معضلة الأمن في الخليج ترتبط بشكل وثيق بالثروة النفطية الهائلة التي جعلت المنطقة مطمعاً للقوى الإقليمية والدولية. وفي ظل 'فائض الصراعات' في الشرق الأوسط، تجد دول النادي الثري نفسها مضطرة للاستثمار بكثافة في التكنولوجيا العسكرية لتعويض النقص العددي في جيوشها أمام الكثافة البشرية الإيرانية.
الدبلوماسية القطرية وصفت الجوار الإيراني بأنه 'قدر'، وهو تعبير يلخص واقع الجغرافيا السياسية التي لا يمكن تغييرها. لكن هذا القدر يتطلب توازناً دقيقاً بين الحفاظ على قنوات الحوار المفتوحة وبين بناء قوة ردع حقيقية تمنع تكرار سيناريوهات 'الطعن من الخلف' التي شهدتها الأيام الماضية.
ختاماً، تظل الحرب الحالية اختباراً حقيقياً لإرادة دول مجلس التعاون في التحول من التنسيق السياسي إلى الوحدة الدفاعية الفعلية. فالمستقبل القريب سيكشف ما إذا كانت هذه الدول ستنجح في ابتكار مظلة أمنية ذاتية تحمي مقدراتها، أم ستظل رهينة لصراع القوى الكبرى على أراضيها.





שתף את דעתך
زلزال عسكري في الخليج: الهجمات الإيرانية تعيد صياغة التحالفات وتكشف معضلة الأمن الإقليمي