Sun 26 Jul 2026 10:03 am - Jerusalem Time

سيميائية الكوميديا السوداء والتهكم الوجودي في "رسائل الفِرّ"


عندما تكون كاتباً ساخراً، فأنت تجيد فن الحكاية، والكوميديا السوداء في كتاب "رسائل الفِرّ" للكاتب والمؤرخ حسام أبو النصر ليست للتسلية الفنية أو التلميح الأسلوبي، بل ترتقي لتصبح موقفاً فلسفياً وجودياً حاداً، وآلية دفاع نفسية أخيرة لحماية العقل من الجنون التام وسط الركام، فهي الجامع الأسلوبي الذي يصهر الركام والفقد في بنية تهكمية صادمة.
في نص (كلمات متقاطعة) لحسام أبو النصر نجد ذروة التجلي  للكوميديا السوداء، حيث يحول الكاتب شبكة التسلية اليومية المعروفة في الصحف إلى محكمة جنائزية تهكمية تلخص عبثية المشهد. تتبدى الصدمة في المفارقة البنيوية بين بساطة السؤال وفاجعة الجواب، فعندما يكون جواب سؤال "أشهر مأكولات غزة؟" هو "دم وطحين" في قسم (حل الكلمات المتقاطعة بالمقلوب)، وجواب "أين المكتبة العمرية؟" أنها "أصبحت رماداً"، فإن هذا النسق التهكمي يسلب الموت جلاله المعياري ليمنحه بشاعة عبثية تفكك واقع المحو الكامل. إنها لعبة ألغاز مقلوبة تعمل كخطاب مضاد يرفض التعاطف المجاني، ويجبر الذاكرة العالمية على مواجهة بشاعة الجريمة عبر نفي التمثيل الجمالي المريح.
وفي نص (كتبي حطباً...)، تتجلى الكوميديا السوداء في المقايضة الوجودية بين الفكر والدفء، حيث تصبح الكتب حطب الشتاء الذي سيُحرق لإنقاذ عائلته من البرد. ويتحول الباحث والمعلم إلى حارق لمكتبته بيده لإشعال ألف كتاب من أجل طهي وجبة غداء واحدة، ليتعمق التساؤل حول جدوى التاريخ والرياضيات والفلسفة والحكمة في قلب الموت. إنه نقد عنيف يعري زيف الترف الأكاديمي العالمي، وكيف تتهشم دفاتر العدالة وحقوق الإنسان عندما يتناثر ميزان البيع مع حبات الخضار كتناثر الأشلاء.
وتتغلغل السخرية السوداء في فكر أبو النصر لتفكك الأنساق البيروقراطية والقانونية الزائفة، طارحة بديلاً سردياً حاداً ومعاكساً للبيروقراطية الرسمية. ففي نص (بطاقة هوية...)، يقترح الكاتب بتهكم لاذع إعادة تعريف الوثائق الرسمية للمواطنين، داعياً إلى حذف رقم الهوية ووضع مكانه "رقم النزوح"، وأن يُكتب تاريخ الميلاد بـ"تاريخ النجاة"، وأن تُصنف خانات الشهادات وفقاً لدرجة الصمود بين صامد في الشمال أو نازح في الجنوب. هذا المانيفستو التهكمي يتقاطع مع نص (الغربال والقانون)، حيث يحول النظام الدولي إلى لعبة غربال كبير يُهز يميناً وشمالاً، ليتساقط الشهداء من فتحاته ويبقى الناجون وحدهم في سطوة العذاب.
ولعنة الحرب وتجارتها لا تقتصر عند أبو النصر على هجو الآخر الاستعماري أو النظام الدولي، بل تلتفت بمكاشفة نقدية صادمة لتفكيك الأنساق المجتمعية الداخلية وفضح الفساد الداخلي العاري. ففي نص (لصوص وتجار الحرب!!)، يسخر ممن يقتحمون في أثناء المقتلة بيوت النازحين والشهداء  لسرقة الأثاث، كما أنه يسأل بسخرية عن دناءة سارق لصيدلية ومحتوياتها  لحجج واهية. كما يرصد المفارقة الاقتصادية المجنونة حيث وصلت علبة الملح وكيس الطحين إلى مبالغ خيالية تفوق قدرة النازح . هذه المشاهد لا تجامل الذات المجروحة؛ بل تعمد إلى تعريتها في زمن يشترط التطهير الداخلي لاستعادة شرط الصمود.
وفي نص (غزة وجنود الشطرنج)، يبلغ التهكم الوجودي أبعاداً كَوْنية عبر تحويل ساحة المعركة إلى لعبة شطرنج عظمية يتساقط فيها الجنود والقلاع في عبثية تامة. ينظر الكاتب إلى الرقعة الخشبية التي فقدت لونها ولم يبق منها سوى واحة من الرمل، كاتباً بمرارة: "أصدقائي ماتوا جميعاً، لا أحد منهم يقابلني في اللعبة، لكنها بقيت مستمرة، وأنا والجميع متفرجون". تتمثل الكوميديا السوداء في سقوط الملوك وتحطم القلاع، في لعبة لم تعد بين أبيض وأسود بل بين كل الألوان حيث يتدخل الجميع لكن لا أحد يتمنى الهزيمة. إن هذا التهكم الوجودي يسلب النصر السياسي الزائف قيمته، ويُبرز حقيقة الفقد المرع؛ حيث يموت الجميع في حرب لا تختار نوعية الضحية، بل تحول القتلى إلى أرقام ستصبح على رفوف المقابر بدلاً من رفوف المكتبات.
 حسام أبو النصر في نصوص "رسائل الفِرّ" استخدام الكوميديا السوداء كمشرط نقدي يفصل بين اللحم الحي والركام لحماية الذاكرة الجمعية. فالكاتب لا يسخر ليضحك، بل يسخر ليعري؛ يسخر من المسافة العاجزة التي تفصله عن ابنته نور، ومن النظام الدولي الذي يمتلكه القوي، ومن الأنساق الداخلية التي كشفت عن هشاشتها في المحنة. إنها سخرية صادمة وصامدة ترفض التحول إلى ضحية نمطية في أرشيف التاريخ الإنساني.

Tags

Share your opinion

سيميائية الكوميديا السوداء والتهكم الوجودي في "رسائل الفِرّ"

Newsletter

Be the first to know the most important breaking news as it happens.

Stay up to date with the latest news. Subscribe to our breaking news service delivered to your inbox daily.

By subscribing, you agree to our Terms and Conditions and Privacy Policy.