واشنطن – "القدس" دوت كوم -سعيد عريقات
على امتداد عامين من حرب الإبادة الإسرائيلية على غزة، ومع استمرار التوترات المتقطعة على الجبهة اللبنانية، تبرز ملامح مشهد جديد يتجاوز الطابع العسكري المباشر إلى أبعاد اقتصادية وسياسية وتكنولوجية أعمق. فبحسب تحقيق موسّع نشرته صحيفة وول ستريت جورنال الأميركية، تحوّلت ساحات القتال في غزة إلى ما يشبه "منصّة تشغيل أولي" لأسلحة وتقنيات إسرائيلية جديدة، يجري اختبارها فوراً في بيئة حرب حقيقية، ثم تُصمّم وتُعدَّل وتخرج سريعاً إلى الأسواق الدولية بعلامة فارقة: أسلحة مُجرَّبة في العمليات الحربية وليس في ميادين تدريب معقّمة. هذا النموذج، الذي أصبح جزءاً من استراتيجية الصناعات العسكرية الإسرائيلية، يفسّر الارتفاع الهائل في الطلب الغربي على منتجاتها، رغم الانتقادات العالمية للحرب وما خلّفته من كارثة إنسانية.
تشير الصحيفة الأميركية إلى أنّ إسرائيل أوجدت معادلة تكاملية تجمع بين التجريب الميداني والتطوير الفوري والتسويق، بحيث تنتقل الملاحظات من الوحدات القتالية مباشرة إلى مكاتب المهندسين وخطوط الإنتاج. وهذا ما منحها تفوقاً تنافسياً لا يتوافر لدول كبرى، خصوصاً في ظل تزايد التهديدات التي أبرزتها الحرب في أوكرانيا، وانتشار الطائرات المسيّرة زهيدة الثمن والصواريخ الدقيقة بعيدة المدى. وهكذا وجدت الجيوش الغربية نفسها أمام مصدر جاهز للتكنولوجيا التي تحتاجها، بغضّ النظر عن الجدل السياسي المصاحب.
من الأنظمة التي خرجت إلى الواجهة بقوة خلال عمليات إسرائيل الحربية، منظومة "الشعاع الحديدي" التي تعتمد على الليزر لاعتراض الصواريخ القصيرة المدى والطائرات المسيّرة. وبحسب ما نقلته وول ستريت جورنال، جرى تشغيل نسخة أولية منها خلال اشتداد المواجهة مع حزب الله في تشرين الأول 2024. وخلال أسبوعين فقط، أسقطت نحو أربعين مسيّرة وفق تقديرات عسكرية إسرائيلية. وما أثار اهتمام الدول الغربية ليس الأداء الميداني فحسب، بل الكلفة المتدنية للاعتراض مقارنة بمنظومة القبة الحديدية؛ إذ لا تتجاوز بضعة دولارات للطلقة الواحدة، مقابل عشرات آلاف الدولارات في الأنظمة التقليدية. وهذا العامل وحده كفيل بجذب اهتمام الجيوش التي تبحث عن حلول دفاعية مستدامة في مواجهة هجمات مكثفة ومنخفضة التكلفة، وهي سمة رئيسية للتهديدات التي تواجه الناتو منذ عام 2022.
لكن الليزر ليس العنصر الوحيد في هذه المعادلة. فالحرب في غزة شهدت اختباراً مكثفاً لأسطول واسع من الطائرات بدون طيار والمركبات الروبوتية المخصصة للقتال داخل المناطق الحضرية (المدن). واستخدمت إسرائيل هذه الأنظمة في اقتحام المباني، وفي مراقبة الأزقة الضيقة، وفي تنفيذ استهدافات دقيقة تُختصر فيها دورة اتخاذ القرار إلى دقائق معدودة. ووفق ما تؤكده وول ستريت جورنال، بات مشغّل واحد يتحكم أحياناً في عدة مسيّرات ضمن ما يُعرف بـ"سلسلة القتل"، وهي عملية تتضمن اكتشاف الهدف وتحليله وتحديده وضربه بسرعة غير مسبوقة. هذا النوع من التشغيل المتزامن أثار اهتمام الجيوش الأوروبية التي تسعى إلى مواجهة موجات المسيّرات التي باتت تشكل الهاجس الأكبر في ساحات القتال الحديثة.
وفي خلفية هذه التكنولوجيا تقف وحدة 888، وهي وحدة عمليات خاصة تدمج بين الدور القتالي والتطوير الميداني. وعملت الوحدة داخل غزة كمختبر فعلي لتصميم تكتيكات جديدة واختبار ذخائر دقيقة التوجيه وأنظمة مراقبة تعتمد على الذكاء الاصطناعي. وبحسب مصادر نقلتها الصحيفة الأميركية، باتت هذه الوحدة تُعرف داخل الجيش الإسرائيلي باسم "الحاضنة العملياتية"، لأنها تنقل الدروس من الميدان إلى المهندسين بسرعة تكاد تكون لحظية، قبل أن تعود التكنولوجيا المطوّرة مرة أخرى إلى أرض المعركة.
أما الذكاء الاصطناعي فله موقع مركزي في الرؤية العسكرية الإسرائيلية المقبلة. ففي الشهر الحالي (كانون أول 2025)، أعلن جيش الاحتلال الإسرائيلي عن إنشاء أقسام جديدة مخصصة للذكاء الاصطناعي والطيف الإلكتروني، بعد مراجعة واسعة لخبرات الحرب. تشمل مهام هذه الأقسام تحليل الاتصالات الميدانية، تلخيص المعلومات الاستخبارية، دعم عمليات الاستهداف الدقيقة، وتطوير قدرات الحرب الإلكترونية. ما يميز هذا التوجه، كما تقول الصحيفة، أن الخوارزميات الإسرائيلية تُدرَّب على بيانات قتالية حقيقية جُمعت من العمليات في غزة، ما يمنحها دقة عالية وقدرة أكبر على التكيّف مقارنة بالنماذج الغربية التي تعتمد في الغالب على المحاكاة النظرية.
ويترافق هذا كله مع ازدهار ملحوظ في تصدير منظومات الدفاع الجوي الإسرائيلية متعددة الطبقات، بدءاً من القبة الحديدية، مروراً بمقلاع داود، وصولاً إلى منظومة آرو (السهم) بأنواعها. فقد باتت دول أوروبية عديدة، من بينها ألمانيا وفنلندا، تدرس إمكانية دمج هذه القدرات في شبكات دفاعها، فيما تبقى الولايات المتحدة الزبون الأكبر تاريخياً.
المفارقة الأساسية، كما تسجلها وول ستريت جورنال، أنّ الانتقادات الواسعة للحرب لم تُضعف الطلب العالمي على السلاح الإسرائيلي، بل على العكس، زادته. فالغرب، الذي يبحث عن حلول سريعة وقابلة للاستخدام الفوري، ينظر إلى غزة باعتبارها ميدان اختبار قاسياً أنتج تكنولوجيات يمكن استخدامها مباشرة في مواجهة التهديدات الجديدة. وهكذا تبرز إسرائيل اليوم في قلب "اقتصاد حرب" متسارع، يربط بين ساحات القتال وخطوط الإنتاج في دائرة واحدة، فيما يظل السؤال معلّقاً حول الثمن الإنساني الذي دُفع ليصل هذا الاقتصاد إلى ذروته.





שתף את דעתך
إسرائيل تحوّل غزة إلى مختبر تسويق عالمي لأسلحتها والغرب يتهافت لشرائها