ثمة تجارب لا تستمد أهميتها من ندرتها، با من قدرتها على زعزعة المُسلَّات؛ فعندما يولد العلم في بيئة صُممت أصلا لإخضاع الإنسان، يصبح السؤال أكبر من تجربة تعليمية، وأعمق من حدود السجن نفسه، لذلك استوقفتني رسالة الدكتوراه التي نوقشت في الأيام الأخيرة في جامعة النجاح الوطنية بعنوان:"مساهمة التعليم الجامعي في البيئة القسرية في تنمية مهارات البحث العلمي والتفكير الإيجابي والمهارات الحياتية لدى الأسرى الفلسطينيين المحررين"، للباحث والأسير المحرر ياسر أبو بكر، وقد تبدو الرسالة للوهلة الأولى دراسةً تتناول تجربة تعليمية في ظروف استثنائية، غير أن التأمل العميق فيها يكشف أنها تطرح سؤالاً تربوياً وفلسفياً بالغ الأهمية: ما الذي يستطيع التعليم أن يفعله بالإنسان حين تُسلب منه معظم شروط الحرية؟
هذا السؤال يتجاوز حدود التجربة الفلسطينية، ويتجاوز كذلك حدود السجن بوصفه مكاناً مادياً، ليصل إلى جوهر العملية التربوية نفسها. فالتعليم الحقيقي لا يُختبر في البيئات المريحة حيث تتوافر الإمكانات والموارد، بل تظهر قيمته الفعلية حين يصبح الوسيلة الوحيدة المتاحة للإنسان كي يحافظ على إنسانيته وقدرته على التفكير وإعادة بناء ذاته.
ففي البيئات القسرية يصبح التعليم أكثر من مقررات جامعية وشهادات أكاديمية؛ يتحول إلى مساحة مقاومة معرفية ضد التهميش والعزلة والانكسار النفسي. وهنا تتجلى المفارقة الكبرى: فبينما يُراد للبيئة القسرية أن تحدّ من خيارات الإنسان، يصبح التعليم وسيلة لتوسيع أفقه الداخلي وفتح نوافذ جديدة أمام وعيه.
ففي كل مرة يُناقش فيها باحث رسالته الجامعية، يضاف عنوان جديد إلى رفوف المكتبات، لكن بعض الرسائل تتجاوز حدود المعرفة الأكاديمية لتصبح سؤالاً فلسفياً موجعاً حول الإنسان نفسه. ومن هذا النوع تأتي رسالة الدكتوراه التي ناقشها الأسير المحرر ياسر أبو بكر حول مساهمة التعليم الجامعي في البيئة القسرية في تنمية مهارات البحث العلمي والتفكير الإيجابي والمهارات الحياتية لدى الأسرى الفلسطينيين المحررين.
ولعل أهم ما تثيره هذه الرسالة هو إعادة التفكير في مفهوم البيئة التعليمية نفسها؛ فالمدارس والجامعات كثيراً ما تُعرَّف من خلال المباني والقاعات والمختبرات. لكن التجارب الإنسانية الكبرى تثبت أن البيئة التعليمية الحقيقية ليست الجدران، بل العلاقات والأفكار والدافعية الداخلية للتعلم.
وقد يظن القارئ أن أهمية الرسالة تكمن في موضوعها أو نتائجها، لكن قيمتها الأعمق تكمن في أنها تدفعنا إلى مراجعة أحد أكثر المفاهيم التربوية استقراراً: ما التعليم؟
لقد اختزلت النظم التعليمية الحديثة التعليم في الغالب إلى عملية منظمة لنقل المعرفة وإنتاج الكفاءات المهنية. وأصبحت المدرسة مصنعاً للشهادات، والجامعة معبراً إلى سوق العمل، والطالب رقماً في منظومة قياس الأداء. غير أن التجارب الإنسانية الكبرى كانت دائماً تكشف هشاشة هذا التعريف.
فالإنسان لا يتعلم فقط ليعمل، بل يتعلم ليصبح إنساناً أكثر قدرة على فهم ذاته والعالم. وهنا تحديداً تتجلى القيمة الفلسفية العميقة لتجربة التعليم في البيئات القسرية؛ إذ يسقط الهدف النفعي المباشر للتعليم، وتبقى جوهرية المعرفة عارية أمامنا.
في الظروف الطبيعية قد يدرس الإنسان من أجل وظيفة أو مكانة اجتماعية أو ترقٍّ اقتصادي، أما حين تصبح الحرية نفسها محدودة، فإن التعليم يتحرر من وظائفه الثانوية ويعود إلى أصله الأول: البحث عن المعنى.
إن السؤال الحقيقي الذي تطرحه تجربة (ياسر أبو بكر) ليس كيف تعلّم الإنسان في ظروف صعبة، بل لماذا ظل راغباً في التعلم أصلاً؟
هذا السؤال هو جوهر الفلسفة التربوية كلها؛ فمنذ أفلاطون وحتى (هانا أرندت)، ظل التعليم مرتبطاً بفكرة تجاوز الواقع المباشر نحو أفق أوسع من الفهم. الإنسان يتعلم لأنه الكائن الوحيد الذي لا يكتفي بالعيش داخل العالم، بل يريد تفسيره وتأويله وإعادة بنائه. ولذلك فإن الرغبة في المعرفة ليست حاجة وظيفية فحسب، بل حاجة وجودية.
وحين يصرّ الإنسان على التعلم في بيئة مصممة أصلاً لتقليص الخيارات وإعادة تشكيل الزمن اليومي، فإن فعل التعلم يتحول من نشاط معرفي إلى موقف فلسفي. إنه إعلان ضمني بأن الوعي ما زال قادراً على إنتاج ذاته.
ومن هنا تبدو مهارات البحث العلمي التي تناولتها الرسالة أكثر من مجرد أدوات أكاديمية. فالبحث العلمي في جوهره ليس منهجاً لإعداد الدراسات فحسب، بل هو تدريب للعقل على مقاومة السطحية. إنه انتقال من الانطباع إلى البرهان، ومن الظن إلى الدليل، ومن التلقي السلبي إلى المشاركة في إنتاج المعرفة.وحين يمتلك الإنسان هذه القدرة فإنه يتحرر من أخطر أشكال القيد: قيد الجهل.
ولعل هذا ما يجعل العلاقة بين التعليم والحرية أكثر تعقيداً مما نتصور؛ فالحرية ليست فقط قدرة الجسد على الحركة، بل قدرة العقل على التفكير المستقل. وقد يمتلك إنسان حرية الحركة بينما يعيش أسيراً لأفكار جامدة، في حين يمتلك آخر مساحة واسعة من الاستقلال الفكري رغم قسوة الظروف المحيطة به.
ولعل أجمل ما يمكن استخلاصه من هذه الدراسة أن المعرفة ليست ترفاً، بل حاجة إنسانية عميقة. فالإنسان يتعلم لأنه يريد أن يفهم العالم ويفهم نفسه. وكلما اتسعت دائرة الفهم اتسعت دائرة الحرية.
لهذا كان الفيلسوف الألماني (كانط) يربط التنوير بقدرة الإنسان على استخدام عقله دون وصاية. والتربية الحقيقية هي التي تنقل الفرد من التبعية الفكرية إلى الاستقلال الفكري.
ومن هنا تكتسب الرسالة أهمية استثنائية؛ لأنها لا تدرس أثر التعليم في التحصيل المعرفي فقط، بل تبحث في أثره في تنمية مهارات البحث العلمي والتفكير الإيجابي والمهارات الحياتية. وهذه الأبعاد الثلاثة تمثل في الحقيقة مستويات متكاملة لبناء الإنسان.
وأيضاً تكتسب نتائج الرسالة المتعلقة بالتفكير الإيجابي أهمية تربوية خاصة؛ فالتفكير الإيجابي ليس كما يُسوَّق له أحياناً مجرد شعارات تفاؤلية أو وصفات نفسية جاهزة. بل هو قدرة عقلية على إعادة تأويل الواقع دون إنكار حقائقه. إنه مهارة معرفية قبل أن يكون حالة شعورية.
فالإنسان الإيجابي ليس من يرى العالم جميلاً دائماً، بل من يستطيع اكتشاف إمكانات الفعل داخل حدود الواقع،وهذه إحدى أهم وظائف التربية الحديثة؛فالمدرسة ليست مؤسسة لتعليم الحقائق فقط، بل فضاء لتعليم الأمل أيضاً، والأمل هنا ليس عاطفة رومانسية، بل كفاءة عقلية تمكن الإنسان من رؤية المستقبل بوصفه مجالاً مفتوحاً للإمكان.
إن أخطر ما قد يصيب أي مجتمع ليس الفقر المعرفي، بل الفقر في الأمل، وحين ينجح التعليم في إنتاج الأمل فإنه يكون قد أدى وظيفة حضارية تتجاوز بكثير حدود المناهج الدراسية.
أما المهارات الحياتية التي تناولتها الرسالة، فهي تمثل في الحقيقة جوهر التحول التربوي العالمي المعاصر.لقد اكتشفت الأنظمة التعليمية المتقدمة أن المعرفة وحدها لم تعد كافية؛ ففي عصر الذكاء الاصطناعي والانفجار المعرفي، أصبحت القيمة الحقيقية للإنسان تكمن في قدرته على التفكير النقدي، والتواصل، والتكيف، وحل المشكلات، وإدارة الانفعالات، واتخاذ القرار.أي أن التعليم أصبح معنياً بتكوين الإنسان أكثر من تكديس المعلومات داخله.
وهنا تبرز المفارقة المؤلمة؛ ففي الوقت الذي ما زالت فيه بعض مدارسنا تقيس النجاح بعدد الصفحات المحفوظة، تكشف هذه التجارب أن القيمة الحقيقية للتعليم تكمن في بناء الشخصية القادرة على مواصلة التعلم مهما تغيرت الظروف.
إن الدرس الأعمق الذي تقدمه تجربة الباحث ياسر أبو بكر لا يتعلق بالسجن ولا بالأسر، بل يتعلق بالتربية نفسها.إنها تذكرنا بأن التعليم ليس تابعاً للمكان. فالمكان قد يحدد الظروف، لكنه لا يحدد بالضرورة إمكانات العقل.
فالتاريخ الإنساني مليء بأمثلة تؤكد أن الأفكار الكبرى كثيراً ما ولدت في ظروف لم تكن مثالية، وأن المعرفة كانت دائماً قادرة على فتح نوافذ في أكثر الجدران صلابة، ومن هنا فإن الرسالة تستحق أن تُقرأ تربوياً بوصفها دعوة لإعادة النظر في فلسفة التعليم الفلسطينية والعربية:
هل نريد متعلمين يحفظون ما يُقال لهم؟ أم نريد بشراً قادرين على إنتاج المعنى؟ هل نريد خريجين يحملون شهادات؟ أم نريد عقولاً تمتلك القدرة على التفكير الحر؟
إن الفرق بين المشروعين هو الفرق بين تعليم يملأ الذاكرة وتعليم يبني الإنسان، وفي النهاية، ربما لا تكمن القيمة الحقيقية لهذه الرسالة في النتائج التي توصلت إليها، بل في السؤال الذي تتركه مفتوحاً أمامنا جميعا:
إذا كان التعليم قادراً على أن يصنع كل هذا الأثر في بيئة قسرية محدودة الإمكانات، فماذا يمكن أن يصنع لو أصبح بناء الإنسان هو الغاية المركزية لكل مؤسساتنا التربوية؟
ذلك هو السؤال الذي ينبغي أن يشغلنا، لأنه سؤال المستقبل، وسؤال التربية، وسؤال الإنسان معاً.





Share your opinion
حين ينتصر العقل على شروط وجوده