Thu 30 Oct 2025 8:45 am - Jerusalem Time

لماذا انتشر العنف في الوسط العربي في الداخل الفلسطيني بصورة كبيرة في السنوات الأخيرة

د. عزمي أبو السعود

واجه علماء الاجتماع مشكلةً رئيسية، ألا وهي وضع تعريف موحد للعنف، سواء من ناحية السياق اللفظي أو من ناحية التعريف الإجرائي، وهذا ما أدى إلى تنوع وتعدد تعاريفه من عالم اجتماع إلى آخر. ويأخذ العنف أشكالاً عديدة؛ حيث يعرف ماكنزي العنف على أنه "ممارسة تهدف إلى إحداث خسائر للأشخاص أو الممتلكات، فعل أو سلوك يحمل هذه السمة، معاملة أو تقليد يميل إلى التسبب في ضرر فيزيقي أو الاعتداء بالقوة على حرية الفرد".

في السنوات الأخيرة، ازداد العنف داخل المجتمع العربي في الداخل الفلسطيني، وباتت قضيةً هامة تؤرّق وتُمس جميع الأفراد الذين ارتبطوا بصورة مباشرة أو غير مباشرة بمجريات الأحداث، وأثَّرَ على حياتهم اليومية.
وعندما نقول "الداخل الفلسطيني"، فإننا نقصد تلك الشريحة من المجتمع الفلسطيني التي بقيت بعد نكبة 1948 ضمن حدود الهدنة عام 1949، وضمن أقلية عربية، حاول الكيان الإسرائيلي فيها فصل وجودهم عن باقي الشعب الفلسطيني، وذلك عن طريق ممارسات سياسية وأمنية واجتماعية تهدف إلى إعاقة تطور مجتمعهم.
يتوزع الوجود الفلسطيني على معظم المناطق الجغرافية الفلسطينية المحتلة عام 1948، حيث يقطن ما نسبته 60% تقريباً في شمال فلسطين (الجليل)، وحوالي 30% تقريباً في الوسط، وما نسبته 10% تقريباً في منطقة النقب.
تم إطلاق تسميات عديدة عليهم، منها: عرب 48، عرب الداخل المحتل، عرب إسرائيل، مواطنو الخط الأخضر، وهذا برأيي خَلَقَ بلبلة في تحديد الهوية السياسية والاجتماعية. حاول هؤلاء الفلسطينيون المحافظة على هويتهم، ومع كل الصعوبات التي يواجهونها في حياتهم اليومية، وحاولوا الحفاظ على هويتهم الثقافية والدينية والاجتماعية، وذلك من خلال محاولتهم تعزيز الانتماء والوحدة، مثلاً عبر تشكيل لجنة المتابعة العليا.
هل للأسرة دور في تنامي ظاهرة العنف؟
الأسرة هي النواة الأولى لنشوء المجتمعات، وهي أهم منظومة اجتماعية يتكون منها البناء الاجتماعي والسياسي لأي دولة. ولا بد من الإشارة إلى أن الأسرة الفلسطينية عانت من إشكالية تطورت معها عبر الزمن، وهي أزمة التحدي الحضري، وتمثلت بانتقالها من بيئة اجتماعية سائدة إلى نمط اجتماعي جديد تكونت ملامحه بعد عام 1948م، وجعلها عرضة للتأثير الإسرائيلي، وهذا أثر على التركيبة الأسرية والمجتمعية. ومع تعمد إبقاء الوسط العربي بعيداً عن دائرة التجديد والتطوير، مما ساهم في زعزعة المفهوم الوظيفي والصراعي المطلوب من الأسرة الفلسطينية، وأدى إلى تغيير مبنى الأسرة نتيجة التغييرات في أنماط العلاقات بين الآباء والأبناء داخل الأسرة والعائلة. ولا بد أن هذا قد ولد ضغطاً.
إن التغيير في الشكل الاقتصادي السائد لفلسطينيي الداخل أدى إلى ظهور العديد من الأنماط الاقتصادية، كتغير في ثقافة المأكل والمسكن والملبس، وظهور الفوارق الفردية، مما كان الأساس لظهور كثير من الظواهر الاجتماعية القائمة على الاختلافات الفردية والمادية. وهذه التغييرات حدثت نتيجة التطورات الديموغرافية والزيادة السكانية والتعامل مع القوميات الأخرى الموجودة في الوسط الاجتماعي الإسرائيلي.
إن انكشاف المجتمع العربي في الداخل على مجتمعات أخرى جعله يمر بمراحل تغييرات سريعة، ونتيجة للأزمات الاقتصادية والسياسية والعيش في واقع اجتماعي صعب، دفعَه لأن يبدأ بفقدان المنظومة الموحدة لنسيجه الاجتماعي، وتخلخل منظومته القيمية، وانتشار الكثير من الظواهر السلبية فيه.
ساهمت المعايشة اليومية بين المجتمعين (الإسرائيلي) والعربي (الفلسطيني) في التأثير على السلوكيات الاجتماعية لفلسطينيي الداخل المحتل، خاصة فيما يتعلق بالجوانب الحياتية والمعيشية.
النظريات الاجتماعية وتحليل العنف
يعتبر ماكس فيبر أن الفعل الإنساني هو اجتماعي بمقدار ما يدخل في الحسبان سلوك الآخرين، وبمقدار ما يتأثر بهم في مجراه، وذلك جراء واقع الدلالة الذاتية التي يعلقها بهذا الفعل: "الفرد أمام الأفراد الذين يتصرفون".
هذا التعريف القصير يتضمن ثلاثة معايير ضابطة للفعل كي يصبح اجتماعياً: الأول أن يدخل الفاعل سلوك الآخرين في حسابه، والثاني معيار الدلالة، أي أن فعل الفرد ينبغي أن تكون له قيمة الدليل، والثالث هو من خلال التعبير بالسلوك للآخرين، مما يوضح بأنهم يقبلون أو لا يقبلون الاستجابة.
أما إميل دوركايم، فهو لا يبحث عن خصائص الفعل الاجتماعي في الحالات الذاتية للأفراد، وإنما يركز على الوقائع الخارجية التي تمارس عليهم قسراً. ما يهتم به دوركايم هو الضمير الجمعي، الذي يتألف من مجموع قواعد وطرق السلوك والتفكير والشعور التي تؤلف الإرث المشترك لمجتمع معين، وهو ينتقل من جيل إلى جيل، ويختلف الضمير الجمعي من مجتمع لآخر، إلا أنه يتصف دائماً بأنه إلزامي.
أظهر جورج ميد أن الشخصية الفردية تنمو وتتكون بالاحتكاك مع الآخرين، وأمر كل شخصية هو تكيف فردي مع الوسط وإعادة بناء لهذا الوسط. إن الوعي الاجتماعي السائد يتجسد في الفعل الاجتماعي.
هناك العديد من العادات والسلوكيات تمارس سلطتها كمعايير على الفعل والسلوك الاجتماعيين.
يعبر إدغار موران عن ذلك بأن المجتمعات تروض الأفراد من طريق الأساطير والأفكار، التي بدورها تروض المجتمعات والأفراد، لكن الأفراد يستطيعون بدورهم أن يروضوا أفكارهم، كما يستطيعون مراقبة مجتمعهم الذي يراقبهم، في هذه اللعبة المركبة للإخضاع بين العناصر الثلاثة: (الفرد، والمجتمع، والفضاء العقلي).
في المجتمعات، تؤدي مؤشرات النسب والقرابة والانتماءات دوراً فورياً في تذويب (الأنا) لصالح (النحن).
وفي دراسة بارسونز عن الفعل الاجتماعي، أشار إلى أن الناس يجعلون القيم الاجتماعية المتضمنة في النسق الثقافي ملكاً لهم.
قسم فرديناند تونيز المجتمعات إلى نمطين: مجتمع محلي بسيط تسود فيه الروابط الشخصية الوثيقة أو العلاقات القرابية، ومجتمع حديث يتصف بسيادة العلاقات غير الشخصية وعلاقات العمل التعاقدية.
حسب دوركايم، يمكن الاستنتاج أن الاندماج سيرورة اجتماعية تهم المجتمع، وحسب الطرق التي يشارك بها الأفراد في مختلف أوجه الحياة الاجتماعية والسلوكيات التي يتعلمونها ويتمثلونها، يمكن أن يكون الاندماج جزئياً أو فرعياً، وهذا يجعل المجتمع المضطرب أفراده ينفلتون من مجال تأثيره، فتشيع ظواهر الجريمة والانتحار والعنف.
ودرس بارسونز العنف الاجتماعي في إطار العلاقات النظامية التي تحددها القوانين المدونة أو المتعارف عليها، ففي هذه العلاقات يتوقع كل شخص فيها سلوكاً وأخلاقية الشخص الآخر، ومثل هذا التوقع يفهمه الشخص الذي يكون العلاقة الاجتماعية ويساعده في تحقيق أهدافه وطموحاته. لكن كل علاقة اجتماعية معرضة لاحتمالين: الاحتمال الأول هو عدم قدرة الشخص على معرفة توقع سلوك الشخص الآخر الذي يدخل في علاقة معه، والاحتمال الثاني هو معرفة الشخص توقع سلوك الشخص الآخر، بيد أن هذا التوقع لا يساعده في تحقيق طموحاته وأهدافه، وفي هذه الحالة تتحول العلاقة إلى صراع بين الطرفين ويصبح العنف حتمياً.
إن الضغط القهري الذي تتم ممارسته على الأفراد بسبب الضمير الجمعي يولد نوعاً من التفاعل العقلي والعاطفي بينهم، مما يدفعهم للخضوع كأفراد للضمير الجمعي.
إن المقاربة التفاعلية الرمزية حسب ميد لا تتم فقط لاكتساب المعاني الاجتماعية، بل لتعلم الإنسان كيفية التكيف مع متطلبات المجتمع.
الأفراد في وعيهم هم نتاج صلات وعلاقات اجتماعية مادية، وهم لا يستطيعون بالتالي تغيير هويتهم وشكل وعيهم إلا حين يجري تدمير هذه الصلات والعلاقات السائدة وتحويلها إلى صلات أخرى تتأسس فيها علاقات جديدة.
أما إذا نظرنا إلى الجابري، فإنه يعتبر أن المسار الذي اختطه العقل العربي لنفسه، حين جعل محوري العلاقة فيها بين الإنسان والله، هو مسار يؤدي إلى بناء معرفة معيارية-أخلاقية، تحاول التمييز في الأشياء بين الخير والشر، وكما يقول عابد الجابري: "مهمة العقل ووظيفته؛ بل وعلاقة وجوده، هي حمل صاحبه على السلوك الحسن، ومنعه من إتيان القبائح".
إن اقتران الفكر العربي بالصحراء الرملية والحياة البدوية هو الذي أدى إلى تكوين (العقل العربي)، سواء على صعيد المنهج أم الرؤية: «فالفكر العربي.. هو عربي، ليس فقط لكونه تصورات أو آراء ونظريات تعكس الواقع العربي أو تعبّر عنه بشكل من أشكال التعبير، بل أيضاً لأنه نتيجة طريقة أو أسلوب في التفكير ساهمت في تشكيلها جملة معطيات، منها الواقع العربي نفسه بكل مظاهر الخصوصية فيه».
الحلول والمقترحات
إني أتفق مع أركون الذي جعل مدخل الحداثة هو التحرر المادي والمعنوي وبناء مناهج التعليم، التي اعتبر بأنها تنتج الجهل المؤسس، ودعوته إلى أنسنة الإنسان، وخاصة الأنسنة الكونية التي تجمع بين جميع البشر بغض النظر عن أصولهم الجغرافية أو الدينية أو العرقية أو المذهبية أو اللغوية. فأنسنة العلاقات الاجتماعية أمر ضروري، ولا بد أن يتم من خلال بيئة محسوسة ومحددة بدقة. ويشترط أركون شرط التسامح لنجاح الأنسنة الكونية. ويركز أركون على:
•الجهل المقدس: تقديس الجهل من خلال مجتمع عقائد دغمائية من أجل بناء اجتماعي وتاريخي.
•جهل مؤسس: وذلك من خلال النظام التربوي (البرامج/الجامعات/المؤسسات)، الذي لا يعطي مجالاً للمعرفة.
حيث إن الجهل المؤسس ينشر بتأييد من الدول، وهي التي تضع برامج التعليم والتي أدت إلى تراجع فكري تاريخي إسلامي.
أتفق أيضاً مع النظرية البنائية التي تولي اهتماماً للعلاقات المتبادلة بين الأسرة التي تتمتع بالاستقرار ولها قدرة على التحول؛ فهي تبحث عن ضمان بقائها وتكيفها مع القواعد التي تحكم تطورها.
التوصيات:
•التعليم الذي يعتبر إحدى الطرق في المساعدة على نشر التسامح في المجتمعات. مع أن التعليم في بلادنا يقوم على التلقين وليس على الحوار والفهم، أي إنه يقوم بصياغة العقل الاتباعي الذي يتكيف مع مفاهيم الطاعة، لا العقل النقدي المتمرد.
•توفير فرص عمل للعاطلين عن العمل.
•توفير المساعدات الاجتماعية.
•قيام السلطات المسؤولة عن النظام بتوفير الحماية والوقوف بقوة ضد مخالفي النظام ومن يعملون على تفكك المجتمع، والعمل على الحد من انتشار السلاح العشوائي.
•العمل على نشر التوعية والعمل على زيادة الروابط بين أفراد الأسرة الواحدة وأبناء المجتمع.
•العمل على الخروج من دوغمائية العادات والتقاليد والموروث التي لها جانب سلبي في تأجيج مظاهر العنف، وإعادة الاعتبار للقيم التي تدعو إلى التكافل الاجتماعي.

Tags

Share your opinion

لماذا انتشر العنف في الوسط العربي في الداخل الفلسطيني بصورة كبيرة في السنوات الأخيرة

Newsletter

Be the first to know the most important breaking news as it happens.

Stay up to date with the latest news. Subscribe to our breaking news service delivered to your inbox daily.

By subscribing, you agree to our Terms and Conditions and Privacy Policy.