ד 28 מאי 2025 9:29 am - שעון ירושלים

دولة بلا مخالب ... ومواطن بلا حماية


امين الحاج
في ساعات الصباح الباكرة من يوم أمس، نفذت قوات الاحتلال اقتحاما منسقا، استهدف عشرات محال الصرافة والمجوهرات في الضفة الغربية، صادرت ملايين الشواقل وأصولا مالية متنوعة، بذريعة "محاربة تمويل الإرهاب".
هذا الحدث لا يمكن اعتباره استثناء في السياق القائم، بل يأتي امتدادا لسلسلة من التدخلات المتكررة، والتي شملت سابقا إغلاق مؤسسات طبية وتنموية في قلب رام الله وغيرها، تواتر هذه العمليات يعيد إلى الواجهة سؤالا عميقا حول حدود الدور الذي تمارسه السلطة الفلسطينية، ويضعنا أمام مأزق فلسفي يتجاوز الإطار الإجرائي إلى سؤال الدولة ومشروعيتها في ظل انكشاف سيادتها.
في الفكر السياسي الحديث، الضريبة تمثل أحد أسس العقد الاجتماعي بين الدولة والمواطن، يدفعها المواطن، لا لأن الدولة تجبره، بل لأنها في المقابل توفر له الحماية، البنية التحتية، العدالة، وتكافؤ الفرص، وبذلك يصبح النظام الضريبي أداة سياسية مالية اقتصادية لتحقيق أهداف المجتمع وغاياته، وقد اقترنت الضريبة بالسلطة السيادية للدولة منذ أقدم العصور، وتطورت مع تطور الدولة من كيان سلطوي إلى كيان تعاقدي، فيدفع الفرد الضريبة باعتباره متضامنا مع الدولة، وبالمقابل يقع على عاتقها حمايته، وضمان العيش الكريم له، وبالتالي تصبح الضريبة عملية تمويل جماعي للدولة لأجل الصالح العام، لكن هذا المبدأ يفترض وجود دولة ذات سيادة، تسيطر على حدودها، وتحمي ممتلكات مواطنيها.
السلطة الفلسطينية، منذ نشأتها، تصرفت كدولة، بنت مؤسسات إدارية وجبائية، لكن ذلك تم ضمن سياق سياسي واقتصادي مقيد باتفاقيات مرحلية، أبرزها اتفاق أوسلو واتفاقية باريس الاقتصادية، هذه الاتفاقيات حرمت السلطة من مقومات السيادة، وأبقتها رهينة لإرادة "عليا" تتحكم بمفاصل الاقتصاد الفلسطيني، وتملك "حق" التدخل في الأسواق، والسيطرة على المعابر، والتحكم في أموال الضرائب نفسها، المعروفة بـ"أموال المقاصة"، لكنها تخضع لمزاج المحتل، فتحجب أو تؤخر وفقا لذلك، وبهذا المعنى، فالمواطن الفلسطيني لا يدفع الضريبة لدولة تملك قرارها، بل لمنظومة إدارية مقيدة.
في الحالة الفلسطينية، السلطة الوطنية تجبي الضرائب، لكنها عاجزة عن حماية دافعي الضرائب، فلا تسيطر على المعابر، ولا تستطيع منع الاحتلال من اقتحام المدن ومصادرة الأموال، ولا حتى منع تدمير ممتلكات المواطنين، أيا كانت الحجة، ما يعني ان الفلسطيني يؤدي دوره كمواطن، لكن السلطة الفلسطينية لا تؤدي دورها كدولة!
ويأتي ما جرى اليوم ليكشف الوجه الأمني لهذه الإشكالية، فالشركات التي تدفع ضرائبها كاملة، أو تعمل وفق تراخيص رسمية من الوزارات ذات الصلة، لم تجد من يردع الاحتلال عن اقتحامها، ومصادرة أصولها وأموالها، والأجهزة الأمنية التي تشكل الضرائب المحلية جزءا كبيرا من موازناتها، وقفت عاجزة، بل غائبة، عن حماية من يفترض أنهم مواطنون تحت سلطتها.
من هنا يصبح الحديث عن الضريبة حديثا عن السيادة، فإما أن تكون هناك دولة تحمي وتخدم مواطنيها، فتكون الضريبة جزءا من مسؤولية جماعية لبناء مستقبل مشترك، أو أن تتحول الضريبة إلى عبء يدفعه المواطن عنوة لمؤسسة لا تملك أن تدافع عنه ولا أن تحميه.
تلك ليست دعوة للفوضى أو التهرب الضريبي، لكن من المشروع أن تطرح تساؤلات جوهرية حول العلاقة بين المواطن والسلطة، بين الجباية والحماية، وبين الواجبات والحقوق.
فما نحتاجه ليس فقط إصلاحا، بل مراجعة عميقة، هل نحن بصدد بناء دولة فعلية، أم مجرد إدارة مدنية وظيفية تحت الاحتلال؟ وهل يمكن استمرار فرض الالتزامات المالية على المواطنين دون توفير الحد الأدنى من الحماية والسيادة؟
حين تتحول الضريبة من أداة تمكين إلى أداة خضوع، تصبح السيادة المفترضة مجرد شعار، وتسلب من المواطن الثقة في مؤسساته، وربما في فكرة الدولة نفسها، فما حدث اليوم وقبل ذلك، ليس فقط عملية عسكرية وقرصنة، بل إنذار سياسي واقتصادي وأمني، يضعنا أمام سؤال كبير وصريح، هل ما زلنا نملك مشروعا وطنيا حقيقيا يستحق أن نموله، أم أن الوقت قد حان لإعادة تعريف العلاقة بين المواطن والوطن، بين السلطة والناس، بين المال والكرامة؟
 
 



תגים

שתף את דעתך

دولة بلا مخالب ... ومواطن بلا حماية

ניוזלטר

היה הראשון לדעת את החדשות החשובות ברגע שהן קורות.

הישאר מעודכן בחדשות האחרונות. הירשם לשירות החדשות הדחופות שמגיע לתיבת הדוא"ל שלך מדי יום.

בהרשמה, אתה מסכים לתנאי השימוש ולמדיניות פרטיות.