ב 16 פבר 2026 9:56 pm - שעון ירושלים

الانسحاب الأمريكي من سوريا: ضرورة استراتيجية في ظل تحول الأولويات الدولية

يشير التاريخ السياسي للقوى العظمى إلى أن الاستنزاف لا يحدث دائماً عبر الهزائم العسكرية الكبرى، بل من خلال التمسك بجبهات ثانوية لم تعد تخدم المصالح الحيوية للدولة. الوجود العسكري الأمريكي في سوريا يمر اليوم بهذه المرحلة الحرجة، حيث أصبح البقاء في المواقع الميدانية أقل عقلانية من اتخاذ قرار الانسحاب الاستراتيجي المدروس.

منذ انطلاق التدخل العسكري في عام 2014 لمواجهة تنظيم داعش، نجحت الولايات المتحدة في تفكيك البنية الجغرافية للتنظيم ومنع استخدامه للأراضي السورية كمنصة للتهديد الدولي. ومع ذلك، تمددت المهمة تدريجياً لتشمل احتواء النفوذ الإيراني وضبط التوازنات المعقدة، مما حول الوجود العسكري إلى التزام طويل الأمد ومنخفض العائد الاستراتيجي.

كشفت تقارير صحفية دولية خلال عام 2024 عن نقاشات جادة داخل وزارة الدفاع الأمريكية حول مستقبل القوات المنتشرة في الشمال السوري. وتأتي هذه المراجعات في ظل ارتفاع المخاطر الأمنية وتغير الأولويات العالمية التي تفرضها التحديات الجديدة في مناطق جغرافية أكثر أهمية للأمن القومي الأمريكي.

تشير الأرقام الرسمية الصادرة عن البنتاغون إلى أن عدد القوات الأمريكية في سوريا يتراوح بين 800 و900 جندي، وهو انتشار محدود لكنه عالي المخاطر. وقد تعرضت هذه القوات لأكثر من 150 هجوماً بالصواريخ والطائرات المسيّرة منذ تشرين الأول 2023، مما يرفع كلفة الحماية التشغيلية إلى مستويات غير مسبوقة.

على الصعيد المالي، تُستنزف مليارات الدورلات سنوياً ضمن مخصصات عملية 'العزم الصلب' لدعم هذا الوجود العسكري المحدود. هذا الإنفاق يثير تساؤلات جوهرية في واشنطن حول مدى جدوى استمرار هذه التكاليف في وقت تسعى فيه الإدارة الأمريكية لترشيد الإنفاق العسكري وتوجيهه نحو مسارح عملياتية أكثر حيوية.

التحول في التفكير الاستراتيجي الأمريكي بات جلياً في وثائق الأمن القومي لعامي 2022 و2023، حيث تصدرت منافسة القوى الكبرى، وعلى رأسها الصين، سلم التهديدات. هذا التوجه يفرض الانتقال من نموذج الانتشار المفتوح في الشرق الأوسط إلى نموذج 'الموازنة الذكية' التي تركز على الردع عن بُعد.

يرى الخبراء أن الموارد العسكرية والسياسية ليست بلا حدود، وتوزيعها على مسارح منخفضة الأولوية مثل سوريا قد يضعف القدرة على الردع في مناطق حساسة كأوروبا الشرقية. لذا، يبدو الوجود في سوريا كأنه بقايا من مرحلة 'الحرب على الإرهاب' التي لم تعد تتسق مع الاستراتيجية الكبرى الجديدة لواشنطن.

فيما يخص الردع والمصداقية، يجادل البعض بأن الانسحاب قد يُفسر كعلامة ضعف، لكن الواقع يشير إلى أن الردع يعتمد على القدرة الفعلية لا على الانتشار الرمزي. الولايات المتحدة تمتلك القدرة على التدخل السريع من قواعد إقليمية مجاورة، وتوظيف أدوات استخباراتية وسيبرانية متطورة لضبط التوازنات دون الحاجة لوجود مادي دائم.

أي قرار بالانسحاب الأمريكي سيترك أثراً مباشراً على حسابات القوى الإقليمية، وفي مقدمتها إسرائيل التي ترى في هذا الوجود توازناً غير مباشر أمام التمدد الإيراني. ومع ذلك، تعتمد تل أبيب بشكل أساسي على قدراتها الذاتية في تنفيذ العمليات الاستباقية، مما يقلل من أثر الغياب الأمريكي الميداني عليها.

بالنسبة لتركيا، يرتبط الملف السوري بالهواجس الأمنية تجاه القوى الكردية في الشمال الشرقي، مما يجعلها طرفاً أساسياً في أي ترتيبات أمنية مستقبلية. الانسحاب المنظم يتطلب تنسيقاً وثيقاً مع أنقرة لضمان عدم حدوث فراغ أمني قد يؤدي إلى تصعيد عسكري جديد على الحدود التركية السورية.

الأردن بدوره يراقب التطورات بحذر، حيث يمثل أمن الحدود ومنع عمليات تهريب السلاح والمخدرات أولوية قصوى لعمان. استمرار التنسيق الاستخباراتي الفعال يظل مطلباً أردنياً ملحاً، سواء استمر الوجود الأمريكي المباشر أو تم استبداله بترتيبات أمنية إقليمية مدعومة دولياً.

من منظور استراتيجي بحت، استنفدت المهمة الأمريكية في سوريا مبرراتها الأصلية، ولم يعد البقاء العسكري قادراً على منع النفوذ الإيراني بشكل حاسم. بدلاً من ذلك، يعرض هذا البقاء الجنود الأمريكيين لمخاطر تصعيد غير محسوب قد يجر واشنطن إلى صراعات لا ترغب في الانخراط بها.

يتطلب الخروج الآمن والمنظم مسارات متوازية تشمل تعزيز التنسيق الاستخباراتي الإقليمي لمنع عودة التنظيمات المتطرفة. كما يجب دعم ترتيبات أمنية محلية تمنح القوى الإقليمية مسؤولية أكبر في إدارة شؤونها، مع إعادة ضبط الأطر القانونية لاستخدام القوة عند الضرورة القصوى.

في الختام، لا تتعلق القضية بسوريا وحدها، بل بقدرة الولايات المتحدة على إعادة تعريف مفهوم القوة في عالم متعدد الأقطاب. إثبات أن الانسحاب المدروس هو فعل قوة وليس علامة ضعف سيكون الاختبار الحقيقي للدور الأمريكي في النظام الدولي خلال العقد القادم.

תגים

שתף את דעתך

الانسحاب الأمريكي من سوريا: ضرورة استراتيجية في ظل تحول الأولويات الدولية

ניוזלטר

היה הראשון לדעת את החדשות החשובות ברגע שהן קורות.

הישאר מעודכן בחדשות האחרונות. הירשם לשירות החדשות הדחופות שמגיע לתיבת הדוא"ל שלך מדי יום.

בהרשמה, אתה מסכים לתנאי השימוש ולמדיניות פרטיות.