واشنطن –سعيد عريقات – 10/3/2026
تحليل إخباري
لم تعد الحرب الدائرة مع إيران حدثاً عسكرياً أو جيوسياسياً يقتصر تأثيره على الشرق الأوسط، بل تحولت تدريجياً إلى عامل ضغط داخل السياسة الأميركية نفسها، حيث بدأت تكشف حدود نفوذ اللوبيات التقليدية في واشنطن، وفي مقدمتها : اللجنة الأميركية الإسرائيلية للعلاقات العامة American Israel Public Affairs Committee (إيباك)، اللوبي الإسرائيلي القوي، كما أعادت فتح نقاش أوسع حول دور جماعات الضغط في رسم السياسة الخارجية للولايات المتحدة.
وتبرز هذه التحولات بوضوح في سباقات مجلس النواب في ولاية إلينوي، وفق تقرير أعده الصحفي أليكس كيين Alex Kane، حيث يظهر أن عدداً من المرشحين الذين سبق أن تلقوا دعماً من شبكات مرتبطة بإيباك بدأوا يتخذون مواقف أكثر حذراً من الحرب مع إيران، في خطوة تعكس إدراكاً متزايداً لحساسية الرأي العام تجاه أي انخراط عسكري طويل في الشرق الأوسط.
على مدى سنوات طويلة، تمكنت "إيباك" من ترسيخ نفوذ واسع في الكونغرس عبر شبكة تمويل سياسي فعالة وتحالفات عابرة للحزبين، ما ساهم في تثبيت خطاب سياسي داعم بقوة لإسرائيل ومتشدد تجاه إيران. لكن الحرب الحالية تبدو وكأنها تضع هذا النموذج أمام اختبار غير مسبوق.
ففي دوائر انتخابية تضم قاعدة شبابية وتقدمية متنامية، أصبح الخطاب السياسي أكثر حذراً تجاه الحرب. بعض المرشحين بدأوا يتحدثون عن ضرورة الرقابة البرلمانية على العمليات العسكرية، وعن مخاطر التورط في نزاع إقليمي واسع، بل إن بعضهم يلمح إلى أهمية إعطاء أولوية للمسار الدبلوماسي بدلاً من التصعيد العسكري.
هذا التحول لا يعني بالضرورة قطيعة مباشرة مع اللوبي المؤيد لإسرائيل، لكنه يكشف تراجع قدرة الخطاب التقليدي القائم على المواجهة مع إيران على حشد الإجماع السياسي نفسه الذي كان قائماً في الماضي.
ويشير مراقبون إلى أن هذا التغير يعكس تحولاً أعمق داخل الحزب الديمقراطي، حيث باتت الأجيال السياسية الجديدة أكثر ميلاً إلى مساءلة سياسات التدخل العسكري، وأكثر استعداداً لانتقاد دور جماعات الضغط في التأثير على القرارات الاستراتيجية للولايات المتحدة.
في هذا السياق، يطرح مدير الأخبار جوش ناثان كزيس Josh Nathan-Kazis تساؤلات نقدية حول الدور الذي تلعبه المؤسسات اليهودية الأميركية في النقاش العام حول الحرب. فبحسب تحليله، تبنت بعض هذه المؤسسات خطاباً داعماً بقوة للحملة العسكرية ضد إيران، وغالباً ما قُدم هذا الموقف بوصفه تعبيراً عن إجماع داخل المجتمع اليهودي الأميركي.
غير أن هذا الطرح يتجاهل التنوع الكبير في الآراء داخل هذا المجتمع، كما قد يضع الجاليات اليهودية في موقع حساس إذا تحولت الحرب إلى قضية غير شعبية على نطاق واسع داخل الولايات المتحدة.
ويحذر التحليل من أن الخلط بين مواقف مؤسسات سياسية وبين هوية جماعية قد يخلق انطباعات مضللة في النقاش العام، ويغذي سرديات تبسيطية أو معادية لليهود، خصوصاً في أوقات الأزمات السياسية الكبرى.
وتعكس هذه التطورات تحولاً ملحوظاً في توازن القوى داخل النقاش السياسي الأميركي حول الشرق الأوسط. فبعد عقود كان فيها اللوبي المؤيد لإسرائيل يتمتع بقدرة كبيرة على صياغة الخطاب السياسي في واشنطن، بدأت تظهر اليوم مساحات أكبر للنقد والمساءلة، خصوصاً داخل الأوساط التقدمية. هذا التحول لا يعني انهيار نفوذ تلك الشبكات، لكنه يشير إلى تآكل تدريجي في قدرتها على فرض إجماع سياسي واسع، وهو ما قد يفتح الباب أمام نقاش أكثر تنوعاً حول أولويات السياسة الأميركية في المنطقة.
وفي نقاش أوسع حول دلالات الحرب، تناولت حلقة من بودكاست "على الأنف On The Nose" هذه القضية من زاوية النظام الدولي، حيث ناقش الكاتب والمحلل بيتر باينارت Peter Beinart مع أستاذة القانون الدولي آسلي يو بالي Aslı Ü. Bâli من جامعة ييل (Yale University) تداعيات الحرب على صورة القوة الأميركية في العالم.
وترى بَالي، (التي تشارك أيضاً في أنشطة مؤسسة كوينسيQuincy Institute )، أن نمط الحروب الذي تنخرط فيه الولايات المتحدة اليوم يعكس تحوّلاً في أسلوب استخدام القوة. فبدلاً من الغزو البري واسع النطاق، تعتمد واشنطن بشكل متزايد على الضربات الجوية والشركاء الإقليميين والتفوق التكنولوجي العسكري.
لكن بينارت يشير إلى أن هذه الإستراتيجية قد تخفي تناقضاً أساسياً: فبينما لا تزال الولايات المتحدة تمتلك قدرة عسكرية هائلة، فإن قدرتها على حشد دعم سياسي داخلي لحروب طويلة أصبحت أضعف بكثير مما كانت عليه في السابق.
ولا يقتصر النقاش على السياسة، إذ تتطرق النشرة أيضاً إلى انعكاسات المناخ السياسي على الثقافة. فقد نشرت عملاً أدبياً جديداً للكاتب والناقد ويين كويستنسبوم Wayne Koestenbaum يتناول القلق السياسي والإنتمائي الذي يطبع المرحلة الراهنة.
وفي ظل الغارات الجوية الإسرائيلية الأخيرة على بيروت ، أعادت النشرة نشر تحقيق سابق أعدته المحررة مايا روزن Maya Rosen حول طموحات بعض تيارات اليمين الإسرائيلي لتوسيع النشاط الاستيطاني نحو جنوب لبنان.
ويوثق التحقيق نقاشات أيديولوجية داخل بعض الأوساط القومية الإسرائيلية التي تتبنى رؤية جغرافية أوسع تتجاوز الحدود المعترف بها دولياً لإسرائيل، وهو ما يثير مخاوف من أن يؤدي التصعيد العسكري إلى إحياء مشاريع سياسية كانت حتى وقت قريب على هامش النقاش.
أحد أكثر الجوانب لفتاً للانتباه في تداعيات حرب إيران يتمثل في الانكشاف النسبي لحدود نفوذ إيباك داخل المشهد السياسي الأميركي. فبينما نجحت المنظمة لعقود في بناء شبكة تأثير قوية داخل الكونغرس والحزبين، فإن تغير المزاج الشعبي بعد حروب الشرق الأوسط الطويلة جعل هذا النفوذ أقل قدرة على ضبط النقاش العام. المرشحون اليوم أكثر حساسية للرأي العام المحلي، وأقل استعداداً للدفاع غير المشروط عن سياسات خارجية مكلفة. هذا لا يعني تراجعاً حاداً فورياً في نفوذ إيباك، لكنه يشير إلى بداية مرحلة يصبح فيها تأثيرها موضع جدل علني ونقاش سياسي أوسع.
في المحصلة، تكشف الحرب مع إيران أن السياسة الخارجية الأميركية لم تعد تُصاغ فقط في دوائر النخبة التقليدية في واشنطن، بل أصبحت أكثر ارتباطاً بتوازنات الرأي العام والاعتبارات الانتخابية. ومع ازدياد الاستقطاب الداخلي وتراجع الثقة بالمؤسسات، باتت أي مغامرة عسكرية خارجية تحمل مخاطر سياسية داخلية كبيرة. لذلك فإن الجدل الحالي حول الحرب لا يتعلق بإيران وحدها، بل يعكس سؤالاً أعمق حول موقع الولايات المتحدة في العالم وحدود القوة العسكرية في عصر تتزايد فيه القيود السياسية والاقتصادية.





שתף את דעתך
حرب إيران تكشف حدود نفوذ "إيباك" وتفتح نقاشاً أميركياً أوسع حول دور اللوبيات في السياسة الخارجية