Fri 19 Jul 2024 9:57 am - Jerusalem Time

مفهوم الأمن القومي الإسرائيلي المزعوم!!‏

المحامي أحمد العبيدي

مِن المعروف أن لكل دولة من دول العالم إستراتيجياتها الخاصة بها والمتعلقة بأمنها القومي، ‏سواء أمنها العسكري أو الاقتصادي أو السياسي، وقد يكون أمنها مائياً أو جغرافياً وهو مبني ‏على أساس المصالح الخاصة بالدولة ذاتها في حالتي السلم والحرب واللاسلم واللاحرب، وفق ‏مراكز وبرامج تخطيط تحدد الثابت والمتغير الإستراتيجي والتكتيكي، وفق ما تقتضيه مصلحة ‏وظروف الدولة وأمنها القومي، إلا ما يسمى دولة إسرائيل التي تعتبر استثناء عن كل بقية دول ‏العالم، فهي وجدت ونشأت من رحم وترعرعت في أحضان الاستعمار الأوروبي الغربي قديمه ‏وحديثه، وأمنها القومي المزعوم ينطلق أصلاً وأساساً من كونها دولة وظيفية، وأداة ووسيلة من ‏أدواته ووسائله من أجل حماية مصالحه وأمنه القومي، ولهذا ومن أجل أن تقوم إسرائيل بدورها ‏الوظيفي الموكل لها من قبل أمريكا فإن الأخيرة وباقي دول الغرب الاستعماري يغدقون عليها ‏بالمال والسلاح.‏


لهذا ينطلق مفهوم الأمن القومي لدولة الاحتلال، وقد يكون أمناً عسكرياً أو اقتصادياً أو سياسياً ‏أو مائياً أو جغرافياً، من خلال مرتكزين: -‏
أولهما: تقسيم الوطن العربي إلى عدة دوائر هي: -‏
‏1)‏ دول الهلال الخصيب
‏2)‏ دول الخليج
‏3)‏ دول المغرب العربي
‏4)‏ دول وادي النيل


وليكن مفهوماً أن دولة الاحتلال ومن خلفها دولة الاستعمار الغربي وفي المقدمة أمريكا لا ‏تقتصر طموحاتهم، على هذه الرؤية من التقسيم، بل يريدون تقسيم الدولة إلى دوليات ‏فديانات فمذاهب فطوائف.‏


ثانيهما: الشعب الفلسطيني والتي حاولت دولة الاحتلال وما زالت اجتثاثه من أرضه بكل ‏الطرق والوسائل؛ لتصبح أرض فلسطين خالية من سكانها ولتصبح كما يتصورون أرضاً ‏بلا شعب (الشعب الفلسطيني) لشعب بلا أرض (اليهود) ‏فمفهوم الأمن القومي الإسرائيلي المزعوم لدولة الاحتلال هو الثابت والإستراتيجي، وهو ‏عنوان وجودها كقاعدة ووسيلة استعمارية، أما المتغير والتكتيكي فهو الوسيلة التي بموجبها ‏تستطيع الوصول إلى حماية أمنها وعمقها الاستراتيجي طبقا لكل ظرف من الظروف، ‏وكل مرحلة من مراحل الصراع مع الشعب الفلسطيني والأمة العربية، وهذا يتوقف على ‏فشلها أو نجاحها في كل معركة من المعارك، وهذه الحروب والمعارك تخوضها على ‏مستويين: -‏


المستوى الأول: الحرب التقليدية وهي تكون مع بعض الدول العربية، وهذا النوع من ‏الحرب قد تخوضه دولة الاحتلال بكل سهولة ويسر، وبإمكانها حسمه في ساعات سواء ‏فيما تملك من قوة أو من خلال الدعم الأمريكي وباقي الدول الغربية الاستعمارية وهو ‏الأغلب.‏


المستوى الثاني: الحرب غير التقليدية وهي الحرب ضد الشعب الفلسطيني والتي لا تجدي ‏معه لا طائرات الاحتلال ولا مجنزراته ولا دباباته ولا ما تملك من أسلحة نووية.‏


فالأمن وحماية العمق الاستراتيجي لدولة الاحتلال قد يتخذ سمة القوة العسكرية لحسم ‏الصراع، وقد يتخذ صفة الدبلوماسية كالتطبيع مع بعض الدول العربية، أو شكل اتفاقيات ‏مع بعض دول عربية أخرى.‏


وقد يكون معناه الأمن المائي، وذلك كما حصل في بداية خمسينات القرن الماضي عندما ‏قامت دولة الاحتلال بتحويل مياه نهر الأردن لمنطقة النقب الفلسطيني المحتل، مما اعتبره ‏الرئيس جمال عبد الناصر في حينه بمثابة اعلان حرب على الأمة العربية، مما حدا ‏بأمريكيا إلى الرد على الرئيس جمال عبد الناصر عن طريق قطع تمويل السد العالي، ‏الأمر الذي جعل الرئيس عبد الناصر يقوم بتأميم قناة السويس، والنتيجة كانت قيام ‏بريطانيا وفرنسا بمشاركة إسرائيلية بمعركة قادش أو المعروفة باسم العدوان الثلاثي ضد ‏مصر.‏


وقد يأخذ مفهوم الأمن القومي لدولة الاحتلال صور أخرى مثل: الحرب الخاطفة، نقل ‏المعركة إلى أرض العدو، الضربة الاستباقية.‏


وبطبيعة الحال لا يوجد أصلاً استراتيجية محددة ولا رؤية تحدد مفهوم الأمن القومي ‏المزعوم لدولة الاحتلال؛ وذلك لكون إسرائيل اصلاً تشكل العمق الاستراتيجي، والذراع ‏الضاربة لأمريكا في المنطقة، ولأنها مزروعة في وسط محيط معادٍ لها، إضافة إلى أن ‏أمنها القومي ليس أمن دولة بالمفهوم التقليدي، وإنما هو أمن نابع من كونها مستعمرة ولها ‏وظيفة محددة ومعينة بحسب ما تقتضيه مصالح الغرب الاستعماري.‏


تعرض الأمن والعمق الإستراتيجي الإسرائيلي لأربع هزات كشفت هشاشته:‏


أولهما: الانتفاضة الأولى حيث الشاب الفلسطيني يتصدى للجندي المدجج للسلاح، وقد ‏يتصدى للجيب العسكري، وقد عجزت إسرائيل بكل ما تملك من قوة من تحطيم إرادة ‏الشعب الفلسطيني ومنعه من الاستمرار في الانتفاضة الأولى، مما حدا بأحد قادة الاحتلال ‏في حينه هو إسحق رابين بالخروج بنظرية أمنية لحماية أمن الجندي الإسرائيلي، وبالتالي ‏العمق الاستراتيجي الإسرائيلي وهذه النظرية هي (سياسة تكسير العظام) ومع ذلك فشلت ‏دولة الاحتلال في التصدي للانتفاضة، مما أفقد الجندي الإسرائيلي هيبته على مستوى ‏العالم رسمياً وشعبياً.‏


ثانيهما: قيام العراق عام 1991 بضرب إسرائيل في العمق رغم محدودية الضربة وأثرها.‏


ثالثهما: معركة الكرامة عام 1968 التي بدأت بشن هجوم إسرائيلي مكثف للأراضي ‏الأردنية عبر قرية الكرامة فقامت القوات الأردنية والفدائيون الفلسطينيون بالتصدي ‏الأسطوري للهجوم الإسرائيلي، عبر تكتيك عسكري شكل ضربة لقوة الجندي الإسرائيلي ‏وشل فاعلية الطيران الإسرائيلي وذلك عندما تم الالتحام وجهاً لوجه بالجنود الإسرائيليين ‏الأمر الذي شكل قاعدة عسكرية مفادها أن التكتيك العسكري أهم من القوة العسكرية، وأن ‏القوة العسكرية الإستراتيجية لا شيء أمام الحنكة والتكتيك العسكري، وبالتالي ثبت فشل ‏نظرية الأمن الإسرائيلي.‏


رابعهما: 7 أكتوبر 2023 وهذه باعتقادي ضربة وحركة ومعركة مفصلية بكل المقاييس ‏على مستويين: -‏
المستوى الأول: هو تمكن رجال المقاومة بهجوم السابع من أكتوبر والذي ارتكز على ‏عنصري المباغتة والسرعة، وكانت نتيجته مقتل عدداً كبيراً من الضباط والجنود، والأهم ‏من ذلك تمكنهم من أسر عدد كبير من الجنود والضباط، واقتيادهم إلى الأنفاق في غزة ‏ومن ثمة الحفاظ عليهم كورقة رابحة في هذه المعركة حتى اللحظة.‏


المستوى الثاني: ما تلا السابع من أكتوبر حتى اللحظة ويكفي القول أن العالم ما زال في ‏حالة ذهول من حالة الصمود الأسطوري للمقاومة رغم المقتلة التي تجري بحق المدنيين ‏والمباني التي سحقت؛ إلا أن المقاومة ما زالت على أقل تقدير تحتفظ بالأسرى، ولم يتمكن ‏الاحتلال من استعادة ولو أسيراً واحداً وبذات الوقت مازلت المقاومة تحافظ على وجودها ‏وقوتها إن لم نقل أنها تتطور وتتقوى، ومهما قلنا أو كتبنا سنبقى عاجزين عن إعطاء ‏وصف حقيقي لحالة الصمود والصبر في غزة.‏


قال وزير خارجية أمريكا الأسبق جيمس بيكر بأن فكرة قيام إسرائيل الكبرى هي فكرة وهمية ‏لأن إسرائيل إن ارادت أن تكون كذلك فعليها أن تعتمد على ذاتها وليس على الدعم ‏الأمريكي.‏

Tags

Share your opinion

مفهوم الأمن القومي الإسرائيلي المزعوم!!‏

Newsletter

Be the first to know the most important breaking news as it happens.

Stay up to date with the latest news. Subscribe to our breaking news service delivered to your inbox daily.

By subscribing, you agree to our Terms and Conditions and Privacy Policy.