Mon 28 Jul 2025 11:50 am - Jerusalem Time

الوقت المستعمَر وسباق في زمن الانتظار

بقلم: د. سماح جبر

أبدأ يومي كأنني أركض في ممر ضيق لا نهاية له، أحمل ملفات لم أنتهِ من قراءتها وأردّ على إشعارات هاتف لا يهدأ. أتناول قهوتي واقفة، وأبحث بين مريض وآخر عن لقمة سريعة أسدّ بها جوعي، وأحيانًا لا أجد وقتًا لتقشير بيضة. كل دقيقة مثقلة بمهمة تلاحقني قبل أن تنقضي. أشعر أن الزمن يتسرب من بين أصابعي مثل حفنة ماء، وإيقاع حياتي قطار مسرع لا يتوقف عند أي محطة.

لكنني حين أرفع رأسي من تفاصيل يومي، أصطدم بزمن آخر، زمن بطيء لا يُقاس إلا بالساعات المهدورة عند الحواجز، بالأيام العالقة بانتظار تصريح، وبالسنوات الضائعة وراء رخصة بناء قد لا تأتي أبدًا. أعيش توترًا بين إيقاع شخصي مسرع وزمن جمعي مقيّد لا يتحرك إلا بإذن جندي أو توقيع موظف. لعلّ تسارعي ليس سوى رد فعل على هذا البطء القسري.

فالاستعمار لا يكتفي بسلب الأرض؛ إنه يستولي على الزمن أيضًا. يسرّع كل ما يخدمه ويبطئ كل ما يتصل بحياة الفلسطينيين. المستوطنات تنبثق في أسابيع، والطرق الالتفافية تُشق في شهور، أما الفلسطيني في القدس فإن أراد إصلاح شقّ في جدار بيته يواجه دهاليزًا من المماطلة؛ كل ورقة تتحول إلى متاهة وكل موعد إلى معركة مع الوقت. وبينما تتسارع عجلة المشروع الاستعماري، يبقى الفلسطيني عالقًا في طوابير الانتظار، مُعطّلًا عن التخطيط والإنجاز.

في عيادتي أسمع حكايات هذا الاستنزاف اليومي، يحدثني الناس عن ساعات تتبخر على الإسفلت أمام الحواجز، شهور تُهدر في ملاحقة تصاريح، وأعمار تتآكل في انتظار لا ينتهي للإفراج عن ابنائهم الأسرى. يتسرب البطء إلى النفس، فيصبح الحاضر مثقلاً بالقلق، والمستقبل رهينة لإرادة الآخر، والماضي بلا إغلاق. إنها حالة وجودية من التعليق؛ لا الماضي يُطوى ولا المستقبل يُفتح، والحاضر محاصر في لحظات متكررة لا تفضي إلى شيء.

نحافظ على أمل استرجاع الأرض المسلوبة، لكننا ندرك أن كل ساعة تُنتزع من حياة الإنسان لا تُعوَّض، وكل موعد مؤجل هو اقتطاع من رأس المال الأثمن، الوقت. يتحول الزمن إلى أداة للهيمنة، وساحة للصراع بقدر ما هو مسرح للحياة. حتى مفاهيم الزمن الفردية تتشوّه؛ حين تُسلب القدرة على التخطيط، تتقلّص الأحلام بعيدة المدى وتنحصر الطموحات في الغد القريب المشروط بالمجهول. يصبح الزمن عبئًا، وكل دقيقة تمرّ بلا معنى تذكيرنا بخسارة القدرة على توجيه المصير.

أتنقل بين أشغالي حاملة هذا التناقض؛ فأنا أسيرة السرعة، ومجتمعي أسير البطء. أركض في سباق مستمر، بينما واقعنا الجمعي معلق عند الحواجز، كأننا ننتظر جميعًا عند خط البداية صافرة انطلاق لم تأتِ بعد. ندرك أننا محكومون بمنظومة زمنية تتسارع فيها عجلة السيطرة الاستعمارية بقدر ما تتباطأ عجلة الحياة الفلسطينية.

ومع ذلك، لا يخلو هذا البطء من جيوب مقاومة صامتة. أتناول وجباتي وأتصل بأصدقائي وأستمع إلى بودكاست وأرد على بريدي الإلكتروني بينما أنتظر على الحواجز. هناك من يحوّلون ساعات الانتظار إلى فسحات للتعلم، ومن يملأون اللحظات المسلوبة بمعانٍ جديدة. كل فعل يُستثمر في الحاضر، مهما كان صغيرًا، هو استعادة لجزء من الزمن المنهوب. أرى ذلك في إصرار العائلات على احياء أعيادهم ومناسباتهم رغم القيود، وفي تصميمهم على تعليم أبنائهم رغم العوائق. حين يُملأ الزمن بالمعنى والهدف يتحول إلى مساحة حرّة حتى في أشد الظروف قسوة.

حتى الذاكرة تصبح أداة مقاومة؛ فالتذكر يعيد وصل الماضي بالمستقبل ويخلق نسيجًا متصلًا في مواجهة التفتيت الذي يسعى إليه الاحتلال. كل حكاية عن زمن سابق، وكل حلم عن مستقبل حر، خيط يرمم النسيج الممزق للزمن الفلسطيني. الذاكرة ليست أرشيفًا للماضي فقط، بل توسعة للحاضر وفتح لأفق آخر للمستقبل.

أفكر أن استعادة الزمن جزء أصيل من مشروع التحرر. فالتحرر لا يقتصر على استعادة الأرض، بل يشمل الحق في تنظيم إيقاع الحياة. الزمن المستعمَر جبهة أخرى للنضال، وكلما نجحنا في ملئه بالمعنى والأهداف اقتربنا من لحظة التحرر الكامل. وبينما أواصل مساري الفردي المتسارع، أدرك أن الحرية لن تكتمل إلا بتحرر الإيقاع الجمعي من البطء والاستلاب.

Powered by Froala Editor

Tags

Share your opinion

الوقت المستعمَر وسباق في زمن الانتظار

Newsletter

Be the first to know the most important breaking news as it happens.

Stay up to date with the latest news. Subscribe to our breaking news service delivered to your inbox daily.

By subscribing, you agree to our Terms and Conditions and Privacy Policy.