Fri 21 Nov 2025 8:37 am - Jerusalem Time

غرّدْ أيها العندليبُ واصدحْ!

يوسف ناصر

قم باكرًا بيننا كما عهدتك، واجعل الصّباح البهيج مقيمًا عندنا دائمًا في هذا العالم.! وانهض في ليل هذا الزّمن الدّاجي واصدحْ  ليكون ليلًا أبيضَ لا ينعب فيه غراب، ولا ينأم في خرابه بوم.. واجعل صدور الحزانى منابرك، وبيوت ﭐلفقراء روضتك، وقلوب الثّكالى دوحتك، وعلى غصونها الذّابلة أنشدْ وغرّدْ وردّدْ ! واحملْ صوتك على أجنحة الأنسام الرّاحلة مبشّرًا بالفرح والرّجاء والخلاص من جحيم هذه الأرض الّتي تطبخ البشرية جمعاء في قِدْر من نار ولهب، وتوشك أن تمضي بها نحو الفناء وتحترق!    

كنتَ من قبلُ سجينًا في قفص عندي، فوبّختُ نفسي ندمًا لجنايتي على حرّيتك، وجلدتها بسياط من إبر حتّى أدميتها إذ جعلَتْني سجّانًا لك يومًا، حابسًا لألحانك، مقَيّدًا في زنزانة سمعي دون غيري، وأسيرًا لا تبرح قفص أهداب عيني وحدي، فلا تأنس بك الخمائل والجداول، ولا يزدان السّنديان والغار والزّيتون بجمال حُلّتك الحريريّة، وأجراس صوتك الموّاج، فأطلقتك، ولا تنسى لنبلك أن تأتي كلّ صباح إلى نافذتي تغنّي وفاءً لصاحبك، وعرفانًا بمعروف مَن ظلمك لا مَن أحسن إليك حين عزّ الوفاء بالعهود، وغاب منذ زمن سحيق حفظُ المعروف لمن أحسن! فكيف مَن حفظَ المعروف مثلك لمَن أساء!

يا قيثارة الجليل! ما أكبرَ صغرك، وما أصغرَ كبر العالم فيك! إنّك بصغرك أيّها المطرب الموهوب، قد بغّضتَ إلى نفسي الصّقور الجوارح، والنّسور الكواسر.. أنت نجم المجوس الطائر في الفضاء نهارًا، وعلامة من علامات السّماء في الأرض، وإعلان من إعلانات الله تتحدّى جبروت الموت، وظلمة الأحزان، وفَتكة الوحوش الضّواري، وتبشّر بالسّلام، وتمنع اليأس المميت عن نفوس المكروبين، وتدفعهم إلى التّأمال الدّائم بأنّ المحبّة هي المنتصرة على البغضاء، وأنّ النّور يمحو الظّلام دائمًا في الأرض.

إيّاك أن تسكت، فتبرح منابرك في الرّياض، وعلى القمم، وفي الأثير! غرّدْ وأنشدْ لتعزّي وتبشّر بالسّلام المفقود في العالم، لأنّه عصر الدّموع والنّواح، ومواكب الجنازات، وسيول الدّماء، وزمن الموت الرّخيص الّذي يقتل العنادل، ويحبس الفرح عن بشريّة كئيبة! فلا تعجبْ إنِ اشتدّ الحرّ وجاءك القيظ يومًا، ووقفت على غصون الشّجر لتغنّي أن تجدها رؤوسَ حيّات رُقْط تُنضْنِض بألسنتها لتلدغك، وثمارها قنابل تتدلّى لتصرعك، وأوراقها جمرات تتلظّى نارًا لتحرقك! فعاجلْ واخرجْ من فورك حين ذاك، وقف على ظهر سحابة بيضاء، ورتلّ هناك وغرّد ولا تخف! وإن جعتَ وعطشتَ يومًا فتعالَ وقف على راحة كفّي لأطعمك حبّات قمح من قلبي، وقطرات ماء من عيني لأنّك بشير سلام ومحبة ورحمة في هذا العالم.

إنّ شلّال الألحان الصّاخب الّذي يتدفّق من موسيقا حنجرتك أبلغ من كلّ كلمة جرّها قلم، ونطق بها لسان! وإنّ من حنجرتك تطير أصوات كلّ المغنّين الذين غنّوا لفرح الناس منذ نشأة البشرية ! قُلْ لي: ومَن غير الموسيقا بزخّاتها إذا انهمرت على الأرواح الحزينة، له القوّة في هذا العالم أن يُخرج الدّمعة من المآقي في تذكار الأحبة ، ويؤجّج الحنين إلى من غابوا ، ويطهّر ﭐلقلوب من كلّ حزن وألم، وينقّي ﭐلنّفوس من كلّ حقد وضغينة، وينعش النفس من غمّائها بالفرح، ويدفع الإنسان إلى ﭐلنّدم عن إساءة ارتكبها، ويحضّه على مسامحة من أساؤوا إليه وأذنبوا ! ومَن غير الموسيقا يُرقّق الطّبائع الخشنة، ويَهيج الحسّ المرهف، ويرتفع بسامعها حتّى يصل حدّ التّألّه بطهارته وصفاء روحه من كلّ رجس ودنس!

"تعالَ وانظرْ" أيّها القدّيس الصّغير! إنّ ربّ النّاس في هذا العالم مالٌ رخيص في جيوبهم.. ومعبودهم في أيديهم ورق رِقٍّ يستعبدهم.. يعظّمون هذا الإله الصّنم ﭐلّذي يُبدع أفانين ﭐلغنى ﭐلحرام، وﭐلطّمع وﭐلظّلم، والِاسْتبداد في الأرض! اُنظرْ كيف خرجتِ الوحوش الضّواري المختبئة في صدور أكثر النّاس تهجم كالحة الأنياب تطلب فريستها، فلا تسمع سوى أنين المعذّبين، ونواح الثّكالى في الأرض..! وأكثر النّاس يُصلّون دجّالين .. ويطلبون المعابد سرّاقين.. ويدعون إلى الرّحمة سفّاحين.. ويتملّقون الطّغاة مُرائين! يخرجون بأنفس الحلل وأبهى الملابس إلى لقاء أحدهم طمعًا برضاه، ودفعًا لشرّه! فالويل لأولئك الذين يخشون الملك الأرضيّ الزّائل، ويتحامون غضبه، ولا يخشون ربّ ﭐلأرباب وملك الملوك السّرمديّ في السّماء، ولا يتزيّنون بحلل الفضائل وثياب الأخلاق عند مقابلته يوم الدّينونة وساعة الغضب .. " فمن له أذنان للسّمع فليسمع "

Tags

Share your opinion

غرّدْ أيها العندليبُ واصدحْ!

Newsletter

Be the first to know the most important breaking news as it happens.

Stay up to date with the latest news. Subscribe to our breaking news service delivered to your inbox daily.

By subscribing, you agree to our Terms and Conditions and Privacy Policy.