تشهد المنطقة حالة من الغليان عقب العدوان الإسرائيلي الأمريكي الذي استهدف مواقع في العاصمة الإيرانية طهران وعدة مناطق أخرى صباح السبت. هذا التصعيد الميداني يأتي في سياق صراع ممتد يتجاوز التفاصيل العسكرية المباشرة، ليطرح تساؤلات جوهرية حول مستقبل التوازنات السياسية في الشرق الأوسط. إن الموقف من الدور الإيراني يتطلب صراحة لا مواربة فيها، خاصة في ظل تدخلاتها العميقة في ملفات عربية شائكة.
لقد لعب النظام الإيراني خلال العقود الماضية دوراً محورياً في تعميق الأزمات داخل عدد من الدول العربية، بدءاً من العراق بعد عام 2003 وصولاً إلى سوريا ولبنان واليمن. هذا المشروع لم يكن مجرد تضامن إنساني، بل استند إلى حسابات استراتيجية وقومية ومذهبية تهدف لتكريس هيمنة إيرانية واضحة. ومن الطبيعي أن يواجه هذا التمدد رفضاً واسعاً من الشعوب التي عانت من تفكك ساحاتها الوطنية.
ومع ذلك، فإن نقد السياسات الإيرانية لا يعني الانجرار وراء قراءات تبسيطية تسعى لشطب إيران كلياً من المعادلة الإقليمية. فإيران دولة ممتدة الجذور في تاريخ وجغرافيا غرب آسيا، وهي مكون ثابت لا يمكن تجاهله أو التعامل معه كعنصر دخيل. إن محاولة إقصاء القوى الإقليمية بالقوة العسكرية غالباً ما تؤدي إلى نتائج عكسية تزيد من حالة عدم الاستقرار.
تفيد القراءات التاريخية بأن الصدام الأمريكي الإيراني لم يبدأ مع أحداث غزة الأخيرة، بل تعود جذوره إلى عام 1979 وأزمة السفارة في طهران. هذا التوتر تعمق عبر عقود من الصراع على الملف النووي والعقوبات الاقتصادية والنفوذ الإقليمي. لذا، فإن ربط المواجهة الحالية حصراً بالقضية الفلسطينية يفتقر للدقة التاريخية، حيث ظلت قرارات طهران محكومة أولاً بمصالحها القومية العليا.
لقد استخدمت طهران خطاب 'الممانعة والمقاومة' كأداة للتعبئة السياسية والإعلامية وكسب الشرعية الشعبية في الشارع العربي. ورغم حضور هذا الخطاب، إلا أن السلوك العملي كان دائماً يخضع لميزان الكلفة والمنفعة الخاص بالدولة الإيرانية وحدها. وقد تجلى ذلك بوضوح في إدارة حدود المواجهة بعد أكتوبر 2023، حيث تم ضبط إيقاع التدخلات بما يحمي أمن النظام الإيراني.
المسألة اليوم تتجاوز المخاوف من البرنامج النووي أو الصواريخ الباليستية، لتصل إلى محاولة إعادة ترتيب ميزان القوى الإقليمي بشكل جذري. هناك مسعى واضح لترسيخ تفوق إقليمي أحادي الجانب عبر إضعاف القوى المنافسة واستنزاف مقدراتها. المستفيد الوحيد من هذا المسار هو الاحتلال الإسرائيلي الذي يسعى لخلق فراغات استراتيجية تتيح له فرض هيمنة مطلقة على المنطقة.
أفادت مصادر ميدانية بأن الهجمات الأخيرة دفعت دول الجوار لاتخاذ إجراءات احترازية مشددة لحماية أمنها القومي. فقد أعلن العراق إغلاق مجاله الجوي بالكامل، كما توقفت الرحلات في مطار أربيل الدولي حتى إشعار آخر. هذه الخطوات تعكس حجم القلق من انزلاق المنطقة نحو حرب شاملة قد لا تفرق بين الأطراف المتصارعة والدول المحايدة.
المعركة الدائرة اليوم ليست مجرد مواجهة تقنية حول تخصيب اليورانيوم، بل صراع على شكل النظام الإقليمي القادم.
في سياق متصل، أعلنت الكويت وقطر والإمارات إجراءات مماثلة شملت تعليق الرحلات الجوية أو تعديل مساراتها الجوية. كما أغلقت سوريا ممراتها الجوية الجنوبية لمدة 12 ساعة مع اعتماد مسارات بديلة لضمان سلامة الملاحة. هذه الإجراءات الجماعية تؤكد أن أي انفجار في الصراع الإيراني الإسرائيلي ستطال آثاره الاقتصادية والأمنية مجمل دول المنطقة بلا استثناء.
داخل الأراضي المحتلة، أعلنت سلطات الاحتلال حالة طوارئ خاصة شملت إغلاق المجال الجوي وتعليق الدراسة في عدة مناطق. هذا الاستنفار يعكس خشية الاحتلال من ردود فعل إيرانية محتملة قد تستهدف العمق الإسرائيلي. إن حالة الطوارئ هذه تضع المجتمع الإسرائيلي أمام استحقاقات أمنية معقدة نتيجة سياسات التصعيد التي تنتهجها حكومته.
من جانبها، أغلقت إيران مجالها الجوي لمدة ست ساعات عقب الانفجارات التي هزت طهران، في إجراء يهدف للسيطرة على الأجواء وتأمين المواقع الحيوية. إن هذا التطور الميداني يضع المنطقة أمام مفترق طرق خطير، حيث تصبح لغة السلاح هي السائدة فوق لغة الدبلوماسية. والنتائج المترتبة على هذا الصدام قد تعيد إنتاج خرائط نفوذ جديدة على حساب استقرار المجتمعات العربية.
إن انهيار التوازن القائم في الإقليم لن ينتج استقراراً دائماً، بل سيطلق موجات جديدة من الفوضى وعدم اليقين. الخسارة في حال وقوع انفجار واسع لن تقتصر على طرف واحد، بل ستطال الدول التي ستجد نفسها أمام واقع تفرض فيه المعادلات من الخارج. لذا، فإن حماية مصالح الشعوب تقتضي رؤية مستقلة ترفض التبعية لأي مشروع يسعى للإخضاع.
المطلوب اليوم هو موقف إقليمي واعٍ ومتزن يوازن بين نقد السياسات الإيرانية التوسعية وبين رفض المشاريع التي تهدف لتفكيك المنطقة. لا يمكن القبول بتحويل الساحة العربية إلى مسرح لتصفية الحسابات الدولية أو لتكريس هيمنة إسرائيلية أحادية. إن الوعي بمخاطر اللحظة الراهنة يتطلب الابتعاد عن الاصطفافات العمياء والتركيز على حماية السيادة الوطنية.
إن المعركة الدائرة ليست مجرد مواجهة تقنية حول أجهزة الطرد المركزي أو مدى الصواريخ، بل هي صراع على هوية النظام الإقليمي القادم. فإما أن تخرج المنطقة برؤية تضمن مصالح شعوبها، أو تظل رهينة لصراعات القوى الكبرى والوكلاء. هذه اللحظة المفصلية ستحدد شكل الشرق الأوسط لعقود قادمة، ونتائجها ستؤثر على حياة الملايين.
ختاماً، يبقى التحدي الأكبر هو كيفية منع تحول الصراع إلى أداة لإعادة هندسة الخرائط بالقوة العسكرية. إن استقرار المنطقة يعتمد على إيجاد توازنات حقيقية تحترم سيادة الدول وترفض الهيمنة بكافة أشكالها. وبين مشروع النفوذ الإيراني ومشاريع الهيمنة المقابلة، تبرز الحاجة لمشروع عربي مستقل يحمي ما تبقى من استقرار في هذا الإقليم المضطرب.





שתף את דעתך
صراع النفوذ وإعادة رسم الخرائط: هل المعركة على إيران أم على مستقبل الإقليم؟