إلى كل أم وأب يقرأ كلماتي الآن، أراكم بوضوح، وأشعر تماماً بثقل الأيام التي نمر بها. بصفتي أماً قبل أن أكون متخصصة وأحمل شهادة الدكتوراه في الإدارة التربوية، أتابع يومياً وباهتمام بالغ تلك النقاشات والشكاوى المحقة التي تضج بها منصات التواصل الاجتماعي حول تجربة التعليم عن بعد. نعم، الأمر مرهق إلى حد الاستنزاف، والظروف الاستثنائية التي فرضت علينا هذا الواقع قاسية جداً. نحن نعيش وضعاً راهناً يمتص طاقاتنا النفسية والجسدية بلا هوادة، وتحويل منازلنا الآمنة إلى قاعات دراسية لم يكن يوماً خياراً طوعياً نتمناه، بل بات ضرورة قصوى لحماية أبنائنا وضمان استمرارية حقهم الأصيل في الحياة والتعلم.
لكن، وسط هذه الغمامة من الإحباط العام والمنشورات التي يغلب عليها طابع التذمر، أجد لزاماً علينا أن نتوقف للحظة، لنتأمل المشهد من زاوية أوسع وأكثر عمقاً. التعليم عن بعد اليوم لم يعد مجرد تأدية واجب مدرسي ثقيل أو عبء إضافي نلقيه على كواهلكم المنهكة، بل هو في جوهره طوق النجاة الوحيد لضمان ألا تُسرق عقول ومستقبل أبنائنا كما تُسرق طمأنينتهم. إن التوقف عن التعلم في أوقات الأزمات والاضطرابات يمثل الخسارة الحقيقية والفادحة التي لا يمكن لأي مجتمع أن يعوضها مهما طال الزمن.
لغة الأرقام هنا لا تكذب، بل تدق ناقوس الخطر وتضعنا أمام مسؤولياتنا التاريخية. تشير أحدث تقارير منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف) إلى أن هناك ما لا يقل عن ثلاثين مليون طفل خارج أسوار المدارس في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وحدها، في حين تؤكد بيانات منظمة اليونسكو أن مائة وسبعة وعشرين مليون طفل وشاب في سن الدراسة يعيشون في بلدان متأثرة بالأزمات حول العالم محرومون من التعليم. هذه الإحصاءات المفزعة تخبرنا بحقيقة واحدة لا تقبل الجدل إن بقاء أبنائنا متصلين ببيئة التعلم، حتى وإن كان عبر شاشة باردة، هو امتياز عظيم وانتصار حقيقي على ظروف تحاول سلبهم غدهم.
قد يعتقد البعض أننا وحدنا من نكابد هذه المشقة، لكن الحقيقة أن دولاً رائدة عالمياً في مضمار التعليم تعتبر التعليم عن بعد ركيزة أساسية من ركائز قوة نظامها التربوي، حتى في أوقات الرخاء. في كوريا الجنوبية، ورغم بنيتهم التحتية التكنولوجية التي تسبق عصرها، واجهوا تحديات جمة في البدايات، لكنهم أدركوا بوعي استباقي أن المرونة وبناء نظام تعليمي لا تحده جدران المدرسة هو مفتاح العبور نحو المستقبل. أما في فنلندا، التي تتربع على عرش الأنظمة التعليمية في العالم، فالأمر يتجاوز مجرد حشو عقول الطلاب بالمعلومات عبر الشاشات؛ إذ يستثمرون التعلم عن بعد لبناء مهارة التعلم الذاتي والاعتماد على النفس، معتبرين إياها السلاح الأقوى والأبقى الذي يمكن منحه للطفل لمواجهة متغيرات الحياة.
وهنا، أجد لزاماً عليّ كمتخصصة أن أقف عند نقطة جوهرية وحساسة غالباً ما نغفل عنها ضغوطنا إن تذمرنا المستمر وشكوانا الدائمة أمام أبنائنا من عبء التعليم عن بعد، لا يمر مرور الكرام، بل يتسرب بصمت إلى أعماقهم ليصيغ موقفهم تجاه التعلم بأسره. في علم النفس التربوي، يُعد الوالدان “المرآة الأولى” التي يرى من خلالها الطفل عالمه؛ فإذا عكست هذه المرآة إحباطاً ورفضاً للعملية التعليمية، فإن الطفل سيتشرب هذا الرفض تلقائياً، وتتلاشى دافعيته للتعلم. إننا، ودون قصد منا، قد نكون المعول الذي يهدم جسر التواصل بين الطفل ومدرسته الافتراضية. حين يشعر الطفل أن والديه يعتبران تعليمه عبئاً ثقيلاً ومصدراً للتعاسة والتوتر في المنزل، فإنه سيفقد الشغف، وتتحول العملية التعليمية بأكملها إلى تجربة فاشلة ومحبطة للجميع. لذا، فإن وعينا بكلماتنا وانفعالاتنا أمامهم هو خط الدفاع الأول لضمان نجاح هذه التجربة.
وحتى نتمكن من إنجاح هذه المهمة الدقيقة داخل منازلنا دون أن نفقد توازننا النفسي، علينا أولاً وقبل كل شيء أن نتحلى بشجاعة التخلي عن سعينا المحموم نحو المثالية. لا بأس أبداً إن لم تسر الأمور كما خططنا لها، ولا بأس إن فاتت الطفل معلومة هنا أو هناك، فالأهم في ظل هذا الوضع الراهن والمشحون هو الحفاظ على الاستمرارية، وبقاء عقل الطفل يقظاً ومتصلاً بمسار التعلم. من الضروري أيضاً أن نبتكر روتيناً يومياً يتسم بالمرونة، من خلال تخصيص مساحة هادئة وبسيطة في المنزل للدراسة، مع الحرص على تخلل هذا الروتين فترات راحة كافية، كي لا نسمح للشاشات بأن تلتهم يوم الطفل وتستنزف حيويته.
هذه المرحلة الاستثنائية، بكل ما تحمله من قسوة، تظل فرصة ذهبية ليتعلم أبناؤنا مهارات حياتية حقيقية لا تُدرس في الكتب. دعوهم يتعلمون كيف يبحثون عن المعلومة بأنفسهم، وكيف يديرون أوقاتهم، وكيف يتحملون مسؤولية تعلمهم، بدلاً من حصر تركيزنا في دائرة الدرجات والتقييمات الأكاديمية الضيقة. وقبل كل هذا وذاك، تبقى الصحة النفسية هي حجر الزاوية والأساس المتين الذي نبني عليه كل شيء. احتضنوا أبناءكم، فالخوف والقلق الذي يعتصر قلوبنا، يتسرب إليهم ويشعرون به أضعافاً مضاعفة. اجعلوا من وقت التعليم مساحة دافئة للأمل والتواصل الإيجابي، ولا تسمحوا له بأن يتحول إلى ساحة لمعركة يومية تملأ أرجاء المنزل بالصراخ والتوتر.
أيها الآباء والأمهات، أنتم بلا شك أبطال هذه المرحلة الاستثنائية وحراس أحلام أبنائكم. لا تستسلموا لتيار الإحباط الجارف، ولا تدعوا أبناءكم يشعرون بأن تعليمهم بات عبئاً ثقيلاً عليكم. دعونا نتعامل مع التعليم عن بعد كجسر متين نعبر به بأبنائنا فوق أمواج هذه الأزمة نحو بر الأمان، متسلحين بالصبر والوعي، حتى تنجلي هذه الغمة ونعود لساحات المدارس ونحن أكثر قوة وصلابة وإيماناً بقيمة العلم.
Sun 29 Mar 2026 9:43 am - Jerusalem Time





Share your opinion
“أبناؤنا يتعلمون.. فهل نحن نتعلم؟”