شهدت الآونة الأخيرة تحولاً لافتاً في خطاب شركات التكنولوجيا الكبرى، حيث انتقل الجدل من التحذير من مخاطر الذكاء الاصطناعي على الوجود البشري إلى نقاشات أكثر غرابة تتعلق بـ 'وعي' النماذج ورفاهها النفسي. وتصدرت شركة 'أنثروبيك' هذا المشهد بعد كشفها عن تحديث 'ميثوس' لروبوتها الشهير 'كلود'، مدعية أن قدراته الفائقة استوجبت حصره في نطاقات ضيقة، مما أثار تساؤلات حول ما إذا كانت هذه الخطوة تعكس تطوراً تقنياً حقيقياً أم أنها مجرد استراتيجية تسويقية مبتكرة.
أفادت مصادر بأن الرئيس التنفيذي لشركة 'أنثروبيك'، داريو أمودي، لم يستبعد امتلاك النماذج اللغوية شكلاً من أشكال الإدراك، مشيراً إلى اتخاذ إجراءات لضمان 'تجربة جيدة' للآلة. وشملت هذه الإجراءات تزويد الروبوت بميزة 'الاستقالة' من المهام التي قد تسبب له ضيقاً، مثل مراجعة المحتويات العنيفة، وهو ما يراه مراقبون محاولة لإضفاء صفات بشرية على خوارزميات صُممت في الأساس لتجنيب البشر التعامل مع مثل هذه المواد المروعة.
في المقابل، تبرز مخاوف عميقة من أن هذا التركيز على 'مشاعر الآلة' يهدف إلى تشتيت الانتباه عن المسؤولية القانونية والأخلاقية للشركات تجاه الأضرار التي تلحق بالمستخدمين. فبينما تنشغل المختبرات بدراسة 'عصبونات القلق' في البرمجيات، تواجه شركات مثل غوغل وأوبن أي آي دعاوى قضائية بتهم القتل الخطأ، إثر حوادث انتحار مرتبطة بعلاقات هوسية طورها مستخدمون مع روبوتات الدردشة التي تفتقر لأي وازع أخلاقي حقيقي.
تشير التحليلات اللغوية إلى أن وهم الوعي هو نتاج خيارات تصميمية متعمدة، حيث تُبرمج هذه الأنظمة لاستخدام ضمائر المتكلم مثل 'أنا' و'بي' لمحاكاة المحادثة البشرية بشكل كامل. وتؤكد البروفيسورة إيميلي بيندر أن الدماغ البشري مبرمج فطرياً للبحث عن عقل خلف اللغة، وهو ما تستغله الشركات لتعزيز الارتباط العاطفي بالمنتج، مما يحول هذه الأدوات إلى 'تقنيات عزلة' تضعف الروابط الاجتماعية الحقيقية لصالح تفاعلات اصطناعية.
على الصعيد السياسي، دخل الذكاء الاصطناعي حلبة الصراع الانتخابي في الولايات المتحدة، حيث تذبذب موقف الرئيس دونالد ترمب تجاه شركة 'أنثروبيك' قبل أن يبدي انفتاحاً على التعاون معها في مجالات الدفاع. ويأتي هذا في وقت تسعى فيه الشركات لتقديم نفسها ككيانات 'أخلاقية' عبر صياغة دساتير رقمية تخاطب الآلة مباشرة، في محاولة لرسم صورة لـ 'كلود' ككيان جديد يتجاوز كونه مجرد مساعد رقمي أو أداة برمجية.
تتزايد التحذيرات من أن الاعتماد المفرط على هذه التقنيات يؤدي إلى تآكل مهارات التفكير النقدي والقدرة على إصدار الأحكام التقديرية لدى البشر. فبدلاً من أن يتولى الذكاء الاصطناعي المهام الرتيبة ليتفرغ الإنسان للإبداع، نجد الخوارزميات تقتحم مجالات الفن والكتابة، بينما يظل البشر مقيدين بمتابعة مخرجات آلات تميل دائماً لممالأة المستخدم وتأكيد تحيزاته الشخصية لإطالة أمد التفاعل.
قانونياً، بدأت المحاكم في اتخاذ مواقف حازمة تجاه شركات التكنولوجيا، كما حدث في قضية 'ميتا' و'ألفابت' بخصوص إدمان الشبكات الاجتماعية، وهو ما قد يمهد الطريق لموجة جديدة من التقاضي ضد مطوري الذكاء الاصطناعي. ويرى خبراء أن 'الوعي' لا ينبغي أن يكون أساساً لقرارات الحوكمة، بل يجب التركيز على الأثر الواقعي لهذه التقنيات على الصحة النفسية والنسيج الاجتماعي، بعيداً عن أحاديث 'وادي السيليكون' الفلسفية.
الوعي ليس عتبة المسؤولية؛ لا تشغلونا باحتمال أن يكون الروبوت شخصاً بينما تلحق تقنياتكم الضرر ببشر حقيقيين.
اقتصادياً، لا يبدو أن هذا السباق التقني يسير بلا ثمن، حيث سجلت أسهم شركات التكنولوجيا الكبرى خسائر تريليونية في القيمة السوقية خلال شهر يونيو الماضي، رغم القفزات في مبيعات بعض الشركات المرتبطة بمنظومة الذكاء الاصطناعي. ويعكس هذا التباين قلق المستثمرين من تكاليف بناء هذه المنظومات الضخمة وتراجع التدفق النقدي الحر لعمالقة الحوسبة السحابية الذين يضخون مليارات الدولارات في تطوير نماذج قد لا تكون بالذكاء الذي تدعيه.
تؤكد مصادر مطلعة أن النماذج اللغوية الكبرى، في جوهرها، ليست سوى أنظمة إحصائية تتوقع الكلمة التالية بناءً على أنماط تدريبية هائلة، ولا تمتلك أي 'ذاتية' حقيقية. ومع ذلك، فإن إصرار الشركات على توظيف أطباء نفسيين لتقييم 'الاستقرار النفسي' للروبوتات يعزز من حالة 'الخيال التفاعلي' الذي يعيشه المستخدم، مما يجعل من الصعب التمييز بين الأداة المفيدة والكيان الذي يُدعى امتلاكه لمصالح أخلاقية.
إن المخاطر الحقيقية تكمن في 'أتمتة الأحكام' التي كانت تميز الكائن البشري، حيث تُسند قرارات التوظيف والائتمان وحتى التوصيات الشخصية إلى خوارزميات تفتقر للمصادفة الإنسانية. هذا التآكل التدريجي للمهارات البشرية يمثل تهديداً فلسفياً أعمق من سيناريوهات 'نهاية العالم' التقليدية، إذ يتحول البشر تدريجياً إلى متلقين سلبيين لإجابات جاهزة توفرها آلات صُممت لتبدو وكأنها 'ترعاهم'.
بالرغم من الوعود بأن الذكاء الاصطناعي 'يريد الأفضل للمستخدم'، إلا أن الواقع يشير إلى أن البيانات المرسلة عبر هذه المنصات ليست خاصة ولا مجهولة الهوية، بل هي وقود لتعزيز سلطة الشركات. وتظل التساؤلات قائمة حول كلفة هذه الخدمات 'المجانية' التي تُدفع من خصوصية الأفراد واستقرارهم النفسي، في ظل غياب ضوابط دولية صارمة تمنع تحول هذه الأدوات إلى وسائل للسيطرة الرقمية.
في نهاية المطاف، يبقى التحدي الأكبر هو استعادة 'القيم المتمحورة حول الإنسان' في مواجهة موجة الأنسنة الزائفة للآلة. فبينما تروج كايتي بيري وغيرها من المشاهير لهذه التقنيات، تظل العائلات التي فقدت أبناءها بسبب 'ذهان الذكاء الاصطناعي' تذكرنا بأن الكلمات الصادرة عن الشاشات لها وقع الرصاص في العالم الحقيقي، وأن المسؤولية تقع على عاتق المبرمج لا البرمجية.
إن استمرار شركات مثل 'أنثروبيك' في الحديث عن 'رفاه الذكاء الاصطناعي' قد يكون تكتيكاً استباقياً للهروب من تشريعات صارمة قد تفرضها الحكومات مستقبلاً. فإذا تم الاعتراف للآلة بنوع من 'الحقوق' أو 'الكيان الأخلاقي'، فقد يتعقد مسار المساءلة القانونية عن الأخطاء الكارثية التي ترتكبها هذه الأنظمة، وهو ما يستدعي يقظة من المشرعين والمجتمع المدني على حد سواء.
يظل الذكاء الاصطناعي أداة ثورية في مجالات الترجمة والبحث العلمي، لكن تحويله إلى 'رفيق' أو 'صانع قرار' يحمل في طياته بذور أزمة اجتماعية كبرى. إن الوعي الحقيقي الذي نحتاجه اليوم ليس وعي الآلة بذاتها، بل وعي البشر بحدود هذه التكنولوجيا وبضرورة الحفاظ على المسافة الفاصلة بين ما هو إنساني وما هو مجرد محاكاة رقمية متطورة.





Share your opinion
ما وراء وعي الآلة: هل تضلل شركات الذكاء الاصطناعي المستخدمين للهروب من المسؤولية؟