تتصاعد في الآونة الأخيرة وتيرة الحديث عن مواجهة عسكرية محتملة بين الولايات المتحدة وإيران، إلا أن مراقبين يرون أن ساحة الحسم الحقيقية ليست في الميادين العسكرية بل في أروقة السياسة بواشنطن. وتشير التقديرات إلى أن الحسابات الانتخابية والمصالح السياسية الضيقة باتت المحرك الأساسي لأي قرار يتعلق بالحرب أو السلم في المنطقة.
أفادت مصادر صحفية عبرية، نقلاً عن تحليلات سياسية، بأن المؤشرات الفعلية لاندلاع نزاع مسلح لا تظهر في تحركات القطع البحرية أو إخلاء البعثات الدبلوماسية. بل تكمن هذه الدلائل في الحسابات المعقدة داخل الإدارة الأمريكية، حيث يُنظر إلى قرار الحرب كأداة لتعزيز الموقف الانتخابي أكثر من كونه ضرورة أمنية استراتيجية.
وفي الجانب الإسرائيلي، يرى محللون أن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو لا يستند في قراراته تجاه الملف الإيراني إلى اعتبارات أمنية بحتة. إذ يرتبط توقيت أي تصعيد محتمل بمدى قدرته على استثمار النتائج كـ 'انتصار' سياسي يعزز من فرصه في الانتخابات المقبلة، أو لتجنب تداعيات أي إخفاق قد يطيح بمستقبله السياسي.
المشهد في الولايات المتحدة يبدو مشابهاً إلى حد كبير، حيث يراقب الرئيس دونالد ترامب انعكاسات أي تورط عسكري واسع على موقعه السياسي. وتبرز انتخابات التجديد النصفي المقررة في نوفمبر المقبل كعامل حاسم يمنع المغامرة بقرارات قد تؤدي إلى تراجع شعبيته أمام الناخب الأمريكي الذي يميل للهدوء.
وتشير المصادر إلى أن من يسعى لقراءة التوجهات الأمريكية القادمة، عليه مراقبة استطلاعات الرأي والبيانات الاقتصادية بدلاً من ملاحقة صور الرادارات. فالإدارة الحالية تضع الاستقرار الداخلي والنمو الاقتصادي كأولوية قصوى تتقدم على خيارات التصعيد العسكري المكلفة في الشرق الأوسط.
وقد عكس خطاب حالة الاتحاد الأخير، الذي ألقاه ترامب واستغرق أكثر من مئة دقيقة، ترتيب الأولويات لديه بشكل واضح. فبينما استغرق الخطاب وقتاً طويلاً، لم يحظَ الملف الإيراني سوى بثماني دقائق فقط، مما يشير إلى تراجع هذا الملف في قائمة الاهتمامات العاجلة للبيت الأبيض.
خلال تلك الدقائق المحدودة، ركز ترامب على ضرورة كبح البرنامج النووي الإيراني كشرط أساسي لأي تفاهمات مستقبلية. ولوحظ أن الخطاب لم يتضمن مطالب صريحة بتغيير النظام في طهران، كما أبدى مرونة نسبية تجاه ملف الصواريخ الباليستية، مما فُسر على أنه رغبة في إبقاء أبواب الدبلوماسية مواربة.
المؤشرات الحقيقية لاندلاع الحرب لا تكمن في التحركات العسكرية، بل في استطلاعات الرأي والبيانات الاقتصادية داخل واشنطن.
في المقابل، صب الرئيس الأمريكي جل اهتمامه على ملفي الاقتصاد والهجرة، باعتبارهما الركيزتين الأساسيتين لحملته الانتخابية لعام 2024. ويواجه ترامب تحديات حقيقية في هذين الملفين مع تراجع مستويات التأييد الشعبي نتيجة نتائج اقتصادية لم ترقَ إلى مستوى الوعود الانتخابية السابقة.
وتدعم استطلاعات الرأي الحديثة توجه التهدئة، حيث أظهر استطلاع أجرته مؤسسة 'يوغوف' أن نسبة ضئيلة من الأمريكيين تؤيد شن هجوم على إيران. هذا التحفظ الشعبي الواسع يشكل ضغطاً إضافياً على صناع القرار في واشنطن لتجنب أي انزلاق نحو مواجهة غير محسومة النتائج.
ألمح ترامب في تصريحاته الأخيرة، سواء العلنية أو عبر المقربين منه، إلى تفضيله تجنب المواجهة العسكرية المباشرة في الوقت الراهن. وتزامن ذلك مع تقارير تشير إلى وجود تشكيك داخل القيادات العسكرية الأمريكية في جدوى ونجاح أي حملة عسكرية واسعة النطاق ضد الأهداف الإيرانية.
وعلى الرغم من هذه المؤشرات، لا يمكن استبعاد خيار الهجوم بشكل قطعي من حسابات ترامب أو نتنياهو. فكلاهما قد يلجأ إلى الخيار العسكري إذا ما استشعرا أن الظروف السياسية الداخلية تفرض تغييراً جذرياً في جدول الأعمال العام لصرف الأنظار عن أزمات داخلية.
إن التغييرات التي طرأت على مواقف نتنياهو في حملات انتخابية سابقة تؤكد أن القرارات الاستراتيجية تتبع الاحتياجات السياسية اللحظية. وهذا التقلب يجعل من الصعب التنبؤ بالخطوة القادمة دون ربطها بمدى حاجة الائتلاف الحاكم في إسرائيل لتعزيز شرعيته أمام الجمهور.
ويبقى اتجاه الرأي العام الأمريكي هو البوصلة الأهم لقراءة المشهد الإقليمي وتطوراته الدراماتيكية. فبينما تقترب حاملات الطائرات من سواحل المنطقة، تظل الأرقام الصادرة عن مراكز الأبحاث واستطلاعات الرأي هي المحرك الفعلي للزناد في واشنطن.
ختاماً، فإن الصراع بين الطموحات السياسية والضرورات الأمنية سيظل يحكم العلاقة بين واشنطن وتل أبيب وطهران. ومع اقتراب المواعيد الانتخابية، ستصبح الحسابات الرقمية لأصوات الناخبين هي المعيار الأول في تحديد مصير الحرب القادمة في المنطقة.





שתף את דעתך
الحسابات الانتخابية تتقدم على الخيارات العسكرية: هل تحسم واشنطن وتل أبيب قرار الحرب مع إيران؟