منذ نشأة الدولة الحديثة، برز "البروتوكول" باعتباره أداة لتنظيم العلاقات الرسمية وضبط المراسيم واللقاءات. فترتيب المقاعد، وأسلوب الاستقبال، وطريقة تقديم الكلمات، كلها تدخل تحت بند البروتوكول الذي يهدف بالأساس إلى تجنب الفوضى وإعطاء صورة حضارية عن المؤسسات والدول. غير أن السؤال الجوهري الذي يفرض نفسه: هل يجوز أن يصبح البروتوكول سيفًا مسلطًا يتجاوز حدود الدين والقيم والعادات والتقاليد التي تشكّل وجداننا الجمعي؟
البروتوكول في جوهره ليس أكثر من وسيلة لكنه حين يتحوّل إلى غاية بحد ذاته، أو إلى قيد يفرض قواعد جامدة تتجاوز ما نؤمن به من دين وقيم وتقاليد، يصبح خطرًا على أصالتنا وهويتنا. في فلسطين، حيث الاحتلال ما زال جاثمًا على الأرض والإنسان، لا يمكن أن نتعامل مع البروتوكول كأنه طقوس باردة مستوردة. نحن شعب ناضل وقدم الدماء، وكل مسؤول فينا مطالب بأن يُجسّد صورة فلسطين تواضعًا ونضالًا وأخلاقًا، لا أن يحصرها في شكليات ومقاعد.
أي معنى للبروتوكول إذا أجبر شيخًا كبيرًا على ترك مقعده لأن وزيرًا أو مسؤولًا حضر؟ هل يُعقل أن نُهين مقام الكبار بحجة أن “النصوص” تفرض ترتيبًا معينًا؟ في ثقافتنا وعاداتنا، هذا فعل غير مقبول، وهو جرح للكرامة قبل أن يكون مجرد خطأ بروتوكولي. الأرقى والأصوب أن نخالف البروتوكول حين يتعارض مع قيمنا، وأن نُقدّم الكبير أو المريض أو صاحب المقام، لأن الدين والتقاليد جعلت توقير الكبير واجبًا، بينما جعلت المراسم وسيلة لا غاية.
هنا تكمن المفارقة: البروتوكول في جوهره يُفترض أن يكون مرنًا، يتكيف مع السياق الثقافي والقيمي للمجتمع. أما إذا تحوّل إلى منظومة شكلية صارمة تفرض نفسها فوق كل اعتبار، فإنه يفقد معناه ويتحول إلى مجرد طقوس فارغة. والأخطر من ذلك، أنه قد يضعنا في مواقف مهينة مع جمهورنا وشعبنا إذا ظهر وكأننا نُقدّم الشكل على المضمون، والمراسم على الكرامة، والمقاعد على القيم.
لقد علّمنا ياسر عرفات بروتوكول فلسطين الحقيقي. لم يكن يومًا أسيرًا لمقاعد أو مراسم. كان يزور المستشفيات في أحلك الظروف، ينحني على يد الطفل، يقبّل رجل الجريح، ويجلس مع أسر الشهداء والأسرى وكأنه فرد منهم. لم يكن هذا تصرفًا عابرًا، بل كان رسالة عميقة: أن الفلسطيني يقيس مكانة المسؤول بمدى قربه من الناس، لا بمدى التزامه ببروتوكولات جامدة.
هذا هو “بروتوكول فلسطين” الذي يليق بنا: بروتوكول يضع الإنسان قبل الكرسي، والكرامة قبل المراسم، والأصالة قبل الشكلية. بروتوكول يجعل كل مسؤول مرآة لشعبه، وصوتًا لقضيته، ورمزًا متواضعًا لوطنه المقاوم.
الفلسطينيون لا يحتاجون بروتوكولًا يفرض عليهم التنازل عن قيمهم، بل يحتاجون بروتوكولًا يعكس هويتهم وثقافتهم ونضالهم. ولهذا، فإننا نقول بوضوح: في فلسطين، البروتوكول ليس سيدًا على القيم، بل خادمًا لها.
Thu 02 Oct 2025 12:03 pm - Jerusalem Time
مفهوم البروتوكول بين الشكلية والقيم : أيهما أولى ؟
بقلم: ياسر أبوبكر





Share your opinion
مفهوم البروتوكول بين الشكلية والقيم : أيهما أولى ؟