Wed 22 Oct 2025 9:47 am - Jerusalem Time

البنية التحتية المحاصرة… كيف يُعطّل الاحتلال الإسرائيلي نبض المدن الفلسطينية؟

بقلم: المهندس عاهد أبو بكر

حين يُذكر الاحتلال، يتبادر إلى الأذهان الجدار والحواجز والمستوطنات، لكن هناك شكلًا آخر من السيطرة لا يُرى بالعين المجردة، وهو السيطرة على الشريان الخفي للمدن، البنية التحتية.
فالبنية التحتية ليست مجرد أنابيب ومواسير وطرق، بل هي النظام العصبي للحياة المدنية، الذي من خلاله تعمل الكهرباء، وتتدفق المياه، وتتحرك الخدمات، وتستمر الحياة اليومية. وفي فلسطين، هذا النظام لا يُدار بحرية، بل يُدار تحت منظومة معقدة من القيود التي يفرضها الاحتلال الإسرائيلي، وتتحكم في كل تفصيل من تفاصيله، من موقع أنبوب مياه إلى طول كابل كهرباء، ومن مسار طريق إلى نوع المعدّات المسموح دخولها عبر المعابر.

في الضفة الغربية، أكثر من 60% من الأراضي تقع ضمن ما يُعرف بـ”منطقة (C)” وهي مناطق تخضع للسيطرة الإسرائيلية الكاملة. لا يُسمح فيها للفلسطينيين بإقامة مشاريع بنية تحتية، سواء شبكات مياه أو صرف صحي أو طرق، إلا بتصريحٍ عسكري نادر قد يستغرق الحصول عليه سنوات طويلة، وغالبًا ما يُرفض بذريعة “الأمن”. وهكذا تبقى قرى كاملة بلا شبكات صرف، وتُعزل تجمعات سكانية عن شبكات الكهرباء الرسمية، ويُجبر السكان على استخدام مولدات وبدائل مؤقتة مكلفة وغير آمنة.

هذه ليست عقبات إدارية، بل سياسة هندسية ممنهجة تهدف إلى إبقاء الفلسطينيين في حالة “نصف حياة عمرانية”، بحيث تبقى البنية التحتية غير مكتملة دائمًا، والمدن تعمل في حدودها الدنيا دون قدرة على النمو أو التطور الطبيعي. أما في غزة المحاصرة، فالصورة أكثر قسوة وتعقيدًا. يتحكم الاحتلال الإسرائيلي في دخول المواد الإنشائية والمعدات والوقود، حتى أبسط مضخة مياه أو قطعة غيار لمحطة تحلية تحتاج لموافقة أمنية مسبقة. محطات الكهرباء تعمل بساعات محدودة، وشبكات المياه تتعرض للتلف المتكرر دون إمكانية الصيانة الكاملة، والمهندسون هناك يمارسون حرفتهم كمن يسير فوق حقل ألغام إداري وتقني.

في كل مرة تُبنى فيها محطة كهرباء، تُصبح هدفًا أثناء العدوان. وفي كل مرة تُرمم فيها شبكة مياه، يُعاد تدميرها جزئيًا لتبدأ الدورة من جديد. إنها هندسة تحت النار والحصار، حرفيًا لا مجازًا. ورغم كل هذه القيود، يواصل المهندسون الفلسطينيون العمل بعزيمة مذهلة، يبتكرون حلولًا هندسية بديلة من واقع العجز، ينشئون محطات صغيرة للطاقة الشمسية، ويعيدون تصميم الشبكات لتعمل بأقل الإمكانيات الممكنة. إنها هندسة من نوعٍ مختلف، هندسة بقاء لا هندسة رفاهية.

ولأن البنية التحتية هي مرآة السيادة، فلا يمكن الحديث عن تنمية فلسطينية حقيقية دون تحرير القرار الهندسي من القيد السياسي. الهندسة هنا ليست خرائط فقط، بل قرار سيادي بالمعنى الكامل للكلمة. حين تُمنع بلدية من حفر بئر أو تمد طريقًا أو تبني جسرًا، فالمسألة ليست إجراءً تقنيًا، بل شكل من التحكم في إيقاع الحياة اليومية للفلسطينيين. ولهذا، يصبح التخطيط في فلسطين عملًا وطنيًا بامتياز، لأن كل مشروع يُنجز هو شهادة صمود أكثر من كونه إنجازًا هندسيًا.

هذه الصورة المعقدة تطرح سؤالًا أعمق: كيف يمكن لمجتمع أن يحقق التنمية والاستدامة وهو ممنوع من التحكم في موارده الأساسية؟ كيف لمهندسٍ أن يخطط لمستقبلٍ عمرانيٍّ حرّ بينما خريطة الاحتلال تحدد له ما يُبنى وما يُهدم؟ الإجابة ليست في التقنية وحدها، بل في إرادة الإنسان الفلسطيني الذي أثبت أن البناء عنده ليس عملية إنشائية فحسب، بل فعل مقاومة يومي ضد التفكيك.

إنّ البنية التحتية الفلسطينية، رغم كل القيود، ما زالت تعمل، ليس لأنها مكتملة، بل لأن من يديرها يرفض أن تتوقف. وربما هذا هو جوهر الحكاية. الاحتلال يملك القدرة على التعطيل، لكن الفلسطيني يملك الإصرار على إعادة التشغيل في كل مرة، مهما انقطعت الكهرباء أو انسدت الأنابيب أو تهدّمت الجسور.

فالهندسة في فلسطين ليست علمًا جامدًا،
بل لغة صمود حيّة،
تُكتب بالإبداع والمقاومة،
وتُترجم كل يوم في تفاصيل حياةٍ ترفض الانهيار.

Tags

Share your opinion

البنية التحتية المحاصرة… كيف يُعطّل الاحتلال الإسرائيلي نبض المدن الفلسطينية؟

Newsletter

Be the first to know the most important breaking news as it happens.

Stay up to date with the latest news. Subscribe to our breaking news service delivered to your inbox daily.

By subscribing, you agree to our Terms and Conditions and Privacy Policy.