لم يكن "حل الدولتين"، في جوهره، مجرد اقتراح سياسي، بل تجسيدا لفلسفة دولية قائمة على فكرة التوازن بين الحد الأدنى من "العدالة" للفلسطينيين، وضمان أمن الاحتلال وتشريع وجوده، وبالتالي كان محاولة مؤقتة لإنتاج توازن هش بين واقع استعماري من جهة، وطموحات بالتحرر الوطني من جهة أخرى، كل ذلك تم تغليفه من قبل المنظومة الدولية بغلاف "السلام الواقعي"، تفاديا لانفجارات أعمق، والآن، بات أقرب إلى كونه عبارة تتردد على ألسنة الدبلوماسيين، فيما تتآكل كل مقومات حياته على الأرض.
عندما تم القبول بـ"حل الدولتين" في تسعينيات القرن الماضي، استند ذلك الى فرضيات بقدرة "تسوية تاريخية" معينة على وضع حد لـ"الصراع"، والذي كان احتلالا في حقيقة الأمر، عبر إقامة دولتين على أرض فلسطين التاريخية، لا تتساويان في أي شيء، وتعترف كل منهما بالأخرى، وتعيشان جنبا الى جنب، وهو الحل الذي كان عبارة عن محاولة لإعادة انتاج خرائط ما بعد الحرب العالمية الثانية، ولكن بنكهتها الشرق أوسطية، مع اضافة الكثير من "الواقعية" السياسية، وتضييق نطاق العدالة الى ادنى حد، فظل طوال العقود الماضية مشروعا ملغوما، مليئا بالتناقضات التاريخية والسياسية، الأمر الذي جعل من سقوطه مسالة وقت، لا حدثا مفاجئا.
ولعل احد اسباب ذلك، هو ان جذور الاشكالية فيه اعمق بكثير من مجرد الرفض او القبول السياسي، وذلك لان فلسفة "الحل" نفسها حملت تناقضا مركبا؛ فتقوم في المحصلة على الاعتراف بـ"الهزيمة" التاريخية للفلسطينيين، اي انها من جانب، تطالب الفلسطينيين بالتنازل عن ارضهم وتاريخهم، او معظمه على الاقل، مقابل وعد بـ"دولة"، على جزء صغير من الارض ارضهم التاريخية، منقوصة السيادة، مجزأة الجغرافيا، محاصرة عسكريا، تابعة اقتصاديا، وتؤدي دورا وظيفيا يخالف تماما الاسباب التي قامت لأجلها حركات التحرر الفلسطينية، مشروطة برضى المجتمع الدولي ومصالحه المتغيرة، وفي المقابل، تمنح الطرف الاخر، الاحتلال، اعترافا دوليا، و"الحق" بالاحتفاظ بكل ادوات الهيمنة الامنية، والسيطرة على الارض، والموارد، والحدود، وكل شيء تقريبا.
اليوم، بعد اكثر من ثلاثة عقود على اتفاق اوسلو، باتت الأمور أكثر وضوحا، في طرف الاحتلال على الأقل، فصار يرى في ترديد مصطلح "الدولة الفلسطينية" في الخطاب الرسمي مصدر تهديد، وأن أي كيان فلسطيني، أيا كان شكله، يجب أن يفتقر لمقومات السيادة، خصوصا الأمنية، وهذا التوجه ظهر بوضوح في تصريحات نتنياهو أول أمس، وهو الموقف الذي لا يرى فيه انحرافا عن فلسفة "حل الدولتين"، بل هو امتداد طبيعي له، اذ لم تنص اي وثيقة مما اتفق عليه سابقا وبوضوح، على منح الفلسطينيين سيادة كاملة، او حقا فعليا في تقرير مصيرهم بلا وصاية اسرائيلية.
على الصعيد الدولي، تراجع زخم المبادرات الساعية لإحياء "عملية السلام"، وترك الأمر بيد الولايات المتحدة، وظهرت توجهات لإدارة القضية الفلسطينية، لا حلها، مع إعطاء الاولوية لتحالفات اقليمية جديدة، واشغال العالم بحروب وقضايا اخرى، فلم تعد القضية الفلسطينية اولوية، او الشغل الشاغل للعالم، وصار مجرد الحديث عن الدولة الفلسطينية يبدو اقرب الى تعبير سياسي متداول، اكثر منه مشروعا قابلا للحياة، او اداة لإضفاء شرعية على بقاء الاحتلال، وابتزاز الفلسطينيين لقبول الامر الواقع، او ربما وسيلة لتجميل صورة النظام الدولي، وإظهار اهتمامه، وبالتالي وجدنا الاحتلال يتجه نحو حسم احادي، يتجاوز "حل الدولتين" بالكامل، عبر الاستيطان والضم، وتكريس وقائع لا يمكن التراجع عنها.
فلسطينيا، استنزف "حل الدولتين" شرعية المشروع الوطني ذاته، وادى الى تآكل الحلم الفلسطيني، وتآكلت معه بنية النظام السياسي والاقتصادي والاجتماعي، وجعل باب المستقبل مفتوحا على سيناريوهات اخرى، منها العودة للمربع الاول، في ظل نظام فصل عنصري معترف به دوليا، او ربما انفجار آخر يفرض معادلات جديدة او غير مسبوقة.
ختاما، يمكن القول ان "حل الدولتين" باق فقط كذكرى سياسية، تذكرنا بعصر من التسويات الهشة، وجغرافيا تتغير كل يوم على حساب الفلسطينيين، لكنه عمليا، انتهى بلا رجعة، تحت ثقل سياسات الأمر الواقع وخيبات الأمل.





שתף את דעתך
ماذا بقي من "حل الدولتين"؟