يصحو بندي باكراً على خطوات والده الباحث عن مفاتيح البقالة، كي يبدأ ترتيب المعروضات على طرف رصيف الشارع، ويلقي تحية الصباحٍ على جاره فريج صاحب المحل المجاور مقابل الساعة التي تزيّن الدوار المسمّى "دوار الساعة". تتربع هذه الساعة الكبيرة منذ العهد العثماني كغيرها من الساعات على قمم مسلاتٍ وسط المدن العربية. تدب الحركة بمجرد أن تشير عقارب الساعة إلى السادسة صباحاً. عمال، وموظفون مسافرون، وطلبة علم، يصافحون أبا بندي، ويشترون الاحتياج على عجل. هكذا اعتادوا، ويتكرر ذلك المشهد بعد الظهيرة.
يجلس أبو بندي في بقالته معظم ساعات اليوم. تستوقفه محطات حياة، فقد عاصر أنظمة عدة سادت، وما دامت، منها البريطاني، وتلاها الجيش العربي لأعوام، وفيما بعد الصهيوني، حتى العودة لقوات الثورة الوطنية، ثم الغارات لجيش المحتل، يحمل اسم السور الواقي، وما زال... لفترة. أحداث شتى كان فيها الشاهد. بطولة بعض، وشهامة وبسالة بعض. جراح نزفت، وصمود لافت. طغيان القوة، وبشاعة حقد المستعمر. صور وحكايا... وداع ورحيل. إصرار بقاء وتحدٍ، ومحبة فتح البقالة.
مشروبات مختلفة، منها "قليل ما ينعش قلب". مركبات تقف أمام البقالة تعرقل حركة سير. الكل يريد ذاك الكيس الورقي البني، وبداخله كم قنينة. يراقب من يتمشّى في الشارع هذا المشهد، ويقول لنفسه، لو قدّر لي صنع زجاجات بيعت في بقالة أبي بندي، لكنت القيصر، ومار آخر يفكر في كم المشروب المستهلك، ويقدره بحجم محيط. يبقى البيع لمنتصف الليل وأكثر. لا ييأس بعض الشارين، فيوقظ بندي بعد الإقفال، ليكمل سهرة، وكثيراً ما يحدث أن يحتاط الوالد، فيبقي في ثلاجة بيته ما يطلبه زبائن ليل معروفين.
جندي من لندن يقف بباب البقالة بتردد ظاهر. يبدد خجله صوت طيب يدعوه ليأخذ ما يرغب على أن يدفع ثمنه فيما بعد. يترقّى الجندي لضابط، فيسدد دينه، ويعترف عند نهاية خدمته أنه مخدوع، وهدف العصبة وبلاده ظالم. بضمير مستيقظ يشرح حجته لهذا الاستنتاج المتأخر. فظاعة ما مورس لا تترك شكاً في عاقل. لون الدم عطر الأرض. صفاء قلوب الناس وبيوت. أشجار اللوز ورائحة الزعتر. كنيسة مهدٍ وقيامة. قناديل مراكب بحر غزة، ويبوس الكنعانيين. هنا قبل الكل الغازي الطارئ، والراحل حتماً.
"من آمن بي ولو مات فسيحيا".
يرحل أبو بندي جسداً، ليلاقي من سبقه. يترك إرثاً لا يمحى، فمن مرّ صبياً، أضحى في منتصف العمر. من كان دواماً في البقالة، أنجنب أبناءً سهرتهم لا تكتمل دون زيارة... وإن منهم لم يرغب، فتجبره صحبة تستهويها بحماسٍ تجربة أخرى... أمين من مجلسنا الوطني يقدم تعزية بالمرحوم، ويرثيه بوصفه تاريخاً، وكذلك أحد الثوار المنسيين، يكتب برقية يبدو فيها الحزن بلون الحال الآن. دموع تخرج من باب المقبرة تدعو بالرحمة. لقد كان كريماً جداً. صفته موروث عروبة.
لم تغلق تلك البقالة، وما زالت تحمل اسمه، وتُذكّر من مرّ وسيمر، بعدم دوام الحال. لقد مرّ عليه شباب يعتزون بلينين ومطرقة داخل منجل، وبعد وقائع، أصبح قلب الإخوان لهم مأوى، وشباب كان لهم باب البقالة طريق جهنم، واليوم لهم الدرب الأفضل لراحة فكر، ولحظات لإلهاء الزمن المسرع نحو القادم.
أبو بندي لم يتذمر يوماً بسلوك الغير المتبدل، ولم يستغرب. لقد كان يقول في كل مناسبة "لا يوجد ثابت غير الثابت. أزلٌ أبديٌ، وعداه المتغير."





Share your opinion
دوار الساعة