تتصدر المضايق البحرية واجهة الصراعات الكبرى في الشرق الأوسط تاريخياً، فكما كان مضيق تيران شعلة حرب عام 1967، وباب المندب ساحة للصراع في اليمن، يبرز مضيق هرمز اليوم كعنوان للمواجهة الشاملة التي تشنها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران. هذه الحرب التي بدأت ملامحها تتشكل ميدانياً، تضع الممر المائي الأكثر حيوية في العالم تحت تهديد مباشر قد يغير خارطة الاقتصاد الدولي.
جغرافياً، يصحح الخبراء مفهوماً شائعاً بأن المضيق تتقاسمه إيران والإمارات، فالحقيقة أن الأراضي المواجهة للضفة الإيرانية هي جيوب عُمانية تقع داخل الحدود الإماراتية. هذا التداخل الجغرافي يمنح مسقط دوراً حساساً، حيث ترتبط بعلاقات خاصة مع طهران جنبت مدنها القصف الصاروخي الذي طال عواصم خليجية أخرى، لكنها لن تكون قادرة على منع إيران من تقييد الملاحة إذا قررت الأخيرة ذلك رداً على الغارات الجوية.
يمثل مضيق هرمز شريان الحياة للطاقة العالمية، حيث يتدفق من خلاله نحو 20% من إنتاج النفط العالمي. ولا يتطلب اضطراب هذا الشريان قراراً رسمياً بالإغلاق، بل يكفي اندلاع الأعمال العدائية لتبدأ شركات الشحن في تغيير مساراتها، وهو ما حدث بالفعل مع إعلان أربع شركات نفطية كبرى تعليق عملياتها في المنطقة فور بدء الهجمات.
أفادت مصادر ملاحية بأن هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية رصدت بلاغات من سفن في الخليج تشير إلى تلقيها رسائل إيرانية تحذر من إغلاق المضيق. ورغم غياب الإعلان الرسمي من طهران حتى اللحظة، إلا أن هذه التحركات الميدانية تؤكد أن خطوط الملاحة الدولية أصبحت جزءاً أصيلاً من أدوات الحرب الدائرة، مما يرفع منسوب القلق في أسواق الطاقة.
يرى محللون أن الولايات المتحدة وإسرائيل تدركان التبعات الاقتصادية الكارثية لهذا التصعيد، مما يطرح تساؤلات حول ما إذا كان الإضرار بالاقتصاد العالمي هدفاً غير مباشر. المتضرر الأكبر هنا هي القوى الآسيوية، وعلى رأسها الصين التي تعتمد على النفط الإيراني بنسبة تصل إلى 90%، وتمر معظم وارداتها النفطية عبر هذا الممر المائي المهدد.
قد يكون التردد الإيراني في الإعلان الرسمي عن إغلاق المضيق تكتيكاً مدروساً يمنحها القدرة على الانتقائية في التعامل مع الناقلات. هذا الوضع يسمح لطهران بتسهيل مرور السفن التابعة لحلفائها الآسيويين، وفي مقدمتهم الصين، بينما تفرض حصاراً غير معلن على ناقلات الدول الغربية التي تدعم العمليات العسكرية ضدها.
إن تعطيل الملاحة في هرمز يترتب عليه فوراً قفزات جنونية في أسعار النفط وتكاليف الشحن والتأمين، وهو ما يوصف بـ 'كابوس الطاقة'. هذه الزيادة لن تقتصر على قطاع النقل، بل ستمتد لتشمل أسعار الكهرباء والسلع الأساسية في مختلف أنحاء العالم، مما يضع النظام المالي العالمي تحت ضغط هائل لا يمكن التنبؤ بنهاياته.
إن أي توتر في طبيعة عمل مضيق هرمز سيشكل أزمة اقتصادية ليس في المنطقة فقط، بل في العالم أجمع، حيث يمر عبره خُمس الإنتاج النفطي العالمي.
يتميز مضيق هرمز عن غيره بطول السواحل الإيرانية الممتدة على الخليج العربي، مما يمنح القوات الإيرانية تفوقاً جغرافياً في حرب العصابات البحرية. وحتى في حال لجوء القوات الغربية لفتح المضيق بالقوة العسكرية، فإن تأمين سلامة السفن يظل مستحيلاً عملياً طالما بقيت تلك السفن في مرمى النيران الإيرانية المحاذية للشواطئ.
تأتي هذه التطورات في ظل تحول استراتيجي عقب اغتيال المرشد الإيراني علي خامنئي، وهو الحدث الذي نقل الصراع من مرحلة الردع المتبادل إلى محاولة كسر النظام بالكامل. هذا الاغتيال مسّ المرجعية الدينية والسياسية لملايين الشيعة حول العالم، مما جعل الرد الإيراني يتخذ طابعاً وجودياً للدفاع عن شرعية وبقاء الدولة.
من جانبه، يسعى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو من خلال هذا التصعيد إلى تعويض الإخفاقات الأمنية والعسكرية التي منيت بها إسرائيل في السابع من أكتوبر. ويرى نتنياهو في استهداف رأس النظام الإيراني فرصة لإعادة صياغة موازين القوى في المنطقة، متجاوزاً قواعد الاشتباك التقليدية نحو منطق 'إدارة الفوضى'.
على الجانب الأمريكي، يتبنى دونالد ترامب استراتيجية رفع سقف التصعيد العسكري إلى أقصى حد ممكن قبل الجلوس على طاولة المفاوضات. تهدف هذه السياسة إلى إجبار طهران على تقديم تنازلات كبرى من موقع ضعف، لكنها في الوقت ذاته تغامر بجر العالم إلى أزمة اقتصادية قد تخرج عن السيطرة بسبب حساسية ملف الطاقة.
الموقف العربي الرسمي لا يزال يتسم بالعجز الواضح أمام تسارع الأحداث، حيث تكتفي العواصم العربية بإصدار بيانات تدعو لخفض التصعيد وضبط النفس. هذا الغياب للدور العربي الفاعل يترك المنطقة ساحة مفتوحة لتصادم الإرادات الدولية والإقليمية، بينما تدفع شعوب المنطقة الثمن الأكبر لهذا الصراع.
إن الانتقال من منطق إدارة الصراع إلى منطق المواجهة الوجودية يعني أن احتمالات العودة للهدوء باتت ضئيلة في المدى المنظور. ومع دخول الملاحة الدولية كرهينة في هذا الصراع، فإن العالم يقف على أعتاب مرحلة جديدة من عدم الاستقرار الاقتصادي والسياسي الذي قد يعيد تشكيل النظام الدولي برمته.
ختاماً، يظل مضيق هرمز هو الورقة الأقوى في يد طهران للرد على الهجمات الجوية والصاروخية، وهو السلاح الذي يمكن أن يوجع الغرب دون الحاجة لإطلاق رصاصة واحدة. إن مجرد التلويح بإغلاق هذا الشريان يكفي لإرباك الحسابات السياسية في واشنطن وتل أبيب، مما يجعل من المضيق ساحة الحرب الحقيقية في الأيام القادمة.





שתף את דעתך
مضيق هرمز في قلب المواجهة: كابوس الطاقة العالمي يبدأ مع اندلاع الحرب ضد إيران