د. عبد المجيد سويلم: بعض الدول الأوروبية لم تعد ترى في دعم إسرائيل المطلق أي مصلحة استراتيجية وتعتبر أن هذا الدعم ألحق ضرراً سياسياً بمصالحها
نزار نزال: تسونامي الاعتراف بدولة فلسطين يعكس تحولاً أوروبياً عميقاً لكن لا يعني بالضرورة أن الدولة باتت على الأبواب
د. سعد نمر: إعلان 15 دولة نيتها الاعتراف بالدولة الفلسطينية لا يخرج عن كونه خطوة رمزية تهدف للتهرب من اتخاذ مواقف حاسمة ضد إسرائيل
نور عودة: دولة فلسطين على حدود 67 قائمة منذ عام 88 والاعتراف بها لا ينبغي أن يُعامل كمنّة بل فعل سياسي قانوني يحمل التزامات واضحة
د. نادية صبرة: الفلسطينيون قد يُمنحون اعترافاً لكنهم لن ينالوا دولة ما لم تتغير موازين القوى و"الدولة التي تُنتزع ليست كالدولة التي تُهدى"
فراس ياغي: ما لم تتخذ أوروبا إجراءات حقيقية ضد إسرائيل كالعقوبات التي فرضت سابقاً على جنوب إفريقيا فإن حلم الدولة الفلسطينية سيبقى مؤجلاً
في مشهد سياسي غير مسبوق منذ عقود، يشهد العالم "تسونامي" من الاعترافات الأوروبية المتتالية بدولة فلسطين، ما قد يعكس تغيراً جوهرياً في المزاج السياسي العالمي تجاه الصراع الفلسطيني–الإسرائيلي، توازياً مع إعلان نحو 15 دولة نيتها الاعتراف بفلسطين على حدود الرابع من حزيران 1967، في تحوّل يصفه مراقبون بأنه بداية تصدع في الدعم الغربي التقليدي لإسرائيل، وتعبير عن تزايد الضغوط الشعبية التي تطالب بالعدالة للفلسطينيين، خاصة في ظل الجرائم المتواصلة في قطاع غزة.
ويرى كتاب ومحللون سياسيون ومختصون وأساتذة جامعات، في أحاديث منفصلة مع "ے"، أن هذه الموجة المتسارعة من الاعترافات لا تأتي بمعزل عن سياقات سياسية أوسع، أبرزها تراجع الثقة الأوروبية بالسياسة الأمريكية، وصعود تيارات سياسية جديدة في أوروبا تدفع نحو مواقف أكثر استقلالية وانسجاماً مع القانون الدولي وحقوق الإنسان، كما أن الانكشاف الأخلاقي لإسرائيل أمام الرأي العام العالمي، في أعقاب المجازر في غزة، ساهم في تسريع هذا التحوّل، ليعيد الزخم إلى القضية الفلسطينية دولياً، ولو على مستوى الخطاب السياسي.
ويشيرون إلى أنه رغم هذا الزخم الدبلوماسي، يظل السؤال الجوهري معلقاً: هل يقود هذا الاعتراف إلى دولة فلسطينية حقيقية، أم أنه مجرّد خطوة رمزية لا تحمل أدوات التنفيذ؟ فرغم التحول اللافت في مواقف بعض الدول، لا تزال العقبات البنيوية قائمة، سواء داخل إسرائيل بقوانين تمنع التفاوض على الدولة الفلسطينية، أو في غياب إجراءات دولية ملزمة للاحتلال نحو خطوات عملية لإقامة الدولة الفلسطينية، ورغم ذلك هناك من يرى أن الاعتراف محاولة لتجميل العجز الدولي، ومنهم يرى فيه فرصة تاريخية، لكن يبقى مستقبل الدولة الفلسطينية مرهوناً بميزان قوى لم ينقلب بعد.
ضغوطات شعبية متزايدة تطالب بالعدالة للفلسطينيين
ويرى الكاتب والمحلل السياسي د. عبد المجيد سويلم أن موجة الاعترافات الأوروبية بدولة فلسطين، التي كان آخرها عزم نحو 15 دولة على ذلك، تعبّر عن تباينات بين دول خضعت لضغوطات شعبية متزايدة تطالب بالعدالة للفلسطينيين، وأخرى تحاول صياغة موقف مستقل يبتعد عن السياسات التقليدية للولايات المتحدة الأمريكية التي طالما دعمت إسرائيل دون شروط.
ويوضح سويلم أن بعض الدول الأوروبية لم تعد ترى في دعم إسرائيل المطلق أي مصلحة استراتيجية، بل تعتبر أن هذا الدعم ألحق ضرراً سياسياً بمصالح أوروبا ككل.
ويؤكد سويلم أن هذا التبدّل يعكس شعوراً أوروبياً متزايداً بأن الولايات المتحدة لم تعد شريكاً جديراً بالثقة، بعدما أدارت ظهرها لحلفائها، وباتت تحصر تحالفاتها ضمن أطر ضيقة تخدم توجهات اليمين الأمريكي، الذي تربطه علاقات "مشبوهة" ومتشعبة باليمين الإسرائيلي، قائمة على العنصرية والتوحش السياسي والمصالح المشتركة.
ويسلط سويلم الضوء على شخصية الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، واصفاً إياه بأنه "فاشل استعراضي"، لم يحقق أي نجاح سياسي يُذكر، ويتمتع بشخصية "متقلبة، تفتقر إلى الرزانة والحكمة".
ويشير سويلم إلى أن تعامل ترمب المهين مع بعض قادة العالم – ومنهم الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون – يعكس حالة من الاستخفاف السياسي والأخلاقي المتجذر في قيادته للولايات المتحدة.
ويرى سويلم أن هذا السلوك ساهم في تزايد الاستياء الأوروبي من واشنطن، وتراجع الثقة في قيادتها للعالم، ما دفع العديد من الدول لإعادة النظر في تحالفاتها وسياساتها الخارجية.
الوهن العربي وضعف العامل الذاتي الفلسطيني
وفيما يتعلق بإمكانية إقامة دولة فلسطينية، يؤكد سويلم أن الإجابة لا يمكن أن تكون مباشرة بـ"نعم أو لا"، معتبراً أن ذلك مرهون بوجود قيادة فلسطينية، تجمع بين الحنكة السياسية والمقدرة على إدارة أشكال المقاومة بكفاءة عالية.
ويقول سويلم: "لو توفر هذا التوازن في القيادة، لأمكن التقدّم نحو دولة فلسطينية، خاصة في ظل تراجع تماسك المجتمع الإسرائيلي، والدعم الشعبي الدولي غير المسبوق لحقوق الفلسطينيين".
ويشدد سويلم على أن العقبة الأكبر أمام قيام الدولة الفلسطينية ليست القوة الإسرائيلية ولا دعم واشنطن لتل أبيب، بل ما وصفه بـ"الوهن العربي"، و"ضعف العامل الذاتي الفلسطيني".
ويوضح سويلم أنه "حينما يتوفر عامل فلسطيني قادر على المقاومة بجميع أشكالها، ووفق قواعد القانون الدولي، فإن الدولة لن تكون ممكنة فقط، بل ستكون قاب قوسين أو أدنى".
ويقول سويلم: "كل العوامل اليوم تدفع باتجاه فرض الدولة الفلسطينية، إن توفرت القيادة المؤهلة، وحظيت بدعم شعبي حقيقي".
الدولة الفلسطينية ليست على الأبواب
من جانبه، يرى الباحث المختص في الشأن الإسرائيلي وقضايا الصراع، نزار نزال، أن الموجة الأوروبية الأخيرة في الاعتراف بدولة فلسطينية على حدود عام 1967، بما فيها القدس الشرقية، تمثل تحولاً كبيراً وتسونامي في المواقف الغربية، لكنها لا تعني بالضرورة أن الدولة الفلسطينية باتت على الأبواب.
ويوضح نزال أن هناك عدة أسباب متداخلة تقف خلف هذا "التزاحم" الدولي، منها يرتبط بالتغيرات السياسية الداخلية في الدول الأوروبية، خصوصاً الانتخابات الأخيرة في بريطانيا التي أطاحت بحزب المحافظين وصعود حزب العمال إلى السلطة، حيث أن هذا التحول السياسي ترافق مع موجات احتجاج شعبية ضخمة اجتاحت الشوارع الأوروبية في بريطانيا، وفرنسا، وبلجيكا، وكندا، وأستراليا، احتجاجاً على المجازر والمآسي الإنسانية التي يتعرض لها قطاع غزة، والتي انعكست بشكل سلبي على صورة إسرائيل، وإيجابياً على مكانة القضية الفلسطينية.
ويوضح نزال أن هذه الاحتجاجات دفعت النخب السياسية الأوروبية إلى مراجعة مواقفها خوفاً من فقدان الدعم الشعبي، كما حدث مع المحافظين في بريطانيا، فكانت النتيجة خطوات متسارعة باتجاه الاعتراف بالدولة الفلسطينية، كما فعلت فرنسا التي عبرت عن نيتها من القاهرة، على لسان الرئيس ماكرون ووزرائه، ومن خلال مشاركتها الفاعلة في مؤتمر نيويورك في 28 و29 يوليو بدعم سعودي–فرنسي واضح.
أما السبب الثاني، بحسب نزال، فهو ادعاء أوروبا التمسك بقيم حقوق الإنسان والقانون الدولي، وهو ما دفعها – تحت ضغط الواقع في غزة – لاتخاذ مواقف تتسق مع هذه المبادئ، بينما السبب الثالث يتمثل في حجم الكارثة الإنسانية غير المسبوقة داخل قطاع غزة، التي قلبت المعادلة السياسية في الرأي العام العالمي.
الدول الأوروبية تسعى لدور فاعل في المنطقة
ويشير نزال إلى أن الدول الأوروبية أيضاً تسعى لحجز موقع سياسي فاعل في مستقبل المنطقة، وتحديداً فرنسا التي تسعى لقيادة دور دولي فاعل، كما تريد إرسال رسالة للعالم العربي بأنها أكثر تقدماً من الموقف العربي الرسمي الضعيف تجاه القضية الفلسطينية.
رغم هذا التحول، يشدد نزال على أن الدولة الفلسطينية ما زالت بعيدة، مؤكداً أن العقبات الأساسية تكمن في الداخل الإسرائيلي.
ويوضح نزال أن القانون الإسرائيلي الحالي يجرّم أي مفاوضات تؤدي إلى إقامة دولة فلسطينية، ويتطلب موافقة 80 عضو كنيست من أصل 120 للسير في هذا المسار، وهو أمر مستحيل في ظل هيمنة التيارات الدينية واليمينية على الحياة السياسية في إسرائيل.
ويؤكد نزال أن مراكز القرار في إسرائيل اليوم باتت بيد الحاخامات ورجال الدين، الذين يستندون إلى روايات دينية تعتبر الضفة الغربية "يهودا والسامرة"، وملكاً تاريخياً لأسباط بني إسرائيل.
ويشير نزال إلى تصاعد الحملات الرامية لتغيير التركيبة الديمغرافية في الضفة الغربية، بما في ذلك خطط لجلب 1.2 مليون يهودي وتحويل المستوطنات إلى مدن، وهو ما يؤكد أن خيار الدولتين "منفصل عن الواقع".
خطوة رمزية للتهرب من اتخاذ مواقف حاسمة ضد إسرائيل
بدوره، يوضح أستاذ العلوم السياسية في جامعة بيرزيت، د. سعد نمر، أن إعلان 15 دولة غربية نيتها الاعتراف بالدولة الفلسطينية لا يخرج عن كونه خطوة رمزية تهدف إلى التهرب من اتخاذ مواقف حاسمة ضد إسرائيل، أكثر من كونه دعماً حقيقياً لحق الفلسطينيين في تقرير المصير.
ويشير نمر إلى أن فرنسا تحديداً، التي تصدّرت هذه التصريحات، كانت أمام مأزق داخلي وخارجي، مع تصاعد الاحتجاجات الشعبية المناهضة للحرب على غزة والمطالبة بوقف الدعم العسكري لإسرائيل.
وبدلاً من الاستجابة لتلك المطالب، لجأت باريس – بحسب نمر – إلى طرح مسألة الاعتراف بفلسطين في سبتمبر القادم، كخطوة لتخفيف الضغط الشعبي، متجنبةً اتخاذ إجراءات عقابية بحق إسرائيل أو العمل الجاد لإنهاء المجاعة التي تفرضها على قطاع غزة.
ويوضح نمر أن الاعترافات الأوروبية لم تُرفق بأي إجراءات تنفيذية تجبر إسرائيل على الالتزام بالقرارات الدولية أو وقف عدوانها، ما يجعلها "اعترافات شكلية لا تؤثر على مجريات الحرب، ولا تُغير من الواقع شيئاً".
ويتساءل نمر قائلاً: "ماذا يعني الاعتراف بدولة فلسطينية وهي تحت الاحتلال؟ أين المواقف من الاستيطان، ومن حصار غزة، ومن تهويد القدس؟".
حل الدولتين بات خلفنا فعلياً
وفي تقييمه لأفق القضية الفلسطينية، يشدد نمر على أن حل الدولتين بات خلفنا فعلياً، إذ لم يعد ممكناً في ظل وجود أكثر من 800 ألف مستوطن في الضفة الغربية، وتقطيع أوصالها بمستوطنات وحواجز تعزل مناطقها وتحولها إلى "كنتونات معزولة".
ويشير نمر إلى وجود قوانين إسرائيلية أقرها الكنيست الاسرائيلي تمنع قيام دولة فلسطينية، مع غياب أي زعيم إسرائيلي يملك الشجاعة لإعلان الانسحاب من الضفة الغربية أو القبول بالقدس الشرقية عاصمة للدولة الفلسطينية أو حتى مناقشة حق العودة للاجئين.
ويؤكد نمر أن أوروبا تهرب من مواجهة حقيقة أن حل الدولتين لم يعد واقعياً، وترفض في الوقت نفسه مناقشة خيار الدولة الواحدة، الذي يعتبره هو "الحل الوحيد العادل والمنصف، على غرار تجربة جنوب أفريقيا"، لكنه – برأي نمر – خيار تخشاه إسرائيل لأنه ينهي مشروعها الاستعماري القائم على الفصل العنصري والهيمنة.
صيغ الاعترافات الأوروبية تنطوي على إشكالية
من جهتها، ترى الكاتبة والمحللة السياسية المتخصصة في الشؤون الدبلوماسية والعلاقات الدولية، نور عودة، أن الصيغ السياسية التي خرجت بها نوايا بعض الدول الأوروبية للاعتراف بدولة فلسطين، فيها "إشكالية"، مؤكدة أن الاعتراف لا يجب أن يكون مشروطاً أو مرتبطاً بمواقف إسرائيلية، وإنما هو واجب تأخر كثيراً على الدول التي ساهمت تاريخياً في نكبة الشعب الفلسطيني.
وتشدد عودة على أن الصيغة الفرنسية بالذات حملت مؤشرات خطيرة، خاصة عندما ربطت اعترافها بشروط اسرائيلية على حد زعمه وتعهدات فلسطينية، وهو ما اعتبرته رسالة خاطئة تمس جوهر الحق الفلسطيني في تقرير المصير.
وتشير عودة إلى أن الإطار الذي وُضع فيه الاعتراف البريطاني المرتقب يعكس رؤية تعتبر الاعتراف بمثابة مكافأة مشروطة، لا التزاماً تاريخياً نابعاً من مسؤولية بريطانيا في حرمان الشعب الفلسطيني من حقه في إقامة دولته.
وترى عودة أن الإعلان الفرنسي أيضاً وصف ما حدث في السابع من أكتوبر 2023 بـ"العدوان اللا سامي"، وهو توصيف فيه انزلاق سياسي قد يحمل تبعات خطيرة مستقبلاً، سواء على صعيد الخطاب السياسي الفرنسي أو على مستوى المواقف القانونية الدولية وفيه تبني غير بريء للرواية الرسمية الاسرائيلية.
أما فيما يتعلق بالموقف البريطاني، فتصف عودة الصيغة التي وردت في خطاب رئيس الوزراء البريطاني بأنها "مهينة"، خاصة حين ربط الاعتراف بدولة فلسطين بعقاب إسرائيل على أفعالها، كأن الاعتراف ليس حقاً للشعب الفلسطيني بل أداة ضغط مؤقتة.
وتعتبر عودة أن بريطانيا، تحديداً، لديها مسؤولية تاريخية لا يمكن التهرب منها، تبدأ بوعد بلفور ولا تنتهي عند دعم سياسات الاحتلال والابادة.
وضع الولايات المتحدة في عزلة داخل مجلس الأمن
رغم ذلك، تقر عودة بأن اعتراف فرنسا وبريطانيا، ومعهما عدة دول، إذا ما تم، سيكون ذا أثر سياسي بالغ، لأنه يضع الولايات المتحدة في عزلة داخل مجلس الأمن، ويمنح الفلسطينيين نوعاً من الحماية السياسية الدولية، بشرط أن يُبنى عليه خطوات ملموسة تتضمن فرض عقوبات فعلية على إسرائيل ومنع دخول بضائع المستوطنات، لا الاكتفاء بالبيانات الرمزية.
وتؤكد عودة أن دولة فلسطين في صيغتها المرتبطة بالقرارات الدولية وحدود الرابع من حزيران 1967، قائمة منذ إعلان الاستقلال عام 1988، وأن الاعتراف بها لا ينبغي أن يُعامل كهدية أو منّة، بل كفعل سياسي قانوني يحمل التزامات واضحة على الدول المعترفة، خاصة في ظل قرارات محكمة العدل الدولية التي حمّلت المجتمع الدولي مسؤولية واضحة تجاه انهاء الاحتلال.
وتشدد عودة على ضرورة عدم السماح بتحويل الاعترافات إلى وسيلة للتهرب من الالتزامات القانونية، بل الدفع باتجاه خطوات عملية، تبدأ بفرض عقوبات حقيقية على الاحتلال.
وتؤكد عودة أن تجسيد الدولة الفلسطينية واستقلالها يتطلب شجاعة سياسية وعمل دؤوب يتجاوز الشعارات والاحتفاليات.
تطور سياسي مهم في مسار القضية الفلسطينية
الكاتبة والمحللة السياسية المصرية، د. نادية صبرة، تقول إن إعلان 15 دولة غربية نيتها الاعتراف بدولة فلسطين يمثل تطوراً سياسياً مهماً في مسار القضية الفلسطينية، ويحمل دلالات أعمق من مجرد موقف رمزي، لافتة إلى أن هذا الإعلان يعكس بداية تصدع في الهيمنة الأمريكية على السياسة الغربية تجاه القضية الفلسطينية، وتزايداً في استقلالية الموقف الأوروبي، المدعوم من قوى في الجنوب العالمي.
وتؤكد صبرة أن هذا الاعتراف – أو على الأقل التوجه نحوه – يُظهر تراجع قدرة الولايات المتحدة الأمريكية على كبح جماح إسرائيل أو فرض تسوية سياسية متوازنة، وهو ما يدفع بعض الدول الأوروبية إلى تبني مواقف أكثر استقلالية، خاصة في ظل الانكشاف الأخلاقي والسياسي للخطاب الإسرائيلي، في أعقاب المجازر المتواصلة في قطاع غزة، والضغط الشعبي المتزايد في الغرب، والذي أجبر العديد من الحكومات على مراجعة سياساتها الخارجية.
وترى صبرة أن هذا التحرك يساهم كذلك في إعادة تعريف الشرعية الدولية، عبر توسيع الاعتراف بالدولة الفلسطينية كحق قانوني وإنساني، ما يمثل تحدياً مباشراً للاحتلال الإسرائيلي، ويعيد فتح النقاش الدولي حول حل الدولتين، في لحظة سياسية حاسمة تعاني فيها إسرائيل من عزلة دولية متزايدة.
الاعتراف لا يعني تلقائياً قيام الدولة
وتشير صبرة إلى أن نتائج هذا التوجه قد تشمل ارتفاع وتيرة الاعترافات بدولة فلسطين، خاصة إذا انضمت قوى جديدة في أوروبا وأمريكا اللاتينية، إضافة إلى تصعيد المواجهة الدبلوماسية مع إسرائيل، التي ترى في هذه الخطوات خطراً وجودياً، كما قد يُسهم هذا الحراك في إعادة تنشيط المسار الدبلوماسي الفلسطيني، إذا ما استثمرت القيادة الفلسطينية هذه اللحظة وتجاوزت الاكتفاء بالخطاب الرمزي.
وفي تقييمها لإمكانية قيام الدولة الفلسطينية، ترى صبرة أن هناك مستويين: الأول رمزي وسياسي، حيث بات الفلسطينيون يحصدون اعترافاً متزايداً بدولتهم من أكثر من 140 دولة، وهو ما يمكن أن يمهد لحصولهم على العضوية الكاملة في الأمم المتحدة، في حال تم تحييد الفيتو الأمريكي، أما الثاني، فهو المستوى الواقعي والميداني، حيث لا تزال الدولة الفلسطينية كياناً افتراضياً بلا سيادة حقيقية، وبلا حدود واضحة، وتخضع مناطقها لسيطرة إسرائيلية مباشرة أو غير مباشرة.
وتقول صبرة: "إن الاعتراف لا يعني تلقائياً قيام الدولة"، مؤكدة أن الفلسطينيين قد يُمنحون اعترافاً، لكنهم لن ينالوا دولة حقيقية ما لم تتغير موازين القوى الدولية أو تُحدِث واشنطن تحولاً جذرياً في موقفها، كما أن "الدولة التي تُنتزع ليست كالدولة التي تُهدى".
نداء الدول الأوروبية للاعتراف الجماعي بدولة فلسطين
بدوره، يرى الكاتب والمحلل السياسي فراس ياغي أن النداء الذي أطلقته 15 دولة أوروبية مؤخراً للاعتراف الجماعي بدولة فلسطين ووقف إطلاق النار في قطاع غزة، لم يأتِ من فراغ، بل كان نتيجة مباشرة لجملة من العوامل المتداخلة، أبرزها "الدم الذي سال في غزة والتجويع المتعمد بحق سكانها"، في إشارة إلى تداعيات العدوان الإسرائيلي المستمر منذ السابع من اكتوبر 2023، أو عملية "طوفان الأقصى".
ويوضح ياغي أن المجازر والدمار الذي شهده قطاع غزة منذ السابع من أكتوبر 2023، شكّل العامل الأساسي في التحول الجذري للرأي العام داخل تلك الدول الديمقراطية.
ويقول ياغي: "إن الرأي العام في هذه الدول، بخلاف ما هو سائد في الولايات المتحدة، بات أكثر دعماً للقضية الفلسطينية، وهو ما انعكس في الضغط الشعبي على الأحزاب السياسية الحاكمة هناك".
ويؤكد ياغي أن هذه الدول الأوروبية، بحكم أنظمتها الديمقراطية التعددية، تأخذ رأي شعوبها بعين الاعتبار، خلافاً للولايات المتحدة التي تهيمن فيها قطبية حزبية مغلقة، وهو ما يجعل تحركات أوروبا أكثر تعبيراً عن المزاج الشعبي الحقيقي.
ويشير ياغي إلى أن العامل الثاني في هذا التحول يتمثل في التحرك السياسي الذي تقوده الدول العربية والسلطة الفلسطينية، موضحاً أن هذا الحراك يسعى لتقديم منظمة التحرير الفلسطينية كبديل سياسي ومؤسساتي للمقاومة، وبالتالي فإن "الاعتراف بالدولة الفلسطينية يأتي في إطار تقوية هذا البديل السياسي وشرعنته على المستوى الدولي".
تغير نظرة الغرب لإسرائيل
أما العامل الثالث، بحسب ياغي، فهو تغير نظرة الغرب لإسرائيل، مشيرا إلى أن "تلك الدول باتت تشعر بقلق حقيقي من انزلاق إسرائيل نحو نظام توراتي ديني متطرف، يبتعد عن القيم الليبرالية والإنسانية التي تأسست عليها أوروبا الحديثة".
ويقول ياغي: "إسرائيل اليوم دولة أبارتهايد وعنصرية، وهناك خوف حقيقي من تحوّلها إلى دولة واحدة ذات نظام فصل عنصري لا يمكن احتماله على المدى الطويل".
ويؤكد ياغي أن تلك الدول تحاول إنقاذ إسرائيل من نفسها عبر الدفع نحو حل الدولتين، لكن السؤال الحاسم يبقى: هل ستُتخذ إجراءات عملية ضد إسرائيل؟ أم أن هذه التحركات تهدف فقط إلى امتصاص غضب الشارع الأوروبي؟
ويشير ياغي إلى أن مستقبل القضية الفلسطينية مرتبط بميزان القوى الدولي، قائلا: "طوفان الأقصى فرض أجندة حل الصراع وليس إدارته، لكن ما لم تتخذ أوروبا إجراءات حقيقية ضد إسرائيل، كالعقوبات التي فرضت سابقاً على جنوب إفريقيا، فإن حلم الدولة الفلسطينية سيبقى مؤجلاً، خاصة أن إسرائيل تنزلق أكثر نحو الفاشية والتطرف، ولن يردعها سوى ضغط دولي واضح ومستمر".





שתף את דעתך
"تسونامي" الاعترافات بدولة فلسطين يجتاح العالم