كل المقربين لي يعرفون انني من اشد المعجبين بمراقبه تصرفات الناس وتحليلها ، قد اجلس ساعات متواصله وانا انظر اليهم سواء في حديقه او مكتبه او مقهى او رواق جامعه ، ليس من باب إعطاء الاحكام او التنظير انما من باب فهم السلوك البشري ، إليكم القصه الحقيقه الاتيه التي سأرويها لكم وكانت هي المحرك الحقيقي والفعلي لكتابه هذا المقال .
قبل عده ايام بينما كنت أراقب نقاشاً حيوياً بين مجموعة من الفتيات في مقهى لفت انتباهي كيف أن إحداهن لم تكتفِ بسؤال هاتفها الذكي عن معلومة، بل طلبت منه أن "يقرر" نيابة عنها جدول دراستها، ويصيغ رسالة اعتذار لأستاذتها بل ويقترح عليها أفضل خيار لوجبة الغداء بناءً على بياناتها الصحية. هذا لم يكن مجرد استخدام لأداة بحث بل كان تفويضاً كاملاً لـ "وكيل" يتخذ القرارات. في تلك اللحظة، تساءلت إذا كانت الآلة تتخذ قراراتنا اليومية نيابة عنا، فما الذي يتبقى من استقلاليتنا الإنسانية؟ وكيف نربي جيلاً قادراً على اتخاذ القرار في عصر تُتخذ فيه القرارات نيابة عنه؟
نحن نعيش اليوم تحولاً جذرياً يتجاوز مجرد الاعتماد على محركات البحث أو النماذج اللغوية التوليدية. لقد دخلنا حقبة "الوكلاء الأذكياء" (Agentic AI)، وهي أنظمة لا تكتفي بتوليد النصوص بل تتصرف وتفاوض وتنفذ المهام باستقلالية شبه تامة . تشير الإحصاءات إلى أن 79% من المؤسسات تبنت هذه التقنيات بحلول عام 2025 مع توقعات بأن تدير هذه الأنظمة 80% من تفاعلات خدمة العملاء دون تدخل بشري بحلول عام 2029 . هذا التحول يطرح تحديات عميقة تتجاوز الجانب التقني لتلامس صميم بنيتنا المعرفية والاجتماعية.
قبل عشرين عاماً او اكثر كان اتخاذ القرار في مجتمعاتنا الشرقية، وتحديداً في مدن ذات نسيج اجتماعي متماسك مثل القدس، عملية تشاركية بامتياز. كانت "حكمة المجالس" والتشاور العائلي هي البوصلة التي توجه الأفراد في خياراتهم، بدءاً من اختيار التخصص الجامعي وصولاً إلى القرارات المصيرية. كان "كبير العائلة" أو "المربي" يمثل مرجعية تستند إلى خبرة متراكمة، وفراسة، وفهم عميق للسياقين الإنساني والاجتماعي.
اليوم، حلت خوارزميات التوصية والوكلاء الأذكياء محل هذه المرجعيات البشرية. في اقتصاد الانتباه (Attention Economy)، حيث تتنافس المنصات الرقمية للاستحواذ على تركيزنا، تقدم لنا التكنولوجيا إغراءً لا يقاوم يعرف باسم "التفريغ المعرفي" (Cognitive Offloading) . نحن ننقل العبء الذهني لاتخاذ القرار إلى الآلة بحجة توفير الوقت والجهد. ولكن هل نحن حقاً نوفر الوقت لنستثمره في مهام أكثر أهمية أم أننا نتنازل تدريجياً عن "عضلة" التفكير النقدي؟
صاغ عالم الاقتصاد الحائز على جائزة نوبل، هربرت سيمون، مفهوم "العقلانية المحدودة" (Bounded Rationality)، مشيراً إلى أن البشر لا يتخذون قرارات مثالية، بل قرارات "مُرضية" بسبب محدودية قدراتهم المعرفية والوقت المتاح . الوكلاء الأذكياء يعدوننا بتجاوز هذه المحدودية من خلال معالجة كميات هائلة من البيانات في ثوانٍ. ومع ذلك فإن هذا الاعتماد المفرط يولد ظاهرة تُعرف بـ "تحيز الأتمتة" (Automation Bias) حيث يميل الأفراد إلى الثقة العمياء في قرارات الآلة حتى عندما تتعارض مع حدسهم أو خبرتهم .
تشير دراسة حديثة صادرة عن مختبر الوسائط في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT Media Lab) إلى أن الاعتماد المفرط على حلول الذكاء الاصطناعي قد يسهم في "ضمور معرفي" وتراجع في مهارات التفكير النقدي . عندما نعتاد على تلقي إجابات جاهزة وقرارات معلبة فإننا نفقد القدرة على تحمل الغموض ومواجهة التحديات وبناء المعنى. وكما يوضح دان ليفي المحاضر في جامعة هارفارد: "لا يحدث تعلم ما لم يكن الدماغ منخرطاً بفاعلية في صنع المعنى" .
من منظور الإدارة التعليمية، يفرض هذا الواقع إعادة نظر شاملة في فلسفتنا التربوية. إذا كانت الآلة قادرة على معالجة البيانات واتخاذ القرارات الروتينية بكفاءة أعلى، فما هو دور المؤسسة التعليمية؟؟؟؟ الإجابة تكمن في التركيز على ما يجعلنا بشراً.
يؤكد فواز حبال الأستاذ في جامعة هارفارد، أن "الآلات تحسب ولا تمتلك تجارب إنسانية… التعلم الآلي يعتمد على التعديلات الإحصائية، بينما البشر ينظمون الحياة في علاقتها بالمعنى" . لذلك، يجب أن تتحول المدارس والجامعات من مراكز لتلقين المعلومات إلى بيئات حاضنة لـ "المهارات الناعمة" العميقة: التعاطف، الحدس، التفكير الأخلاقي، والقدرة على التعامل مع التناقضات الإنسانية.وقد سبق وكتبت عنها في مقال سابق .
علينا أن نعيد الاعتبار لدور "المعلم الإنسان" الذي لا يكتفي بنقل المعرفة، بل يقرأ لغة الجسد، ويفهم السياق النفسي للطالب، ويوجهه بحكمة لا يمكن لأي خوارزمية محاكاتها. كما تشير تينا غروتزر الباحثة في هارفارد فإن العقول البشرية قادرة على القيام بقفزات حدسية سريعة بفضل "علامات الجسد" (Somatic Markers)، وهي ميزة تتفوق بها على النماذج الحسابية البحتة .
إن التحدي الحقيقي في عصر الوكلاء الأذكياء ليس في رفض التكنولوجيا، بل في كيفية استخدامها دون أن نفقد سيادتنا على عقولنا. يجب أن نربي أبناءنا على أن يكونوا "سادة" للآلة لا مجرد مستهلكين لقراراتها. يتطلب ذلك تعزيز الوعي الذاتي، وتشجيع الحوار العائلي والمجتمعي، وإعادة إحياء ثقافة "المجالس" بصيغة عصرية تدمج بين حكمة الماضي وأدوات الحاضر.
في النهاية، قد يتمكن الذكاء الاصطناعي من حجز تذكرة سفر أو صياغة رسالة إلكترونية، لكنه لن يتمكن أبداً من استشعار دفء اللقاء العائلي، أو فهم عمق المعاناة الإنسانية، أو اتخاذ قرار أخلاقي ينبع من ضمير حي. بوصلتنا الداخلية هي ما يجعلنا بشراً، وعلينا أن نحرسها بعناية في عالم يزداد أتمتة يوماً بعد يوم.
Mon 06 Apr 2026 11:59 am - Jerusalem Time





Share your opinion
"اقتصاد الانتباه"