Sun 30 Nov 2025 9:43 am - Jerusalem Time

مَن لي بالشّراب إذا عطش القلم..!

يوسف ناصر

                     
.. ما لهذا العالم الشّقيّ يفقد رشده، ويسعى إلى حتفه بيده، ويطحن عظام أبنائه، وجلاوزته المؤتمنون على العدل والسّلام في الأرض طردوا المحبّة خارج الأسوار وعلّقوها فوق المشانق..! وغدت بغيابها قلوب أكثر الناس صحارى جرداء من كلّ عاطفة وحسّ بالرّحمة، وٱستحالتِ الدّنيا في وضح نهارها ليلًا دامسًا انطفأت فيه الكواكب والشّهب ..! أولئك يوم حبِلتْ بهم أرحام أمّهاتهم، حبِلتْ بحجارة لم تنجب مثلها أحشاء البراكين عند مخاضها، يطربون على نواح الثّكالى، ويقيمون في أعلى أبنيات الظّلم والقتل وفوق عمارات قائمة على الرّؤوس والجماجم في أرجاء العالم !
 وكم ظننتُ إذ ذاك أن تدخل الأقلام مع عاطفتها وبأناشيد الأمل والفرح إلى كلّ كوخ، وكلّ خيمة، وكلّ بيت، وتعزّي المعذّبين في الأرض، وتنزل إلى قلوب الثّكالى، وبطون الجياع، وتقيم منَ الموت كلّ المكفّنين بالأحزان، وتطوف بأعلى أصواتها بين الشّعوب صارخةً " ارحموا من في الأرض يرحمْكم مَنْ في السّماء"..! وكم راعني إذ نظرت فوجدتُّ أكثرها أقلامًا سامّة تميت النّاس بغير سيف، وتُعيي التّرياقَ عن شفائهم، حين تؤجّج نيران العنصريّة، وتُذكي حرائق ﭐلضّغائن بين أبناء الدّيانات، وتناصر الظّلم، والاستبداد، تكتب للنّاس قاحلةً من كلّ عاطفة ما عدا الحقد والانتقام ، وجرداءَ من كلّ حنان ما خلا البغضاء والحسد ! وقد غرّها ما خلّفَتْه وراءها من هشيم يابس تمتدّ حقوله الواسعة إلى أقصى حدود الورق..! وقد حسِبتْ أن نقيق الضّفادع في الظّلام يُغني عن ألحان الكنار في الصّباح، ويعلو بثرثرته على هتاف الهزار في الخمائل..  
لا يعلم أولئك أنّ العاطفة غرْسُ الله في الإنسان وثمارها المحبّة والسّلام بين النّاس، ودونها يكون الإنسان وحشًا ضاريًا.. وأنّ العاطفة وحدها دون غيرها شراب الأقلام إذا اشتدّ الوهج..! وأنّها متى ارتوت من ينابيعها تونِع أحرفُها، وتخضرّ كلماتها وتأتي بالثّمر الكثير..! فمِن أين للأشجار أن تعلو باسقةً إن لم تشرب من نهر سيّال يتدفّق..! ومتى كان للرّبيع أن يختال بحلل الجمال فوق التّلال إن لم يَسْقِه المطر الهطّال كؤوسًا طافحة من الشّراب العذب ..!
.. ومتى كانت كؤوس الأدب لذيذة وحلوة المذاق، إذا لم يملأها القلم المِعطار من ذوب العاطفة وحشاشة الرّوح! فلا تقُلْ أيّها الورق: مَن لي بالشراب إذا عطش القلم.! حسْبُك أنّنا في زمن قحط القرائح وقد جفّت الجداول، ونضبت الأنهار منذ هلاك المحبّة والعاطفة في قلوب النّاس، وانقطاع أمطار النّعم السّماويّة قِصاصًا للبشر!
أيّها الورق! كيف لقلم في يدي أن يعطش يومًا ما دام هذا القلم ينزل في أعماقي إلى آباري الحافلة بالرّحيق السّلسل والكوثر العذب وينغب..! وما دام هذا القلم يسمع لعاطفتي هناك خرير الأنهار دفّاقة لا تنضب..! وحيث على ضفافها في الأعماق عندليب غرّيد يصدح للمحبّة بين النّاس من فمي..! وفي يدي أحمل من هناك هديّتي للنّاس وردة عبّاقة بأريج حرفي، مبشّرًا بالسّلام والأمل في الأرض..! فانهضْ يا قلم اهتفْ ونادِ: ليس في العالم كلّه بعد نور الله كنور الكلمة الطّيّبة..إنّها شمس الدّنيا وهالتها الكبرى.. لأنّها بالبدء كانت.. وأنوار الشّمس والقمر والكواكب تبقى عمياء طالما لا تستضيء بنورها..! ولأجلها وحدها وُلد الحرف والقلم!

Tags

Share your opinion

مَن لي بالشّراب إذا عطش القلم..!

Newsletter

Be the first to know the most important breaking news as it happens.

Stay up to date with the latest news. Subscribe to our breaking news service delivered to your inbox daily.

By subscribing, you agree to our Terms and Conditions and Privacy Policy.