تتصاعد في الآونة الأخيرة نبرة القرع على طبول الحرب في منطقة الشرق الأوسط، مع وصول التعزيزات العسكرية الأمريكية قبالة السواحل الإيرانية إلى مستويات غير مسبوقة من الجاهزية. ويبدو أن الهوة بين واشنطن وطهران تتسع بشكل يجعل من الحلول الدبلوماسية خياراً بعيد المنال، في ظل تمسك كل طرف بمواقفه المتصلبة تجاه الملفات العالقة.
يرى مراقبون أن المفاوض الأمريكي بات أكثر تشدداً في طلب التنازلات، معتبراً أن أي مرونة في الوقت الراهن قد تُفسر على أنها تراجع مجاني أمام الخصم. وفي المقابل، يجد النظام الإيراني نفسه في زاوية ضيقة لم يختبرها منذ عقود، حيث تتعرض شرعيته الداخلية وضغوطه الخارجية لاختبارات قاسية قد تعصف باستقراره.
إن استحضار تجربة غزو العراق يلقي بظلاله القاتمة على المشهد الحالي، حيث أثبتت الوقائع أن الحروب ليست مجرد نزهة عسكرية مهما اختل ميزان القوى. فقد أدى سقوط النظام العراقي سابقاً إلى إعادة تشكيل المجال الإقليمي بطريقة أنتجت كوارث جيوسياسية، ودفعت شعوب المنطقة أثماناً باهظة من أمنها واستقرارها.
لا تلوح في الأفق بوادر حقيقية لتقدم في المفاوضات، إذ لا تستطيع الولايات المتحدة التراجع دون تحقيق مكاسب توازي حجم حشودها العسكرية. وبالمثل، يرفض النظام الإيراني تقديم تنازلات جوهرية في ملفات الصواريخ البالستية والبرنامج النووي، كونها تمثل ركائز أساسية لبقائه واستمرارية مشروعه السياسي.
يثور تساؤل جوهري في الأوساط العربية حول شكل المنطقة في اليوم التالي لسقوط النظام الإيراني، وما إذا كانت المعادلات الجديدة ستخدم الاستقرار أم ستزيد من حدة الفوضى. فرغم الانتقادات الواسعة لسياسات طهران الإقليمية وتدخلاتها في الشؤون العربية، إلا أن الانهيار الشامل للنظام قد يفتح أبواب الجحيم على الجميع.
تذهب التحليلات إلى أن النظام الإيراني، الذي يمتلك بنية مؤسساتية وأمنية متجذرة، لن يسقط بسهولة دون خوض معركة استنزاف طويلة الأمد. وفي حال شعوره بالخطر الوجودي، قد يلجأ لسياسة انتقامية تستهدف دول الجوار والمصالح الحيوية في المنطقة، خاصة مع صعوبة الوصول المباشر للأهداف الأمريكية المحصنة.
إن التهديد بإغلاق الممرات المائية الحيوية، مثل مضيق هرمز وباب المندب، يمثل كابوساً اقتصادياً للدول العربية التي تعتمد على هذه المسارات لتصدير طاقتها. ومن المرجح أن تستخدم طهران أذرعها في المنطقة لتنفيذ هذه التهديدات، مما يضع التجارة العالمية والأمن القومي العربي في عين العاصفة.
إن الحسابات الباردة تفرض على العرب الضغط لمنع وقوع الحرب، لأن النتائج الكارثية ستصب في نهاية المطاف لصالح المشاريع التوسعية في المنطقة.
ثمة مخاوف جدية من أن يؤدي إسقاط النظام إلى تفكيك الدولة الإيرانية وتحويلها إلى كانتونات متصارعة، وهو سيناريو قد يمتد أثره ليشمل دولاً أخرى في الإقليم. هذا التفتيت الجيوسياسي سيخلق حالة من الفراغ الأمني التي لن يستفيد منها سوى القوى الطامعة في الهيمنة على مقدرات الشرق الأوسط.
يتزامن الحديث عن الحرب مع بروز طموحات إسرائيلية معلنة لتوسيع نفوذها الإقليمي، مستغلة حالة الضعف والتمزق التي قد تصيب جيرانها. ويرى خبراء أن إضعاف القوى الإقليمية الكبرى يمهد الطريق لتنفيذ مشاريع استيطانية وتوسعية تتجاوز الحدود الجغرافية الحالية لفلسطين المحتلة.
حتى في حال نشوء نظام إيراني جديد، فإن التوقعات تشير إلى أنه قد يكون صنيعة قوى دولية، مما يجعله أداة في يد المحاور الخارجية بدلاً من أن يكون جاراً مستقراً. وهناك خشية من تشكيل تحالفات جديدة تضم إيران 'ما بعد الملالي' مع قوى مثل الهند، مما يضع العالم العربي بين فكي كماشة استراتيجية.
إن إعادة إنتاج دورة الحروب والاستنزاف في المنطقة لن تؤدي إلا إلى مزيد من تبديد الثروات وضياع مستقبل الأجيال القادمة. فالتنافس الصفري بين القوى الإقليمية أثبت فشله في تحقيق الأمن، بل ساهم في تعميق الانقسامات الطائفية والسياسية التي نهشت جسد الأمة العربية.
تفرض الحسابات السياسية الباردة على العواصم العربية ضرورة التحرك لمنع الانزلاق نحو مواجهة عسكرية شاملة لا تُعرف نتائجها. فالهدف يجب أن يكون الحفاظ على كيان الدولة ومنع الفوضى، مع العمل على تعديل سلوك النظام الإيراني عبر القنوات الدبلوماسية والضغوط المدروسة.
إن أي تغيير يفرضه الخارج بالقوة العسكرية غالباً ما ينتهي بنتائج عكسية، كما أظهرت التجارب السابقة في المنطقة العربية ومحيطها. لذا، فإن المصلحة العربية تقتضي تجنب الانجرار خلف مشاريع قد تبدو في ظاهرها خلاصاً من عدو، لكنها في باطنها تحمل بذور دمار شامل.
في الختام، يبقى الرهان على وعي الشعوب والأنظمة العربية بضرورة حماية أمنها الجماعي بعيداً عن الاستقطابات الدولية الحادة. فالحرب على إيران، إذا ما وقعت، لن تكون مجرد حدث عابر، بل ستكون زلزالاً سيعيد رسم خريطة المنطقة بطريقة قد لا تخدم المصالح العربية لعقود طويلة.





שתף את דעתך
لماذا يخشى العرب سيناريو إسقاط النظام في إيران؟ قراءة في التداعيات الجيوسياسية