واشنطن – "القدس" دوت كوم- سعيد عريقات
في مشهد يتكرر للمرة الثالثة أو الرابعة في العلاقات الإسرائيلية–الأميركية، يظهر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وكأنه يُجيد اللعبة أكثر من الرئيس الأميركي دونالد ترمب، حتى وهو يقدم له ما يبدو وكأنه "نصر سياسي". فمع طرح ترمب خطة السلام الجديدة بشأن غزة، أعلن نتنياهو قبوله للخطة، لكن مع تحفظات وشروط ، بل تغييرات حيثية وجذرية، تبقي زمام المبادرة بالكامل في يده. فهل نتنياهو فعلاً تفوّق على ترمب مجددًا؟ الجواب، وفق معطيات الواقع السياسي، هو: نعم.
قبول مشروط يمنح ترمب العنوان… ونتنياهو السيطرة
نتنياهو وافق ظاهريًا على خطة ترمب للسلام في غزة، وهو ما أعطى ترمب الصورة الإعلامية التي يريدها: "اتفاق تاريخي جديد". لكن في التفاصيل، وضع نتنياهو عشرات التغييرات والشروط التي تعني أن تنفيذ الخطة مرهون بموافقات إسرائيلية لاحقة، مثل ضمان أمن إسرائيل، رفض الحديث عن دولة فلسطينية، وربط الانسحاب من غزة ليس فقط بتحرير كل الرهائن، بل بالاحتفاظ على السيطرة الأمنية على غزة.
بهذه الطريقة، منح نتنياهو ترمب النصر الرمزي، لكنه احتفظ بالقدرة على التحكم بالمسار الكامل للعملية السياسية.
تحميل حماس مسؤولية الفشل المحتمل
من خلال هذا القبول الظاهري للخطة، وضع نتنياهو الكرة في ملعب حركة حماس. فإذا رفضت الحركة بنود الخطة أو طلبت تعديلات، يمكن لنتنياهو أن يبرّر فشل المبادرة بأن "الطرف الآخر غير جاد في السلام". وهو بذلك يقلب المعادلة التقليدية، ويظهر نفسه كطرف مرن، وحماس كعقبة أمام الحل.
هذا الأسلوب يحرره من الضغوط الدولية، ويعطيه تفوقًا أخلاقيًا في الساحة الدبلوماسية، على الأقل في الصورة.
حماية نفسه من الداخل والخارج في آنٍ واحد
نتنياهو يدير ائتلافًا حكوميًا هشًا، يضم أطرافًا من اليمين الديني والقومي المتشدد، مثل إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش، الذين يرفضون أي تنازل للفلسطينيين. لكن قبوله المبدئي للخطة دون الالتزام الفعلي ببنودها، يسمح له بإرضاء واشنطن دون إثارة غضب شركائه المحليين.
وهنا تظهر براعة نتنياهو السياسية في اللعب على الحبلين: تقديم وجه "مرن" للخارج، و"صلب" للداخل.
تأجيل التنفيذ… واستغلال عامل الزمن
كلما مر الوقت دون تنفيذ فعلي لبنود الخطة، يصبح نتنياهو أكثر تحكمًا بالمشهد. فهو لا يرفض الخطة صراحة، لكنه لا يلتزم بتطبيقها أيضًا. هذا الموقف المائع يمكّنه من التفاوض باستمرار، والمساومة على كل تفصيل، وربما حتى إفشال الخطة من الداخل، دون أن يُتهم بإفشالها مباشرة.
وفي السياسة، الوقت ليس فقط مالاً، بل سلطة أيضًا.
ترمب بحاجة إلى "الإنجاز" أكثر مما يحتاج نتنياهو إلى "التنازل"
ترمب، وهو في خضم حملة انتخابية أو في محاولة لإعادة رسم صورته كـ"صانع صفقات"، يبحث عن إنجاز خارجي سريع يعزز موقعه. ونتنياهو يدرك ذلك جيدًا، لذا منحه هذا "الإنجاز" الإعلامي دون أن يدفع ثمنًا سياسيًا حقيقيًا.
هذه المعادلة تمنح نتنياهو اليد العليا. فهو يعلم أن ترمب لن يمارس ضغوطًا حقيقية عليه، لأنه لا يستطيع تحمل فشل الخطة أمام الرأي العام الأميركي والدولي.
تفوّق تكتيكي من الطراز الرفيع
بكل المقاييس، استطاع نتنياهو مرة أخرى أن يلعب لعبته السياسية بدهاء. فقد قدّم لترمب ما يكفي ليبدو وكأنه "صانع سلام"، دون أن يقدّم أي تنازلات جوهرية تمس بمصالح إسرائيل الأمنية أو السياسية.
وبينما يحتفل ترمب بخطة لا يعرف إن كانت سترى النور، يُبقي نتنياهو مفاتيح التنفيذ والتفسير والتأجيل في جيبه، ويواصل تحصين نفسه داخليًا وخارجيًا.
السيناريوهات القادمة: إلى أين تتجه الأمور؟
رغم أن نتنياهو نجح حتى الآن في السيطرة على إيقاع اللعبة السياسية، إلا أن المشهد لا يزال مفتوحًا على احتمالات متعددة، وكل منها يحمل فرصًا ومخاطر. إليك أبرز السيناريوهات:
1. سيناريو قبول حماس للخطة… بشروط
إذا قامت حركة حماس بمناورة مضادة وقبلت مبدئيًا بالخطة، لكن مع شروطها الخاصة (مثل انسحاب كامل، أو إطلاق جميع الأسرى، أو ضمانات دولية)، فإن نتنياهو سيكون في موقف محرج: هل يرفض ويتحمل مسؤولية إفشال الخطة أمام المجتمع الدولي؟ أم يوافق ويغامر بتفكك ائتلافه الحكومي؟
هذا السيناريو سيكون اختبارًا حقيقيًا لقدرة نتنياهو على التوفيق بين الخارج والداخل، وربما يضعه أمام مفترق طرق سياسي.
2. سيناريو انهيار الحكومة الإسرائيلية
رفض بعض الوزراء في اليمين المتطرف لأي حديث عن دولة فلسطينية أو حتى حكم مدني لغزة قد يقود إلى تصعيد داخلي، واستقالات من الحكومة أو حتى إسقاطها. وفي هذه الحالة: قد يُضطر نتنياهو للدعوة إلى انتخابات مبكرة. أو يدخل في تحالف جديد أكثر مرونة. وفي كلتا الحالتين، سيتغير المشهد الإسرائيلي بالكامل، وقد تتجمد خطة ترمب مؤقتًا.
3. تغيّر موقف ترمب أو تخليه عن الخطة
إذا شعر ترمب بأن نتنياهو يماطل كثيرًا، أو أن الخطة لا تحقق تقدمًا ملموسًا، فقد يغيّر موقفه: إما بالضغط المباشر على إسرائيل (وهو احتمال ضعيف). أو بالتخلي التدريجي عن الخطة، كما فعل سابقًا مع مبادرات أخرى لم تحقق مكاسب سريعة. لكن هذا سيكون مكلفًا لترمب من الناحية السياسية، وقد يتجنبه ما أمكن.
4. تصاعد الضغط الدولي وتدخل أطراف عربية
في حال استمرار الجمود، قد تلجأ دول عربية وازنة (مثل السعودية أو مصر أو قطر) إلى الضغط على الطرفين (إسرائيل وحماس) لدفع الأمور نحو حل واقعي. وقد يتم طرح مبادرات جديدة أو تعديل خطة ترمب. لكن مثل هذا التحرك يحتاج إلى غطاء دولي، وتفاهم أميركي–عربي، وهو ما قد يتطلب وقتًا إضافيًا.
خلاصة : المشهد ما زال في بدايته
ما حدث حتى الآن ليس نهاية اللعبة، بل بدايتها فقط. نتنياهو متفوق مرحليًا، لكن ذلك لا يضمن له النصر النهائي. كل طرف ينتظر حركة الآخر، والوقت سيكون عنصر الحسم.