كشف رئيس وزراء دولة الاحتلال بنيامين نتنياهو عن توجهات استراتيجية جديدة تهدف إلى صياغة تحالف دولي وإقليمي واسع، يسعى من خلاله لمجابهة ما أسماه بـ 'المحور الشيعي المتطرف' و'المحور السني المتطرف' الذي برز مؤخراً. وتأتي هذه التصريحات بالتزامن مع التحضيرات لزيارة رئيس وزراء الهند، ناريندرا مودي، إلى تل أبيب، مما يعكس رغبة إسرائيلية في بناء تكتل يتقاسم ذات الرؤية الأمنية والسياسية تجاه تحديات المنطقة.
تتجاوز رؤية نتنياهو مجرد الاستهلاك الإعلامي المحلي، حيث حدد أطراف المحور المفترض لتشمل إلى جانب إسرائيل والهند، دولاً عربية وأفريقية ودولاً من حوض المتوسط مثل اليونان وقبرص. ويبدو أن الهدف الجوهري هو خلق طوق أمني وسياسي يحيط بالقوى الإقليمية التي تعتبرها إسرائيل تهديداً مباشراً أو مستقبلياً لمصالحها وتوسعها في الشرق الأوسط.
وفي حين تبدو دلالات 'المحور الشيعي' واضحة بالإشارة إلى إيران وحلفائها في لبنان واليمن والعراق، يظل مصطلح 'المحور السني المتطرف' غامضاً ومثيراً للقلق في الأوساط السياسية. فالتسريبات الإسرائيلية تشير أحياناً إلى تركيا وسوريا، وفي أحيان أخرى تمتد لتشمل دولاً كبرى مثل مصر والسعودية وباكستان، مما يعكس نظرة ريبة شاملة تجاه المحيط العربي والإسلامي.
تؤكد هذه التحركات تحولاً جذرياً في العقيدة الأمنية الإسرائيلية بعد أحداث السابع من أكتوبر، حيث انتقلت من سياسة احتواء التهديدات إلى استراتيجية 'الوأد المبكر'. وتعتمد هذه النظرية على شن حروب استباقية وتوسيع المناطق العازلة داخل حدود الدول المجاورة، وهو ما يفسر التصعيد المستمر في الساحة السورية رغم عدم وجود تهديد عسكري وشيك منها.
إن الجوهر الحقيقي لهذه الاستراتيجية يمثل عودة إلى الجذور الأولى للمشروع الصهيوني التي وضعها بن غوريون وجابوتنسكي، والتي تقوم على فكرة 'تصحيح أخطاء التأسيس'. ويشمل ذلك محاولات تصفية الوجود الفلسطيني في الأراضي المحتلة عام 1948 والضفة وغزة عبر خطط التهجير القسري وإعادة الاحتلال المباشر تحت ذرائع أمنية واهية.
يسعى نتنياهو من خلال 'تحالف المحيط' الجديد إلى إحياء عقيدة قديمة كانت تعتمد على بناء علاقات مع دول غير عربية لمحاصرة دول الطوق. واليوم، يتم تحديث هذه العقيدة لتشمل الهند شرقاً، واليونان وقبرص غرباً، مع محاولات للتغلغل في القرن الأفريقي وجنوب القوقاز، لضمان عزل القوى المركزية في المنطقة وإضعاف تأثيرها الجيوسياسي.
تترافق هذه التحالفات مع استراتيجية خفية تهدف إلى إثارة النزاعات البينية داخل الدول الكبرى في المنطقة على أسس عرقية ومذهبية. وتطمح إسرائيل من خلال تفتيت هذه الدول إلى التحول لكيان طبيعي ضمن مجموعة من 'الدويلات' الطائفية، بدلاً من كونها جسماً غريباً يرفضه النسيج العربي والإسلامي الموحد.
نتنياهو يسعى لخلق محور من الدول التي تتقاسم الرؤية نفسها للواقع والتحديات والأهداف في مواجهة محاور وصفها بالمتطرفة.
تبعث تصريحات نتنياهو برسالة واضحة مفادها أنه لا يوجد حلفاء حقيقيون لإسرائيل في المنطقة، حتى أولئك الذين وقعوا اتفاقيات سلام أو تطبيع. فالمعيار الوحيد للقبول الإسرائيلي هو الرضوخ الكامل للرؤية الصهيونية والأهداف الأمنية لتل أبيب، وهو ما يضع كافة الدول الموقعة على الاتفاقيات في دائرة الاستهداف المستقبلي.
تشير التقارير إلى أن الحرب المخطط لها ضد إيران ليست سوى حلقة في سلسلة طويلة تهدف لإخضاع المنطقة بأكملها للنفوذ الإسرائيلي المطلق. وقد رصدت مصادر تصريحات عدائية لمسؤولين إسرائيليين طالت الجيش المصري والقيادة السعودية، مما يؤكد أن الطموحات الإسرائيلية لا تتوقف عند حدود جبهة واحدة بل تمتد لتشمل كافة القوى الإقليمية.
لا تنفصل هذه الرؤية الإسرائيلية عن التوجهات الأمريكية الحالية، خاصة مع بروز ملامح 'صفقة القرن' في نسختها الجديدة التي تدعم ضم الضفة الغربية. وتدعم تصريحات السفير الأمريكي مايك هاكابي هذا التوجه، حيث يتبنى علانية رؤية 'إسرائيل الكبرى' القائمة على أساطير توراتية تتجاوز الحدود المعترف بها دولياً.
يعتمد النهج الأمريكي الداعم لنتنياهو على مبدأ 'السلام عبر القوة'، وهو ما يعني فرض الاستقرار من خلال الإخضاع العسكري المفرط والترهيب الاقتصادي. هذا المنطق يهدف في نهايته إلى تحويل المنطقة إلى منطقة نفوذ مشتركة تهيمن عليها التكنولوجيا والآلة العسكرية الإسرائيلية بدعم لوجستي وسياسي كامل من واشنطن.
إن ما يطرحه نتنياهو ليس مجرد خطاب سياسي عابر، بل هو تعبير عن عقيدة استراتيجية باتت تحكم مفاصل القرار في دولة الاحتلال. وتتجلى خطورة هذه الرؤية في كونها تتعامل مع الجغرافيا السياسية للمنطقة كساحة لإعادة التشكيل القسري بما يخدم المصالح الصهيونية طويلة الأمد على حساب سيادة الدول الوطنية.
رغم بيانات الشجب والاستنكار التي تصدر عن العواصم العربية تجاه هذه التصريحات، إلا أن الواقع يفرض ضرورة تجاوز لغة التنديد الدبلوماسي. فالمشروع الإسرائيلي المعلن يمثل تهديداً وجودياً يتطلب بناء قدرات دفاعية ذاتية وتعزيز التحالفات البينية الحقيقية بين دول المنطقة لمواجهة هذا التمدد.
يبقى دعم المقاومة الفلسطينية في الخندق الأول هو الضمانة الأساسية لتعطيل هذه المخططات التوسعية التي تستهدف الجميع دون استثناء. فالدفاع عن الحق الفلسطيني لم يعد مجرد واجب تضامني، بل أصبح ضرورة استراتيجية للدفاع عن أمن واستقرار كافة العواصم العربية في وجه طموحات 'إسرائيل الكبرى'.





שתף את דעתך
محاور نتنياهو الجديدة: قراءة في استراتيجية حصار المنطقة وتفكيكها