ו 27 פבר 2026 6:02 pm - שעון ירושלים

زيارة روبيو إلى إسرائيل: محاولة أميركية لرسم ملامح مرحلة ما بعد غزة وسط بيئة إقليمية مضطربة

واشنطن —سعيد عريقات – 27/2/2026

تحليل إخباري

تعكس الزيارة المرتقبة لوزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو  إلى إسرائيل في الفترة من 2 إلى 3 آذار 2026 محاولة أميركية لإعادة ضبط مسار السياسة الإقليمية في الشرق الأوسط، في ظل استمرار تداعيات حرب غزة وتصاعد المخاوف من اتساع رقعة التوترات الإقليمية.

ووفق وزارة الخارجية الأميركية، سيبحث روبيو مع المسؤولين الإسرائيليين جملة من الملفات، أبرزها النفوذ الإقليمي لإيران، والتوترات على الحدود الشمالية مع لبنان، إضافة إلى الجهود الجارية لتنفيذ خطة السلام المؤلفة من 20 نقطة التي طرحها الرئيس دونالد ترمب لقطاع غزة  ورغم تقديم الزيارة في إطار دبلوماسي روتيني، فإن توقيتها يكشف عن مرحلة انتقالية حساسة في الاستراتيجية الأميركية تجاه المنطقة.


من إدارة الحرب إلى هندسة المرحلة السياسية


بعد ما يقارب عامين على الحرب التي غيّرت التوازنات السياسية والأمنية في الشرق الأوسط، تبدو واشنطن وكأنها تنتقل من مرحلة احتواء الأزمة إلى محاولة صياغة ترتيبات طويلة الأمد لمرحلة ما بعد النزاع. وتأتي زيارة روبيو في سياق هذا التحول، حيث تسعى الإدارة الأميركية إلى بلورة تصور عملي لإدارة غزة سياسياً وأمنياً بعد الحرب.


وتقوم خطة السلام الأميركية، التي لم تُكشف تفاصيلها كاملة بعد، على ربط إعادة الإعمار بإجراءات أمنية جديدة وترتيبات حكم مختلفة تهدف — بحسب المسؤولين الأميركيين — إلى منع عودة القطاع إلى دوامات المواجهة العسكرية المتكررة.


غير أن هذا النهج يعكس إشكالية قديمة في الدبلوماسية الأميركية: فإعادة الإعمار تحتاج إلى شرعية سياسية، بينما تظل الشرعية نفسها رهينة قضايا سيادية وأمنية لم يُحسم الخلاف حولها بعد. لذلك، يرى مراقبون أن مهمة روبيو لا تستهدف تحقيق اختراق دبلوماسي فوري بقدر ما تهدف إلى توحيد الرؤية الأميركية ـ الإسرائيلية حول ما يمكن اعتباره مساراً واقعياً للمرحلة المقبلة.


إيران ومعادلة الردع الإقليمي


من المتوقع أن يحتل الدور الإقليمي لإيران موقعاً مركزياً في المحادثات. إذ ترى واشنطن أن دعم طهران لحلفائها في المنطقة يمثل عاملاً أساسياً في استمرار عدم الاستقرار، بينما تعتبر إسرائيل الوجود الإيراني قرب حدودها التهديد الاستراتيجي الأبرز على المدى الطويل.


وعليه، تحمل زيارة روبيو بعداً مزدوجاً: تأكيد الالتزام الأميركي بأمن إسرائيل، وفي الوقت نفسه محاولة ضبط معادلة الردع لمنع انزلاق المنطقة إلى مواجهة أوسع. فالتحدي الأساسي أمام واشنطن يتمثل في ردع التصعيد دون الوصول إلى مواجهة مباشرة شاملة.


وتبرز خطورة هذا التوازن في ظل التوترات المتزايدة على الحدود اللبنانية ـ الإسرائيلية، حيث تثير الاشتباكات المتقطعة مخاوف من تحول نزاع محدود إلى صراع متعدد الجبهات. وفي هذا السياق، تبدو الدبلوماسية الأميركية أقرب إلى إدارة المخاطر منها إلى حل جذور الصراع.


وتكشف زيارة روبيو عن تحول أعمق في التفكير الاستراتيجي الأميركي. فبدلاً من السعي إلى تسوية شاملة — كما كان الحال في مراحل سابقة من الدبلوماسية الأميركية — تميل واشنطن اليوم إلى نهج تدريجي يقوم على تثبيت الاستقرار أولاً، عبر الردع والتعاون الإقليمي وإعادة الإعمار الاقتصادي.


هذا النهج يعكس دروساً تراكمت من إخفاقات سابقة، حيث أثبتت المبادرات الكبرى أنها غالباً ما تصطدم بوقائع سياسية لا يمكن تجاوزها عبر الاتفاقات النظرية وحدها. غير أن المقاربة التدريجية تحمل بدورها مخاطر واضحة، إذ قد تتحول إلى إدارة دائمة للأزمة بدلاً من حلها.


فإعادة إعمار غزة، من دون أفق سياسي مقنع للفلسطينيين، قد تخلق استقراراً هشاً لا يعالج الأسباب العميقة للصراع. كما أن تعدد الوسطاء الدوليين والإقليميين اليوم يقلّص قدرة الولايات المتحدة على احتكار دور الوسيط الرئيسي كما كان في العقود الماضية.


اختبار النفوذ الأميركي


تمثل الزيارة أيضاً اختباراً لحجم النفوذ الأميركي الفعلي في التأثير على القرارات الإسرائيلية، خصوصاً في ظل تعقيدات السياسة الداخلية لدى الطرفين. ففي السابق، كانت الشراكة الاستراتيجية الوثيقة كافية لتحويل التنسيق الدبلوماسي إلى تغييرات سياسية ملموسة، أما اليوم فباتت هذه القدرة أكثر تقييداً بعوامل داخلية وإقليمية متشابكة.


ومن المرجح أن يُقاس نجاح الزيارة ليس بإعلانات كبرى، بل بقدرتها على منع التدهور: احتواء التصعيد على الجبهة الشمالية، والحفاظ على التنسيق الأمني، وإبقاء مسار إعادة إعمار غزة قائماً بانتظار ظروف سياسية أكثر نضجاً.


في المحصلة، تعكس زيارة روبيو تحولاً في طبيعة الدور الأميركي في الشرق الأوسط — من صانع تسويات كبرى إلى مدير توازنات معقدة. وبينما تسعى واشنطن إلى البقاء لاعباً لا غنى عنه في المنطقة، يبقى السؤال مفتوحاً حول ما إذا كانت سياسة إدارة الأزمات قادرة فعلاً على إنتاج استقرار دائم، أم أنها تؤجل فقط انفجارات مستقبلية محتملة.

תגים

שתף את דעתך

زيارة روبيو إلى إسرائيل: محاولة أميركية لرسم ملامح مرحلة ما بعد غزة وسط بيئة إقليمية مضطربة

ניוזלטר

היה הראשון לדעת את החדשות החשובות ברגע שהן קורות.

הישאר מעודכן בחדשות האחרונות. הירשם לשירות החדשות הדחופות שמגיע לתיבת הדוא"ל שלך מדי יום.

בהרשמה, אתה מסכים לתנאי השימוש ולמדיניות פרטיות.