Sat 13 Jul 2024 9:03 am - Jerusalem Time

التحويلات الطبية.. بين الشفافية وتوطين الخدمات

د.عقل أبو قرع

من ضمن القضايا التي اعتبرتها الحكومة الحالية أولوية، وتحتاج إلى المراجعة، هي قضية "التحويلات الطبية"، سواء من ناحية المراجعة والاصلاح، أو من ناحية الحوكمة والشفافية، أو من ناحية التقليل من الفاتورة الباهظة، أو تكاليف التحويلات، أي التركيز أكثر على توطين الخدمات. إذا كان هذا ممكناً، وبدون شك ما زال موضوع الحصول على التحويلة الطبية يقلق الكثيرين، سواء من ناحية الإجراءات أو من ناحية الانطباع بأن هذه التحويلات هي فقط حكرٌ على جهات معينة، ولأفراد محددين يستطيعون الحصول عليها.
وهذا القلق ما زال موجوداً، رغم التطور ومحاولة الضبط والمأسسة خلال السنوات الماضية، وما زال المواطن العادي يشك، أو لا يثق في الإجراءات، وفي إمكانية حصولة على تحويلة إذا احتاجها، وما زال هناك اعتقاد بأن ذلك حكراً على جهات، أو على أشخاص محددّين متنفذّين، أو محسوبين على هذا أو ذاك، وبالتالي ما زالت هناك حاجة إلى الضبط، وإلى التوفير في هذه الفاتورة الأكثر كلفة وأرهاقاً لميزانية وزارة الصحة الفلسطينية، وكذلك الحاجة إلى توخي العدل والإنصاف في من يستحق، وإلى التوجه أكثر نحو زخم الاعتماد على الذات، من خلال الاستثمار أكثر، وبشكل مستدام في إمكانيات وكفاءات وخدمات، يمكن من خلالها، التقليل من التحويلات الخارجية المكلفة.
وبشكل عام، لا ينكر أحد أن هناك تطوراً متواصلاً يحدث في القطاع الصحي في بلادنا، سواء من قبل القطاع العام أي وزارة الصحة، أو من قبل استثمارات ومشاريع القطاع الخاص، وبأن هناك زخماً جماعياً وتكاتفاً، ودعوات من جهات مختلفة من أجل الارتقاء بهذا القطاع، سواء فيما يتعلق بإجراء العمليات الجراحية النوعية، أو إحضار الأجهزة، أو استخدام الخبرات، أو فيما يتعلق بافتتاح مراكز صحية متخصصة، والهدف هو توفير الخدمة ذات الجودة المطلوبة للمواطن، وبأن يحصل عليها بشكل رخيص وسهل، وبالتالي التوفير عليه وعلى الحكومة من خلال التحويلات، سواء فيما يتعلق بالمال، أو الوقت، أو الجهد.
إن موضوع التحويلات الطبية، أو على الأدق توخي الإنصاف والنزاهة والعدالة الصحية في هذا الصدد، هو ليس بالموضوع الجديد، حيث أثار، وما زال يثير اللبس والألم في بعض الأحيان، وبين فترة وأخرى يظهر الجدال بين المستشفىيات الفلسطينية التي تستقبل الحالات الطبية، وعلى الأخص في مدينة القدس، وبين وزارة الصحة الفلسطينية حول المستحقات المالية، أو فواتير المستشفيات المتعلقه بالتحويلات الطبية التي في غالبها لعلاج مرضى السرطان، أو للحصول على أدوية السرطان، وهذا يثير بشكل متواصل اهتماماً متزايداً حول مدى انتشار، وارتفاع أعداد مرضى السرطان بمختلف أنواعه في بلادنا، والذي يشير وبوضوح إلى تعمق هذا المرض بأنواعه في مجتمع لم يكن يعرف ذلك، قبل عشر سنوات أو أكثر، وما ينتج عن ذلك من تبعات مالية واجتماعية وثقافية وصحية، وما إلى ذلك، وبالتالي الحاجة
إلى التوجه نحو توفير الإمكانيات للاعتماد على الذات في هذا المجال.
وفي تقرير صدر قبل فترة حول موضوع التحويلات الطبية من وزارة الصحه الفلسطينيه، كان واضحاً أن مرض السرطان يستحوذ على حوالي 50% من مجمل التحويلات الطبية في بلادنا، وأن هذا المرض يودي بحياة حوالي 15% من مجمل الوفيات السنوية في الضفة وقطاع غزة، وأن هناك ازدياداً مضطرداً خلال السنوات الماضية، سواء فيما يتعلق بأعداد الإصابات بمرض السرطان، أو بحالات الوفاة من هذا المرض، وهذه المعطيات المقلقة، تتطلب ليس فقط العمل الجاد من أجل توفير العلاج من أدوية، ومن عمليات جراحية وعلاج بالأشعة وما يتبعهما، ولكن البحث الجدي عن الأسباب الحقيقية الموضوعية لتصاعد انتشاره بهذه الصورة السوداء، خاصة أن الجزء الأكبر من فاتورة التحويلات الطبية يتعلق بهذا المرض.
ومع عودة الحديث من خلال الحكومة الحالية عن أهمية إصلاح وحوكمة موضوع التحويلات الطبية، وبالأخص موضوع عدم الإنصاف في الحصول عليها، وللحد من هذه التحويلات من الأساس من خلال الحد من الأمراض المرتبطة بها، فإن القطاع الصحي في بلادنا يحتاج إلى التركيز على التخطيط لاستراتيجيات بعيدة المدى، تعتمد مبدأ الوقاية والتوعية، كأولوية للحفاظ على الصحة العامة، وتركز على التطور النوعي، وليس الكمّي، وبشكل مستدام في الرعاية الصحية الأساسية، أي الرعاية الأولية من عيادات، ومختبرات، وفحوصات، وتأمين صحي، وتطعيم، وتثقيف، والاعتماد على الذات.
ويحتاج كذلك إلى تطبيق سياسات واضحه تقوم على مبدأي النزاهة والشفافية في قضية التحويلات الطبية وإعادة الثقه للمواطن، وفي الاتجاة الصحيح، لكي تتراكم الأمور الإيجابية التي نراها ونوثقها، ولكي يصبح القطاع الصحي، من القطاعات التي نفتخر ونثق بها، سواء من حيث خدمة المواطن، أو من حيث توفر الكفاءات المتخصصة، أو من حيث استعمال الأجهزة والمعدات الحديثة، أو من حيث وجود أنظمة إدارية توفر على المواطن الوقت والجهد والمال عند الحصول على الخدمة، أو من حيث وجود أنظمة للمتابعة والتقييم تقيس الإنجازات المحددة خلال فترة زمنية، بالاعتماد على معايير وأهداف موضوعة أصلا، والأهم من خلال تطبيق مفهوم العدالة الصحية في الحصول على التحويلة الطبية، وفي العلاج والرعاية والاهتمام، بشكل عادل ومنصف، بعيداً عن الوصول إلى هذا أو ذاك.

Tags

Share your opinion

التحويلات الطبية.. بين الشفافية وتوطين الخدمات

Newsletter

Be the first to know the most important breaking news as it happens.

Stay up to date with the latest news. Subscribe to our breaking news service delivered to your inbox daily.

By subscribing, you agree to our Terms and Conditions and Privacy Policy.