حولت قوات الاحتلال الإسرائيلي قرية تل، الواقعة جنوب غربي نابلس، إلى ثكنة عسكرية ومركز للتحقيق الميداني، عقب حملة مداهمات واسعة طالت عشرات المنازل واعتقال ما يزيد عن 70 مواطناً من سكان القرية. وتأتي هذه الإجراءات القمعية في أعقاب مواجهات دامية شهدتها المنطقة يوم الجمعة، بدأت باقتحام مستوطنين مسلحين لأراضي القرية، مما أدى إلى اندلاع اشتباكات أسفرت عن ارتقاء أربعة شهداء فلسطينيين ومقتل جنديين إسرائيليين.
وأفاد وليد زيدان، رئيس بلدية تل، بأن جيش الاحتلال استولى على أحد المنازل وحوله إلى مركز لاستجواب المعتقلين ميدانياً، مشيراً إلى أن دوريات الاحتلال تجوب الشوارع وتفرض حظراً غير معلن على حركة المواطنين. وأوضح زيدان أن عمليات المداهمة لا تزال مستمرة، حيث تم الإفراج عن عدد قليل من المعتقلين بينما لا يزال العشرات رهن الاحتجاز والتحقيق الميداني العنيف.
وفي سياق التصعيد السياسي، توعد رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو باتخاذ إجراءات انتقامية 'قوية'، تضمنت إصدار أوامر بهدم منزل عائلة أحد الفلسطينيين المشاركين في الاشتباكات. كما أعلن مكتب نتنياهو عن توجه لتسريع المصادقة على بناء آلاف الوحدات الاستيطانية الجديدة في الضفة الغربية، في خطوة اعتبرها مراقبون استغلالاً للأحداث الميدانية لفرض واقع استيطاني جديد.
من جانبه، أقر جيش الاحتلال في رواية معدلة بأن المستوطنين الذين اقتحموا القرية كانوا مسلحين، بعد أن حاول في البداية تصويرهم كـ 'متنزهين' تعرضوا للهجوم. وأكدت مصادر ميدانية أن المواجهات اندلعت عندما حاول أهالي القرية التصدي لمجموعة من مستوطني 'حفات جلعاد' الذين حاولوا الاعتداء على الممتلكات، مما دفع السكان للدفاع عن أنفسهم قبل تدخل قوات الجيش وتوسيع دائرة إطلاق النار.
وشيع أهالي قرية تل صباح اليوم السبت جثامين الشهداء الأربعة وسط قيود مشددة فرضها الاحتلال، حيث منعت القوات الإسرائيلية الغالبية العظمى من المواطنين من المشاركة في الجنازة. واقتصرت مراسم التشييع على نحو 30 شخصاً فقط من الأقارب المباشرين، في ظل انتشار عسكري مكثف على مداخل القرية وفي محيط المقبرة لمنع أي تظاهرات غاضبة.
وفي رد فعل انتقامي سريع، كشفت إذاعة جيش الاحتلال عن البدء بإقامة 4 بؤر استيطانية جديدة في مناطق متفرقة شمال الضفة الغربية، كجزء من 'الرد الصهيوني' على مقتل المستوطنين. وتأتي هذه الخطوات بدعم مباشر من وزراء اليمين المتطرف في الحكومة الإسرائيلية، الذين يدفعون نحو شرعنة البؤر الرعوية والزراعية المقامة على أراضي المواطنين الفلسطينيين الخاصة.
وعلى صعيد الانتهاكات المتواصلة، أفادت مصادر محلية بإقدام مستوطنين على إحراق شاحنة فلسطينية في قرية عوريف جنوب نابلس، بالتزامن مع محاولات لسرقة مواشي من تجمعات بدوية شمال القدس. كما تعرض المسن صبيح غيث، البالغ من العمر 80 عاماً، لاعتداء وحشي من قبل المستوطنين في قرية بيرين شرق الخليل، تخلله هدم جدران داخلية لمنزله وترويع عائلته.
خرج القرويون للدفاع عن منازلهم وممتلكاتهم بعد اقتحام المستوطنين، فاندلعت اشتباكات عنيفة أسفرت عن ارتقاء شهداء.
ووثق نادي الأسير الفلسطيني تصاعداً حاداً في حملات الاعتقال، حيث سجلت 80 حالة اعتقال جديدة في مختلف محافظات الضفة الغربية خلال الساعات الأخيرة. وتركزت هذه الاعتقالات في محافظة نابلس التي تتعرض لحصار مشدد واقتحامات متكررة، مما يرفع عدد المعتقلين الفلسطينيين منذ السابع من أكتوبر إلى أرقام قياسية غير مسبوقة تجاوزت 24 ألف حالة اعتقال.
من جهتها، وصفت المقررة الأممية فرانشيسكا ألبانيزي ما يجري في الضفة الغربية بأنه يرقى إلى 'المذابح الجماعية'، داعية المجتمع الدولي إلى فرض حظر فوري على تصدير السلاح للاحتلال. وأكدت ألبانيزي أن عنف المستوطنين المحمي بقوات الجيش يهدف إلى تهجير الفلسطينيين قسرياً من أراضيهم وتوسيع المشروع الاستيطاني غير القانوني بموجب القانون الدولي.
وتشير إحصائيات هيئة مقاومة الجدار والاستيطان إلى أن عدد اعتداءات الاحتلال ومستوطنيه تجاوز 56 ألف اعتداء منذ بدء الحرب على قطاع غزة، مما يعكس سياسة ممنهجة لتفجير الأوضاع في الضفة. وتتنوع هذه الاعتداءات بين القتل المباشر، وتدمير البنية التحتية، ومصادرة الأراضي، ومنع المزارعين من الوصول إلى حقولهم، خاصة في المناطق المصنفة 'ج'.
وفي مدينة نابلس، شارك المحافظ غسان دغلس في مراسم وداع الشهداء، مؤكداً أن ما جرى في قرية تل هو جريمة حرب مكتملة الأركان بدأت باستفزازات المستوطنين وانتهت بمجزرة ارتكبها الجيش. ونشر مكتب المحافظ صوراً تظهر حجم الدمار في المنازل التي تعرضت للمداهمة، مؤكداً أن الشعب الفلسطيني سيبقى صامداً في أرضه رغم سياسات الهدم والتهجير.
وتشهد الضفة الغربية حالة من الغليان الشعبي في ظل استمرار الحصار العسكري وإغلاق الطرق الرئيسية بالحواجز والسواتر الترابية، مما أدى إلى شلل شبه كامل في الحركة بين المدن. وأفادت مصادر طبية بأن عدد الجرحى منذ بداية التصعيد الأخير في نابلس وصل إلى العشرات، يعاني بعضهم من إصابات خطيرة نتيجة استخدام الرصاص الحي بشكل مباشر تجاه المدنيين.
ويرى مراقبون أن تسريع 'شرعنة' البؤر الاستيطانية في هذا التوقيت يمثل ركيزة أساسية في خطة حكومة نتنياهو لضم الضفة الغربية فعلياً، مستغلة الانشغال الدولي بالحرب في غزة. وتعتبر هذه البؤر، التي تنصب عادة في ليلة واحدة على قمم التلال، أداة لتقطيع أوصال القرى الفلسطينية ومنع أي إمكانية لإقامة دولة فلسطينية متصلة جغرافياً في المستقبل.
ختاماً، تواصل قوات الاحتلال تعزيز تواجدها العسكري في محيط نابلس ورام الله والخليل، وسط تحذيرات من انفجار شامل للأوضاع نتيجة تغول المستوطنين. ومع وصول حصيلة الشهداء في الضفة إلى 1182 شهيداً منذ أكتوبر 2023، تزداد المطالبات الشعبية بتوفير حماية دولية عاجلة للشعب الفلسطيني الأعزل أمام آلة الحرب الإسرائيلية والميليشيات الاستيطانية المسلحة.





Share your opinion
الاحتلال يحول قرية 'تل' لمركز تحقيق ميداني ويعتقل العشرات عقب مواجهات دامية مع المستوطنين