فلسطين

السّبت 16 مايو 2026 6:36 مساءً - بتوقيت القدس

تحدياً للتهديدات الإسرائيلية: أسطول الصمود العالمي يترقب ساعة الصفر للإبحار نحو غزة

يواصل أسطول الصمود العالمي، المكون من نحو 54 قارباً وسفينة، رحلته البحرية الرامية إلى كسر الحصار المفروض على قطاع غزة منذ عام 2007. وأفادت مصادر من على متن السفن في البحر الأبيض المتوسط بأن المشاركين، الذين يتجاوز عددهم 500 ناشط ومتضامن دولي، يبدون إصراراً كبيراً على إتمام مهمتهم الإنسانية. يأتي هذا التحرك في ظل تهديدات إسرائيلية صريحة باعتراض السفن ومنعها من الوصول إلى شواطئ القطاع، وهو ما اعتبره المتضامنون أمراً متوقعاً لن يثنيهم عن مواصلة مسيرهم.

ودخل الأسطول يومه الثالث من التوقف المؤقت قرب السواحل المشتركة بين اليونان وتركيا، وذلك بعد مغادرته ميناء مرمريس التركي. وتنتظر قيادة الأسطول تحديد موعد رسمي لاستئناف الإبحار باتجاه المياه الإقليمية لقطاع غزة خلال الساعات المقبلة. وكانت السفن قد واجهت تحديات طبيعية في الليلة الأولى للإبحار، حيث تسببت الرياح الشديدة في بعض الأعطال الفنية التي جرى التعامل معها لضمان سلامة المشاركين واستمرارية الرحلة.

وتبرز سفينة 'فاميلي' أو 'سفينة العائلة' كواحدة من أهم قطع الأسطول، حيث تعمل كمستشفى ميداني عائم يقدم الرعاية الصحية للمشاركين. وتتولى السفينة متابعة الحالات المرضية اليومية وتقديم الفحوصات الدورية لكبار السن وأصحاب الأمراض المزمنة من المتضامنين. وشدد القائمون على هذه السفينة بأن دورهم يتجاوز الدعم الرمزي، إذ يسعون للمساهمة الفعلية في إسناد المنظومة الصحية المتهالكة في غزة التي تعاني نقصاً حاداً في الكوادر والخدمات نتيجة الحرب المستمرة.

من جانبهم، يرفض المشاركون في الأسطول الاتهامات الإسرائيلية التي تحاول وصم تحركهم بالعنف، مؤكدين أن طابع الرحلة إنساني وتضامني بحت يهدف لإيصال المساعدات الطبية والغذائية للمدنيين. وأشارت مصادر ميدانية إلى أن النشطاء لديهم خطط بديلة لإعادة تسيير القوافل البحرية في حال تعرضت المهمة الحالية للإعاقة. ويأتي هذا الإصرار رداً على سياسات الاحتجاز السابقة التي طالت 21 قارباً و175 ناشطاً في محاولات سابقة لكسر الحصار.

وفي سياق متصل، تسود حالة من التأهب بين المتضامنين مع اقتراب ساعة الصفر لاستئناف الرحلة، خاصة بعد الهجمات التي نفذها الجيش الإسرائيلي ضد سفن الأسطول في نهاية أبريل الماضي قبالة جزيرة كريت. ويؤكد الناشطون أن استمرار تسيير هذه القوافل يمثل رسالة سياسية وإنسانية للعالم بضرورة إنهاء معاناة سكان القطاع. وتتجه الأنظار الآن نحو المسار الذي ستسلكه السفن في ظل الرقابة العسكرية الإسرائيلية اللصيقة التي تهدف لمنع وصول أي إمدادات إغاثية عبر البحر.

فلسطين

السّبت 16 مايو 2026 6:06 مساءً - بتوقيت القدس

وثائق مسربة تكشف تورط 'سيسكو' في دعم البنية الرقمية لجيش الاحتلال

كشفت وثائق مسربة حديثاً عن تعميق الشراكة الاستراتيجية بين شركة 'سيسكو سيستمز' الأمريكية والمؤسسة الأمنية والعسكرية للاحتلال الإسرائيلي. وأظهرت التقارير أن هذا التعاون شهد قفزة نوعية منذ بدء حرب الإبادة على قطاع غزة، حيث باتت الشركة ركيزة أساسية في البنية الرقمية التي تدير من خلالها سلطات الاحتلال عملياتها وشبكاتها الاتصالية المعقدة.

وأفادت مصادر صحفية استناداً إلى ما نشره الصحفي مرتضى حسين، بأن الخدمات المقدمة من الشركة لم تعد تقتصر على توريد أجهزة الشبكات التقليدية. بل امتدت لتشمل أنظمة الأمن السيبراني المتقدمة وحلول البنية التحتية للبيانات الضخمة، وهي أدوات حيوية تستخدم في تحليل المعلومات وتبادلها على نطاق واسع داخل أروقة المؤسسة العسكرية الإسرائيلية.

وتشير الوثائق المسربة إلى نمو قياسي في أرباح الشركة داخل السوق الإسرائيلية، مع توجيه كتلة ضخمة من العقود لصالح وزارة الحرب. وتكشف العروض الداخلية أن إدارة الشركة تتعامل مع هذا التوسع كفرصة تجارية سانحة مرتبطة بالنشاط العسكري المتزايد، متجاهلة الانتقادات الحقوقية المتصاعدة حول دور التكنولوجيا في إطالة أمد الصراعات المسلحة.

وتتضمن خارطة الطريق المستقبلية للتعاون مشاريع طموحة لدمج تقنيات الذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية في صلب العمليات الميدانية لجيش الاحتلال. كما تشمل العقود المبرمة تطوير شبكات بيانات فائقة السرعة وأنظمة حماية سيبرانية تهدف إلى تأمين الاتصالات العسكرية في مختلف الجبهات، مما يعزز القدرات الهجومية والدفاعية للمنظومة.

وتتسع قائمة المستفيدين من تقنيات 'سيسكو' لتشمل كافة أفرع جيش الاحتلال، بما في ذلك سلاح الجو والبحرية وجهاز الاستخبارات العسكرية (أمان). كما تمتد هذه الخدمات لتصل إلى مكتب رئيس الوزراء الذي يشرف على جهازي الموساد والشاباك، بالإضافة إلى أجهزة الشرطة وسلطة السجون وشركات التصنيع العسكري الكبرى مثل 'إلبيت سيستمز'.

وقد رصدت التقارير زيادة حادة في الاعتماد على هذه الأنظمة الرقمية عقب أحداث السابع من أكتوبر، حيث تضاعفت حاجة الاحتلال إلى بنية تحتية رقمية مرنة لإدارة العمليات العسكرية الواسعة. هذا الاعتماد المتزايد وضع الشركة في مواجهة مباشرة مع معايير الأخلاقيات المهنية، خاصة مع استخدام تقنياتها في سياق عسكري مباشر ضد المدنيين.

على الصعيد الداخلي، تسببت هذه العلاقة الوثيقة مع الاحتلال في حالة من الانقسام والتوتر داخل أروقة الشركة الأمريكية. وذكرت المصادر أن الإدارة فرضت قيوداً صارمة على مناقشة هذه العقود في الاجتماعات العامة، وذلك في محاولة لاحتواء غضب الموظفين والخبراء الذين يرون أن تكنولوجيا الشركة أصبحت جزءاً لا يتجزأ من آلة الحرب الإسرائيلية.

عربي ودولي

السّبت 16 مايو 2026 5:36 مساءً - بتوقيت القدس

طهران تفرض قواعد جديدة للملاحة في مضيق هرمز وتشترط التنسيق المسبق

كشف رئيس لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان الإيراني، إبراهيم عزيزي، عن توجه بلاده لفرض إجراءات تنظيمية جديدة وصارمة على حركة الملاحة في مضيق هرمز. وأوضح عزيزي أن هذه الآلية، التي أعدها البرلمان وسيتم الإعلان عن تفاصيلها قريباً، تهدف إلى حصر حق العبور بالسفن التجارية والجهات التي تبدي تعاوناً مباشراً مع السلطات الإيرانية.

وتتضمن الخطة الإيرانية الجديدة تحديد مسارات إبحار معينة داخل المضيق، مع فرض رسوم مالية مقابل ما وصفته طهران بـ 'الخدمات المتخصصة' المقدمة للسفن العابرة. وتأتي هذه الخطوة في سياق مساعي طهران لتعزيز سيادتها الوطنية على الممر المائي الحيوي، وتأمين حركة التجارة الدولية وفق رؤيتها الأمنية الخاصة.

وتتقاطع هذه الإجراءات البرلمانية مع توجهات القيادة العليا في إيران، حيث سبق وأشار المرشد الإيراني مجتبى خامنئي إلى عزم الدولة تطبيق 'خطة إدارة جديدة' للمضيق. ويهدف هذا التحرك إلى وضع قواعد اشتباك إدارية وأمنية تضمن عدم استغلال المياه الإقليمية من قبل القوى الأجنبية التي تصنفها طهران كتهديد لأمنها القومي.

من جانبها، أفادت مصادر مطلعة بأن كبار المسؤولين الإيرانيين، بمن فيهم الرئيس مسعود بزشكيان ووزير الخارجية عباس عراقجي، يحرصون على إيصال رسالة مفادها أن الملاحة تظل متاحة شريطة التنسيق. وتؤكد هذه المصادر أن طهران تسعى لمنع القوات الأمريكية من استخدام المضيق كمنصة لتهديد أمنها، خاصة في ظل التصعيد العسكري الأخير في المنطقة.

وتشدد طهران في خطاباتها الرسمية وفي كواليس المفاوضات الدولية على ضرورة الاعتراف بسيادتها الكاملة على مضيق هرمز كشرط لاستقرار الملاحة. وترى الدوائر السياسية الإيرانية أن عمليات الرصد والمراقبة التي تعتزم تفعيلها تتوافق مع القوانين الدولية، طالما أنها تضمن المصالح الحيوية للدولة الإيرانية وتحمي حدودها البحرية.

ويأتي هذا التصعيد الإيراني رداً على الحصار الذي تفرضه الولايات المتحدة على الموانئ الإيرانية منذ منتصف أبريل الماضي، إثر تعثر المسارات الدبلوماسية بين الطرفين. وقد أدى هذا الحصار إلى تفاقم الأزمة في مضيق هرمز، حيث ردت طهران بمنع عبور السفن التي لا تلتزم بالتنسيق المسبق مع أجهزتها البحرية.

وتسود مخاوف دولية واسعة من احتمال انهيار الهدنة الهشة القائمة منذ مطلع أبريل، والتي كانت تهدف إلى احتواء تداعيات الصراع المسلح الذي اندلع في فبراير الماضي. ويحذر مراقبون من أن الفشل في التوصل إلى اتفاق شامل لإنهاء الحرب قد يؤدي إلى انفجار الأوضاع مجدداً في هذا الشريان الطاقي العالمي.

وكانت الحرب التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران في الثامن والعشرين من فبراير قد خلفت خسائر بشرية فادحة تجاوزت 3 آلاف قتيل. وقد انعكست هذه المواجهة العسكرية بشكل مباشر على أسواق الطاقة العالمية، حيث سجلت أسعار النفط ارتفاعات قياسية تسببت في موجات تضخم غير مسبوقة في مختلف دول العالم.

وفي ظل هذا المشهد المعقد، تتحرك بحرية الحرس الثوري الإيراني لتعزيز تواجدها الميداني في المضيق، مما يحوله إلى نقطة ارتكاز استراتيجية في المواجهة الحالية. وتراقب العواصم الكبرى بحذر مدى قدرة طهران على تنفيذ تهديداتها بفرض الرسوم والتحكم الكامل في حركة المرور، وما قد يترتب على ذلك من ردود فعل دولية.

فلسطين

السّبت 16 مايو 2026 5:36 مساءً - بتوقيت القدس

عباس يدلي بصوته في انتخابات حركة فتح ويعلن 2026 عاماً للديمقراطية

شارك الرئيس الفلسطيني محمود عباس، صباح اليوم السبت، في عملية الاقتراع لانتخاب أعضاء اللجنة المركزية والمجلس الثوري لحركة التحرير الوطني الفلسطيني (فتح). وجرت العملية الانتخابية في قاعة أحمد الشقيري بمقر الرئاسة في مدينة رام الله، حيث سادت أجواء تنظيمية مكثفة رافقت توافد أعضاء المؤتمر الثامن لاختيار قيادتهم الجديدة. وتفقد عباس سير العمل في مراكز الاقتراع، مستمعاً إلى إيضاحات من اللجنة المشرفة حول الإجراءات الفنية المتبعة لضمان نزاهة وشفافية التصويت.

وأكد الرئيس عباس في تصريحات صحفية عقب إدلائه بصوته على الأهمية الاستراتيجية لهذا الاستحقاق التنظيمي، معتبراً إياه خطوة ضرورية لتعزيز وحدة الحركة وتجديد دماء مؤسساتها القيادية. وأشار إلى أن نجاح هذه الانتخابات يعكس إصرار حركة فتح على مواجهة التحديات السياسية والوطنية المقبلة بصفوف موحدة وقيادة منتخبة. كما شدد على أن الحركة تضع الديمقراطية الداخلية كأولوية لضمان استمرارية دورها الريادي في المشهد الفلسطيني.

ووصف عباس العام الحالي بأنه 'عام الديمقراطية' بامتياز، مستعرضاً سلسلة من الخطوات التي اتخذتها المؤسسات الفلسطينية مؤخراً لتعزيز هذا النهج. وذكر أن المسار بدأ بعقد مؤتمر الشبيبة الفتحاوية، ثم انتقل إلى إجراء الانتخابات المحلية في شهر نيسان/ أبريل الماضي، وصولاً إلى انعقاد المؤتمر الثامن للحركة حالياً. واعتبر أن هذه المحطات المتتالية تؤسس لمرحلة جديدة من العمل السياسي القائم على الشراكة والانتخاب.

وفي سياق متصل، كشف الرئيس الفلسطيني عن ملامح الخارطة السياسية للمرحلة القادمة، معلناً عن بدء التحضيرات الفعلية لعقد انتخابات المجلس الوطني الفلسطيني في شهر تشرين الثاني/ نوفمبر المقبل. وأوضح أن هذه الخطوة تأتي ضمن رؤية شاملة لإعادة تفعيل مؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية وتطوير أدائها بما يتناسب مع المتغيرات الراهنة. وتهدف هذه التحركات إلى ترتيب البيت الداخلي الفلسطيني كتمهيد لاستحقاقات وطنية أوسع تشمل كافة أطياف الشعب.

واختتم عباس حديثه بالتأكيد على أن القيادة الفلسطينية تعمل على تهيئة الأرضية القانونية والسياسية لإجراء الانتخابات العامة والرئاسية في كافة الأراضي الفلسطينية. وتتضمن هذه الاستعدادات صياغة دستور جديد للدولة، وإعداد قانون عصري للأحزاب السياسية، بالإضافة إلى تحديث قانون الانتخابات العامة لضمان شمولية العملية الديمقراطية. وشدد على أن الهدف النهائي هو تمكين المواطن الفلسطيني من ممارسة حقه الدستوري في اختيار ممثليه في كافة الهيئات التشريعية والتنفيذية.

فلسطين

السّبت 16 مايو 2026 5:07 مساءً - بتوقيت القدس

الشتات الفلسطيني.. جغرافيا اللجوء وتحولات الهوية من النكبة إلى المنافي البعيدة

مثلت النكبة الفلسطينية عام 1948 زلزالاً ديموغرافياً عنيفاً اقتلع كتلًا بشرية هائلة من ديارها الأصلية، لتقذف بها في غياهب اللجوء والشتات. وقد شكلت مدن الساحل والداخل مثل يافا وحيفا وصفد واللد الشرايين الأساسية التي تدفق منها المهجرون نحو جغرافيا معقدة من المنافي التي لا تزال تتوسع حتى يومنا هذا.

تشير الإحصائيات الراهنة إلى أن عدد الفلسطينيين في الشتات وصل إلى نحو 8.1 ملايين نسمة، يتوزعون بين دول الجوار والمنافي البعيدة. وقبل وقوع الكارثة، كانت المدن الفلسطينية تمثل حواضر ثقافية واقتصادية زاهرة، حيث كانت يافا مركزاً للصحافة والزراعة، بينما شكلت حيفا ميناءً استراتيجياً وعصب الصناعة والعمال.

تعتبر أحداث يوليو 1948 في مدينتي اللد والرملة علامة فارقة في تاريخ التطهير العرقي، حيث نُفذت عمليات تهجير قسري بأوامر عسكرية مباشرة. فبعد ارتكاب مجزرة مسجد دهمش، أُجبر أكثر من 60 ألف فلسطيني على السير لمسافات طويلة تحت شمس الصيف الحارقة فيما عُرف تاريخياً بـ 'مسيرة الموت'.

تسببت تلك المسيرة القاسية في ارتقاء مئات الشهداء من الأطفال والنساء والشيوخ على جنبات الطرق نتيجة العطش والإنهاك الشديد. وحمل الناجون معهم صدمة الاقتلاع وذكريات بيوتهم، ليتوزعوا في البدايات داخل المساجد والمدارس وتحت ظلال الأشجار، مؤذنين ببدء تشكل اللبنات الأولى لمجتمع الشتات.

في المراحل الأولى للجوء، كانت الخيام القماشية التي وزعتها المنظمات الدولية ترمز لانتظار مؤقت يسبق العودة الوشيكة إلى الديار. ومع مرور الوقت وتكريس واقع المنع الإسرائيلي، تحولت تلك الخيام إلى أبنية من الطوب والإسمنت، لتتشكل غابات من الأبنية المتلاصقة التي تعكس كثافة سكانية هائلة وضيقاً في المساحة.

جاء تأسيس وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) في أواخر عام 1949 ليمنح المخيم بنية مؤسساتية وإدارية محددة. ووفقاً لبيانات الوكالة، يقطن اليوم أكثر من 1.5 مليون لاجئ في 58 مخيماً معترفاً بها، تتوزع جغرافياً بين الأردن وسوريا ولبنان، بالإضافة إلى الضفة الغربية وقطاع غزة.

لم ينجح المخيم في أن يكون بديلاً عن القرية الأصلية، بل تحول إلى مستودع لحفظ أسمائها وشبكات علاقاتها الاجتماعية والعائلية. وبمرور العقود، تحول اللاجئ من مجرد متلقٍ للمساعدات الإنسانية إلى فاعل سياسي وطني، مما جعل المخيمات حواضن أساسية للوعي الثوري والمطالبة بالحقوق التاريخية.

شهدت جغرافيا الشتات عمليات تشظٍّ مستمرة نتيجة الأزمات الإقليمية والتحولات السياسية، مما أدى لظهور مستويات متعددة من اللجوء. ويبرز 'الشتات القريب' في دول الطوق حيث تداخلت حياة اللاجئين مع المجتمعات المضيفة، مع تمسكهم الصارم بهويتهم القانونية والسياسية كلاجئين يرفضون التوطين.

أما 'الشتات الاقتصادي' فقد تشكل مع الهجرات الواسعة نحو دول الخليج العربي في الخمسينيات والستينيات تزامناً مع الطفرة النفطية. وقد ساهمت النخب الفلسطينية المهجرة بشكل جوهري في بناء المؤسسات التعليمية والإدارية والطبية في تلك الدول، مشكلةً رافداً مالياً وسياسياً مهماً للقضية الوطنية.

وفي مستوى ثالث، برز 'الشتات البعيد' العابر للقارات نتيجة موجات النزوح التي أعقبت حرب عام 1967 والحروب الأهلية والإقليمية اللاحقة. وامتدت الخارطة الفلسطينية لتصل إلى أوروبا وأمريكا الشمالية واللاتينية، حيث ظل الارتباط بالوطن هو الخيط الناظم الذي يربط اللاجئين رغم تباين البيئات القانونية.

يمثل قطاع غزة المفارقة الأكثر حدة وقسوة في تجربة الشتات، حيث يعيش اللاجئ على بعد كيلومترات قليلة من أرضه المسلوبة. وتفيد البيانات بأن نحو 1.7 مليون لاجئ داخل القطاع ينحدرون من 190 قرية مهجرة، تقع معظمها خلف السياج الفاصل مباشرة، مما يجعل الحرمان من العودة وجعاً يومياً ملموساً.

أنتجت سنوات اللجوء الطويلة هوية مركبة تجمع بين مكان الإقامة الحالي والبلدة الأصلية التي لم يرها الجيل الجديد إلا في الحكايات. وتجلت هذه الهوية في تفاصيل الحياة اليومية، من خلال الخرائط المعلقة في المنازل، ومفاتيح العودة، والتمسك بالثقافة الشعبية التي تنتقل من الجدات إلى الأحفاد.

تعرض الشتات الفلسطيني لنكبات متتالية وحصار داخل المخيمات في دول عدة، مما زاد من صلابة الهوية وجعلها عصية على التذويب. وأثبتت التجربة التاريخية أن تشتيت الفلسطينيين في أصقاع الأرض لم يؤدِ إلى موت القضية كما خطط الاحتلال، بل جعل من الشتات قلباً نابضاً للمطالبة بالحقوق.

في الختام، يظل المخيم شرياناً سياسياً يرفض التصفية، وتظل جغرافيا المنافي حالة طارئة ومؤقتة مهما طال أمد اللجوء. ومع تسلم الأجيال المتعاقبة لإرث القرى والمدن المهجرة، يبقى اليقين بأن كل الدروب المشتتة لا تقود في نهاية المطاف إلا إلى نقطة البداية في فلسطين التاريخية.

فلسطين

السّبت 16 مايو 2026 5:07 مساءً - بتوقيت القدس

من قلب الركام.. شقيقتان من غزة تحصدان جائزة دولية لتحويل الأنقاض إلى طوب بناء

حققت الشقيقتان الفلسطينيتان فرح وتالا موسى إنجازاً دولياً لافتاً بفوزهما بـ "جائزة الأرض" للشباب على مستوى منطقة الشرق الأوسط، وذلك تقديراً لمشروعهما المبتكر في إعادة تدوير أنقاض المنازل المدمرة بقطاع غزة. ونجحت الفتاتان في ابتكار طوب بناء قابل لإعادة الاستخدام، في خطوة تهدف إلى مواجهة آثار الحرب وتحويل ركام الدمار إلى موارد أولية تسهم في عمليات إعادة الإعمار المستقبلية.

وجاء هذا التكريم رغم الظروف القاسية التي تعيشها الشقيقتان، حيث تعانيان من النزوح المتكرر وتقيمان في خيمة بعد تدمير منزلهما جراء القصف الإسرائيلي المستمر. وأوضحت تالا موسى، البالغة من العمر 17 عاماً أن مشهد الركام الذي يغطي مدينتهن بالكامل كان الدافع الأساسي للبحث عن حلول عملية تخرج من رحم المعاناة، محولةً المحيط المدمر إلى مصدر للإلهام والابتكار.

وتعتزم الشقيقتان استثمار قيمة الجائزة المالية، البالغة 12,500 دولار، في إطلاق مبادرة تعليمية تهدف إلى تدريب الشباب الآخرين على تقنيات صناعة الطوب من الحطام. وتسعى فرح، ذات الـ 15 عاماً، من خلال هذا المشروع إلى تعزيز الاعتماد على الذات في مرحلة إعادة الإعمار، بدلاً من الارتهان الكلي للمساعدات الخارجية التي قد تتأخر في الوصول إلى المتضررين.

تعتمد العملية التقنية التي طورتها الفتاتان على سحق الأنقاض وغربلة الحطام بعناية، ثم خلط الناتج بمواد محلية متوفرة مثل الطين والرماد ومسحوق الزجاج لضمان التماسك. وقد جرت التجارب الأولية لهذه القوالب بجوار خيمتهما، حيث استُخدم الطوب المنتج في تثبيت الخيام وحمايتها من الرياح والأحوال الجوية القاسية، مما أثبت فاعلية المادة في الاستخدامات الميدانية البسيطة.

ووصفت فرح المنتج بأنه مادة منخفضة التكلفة وخفيفة الوزن، وهي مصممة في مرحلتها الحالية للاستخدام في تشييد الأرصفة والفواصل الداخلية وأحواض الحدائق. ورغم فقدانهما للنموذج الأولي للمشروع خلال إحدى عمليات النزوح القسري، إلا أن الإصرار دفعهما لمواصلة العمل، مؤكدتين أن الدمار لم يعد بالنسبة لهما مجرد رمز للخسارة، بل نقطة انطلاق لبناء واقع جديد.

وتتضمن خطة العمل القادمة تنظيم ورش عمل تخصصية تستهدف تدريب نحو 100 شاب فلسطيني على مهارات التصنيع اليدوي لهذا النوع من الطوب، مع وضع هدف لإنتاج ما لا يقل عن 200 طوبة في المرحلة التجريبية الأولى. وتعد "جائزة الأرض" من المنصات الدولية المرموقة التي تمنح للمشاريع الشبابية التي تقدم حلولاً بيئية مبتكرة للتحديات المعاصرة التي تواجه المجتمعات.

يأتي هذا الابتكار في وقت تشير فيه تقديرات الأمم المتحدة إلى أن نحو 1.9 مليون فلسطيني في غزة، أي ما يعادل 90% من إجمالي السكان، قد نزحوا من ديارهم منذ بدء الحرب. وتواجه المنطقة تحدياً بيئياً وهندسياً هائلاً مع انتشار ملايين الأطنان من الأنقاض التي تغلق الشوارع وتعطل الحياة، وسط تقديرات تشير إلى أن حجم الأضرار المادية في القطاع وصل إلى 70 مليار دولار.

وعلى الصعيد الإنساني، أفادت مصادر طبية في غزة بأن حصيلة الشهداء تجاوزت 72,700 شخص، في ظل استمرار سقوط الضحايا حتى بعد دخول تفاهمات وقف إطلاق النار حيز التنفيذ. وتتزايد الحاجة لمثل هذه المبادرات المحلية مع تأخر انطلاق عمليات إعادة الإعمار الواسعة، رغم الوعود الدولية والاتفاقات التي نصت على ضرورة البدء الفوري في ترميم ما دمرته الحرب لصالح السكان.

وفي ظل هذا الواقع المعقد، يبرز مشروع فرح وتالا كنموذج للصمود الفلسطيني والقدرة على تطويع أقسى الظروف لخدمة المجتمع. وبينما تنتظر المنظمات الإنسانية الضوء الأخضر لبدء الإعمار الشامل، تبدأ الشقيقتان من خيمتهما بوضع اللبنات الأولى لمستقبل غزة، محولتين ركام الماضي إلى حجارة بناء لغدٍ يأمل الفلسطينيون أن يكون أكثر استقراراً وأماناً.

عربي ودولي

السّبت 16 مايو 2026 5:06 مساءً - بتوقيت القدس

تركيا تعلن تفكيك شبكة تجسس دولية واعتقال 7 متورطين في 4 ولايات

كشفت مصادر أمنية تركية عن نجاح جهاز الاستخبارات الوطني في تفكيك شبكة تجسس دولية كانت تمارس نشاطات معادية لمصالح البلاد. وأوضحت المصادر أن هذه الشبكة كانت تعمل بشكل مباشر لصالح جهازين استخباراتيين أجنبيين لم يتم الكشف عن هويتهما بشكل رسمي حتى الآن، مما يعكس حجم الاختراق الذي كانت تحاول هذه الجهات تحقيقه داخل الساحة التركية.

ونفذت السلطات الأمنية عملية نوعية ومتزامنة شملت أربع ولايات تركية، بعد فترة من الرصد والمتابعة الدقيقة لتحركات المشتبه بهم. وأسفرت المداهمات عن إلقاء القبض على سبعة أشخاص متورطين في جمع ونقل معلومات استخباراتية حساسة، حيث تركزت نشاطاتهم على مراقبة منظمات المجتمع المدني والجمعيات الأهلية، بالإضافة إلى تتبع مجموعات عرقية وموظفين في قطاعات حكومية مختلفة.

وبحسب التحقيقات التي أجراها جهاز الاستخبارات بالتعاون مع النيابة العامة ووحدة مكافحة الإرهاب في أنقرة، فقد تم تحديد هوية تسعة أفراد ينتمون لهذه الخلية التجسسية. وتبين أن من بين المعتقلين السبعة زعيم الشبكة الذي أشير إليه بالرمز (ب. ي)، في حين كشفت السجلات الأمنية أن العضوين المتبقيين من الشبكة يتواجدان بالفعل داخل السجون التركية لقضاء عقوبات في قضايا جنائية أخرى.

واعتمدت العملية الأمنية على جهود 'فرق خاصة' عملت بتنسيق عالٍ لضمان ضبط كافة الأدلة والوثائق التي تثبت تورط الخلية في التجسس السياسي والعسكري. وقد جرى إحالة الموقوفين السبعة إلى الجهات القضائية المختصة فور انتهاء التحقيقات الأولية معهم، حيث وُجهت إليهم تهم رسمية تتعلق بالتجسس لصالح قوى خارجية والمساس بالأمن القومي التركي.

وفي ختام الإجراءات القانونية الأولية، قرر القضاء التركي توقيف جميع المتهمين السبعة على ذمة القضية، مع استمرار التحريات لكشف كامل أبعاد النشاط التجسسي والجهات الدولية التي تقف خلفه. وتأتي هذه الضربة الأمنية في سياق جهود أنقرة المكثفة لملاحقة شبكات التجسس الأجنبية التي تزايدت وتيرة نشاطها في المنطقة خلال الآونة الأخيرة.

فلسطين

السّبت 16 مايو 2026 4:37 مساءً - بتوقيت القدس

بمفاتيح العودة ومجسمات الطين.. أطفال غزة يحيون ذكرى النكبة من خيام النزوح

تحولت إحدى خيام النزوح في مدينة خان يونس جنوبي قطاع غزة إلى مساحة تعليمية وفنية مؤقتة، حيث اجتمع عشرات الأطفال الفلسطينيين لاستعادة ملامح قراهم ومدنهم المهدمة. واستخدم الصغار مجسمات من الطين ومفاتيح خشبية ترمز للعودة، في فعالية نظمتها 'مدرسة أحلام غزة' لربط جيل الحرب بذاكرة النكبة الفلسطينية المستمرة.

أفادت مصادر ميدانية بأن الفعالية شهدت مشاركة واسعة من الأطفال الذين ارتدوا الأثواب المطرزة والكوفية الوطنية، محولين مركز الإيواء إلى ساحة للتعبير عن التمسك بالأرض. وتضمنت الأنشطة رسم لوحات فنية وتجسيد رموز وطنية مرتبطة بحق العودة، في محاولة لتوثيق المعاناة اليومية بلغة الفن والذاكرة الجماعية.

قالت مديرة المدرسة، أحلام عبد العاطي إن الهدف الأساسي من هذا النشاط هو إعادة إحياء التراث الفلسطيني في نفوس الأطفال الذين فقدوا بيوتهم ومدارسهم جراء القصف المتواصل. وأوضحت أن الكثير من هؤلاء الصغار لم تتح لهم فرصة التعرف على تفاصيل هويتهم بسبب ظروف النزوح القاسية والدمار الذي طال كل مناحي الحياة.

عبر الأطفال عن مشاعرهم من خلال تشكيل مجسمات لبيوت مهدمة وخيام نزوح، بالإضافة إلى رسم شخصية 'حنظلة' وخريطة فلسطين على حقائبهم المدرسية. كما شملت الفعالية زوايا لتعليم الدبكة الشعبية والتطريز و'الكروشيه'، بوصفها مكونات أصيلة من الهوية التي يسعى الاحتلال لطمسها عبر عقود من الصراع.

في إحدى زوايا الخيمة، برزت الطفلة ديما وهي تمسك بمفتاح عودة خشبي كبير، مستذكرة لحظات فقدانها لوالدها وإصابتها تحت أنقاض منزلهم. وقالت ديما إن حلمها الوحيد هو العودة إلى بيتها، مؤكدة إصرارها على الحفاظ على هويتها الفلسطينية رغم الألم واليتم الذي خلفته الحرب في حياتها وحياة عائلتها.

من جانبه، ظهر الطفل محمد مرتدياً لباساً تراثياً قديماً ومستنداً إلى عكاز خشبي كان يعود لجده الراحل، في إشارة رمزية لتوارث الأجيال للحق الفلسطيني. وأوضح محمد أن مشاركته تهدف إلى إظهار كيف كان الأجداد يتمسكون بأرضهم وملابسهم، مؤكداً أن الصغار سيكملون المسيرة مهما بلغت التضحيات.

وسط تصفيق الحاضرين، أنشدت طفلة بزيها المطرز أغنية حزينة تحاكي احتلال الأرض وهدم المنازل وقتل الطفولة في غزة، مشددة على أن القدس ستبقى العاصمة الأبدية. وشرحت الطفلة للمشاركين كيف استلهمت فكرة المجسمات التي صنعتها من مشاهد البيوت المقصوفة التي عاينتها بنفسها خلال رحلة النزوح المريرة.

أما الطفل جهاد، فقد انشغل بصناعة مجسم دقيق يصور بيتاً مدمراً تحيط به خيام صغيرة وقطع ورقية ترمز إلى الشهداء الذين سقطوا في منطقته. وقال جهاد، الذي كان يحلم بمستقبل في الغناء والإنشاد إن الحرب بددت أحلامه لكن الفن يمنحه مساحة للتفريغ النفسي والتعبير عن واقع النزوح والموت الذي يعيشه سكان القطاع.

اختتمت الفعالية برسالة وجهها الأطفال إلى العالم، طالبوا فيها بوقف فوري للحرب وإنهاء معاناة الشعب الفلسطيني الذي يواجه التهجير والجوع. وأكدت مصادر من داخل المخيم أن أطفال غزة يثبتون يوماً بعد يوم قدرتهم على التمسك بالأمل والهوية، معيدين رواية النكبة بعيون جيل جديد يواجه القصف بالصمود والإبداع.

عربي ودولي

السّبت 16 مايو 2026 4:37 مساءً - بتوقيت القدس

الزيدي يبدأ مهامه رئيساً لحكومة العراق وسط تحديات نزع سلاح الفصائل

شهدت العاصمة العراقية بغداد، اليوم السبت، مراسم رسمية لتسليم واستلام المهام بين رئيس الوزراء الجديد علي الزيدي وسلفه محمد شياع السوداني. وأكد المكتب الإعلامي لرئيس الوزراء أن الزيدي باشر مهامه رسمياً رئيساً للحكومة وقائداً عاماً للقوات المسلحة، إيذاناً ببدء مرحلة سياسية جديدة.

تأتي هذه الخطوة في وقت حساس للغاية، حيث تترقب الأوساط السياسية قدرة الحكومة الجديدة على التعامل مع ملف الفصائل المسلحة المنضوية تحت مظلة هيئة الحشد الشعبي. وتواجه بغداد ضغوطاً متزايدة من واشنطن التي تطالب بضرورة نزع سلاح هذه التشكيلات لضمان استقرار الدولة وحماية البعثات الدبلوماسية.

وتبرز كتائب حزب الله العراقي كواحدة من أكثر الفصائل نفوذاً وإثارة للجدل منذ تأسيسها في عام 2007، حيث تتهمها الولايات المتحدة بتنفيذ هجمات ممنهجة ضد قواعدها. وقد صنفت واشنطن هذه الكتائب كمنظمة إرهابية منذ عام 2009، مما يجعل التعامل معها تحدياً أمنياً ودبلوماسياً كبيراً للزيدي.

وفي سياق متصل، أعلنت السلطات الأميركية مؤخراً عن توقيف محمد باقر سعد داود السعدي، الذي يوصف بأنه قيادي بارز في كتائب حزب الله. وتتهمه التحقيقات الفيدرالية بالتخطيط لعمليات واسعة النطاق تستهدف مواقع في الولايات المتحدة وأوروبا، مما يزيد من تعقيد المشهد الأمني العراقي.

من جانبها، تعد عصائب أهل الحق من القوى السياسية والعسكرية الأكثر تنظيماً في المشهد العراقي الحالي، حيث تمتلك تمثيلاً قوياً داخل البرلمان والحكومة. وقد نشأت العصائب كجناح منشق عن التيار الصدري، وهي تؤدي دوراً مزدوجاً يجمع بين العمل السياسي المؤسساتي والنشاط العسكري الميداني.

أما حركة النجباء، التي يقودها أكرم الكعبي، فقد عززت حضورها منذ عام 2013 كفصيل عقائدي وثيق الصلة بالتوجهات الإقليمية الإيرانية. وتجاوز نشاط الحركة الحدود العراقية ليصل إلى الساحة السورية، حيث شاركت بفعالية في العمليات العسكرية هناك تحت غطاء محاربة التنظيمات المتطرفة.

ويرى مراقبون أن الصراع على النفوذ بين واشنطن وطهران يلقي بظلاله الثقيلة على قرارات الحكومة العراقية الجديدة تجاه هذه الفصائل. فبينما ترى واشنطن في هذه المجموعات تهديداً لمصالحها، تعتبرها أطراف محلية وإقليمية جزءاً أساسياً من منظومة الردع والدفاع عن الدولة.

وتبرز أيضاً كتائب سيد الشهداء كلاعب رئيسي في محور المقاومة، حيث تأسست في عام 2013 إثر انشقاق قائدها أبو مصطفى الشيباني عن كتائب حزب الله. ويرتبط هذا الفصيل بعلاقات تنسيقية عالية المستوى مع الحرس الثوري الإيراني، ويشارك في مهام عسكرية خارج الحدود العراقية بانتظام.

إلى جانب الفصائل الكبرى، تظهر تشكيلات أصغر حجماً مثل 'أنصار الله الأوفياء' التي تعمل ضمن نطاق عملياتي محدود ومحدد جغرافياً. ورغم صغر حجمها مقارنة بالعصائب أو الكتائب، إلا أنها تشكل جزءاً من الشبكة الأمنية المرتبطة بهيئة الحشد الشعبي وتلتزم بقراراتها العامة.

وفي تطور لافت منذ عام 2020، برز اسم 'سرايا أولياء الدم' كفصيل يمتلك قدرات تقنية متقدمة رغم قلة عدد مقاتليه. وتتميز هذه السرايا باستخدام التكنولوجيا الحديثة في عملياتها، مما جعلها تحت مجهر المتابعة الأمنية الدولية كنموذج للفصائل الصغيرة ذات التأثير النوعي.

كما يبرز فصيل 'الوارثين' الذي تشكل في عام 2019 بهدف معلن وهو استهداف الوجود الأميركي في العراق، دون أن يكون له هيكل مؤسسي واضح. ويصنف الخبراء هذا الفصيل ضمن المجموعات المحلية التي تنشط في إطار تحالفات غير رسمية، مما يصعب من عملية تتبع قياداته أو تحركاته.

وتواجه حكومة الزيدي أيضاً تحديات داخلية تتعلق بمطالب التيار الصدري والقوى السياسية الأخرى التي تنادي بضرورة حصر السلاح بيد الدولة. ويمثل هذا المطلب اختباراً حقيقياً لمدى قدرة رئيس الوزراء الجديد على موازنة القوى بين الفصائل المسلحة والالتزامات السياسية تجاه شركائه.

إن المشهد العراقي الراهن يتطلب من الزيدي رؤية استراتيجية تجمع بين الحزم الأمني والمرونة السياسية لتجنب أي صدام مسلح داخلي. فالفصائل المسلحة لم تعد مجرد تشكيلات عسكرية، بل أصبحت تمتلك أذرعاً اقتصادية وسياسية متغلغلة في مفاصل الدولة، مما يجعل تفكيكها أمراً معقداً.

ختاماً، يبقى السؤال المطروح في الشارع العراقي حول مدى قدرة الحكومة الجديدة على الصمود أمام الضغوط الخارجية دون التضحية بالاستقرار الداخلي. فالمرحلة المقبلة ستكشف عن طبيعة التفاهمات التي قد يبرمها الزيدي مع قادة الفصائل لضمان عبور العراق من هذه الأزمة السياسية والأمنية.

أقلام وأراء

السّبت 16 مايو 2026 4:28 مساءً - بتوقيت القدس

في الذكرى الـ78 للنكبة الفلسطينية: إسرائيل تواصل حرب الإبادة الجماعية

في الخامس عشر من أيار/مايو 2026، يحيي الشعب الفلسطيني الذكرى الثامنة والسبعين للنكبة الفلسطينية، فيما لا تزال النكبة مستمرة بأشكال أكثر قسوة وتنظيماً. فما بدأ عام 1948 بالاقتلاع الجماعي والتهجير القسري وتدمير القرى وارتكاب المجازر، يتواصل اليوم عبر حرب إبادة جماعية مفتوحة تستهدف الإنسان الفلسطيني وأرضه وذاكرته ومستقبله.


حكايات الأجداد والجدات عن اللجوء والتشرد والجوع والخوف لم تعد مجرد ذكريات من الماضي، بل أصبحت واقعاً يومياً يعيشه الفلسطينيون من جديد. التاريخ يعيد نفسه بصورة أكثر وحشية، وجيل جديد يعيش نكبة آبائه وأجداده تحت القصف والحصار والجوع والنزوح المتكرر.


العيش في  خيام النازحين يعيد إلى الذاكرة مخيمات اللجوء الأولى في غزة بعد عام 1948. الحارات الضيقة، البرد القارس والحر الشديد، وانتشار الحشرات والأمراض، وغياب المياه النظيفة والخدمات الصحية، والخوف الدائم من الموت. الخيام لم تعد مجرد مأوى مؤقت، بل تحولت إلى شاهد حي على نكبة متجددة، وإلى جرح مفتوح في جسد فلسطين.


أتذكر ما كان يرويه والدي، عن ما عاشه هو وعمي الراحل محمد، عن تهجيرهما القسري من قرية برير، الواقعة شرق مدينة غزة على بعد 21 كيلومتراً، وكيف كانا يعودان على ظهر جمل لاستعادة ما خزنته العائلة من القمح كي يتمكنوا من البقاء على قيد الحياة. واليوم يعيد الفلسطينيون المشهد ذاته، يعود بعضهم إلى بيوتهم المدمرة، أو إلى ما تبقى منها، لاسترجاع حاجيات بسيطة أو للاطمئنان على ذكرياتهم، لكن كثيرين منهم يُقتلون بنيران الاحتلال، فلا يعودون، ولا تعود لهم بيوت أو ممتلكات.


كان والدي يحدثني أيضاً عن انتشار القمل والبراغيث والبق بين اللاجئين الأوائل، وعن عجز المؤسسات الدولية في البداية عن توفير الحد الأدنى من الرعاية. ولاحقاً تمكنت وكالة الغوث من إدخال المبيدات، وكانت ترش الخيام والبيوت الطينية المسقوفة بالقرميد. واليوم، بعد ثمانية وسبعين عاماً، تتكرر المأساة بصورة أكثر سريالية؛ انتشار القوارض والحشرات والأمراض، ومنع دخول الأدوية والمبيدات، في ظل حصار وتجويع ممنهج يطال أكثر من مليوني إنسان في قطاع غزة.


منذ تشرين الأول/أكتوبر 2023، تشن إسرائيل حرب إبادة جماعية شاملة على قطاع غزة، أسفرت عن استشهاد عشرات الآلاف من الفلسطينيين، معظمهم من الأطفال والنساء، وإصابة مئات الآلاف، وتدمير أكثر من 80% من مباني القطاع بشكل كلي أو جزئي، ونزوح غالبية السكان قسراً. كما فرضت سياسة تجويع وحصار خانق، ومنعت إدخال المساعدات الإنسانية، في محاولة لإخضاع السكان وكسر إرادتهم.


وفي الوقت ذاته، تواصل إسرائيل في الضفة الغربية والقدس المحتلة سياسات الضم الفعلي، والتوسع الاستيطاني، ومصادرة الأراضي، وهدم المنازل، وتهجير التجمعات الفلسطينية، وتصعيد إرهاب المستوطنين تحت حماية الجيش.


هذه ليست أحداثاً منفصلة، بل حلقات متصلة من مشروع استعماري استيطاني إحلالي يقوم على اقتلاع الفلسطينيين من أرضهم، ومحو وجودهم الوطني، وفرض نظام من السيطرة والفوقية العنصرية.


ورغم حجم الدمار والقتل والتجويع والخذلان الدولي، يواصل الفلسطينيون صمودهم وتمسكهم بحقوقهم الوطنية. لم تنجح كل أدوات القوة والإرهاب في كسر إرادتهم أو محو هويتهم. وما زال حق العودة، وحق تقرير المصير، وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة، حقوقاً ثابتة لا تسقط بالتقادم.


في الذكرى الثامنة والسبعين للنكبة، يتضح أكثر من أي وقت مضى أن النكبة لم تنتهِ، وأنها ما زالت مستمرة بأدوات أكثر تطوراً  ووحشية. لكن الثابت أيضاً أن الشعب الفلسطيني، رغم كل ما تعرض له من تهجير وقتل وحصار، ما زال متمسكًا بأرضه وذاكرته وحقوقه.


ثمانية وسبعون عاماً من النكبة، ولم تسقط فلسطين من الذاكرة، ولم يسقط حق العودة، ولم تنكسر إرادة الفلسطينيين. ودولة الاحتلال الفاشية، التي طورت أدواتها في القتل والإبادة على مدى ثمانية عقود، لن تستطيع أن تلغي حقيقة واحدة راسخة: أن هذا الشعب باقٍ، وأن العدالة، مهما طال الزمن، ستنتصر.

فلسطين

السّبت 16 مايو 2026 4:27 مساءً - بتوقيت القدس

اعتداءات المستوطنين...تصعيد يقتات على أيديولوجية عنصرية بهدف الضم والتهجير

د. عبد الناصر مكي: الاستيطان الرعوي أصبح من أبرز أدوات السيطرة على الأرض ما يخلق واقعاً جديداً يهدف للتوسع التدريجي دون إعلان رسمي للضم

عبد الهادي حنتش: هذا النمط من الاعتداءات يهدف إلى نشر حالة من الرعب في الأوساط الفلسطينية خصوصاً في الأرياف ودفع السكان للتهجير القسري

د. أحمد رفيق عوض: ظاهرة التوسع الاستيطاني وما يرافقها من اعتداءات في الضفة تعكس ترجمة عملية لما يسمى "خطة الحسم" التي يروج لها سموتريتش

سهيل خليلية: الهجمات هدفها دفع العائلات الفلسطينية إلى الرحيل بالتوازي مع تعزيز وجود البؤر الاستيطانية لتصبح بديلاً سكانياً على الأرض

د. عمر رحال: المؤشرات الميدانية تنذر بمرحلة أكثر خطورة وتصاعد الاعتداءات المسلحة على القرى والتجمعات البدوية في الضفة الغربية

هاني أبو السباع: غالبية منفذي الهجمات من "فتية التلال" الاستيطانية يتغذون على خطاب يبرر طرد الفلسطينيين والسيطرة على الأرض



رام الله - خاص بـ"القدس"-

تشهد الضفة الغربية تصاعداً متسارعاً في اعتداءات المستوطنين، والتي كان آخرها استشهاد الطفل يوسف كعابنة خلال هجومهم على تجمع بدوي في بلدة جلجلية بمحافظة رام الله والبيرة، وسط تحذيرات من تداعيات متفاقمة تطال الوجود الفلسطيني في المناطق الريفية والبدوية والزراعية، مع اتساع نطاق الهجمات لتشمل القرى والتجمعات البدوية ومصادر الرزق الأساسية، بما يمهد للتهجير القسري.

ويؤكد خبراء وكتاب ومحللون سياسيون ومختصون، في أحاديث مع "ے"، أن ما يجري تجاوز حدود الاعتداءات الفردية ليأخذ طابعاً منظماً يهدف إلى فرض وقائع ميدانية جديدة عبر العنف والترهيب، بما ينعكس على الاستقرار الاجتماعي والأمني في الضفة الغربية.

ويشيرون إلى أن تصاعد الهجمات، بما يشمل استهداف الرعاة والمزارعين، وسرقة المواشي، وإحراق المزروعات والاعتداء على السكان، يؤدي إلى خلق بيئة معيشية قاسية تدفع الفلسطينيين تدريجياً إلى التهجير القسري ومغادرة أراضيهم، خاصة في المناطق المصنفة "ج" والمناطق الريفية المحاذية للبؤر الاستيطانية.

ويرون أن هذا الواقع يتزامن مع توسع متسارع للبؤر الاستيطانية والرعوية، في إطار سياسات تهدف إلى تعزيز السيطرة على الأرض وإضعاف فرص قيام دولة فلسطينية مستقلة.

وفي ظل غياب المساءلة القانونية الدولية واستمرار الدعم السياسي الرسمي الإسرائيلي للمستوطنين، تتزايد المخاوف من دخول الضفة الغربية مرحلة أكثر خطورة، مع احتمالات اتساع دائرة العنف وتفاقم الاحتقان الشعبي، محذرين من أن استمرار الاعتداءات، بالتوازي مع الأزمات الاقتصادية والسياسية الفلسطينية، قد يؤدي إلى مزيد من التآكل في مقومات الصمود الفلسطيني، ويفتح الباب أمام تحولات ميدانية أعمق يصعب احتواؤها مستقبلاً.



امتداد لمسار استيطاني تاريخي متدرج


يرى الخبير في شؤون الاستيطان د.عبد الناصر مكي أن الاعتداءات التي ينفذها المستوطنون في الضفة الغربية تشهد تصاعداً ملحوظاً منذ أحداث السابع من أكتوبر 2023، في ظل تولي حكومة إسرائيلية متطرفة بقيادة بنيامين نتنياهو وبدعم مباشر من الوزيرين إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش، الذين يعلنون صراحة السعي للسيطرة على مناطق "ج" وطرد الفلسطينيين من أراضيهم.

ويوضح مكي أن هذا التصعيد لم يأتِ بشكل مفاجئ، بل يأتي امتداداً لمسار استيطاني متدرج بعد احتلال الضفة الغربية، يستهدف التجمعات الفلسطينية في الأغوار الشمالية والأغوار الوسطى، والمناطق الواقعة بين أريحا ورام الله، وقرى شمال رام الله، إضافة إلى مسافر يطا ومحيط القدس، حيث يجري فرض وقائع ميدانية جديدة عبر السيطرة على المرتفعات الجبلية والتجمعات الريفية.

ويبيّن مكي أن هذا المسار الاستيطاني يرتبط بتراكم تاريخي منذ عام 1967، مروراً بـ"مشروع ألون" عام 1968، ثم توسع المستوطنات في الأغوار، وقيام مستوطنة "معاليه أدوميم"، و"هار حوما" في جبل أبو غنيم، وصولاً إلى أكثر من 300 مستوطنة ونحو 192 بؤرة استيطانية في الضفة الغربية، ما أدى إلى إحكام السيطرة على محيط القدس والخليل وأريحا وطوباس ومناطق شمال الضفة.


أدوات ضغط ممنهجة


ويشير مكي إلى أن الاعتداءات الأخيرة التي طالت قرى في محافظة رام الله والبيرة مثل جليجليا، وسنجل، والمغير، وكفر مالك، ورمون، ودير دبوان، وكذلك قصرة في نابلس، إلى جانب مناطق مسافر يطا، تشكل أدوات ضغط ممنهجة تهدف إلى دفع الفلسطينيين نحو الرحيل القسري عبر جعل الحياة اليومية "شبه مستحيلة"، من خلال الاعتداء على السكان ومصادر رزقهم ومواشيهم.

ويلفت مكي إلى أن سموتريتش يركز على مصادرة آلاف الدونمات في الأغوار والمناطق الاستراتيجية، بما في ذلك إعادة تفعيل مستوطنات أُخليت عام 2005 مثل "صانور"، وإقامة مئات الوحدات الاستيطانية الجديدة، ضمن سياسة توسع استيطاني شاملة.


الاستيطان الرعوي أبرز أدوات السيطرة


ويوضح مكي أن ما يُعرف بـ"الاستيطان الرعوي" أصبح أحد أبرز أدوات السيطرة، حيث يقوم المستوطنون باستخدام قطعان مواشيهم لترعى داخل أراضٍ فلسطينية قرب القرى والتجمعات للسيطرة على تلك الأراضي، وبحماية مباشرة من الجيش الإسرائيلي، ما يخلق واقعاً جديداً على الأرض يهدف إلى التوسع التدريجي دون إعلان رسمي للضم.

ويشير مكي إلى أن حادثة استشهاد الطفل يوسف كعابنة في جليجليا وما تبعها من سرقة نحو 700 رأس من الأغنام، تعكس تصاعد وتيرة العنف، في ظل غياب الردع القانوني وتواطؤ سياسي، ما يشجع المستوطنين على التمادي في الاعتداءات.

ويلفت مكي إلى أن هذه التطورات تتزامن مع استحقاقات انتخابية في شهر أكتوبر/ تشرين الأول المقبل، حيث يسعى السياسيون الإسرائيليون المتطرفون إلى كسب دعم المستوطنين عبر تسهيل توسعهم وتعزيز وجودهم في الضفة الغربية.


ضغوط معيشية


ويلفت مكي إلى أن هذه السياسات الاستيطانية تترافق مع أزمة اقتصادية خانقة داخل السلطة الفلسطينية، نتيجة وقف تحويل أموال المقاصة وتراجع دخول العمال الفلسطينيين إلى داخل الخط الأخضر، ما زاد من الضغوط المعيشية وعمّق هشاشة الوضع الاقتصادي، من أجل الضغط على الفلسطينيين لدفعهم للرحيل.

ويحذر مكي من أن المرحلة المقبلة قد تكون أكثر صعوبة، في ظل استمرار التنافس السياسي داخل إسرائيل على قاعدة تعزيز الاستيطان في مناطق "ج"، وتوسيع البؤر الاستيطانية في محيط المدن الفلسطينية، بما يشمل مناطق الأغوار، وشمال رام الله، ونابلس، والخليل.

ويؤكد مكي أن المستوطنين باتوا يعتمدون بشكل متزايد على إقامة بؤر رعوية واستيطانية صغيرة تمهد لتوسعات أكبر، بهدف خلق واقع يمنع أي إمكانية لقيام دولة فلسطينية مستقلة، مشيراً إلى أن الهدف النهائي يتمثل في الضم التدريجي للضفة الغربية.


ضرورة توحيد الجهود الفلسطينية


وفي المقابل، يدعو مكي إلى توحيد الجهود الفلسطينية على المستويات كافة، وإعادة تفعيل لجان الحراسة في القرى القريبة من المستوطنات، وتعزيز التنسيق بين المؤسسات والأحزاب الفلسطينية، إضافة إلى تحرك دبلوماسي واسع يشمل الاتحاد الأوروبي والدول الغربية لفضح ممارسات المستوطنين.

ويشدد مكي على أهمية أن يتضمن المؤتمر الثامن لحركة فتح رؤية استراتيجية واضحة لمواجهة الاستيطان، من خلال برامج عملية لدعم التجمعات الفلسطينية الأكثر استهدافاً، خصوصاً في الأغوار وشمال رام الله والخليل، إلى جانب تفعيل الدور الدبلوماسي الفلسطيني في الخارج.

ويؤكد مكي أن استمرار الانقسام الفلسطيني وضعف الردود الدولية يشجعان على مزيد من التوسع الاستيطاني، محذراً من أن غياب استراتيجية موحدة قد يؤدي إلى ترسيخ السيطرة الإسرائيلية على الأرض الفلسطينية بشكل أوسع وأعمق في المرحلة المقبلة.


منحى أكثر خطورة


يوضح الخبير في شؤون الأراضي والاستيطان عبد الهادي حنتش أن هجمات المستوطنين في الضفة الغربية تتصاعد بشكل يومي، وتكتسب "منحى أكثر خطورة" مع مرور الوقت، في ظل صمت المستوى السياسي في إسرائيل والدعم المتواصل من المنظومة الأمنية، ما يعكس تنسيقاً كاملاً بين المستويات السياسية والأمنية والإعلامية لتكريس هذا الواقع على الأرض.

ويشير حنتش إلى أن هذا النمط من الاعتداءات يهدف أساساً إلى نشر حالة من الرعب في الأوساط السكانية الفلسطينية، خصوصاً في المناطق الريفية، ودفع السكان إلى مغادرة أراضيهم تدريجياً، ضمن سياسة تهجير قسري تنفذها "منظمات المستوطنين"، التي تتمتع بدعم رسمي يتيح لها حرية الحركة دون قيود أو محاسبة.


غياب المساءلة القانونية


ويؤكد حنتش أن غياب المساءلة القانونية، إلى جانب قرارات تتخذها حكومة الاحتلال المتطرفة، يسهم في تشجيع المستوطنين على مواصلة هذه الاعتداءات وتوسيع نطاقها، لافتاً إلى أن بعض هذه الممارسات ترقى "جرائم حرب".

ويرى حنتش أن استمرار هذا النهج دون ردع فعلي سيقود إلى مزيد من التصعيد وتدهور الأوضاع في الضفة الغربية خلال المرحلة المقبلة، محذراً من أن غياب أي إجراءات دولية أو قانونية فاعلة يفتح الباب أمام تفاقم الانتهاكات واتساع دائرة العنف بشكل أكبر.


ترجمة عملية لما يسمى "خطة الحسم"


يؤكد الكاتب والمحلل السياسي د. أحمد رفيق عوض أن ظاهرة التوسع الاستيطاني وما يرافقها من اعتداءات في الضفة الغربية وذلك بسلب للأراضي ومهاجمة الفلسطينيين واستشهاد عدد منهم واستهداف مصادر رزقهم، تعكس ترجمة عملية لما يسمى بـ"خطة الحسم" التي يروج لها وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش، والتي تقوم على فرض واقع جديد في الضفة الغربية المحتلة يقوم على إنهاء الصراع عبر إخضاع الفلسطينيين بين خيارات ثلاث: التهجير أو العمل أو القتل.

ويوضح عوض أن ما يجري على الأرض يشير إلى مسار ممنهج يهدف إلى فرض السيادة الإسرائيلية الكاملة على الضفة الغربية، عبر تغييرات عميقة تشمل البعد الديموغرافي والجغرافي والسياسي في آن واحد، مشيراً إلى أن هذا المسار بات واقعاً متدرجاً يتم ترسيخه عبر توسيع السيطرة على مناطق "ج" وبعض المناطق الأخرى، وإضعاف السلطة الفلسطينية، ومحاصرتها سياسياً واقتصادياً، بما يمهد لإسقاطها لاحقاً أو تقليص دورها إلى الحد الأدنى.


منظومة متكاملة لتغيير بنية الحياة الفلسطينية


ويشير عوض إلى أن سياسات الاستيطان الحالية لا تقتصر على البناء العمراني، بل تمتد إلى منظومة متكاملة تهدف إلى تغيير بنية الحياة الفلسطينية، من خلال استهداف مصادر العيش الأساسية، وفي مقدمتها الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية والأشجار، بما يؤدي إلى إفقار السكان ودفعهم تدريجياً نحو الرحيل القسري.


تجفيف أدوات الصمود الاقتصادي


ويعتبر عوض أن التركيز على استهداف الرعاة والأغنام والأراضي والمزروعات يعكس محاولة ممنهجة لتجفيف أدوات الصمود الاقتصادي للفلسطينيين.

ويبيّن عوض أن هذه السياسات تشمل أيضاً إعادة تشكيل البنية الجغرافية وشبكات الطرق، وتغيير الإطار القانوني والإداري للأرض الفلسطينية بما يسهل مصادرتها وابتلاعها تدريجياً، إلى جانب إعادة تعريف مكانة الأرض سياسياً وقانونياً بما يخدم فرض السيادة الإسرائيلية عليها بشكل كامل.


التحول الأيديولوجي داخل المجتمع الإسرائيلي


ويرى عوض أن المشهد السياسي الإسرائيلي يميل نحو استقرار اليمين في الحكم بمختلف تياراته، مع تزايد جماهيرية الأحزاب الاستيطانية، موضحاً أن معظم القوى السياسية الإسرائيلية باتت تتبنى فكرة الاستيطان ورفض التسوية أو إقامة دولة فلسطينية، وإن اختلفت درجات التطرف بينها.

ويشير عوض إلى أن التحول الأيديولوجي داخل المجتمع الإسرائيلي، وخاصة لدى الأجيال الجديدة، يعكس ميلاً متزايداً نحو التشدد الديني والسياسي، مع تراجع النموذج الإسرائيلي التقليدي الذي كان يسعى إلى تقديم نفسه كدولة حديثة منفتحة على الغرب، لصالح توجه أكثر "تلمودية وحاخامية".

 ويؤكد عوض أن استمرار هذا المسار وعدم إنهاؤه مرتبط بعاملين أساسيين: طبيعة الرد الفلسطيني من جهة، وموقف المجتمع الدولي والإقليمي من جهة أخرى، محذراً من أن غياب ضغط حقيقي قد يعني استمرار التصعيد بوتيرته الحالية أو حتى تصاعده، في ظل ظروف لا تشير حتى الآن، إلى تغير جوهري في الاتجاه القائم.


نمط متصاعد من العنف الاستيطاني


يرى الباحث في شؤون الاستيطان سهيل خليلية أن استشهاد الطفل الراعي يوسف كعابنة في بلدة جلجلية بمحافظة رام الله والبيرة ليس حادثة منفصلة، بل يأتي ضمن نمط متصاعد من العنف الاستيطاني بدأ بالانتشار منذ عام 2008، وتفاقم بشكل غير مسبوق مع تولي الحكومة الإسرائيلية الحالية مهامها تحت بشعار "الثورة الاستيطانية"، التي تترجم عملياً إلى تصعيد ميداني يستهدف الفلسطينيين في الريف والمناطق الزراعية والرعوية.

ويوضح خليلية أن هذا النمط من الاعتداءات يستفيد من حالة "غياب المساءلة القانونية" التي يتمتع بها المستوطنون، ما يمنحهم حرية واسعة في التحرك وتنفيذ اعتداءاتهم دون رادع، مشيراً إلى أن الهدف المركزي لهذه السياسات يتمثل في السيطرة على الريف الفلسطيني واستهداف رموزه، وعلى رأسهم المزارعون والرعاة، إضافة إلى استهداف مصادر الحياة الأساسية مثل المواشي والأشجار والمياه.

ويؤكد خليلية أن هذه الاعتداءات، ومن بينها حادثة استشهاد الطفل يوسف كعابنة، تأتي ضمن تحقيق هدف أوسع يتمثل في دفع العائلات الفلسطينية تدريجياً إلى الرحيل من مناطقها، بالتوازي مع تعزيز وجود البؤر الاستيطانية لتصبح بديلاً سكانياً على الأرض، بما يخلق واقعاً ميدانياً جديداً يمهد لتوسيع السيطرة الإسرائيلية خارج حدود المستوطنات الرسمية.

ويشير خليلية إلى أن سلطات الاحتلال تعمل في المقابل على الترويج لروايات تتحدث عن "اشتباكات" أو "مناطق متنازع عليها"، وهي روايات مرفوضة حتى من بعض المؤسسات الحقوقية الإسرائيلية وأطراف داخل المنظومة الأمنية، التي باتت ترى في عنف المستوطنين تهديداً للاستقرار العام، في ظل اتساع نطاق الاعتداءات.


مرحلة أكثر تعقيداً وصعوبة


ويحذر خليلية من أن الضفة الغربية مقبلة على مرحلة أكثر تعقيداً وصعوبة، نتيجة تراكم عدة عوامل، أبرزها تصاعد عنف المستوطنين، وانعدام الأفق السياسي، وازدياد التوتر الإقليمي، إلى جانب التدهور الاقتصادي للسلطة الفلسطينية وتراجع قدرتها على الضبط والسيطرة.

ويحذر خليلية من أن المؤشرات الميدانية تدل على تصاعد العمليات الفردية والمجموعات الصغيرة غير المرتبطة بالأطر التنظيمية التقليدية، مرجحاً أن تكون المناطق الريفية والزراعية محوراً رئيسياً لهذه التحركات، ما قد يؤدي إلى بروز مراكز قوى محلية مستقلة تعتمد على العائلات أو مجموعات مسلحة لحماية مصالحها ومصادر رزقها.

ويعتبر خليلية أن هذا المسار لا يعني بالضرورة اندلاع انتفاضة شعبية تقليدية على غرار انتفاضتي 1987 أو 2000، بل يشير إلى تشكل حالة اجتماعية وأمنية جديدة تقوم على تفتت مراكز القوة وتعددها، في مقابل استمرار التوسع الاستيطاني في مناطق "ج"، ما يخلق واقعاً من الفصل الميداني بين التجمعات الفلسطينية والبؤر الاستيطانية.


حرب استنزاف" في الضفة الغربية


ويؤكد خليلية أن تزايد الضغوط الاقتصادية والاجتماعية، واستمرار عنف المستوطنين تحت غطاء سياسي، يقود إلى حالة شبيهة بـ"حرب استنزاف" في الضفة الغربية، تنعكس في مزيد من الاحتكاك والتوتر وتآكل الاستقرار تدريجياً، وسط مخاوف فلسطينية من تكرار سيناريو غزة، ما يدفع إلى مراجعات داخلية في استراتيجيات المواجهة الفلسطينية بما يتناسب مع المتغيرات الإقليمية.


سياسة ميدانية متكاملة لفرض وقائع جديدة


يؤكد الكاتب والمحلل السياسي ومدير مركز شمس لحقوق الإنسان، د. عمر رحال، أن التصاعد الملحوظ في هجمات المستوطنين في الضفة الغربية، ولا سيما في القرى والتجمعات الزراعية والرعوية شرق رام الله ومحيطها، يعكس تحولاً نوعياً وخطيراً من اعتداءات فردية ومتفرقة إلى نمط منظم وممنهج يحمل أهدافاً سياسية واضحة تتجاوز الطابع الجنائي أو الفردي.

ويوضح رحال أن تزايد عمليات قتل المواطنين من قبل المستوطنين، والاعتداء على القرى، وحرق الأشجار والمزروعات والمركبات، وسرقة الأغنام والمواشي، والهجمات المتكررة على التجمعات الفلسطينية، خصوصاً في مناطق مثل دير جرير وكفر مالك وخربة أبو فلاح وجلجليا، يؤشر إلى وجود سياسة ميدانية متكاملة تهدف إلى فرض وقائع جديدة على الأرض بالقوة، عبر استخدام العنف والترهيب كوسيلة لإعادة تشكيل الجغرافيا والديمغرافيا الفلسطينية.


خلق بيئة من الخوف والرعب وعدم الاستقرار


ويشير رحال إلى أن ما يجري لا يمكن تصنيفه باعتباره "حوادث جنائية" أو أعمالاً فردية معزولة، بل يأتي ضمن تعليمات وسياسات تدفع باتجاهها شخصيات في الحكومة الإسرائيلية الحالية، في ظل حماية مباشرة من جيش الاحتلال ودعم رسمي للمستوطنين، الذين باتوا أداة تنفيذية ورأس حربة لتحقيق أهداف سياسية تتعلق بالضم الصامت والزاحف للضفة الغربية، والسيطرة على الأرض، وتفكيك الوجود الفلسطيني، ودفع السكان نحو الرحيل القسري، خاصة في المناطق الزراعية والرعوية المهددة بالمصادرة.

ويؤكد أن استهداف الرعاة والمزارعين يحمل دلالات خاصة، نظراً لأن الزراعة والرعي يشكلان أحد أبرز أشكال الصمود الفلسطيني في المناطق المهددة بالتوسع الاستيطاني.

ويعتبر رحال أن عمليات مهاجمة الرعاة وقتل الأطفال، والاعتداء على الأهالي، وسرقة المواشي، وإحراق الحقول والمنازل، لا تهدف فقط إلى إلحاق خسائر اقتصادية، بل يسعى إلى خلق بيئة من الخوف والرعب وعدم الاستقرار تدفع الفلسطينيين إلى الهجرة القسرية تحت ضغط العنف المتواصل.

ويشدد رحال على أن غياب المحاسبة القانونية للمستوطنين يعزز الشعور بوجود "ضوء أخضر" لاستمرار الاعتداءات، في ظل إفلات شبه كامل من العقاب، مشيراً إلى أن ذلك يتقاطع مع مشاريع سياسية إسرائيلية أوسع، من بينها تكثيف الاستيطان وما يعرف بـ"خطة الحسم" الهادفة إلى فرض الضم بعيداً عن الضغوط الدولية أو القرارات السياسية المعلنة.


مرحلة أكثر خطورة في الضفة الغربية


ويحذر رحال من أن المؤشرات الميدانية تنذر بمرحلة أكثر خطورة في الضفة الغربية، متوقعاً تصاعد الاعتداءات المسلحة على القرى والتجمعات البدوية، إلى جانب زيادة عمليات حرق المزروعات وسرقة المواشي، في وقت تسهم فيه البيئة الدولية، غير الراغبة في فرض ضغوط حقيقية على الاحتلال، في تشجيع مزيد من الانتهاكات.

ويعتقد رحال أن يؤدي استمرار هذا الواقع، في ظل غياب أفق سياسي، إلى تصاعد الاحتقان الشعبي واحتمالات انفجار الأوضاع في الضفة الغربية خلال المرحلة المقبلة.


فرض وقائع جديدة نحو التضييق والتهجير


يحذر الكاتب والمحلل السياسي والمختص بالشأن الإسرائيلي هاني أبو السباع من تصاعد غير مسبوق في وتيرة هجمات المستوطنين في الضفة الغربية، معتبراً أن الاعتداءات لم تعد محصورة في المناطق المصنفة "ج"، بل امتدت تدريجياً إلى مناطق "ب"، ووصلت في الآونة الأخيرة إلى أطراف مناطق "أ"، بما يعكس تحولاً ميدانياً يهدف إلى فرض وقائع جديدة على الأرض ودفع الفلسطينيين نحو مزيد من التضييق والتهجير.

وبحسب أبو السباع، فإن عنف المستوطنين شهد ارتفاعاً ملحوظاً خلال السنوات الأخيرة، مستشهداً بإحصائيات إسرائيلية تشير إلى تسجيل 352 هجوماً للمستوطنين عام 2019، قبل أن يرتفع العدد إلى 1072 هجوماً في عام 2023، ما يعكس زيادة كبيرة في مستوى الاعتداءات وتنظيمها، لافتاً إلى أن هذه الهجمات أسفرت عن استشهاد نحو 12 فلسطينياً، إلى جانب تصاعد الاعتداءات على القرى والممتلكات الفلسطينية.

ويوضح أبو السباع أن معظم الهجمات تُنفذ تحت أنظار جيش الاحتلال الإسرائيلي، وفي كثير من الأحيان بحمايته، لافتاً إلى أن المنفذين الأساسيين هم من المستوطنين مما يعرف بـ"فتية التلال"، وهم مجموعات استيطانية متشددة تتلقى تعليماً دينياً في معاهد وجلسات دينية داخل مستوطنات مثل "يتسهار" و"كريات أربع" و"غوش عصيون"، حيث يتم تغذية خطاب ديني يبرر طرد الفلسطينيين والسيطرة على الأرض باعتبارها جزءاً مما يسمونه "أرض يهودا والسامرة".

ويشير أبو السباع إلى أن الاعتداءات تحمل بعدين رئيسيين؛ الأول ديني يستند إلى تفسيرات توراتية متشددة، والثاني سياسي يرتبط بمحاولة القضاء على فرص "حل الدولتين" وإنهاء أي أفق لاتفاق أوسلو عبر السيطرة على أكبر مساحة ممكنة من الضفة الغربية.


استغلال الحرب


ويؤكد أبو السباع أن المستوطنين استغلوا انشغال الجيش الإسرائيلي بالحرب في غزة والتوترات الإقليمية مع لبنان وإيران لتوسيع دائرة الاعتداءات.

ويشدد أبو السباع على أن غياب المحاسبة القانونية يشكل عاملاً أساسياً في تصاعد عنف المستوطنين، موضحاً أن من بين أكثر من 990 هجوماً وثقتها جمعيات غير حكومية خلال العام الأخير، قُدمت 450 شكوى للشرطة الإسرائيلية، لكن لم تُسفر إلا عن 15 لائحة اتهام فقط، بنسبة لا تتجاوز 4%.


دعم سياسي وضوء أخضر


ويشير أبو السباع إلى دعم سياسي مباشر من وزراء في الحكومة الإسرائيلية، موضحاً أن وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير قام بتسليح واسع للمستوطنين وتحريضهم، فيما وفر وزير المالية بتسلئيل سموتريتش دعماً مباشراً للبؤر الاستيطانية، وساهم في توسيعها وإضفاء شرعية عليها.

ويحذر أبو السباع من أن المرحلة المقبلة قد تشهد تصعيداً أخطر، خصوصاً مع تنامي نشاط "فتية التلال" خلال عطلة نهاية الأسبوع، متوقعاً اتساع الاعتداءات على القرى الفلسطينية في ظل غياب استراتيجية فلسطينية ودولية فاعلة لوقف عنف المستوطنين وكبح توسعه في الضفة الغربية.

فلسطين

السّبت 16 مايو 2026 4:26 مساءً - بتوقيت القدس

الانتخابات المقبلة.. معركة مصيرية قد تعيد رسم الخارطة السياسية في إسرائيل

د. محمد هلسة:  نتنياهو لا يزال يمتلك أدوات سياسية تُمكّنه من التأثير على هذه التحركات رغم أن المعارضة خطت خطوة أُولى باتجاه محاولة لملمة شتاتها وتشرذمها

 د. عدنان الأفندي: الانتخابات المرتقبة محطة مفصلية في تحديد اتجاهات السياسة الداخلية والخارجية لإسرائيل خاصة بعد أحداث السابع من أكتوبر

مازن الجعبري:  نتنياهو احتكر السلطة التنفيذية من خلال تحويل الليكود إلى حزب يميني شعبوي فيما أصبح أداة لتمرير أجندة ائتلافية مع أحزاب صغيرة متطرفة

وديع أبو نصار: الانتخابات المقبلة تنطوي على العديد من الجوانب التي قد تكون مفصلية بالنسبة لمصير إسرائيل وتشكيل الحكومة يعتمد على التحالفات التي ستنشأ

 د. ثائر أبو راس: الانتخابات المقبلة ونتائجها رهن تحولات إقليمية ودولية وداخلية ومن المرجح تحالف بن غفير وسموتريتش.. والحرب على إيران تُعد المتغير الأهم

وديع عواودة: مجموعة من العوامل تعكس حجم التعقيد الذي يحيط بالانتخابات المقبلة التي قد تشكل نقطة تحول حاسمة في مستقبل المشهد السياسي الإسرائيلي


خاص بـے-

في ظل التحولات السياسية والأمنية التي تشهدها إسرائيل منذ السابع من أكتوبر، تتجه الأنظار إلى الانتخابات الإسرائيلية المقبلة بوصفها واحدة من أكثر المحطات حساسية وتعقيدًا في تاريخ المشهد الحزبي الإسرائيلي. وبينما يواصل رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو مواجهة الملفات الداخلية والخارجية المختلفة، لا سيما تداعيات الحرب، وملفات الفساد، والتساؤلات المرتبطة بوضعه الصحي بعد الإعلان عن إصابته بورم خبيث، يرى مختصون ومراقبون في أحاديث لـ"ے" أن موازين القوى بين الائتلاف الحاكم والمعارضة ما تزال متقاربة، مؤكدين أن صعود الخطاب اليميني والتغيرات التي أحدثتها الحرب في مزاج الناخب الإسرائيلي، سيجعلان من هذه الانتخابات معركة مصيرية قد تعيد رسم الخارطة السياسية في إسرائيل، في وقتٍ تبقى فيه احتمالات التصعيد العسكري والتحالفات الجديدة عوامل حاسمة في تحديد نتائجها.


لم يحدث تغيير لافت رغم مرض نتنياهو


يؤكد المختص بالشأن الإسرائيلي د. محمد هلسة أنه، حتى مع الإعلان عن إصابة بنيامين نتنياهو بالسرطان، لم يحدث تغيير لافت في المشهد السياسي الحزبي فيما يتعلق بالانتخابات المقبلة، ولا حتى في توازن القوى بين الائتلاف الحاكم وكتلة المعارضة.

ويضيف: صحيح أن المعارضة خطت خطوة أولى باتجاه محاولة لملمة شتاتها وتشرذمها، إلا أن نتنياهو لا يزال يمتلك أدوات سياسية تمكنه من التأثير على هذه التحركات، عبر اللعب على تناقضاتها الايدلوجية والسياسية بما يخدم مصالحه.

ويضيف هلسة أن حملة سياسية بدأت منذ الآن تستهدف يائير لابيد ونفتالي بينيت، حيث يتم السخرية منهما داخل أوساط اليمين، وتصويرهما على أنهما مستعدان للتحالف مع الأحزاب العربية، وهو ما يُستخدم للتحريض ضدهما.

ويتابع هلسة، كما أن التحالف بين لابيد وبينيت يُقدَّم في الخطاب اليميني على أنه نتاج حاجة لابيد للبقاء السياسي في ظل تدني شعبيته واقترابه مما دون نسبة الحسم، وكذلك حاجة بينيت إلى تقديم نفسه كزعيم للمعارضة قادر على منافسة نتنياهو.


ماذا إذا تمت الوحدة بين احزاب المعارضة؟


ويؤكد هلسة أنه مع ذلك، فإن المشهد لم يكتمل بعد، إذ ما زال موقف كل من غادي آيزنكوت وأفيغدور ليبرمان غير محسوم. وفي حال تمت الوحدة بينهما حسب ما يروج في الإعلام العبري، فإن هذا سيضيف تحدياً جديداً وأكثر خطورة على نتنياهو. إلا أنه، في الوقت الراهن، لا يزال هناك نوع من التعادل في ميزان القوى، بين الائتلاف الحاكم والمعارضة حيث لا تستطيع المعارضة تشكيل ائتلاف حكومي دون دعم الأحزاب العربية، ويبدو أنها لن تصل بمفردها إلى عتبة 61 مقعداُ، إلا في حال تحالفت مع حزب عربي (منصور عباس) كشريك مفترض، وإلا فإن تعادل المعسكرين الصهيونيين يعني الدخول مجدداً في دوامة الجولات الانتخابية المتعاقبة.

وفيما يتعلق بملف مرض نتنياهو، يقول هلسة أن الأخير يحاول تجاوزه دعائياً، من خلال الظهور في مقاطع مصورة وهو يمارس الرياضة، في محاولة لإظهار تمتعه بصحة جيدة، ما يقلل من قدرة المعارضة على استثمار هذا الملف سياسياً. كما تبقى قضية محاكمته عاملًا حاضراً، رغم أن البعض يرى في موضوع المرض مدخلًا محتملًا لتسوية سياسية، خاصة في ظل عدم الشروع حتى الآن في إجراءات العفو.

لجوء نتانياهو الى تصعيد عسكري قبيل الانتخبات لمنحه دفعة في الانتخابات.

ويؤكد هلسة أنه في المقابل لا تزال أمام نتنياهو خيارات أخرى، من بينها التصعيد العسكري، سواء في قطاع غزة أو لبنان، في ظل استمرار حالة التوتر الإقليمي، وربما أيضا في الساحة الإيرانية. ولا يُستبعد أن يلجأ إلى تصعيد كبير قبيل الانتخابات، قد يصل إلى حد توسيع العمليات العسكرية في غزة، بهدف تحقيق إنجاز سياسي أو عسكري يمنحه دفعة في الانتخابات.

ويختتم هلسة بأن، مشهد الاصطفافات السياسية داخل إسرائيل يبقى مفتوحاً على احتمالات متعددة، لكن مدى تأثيرها على توزانات الخارطة الانتخابية ونتائجها يبقى محدوداً وفق ما أظهرته استطلاعات الرأي داخل المجتمع الإسرائيلي حتى اللحظة.


 محطة مفصلية


يرى المحلل المختص بالشأن الإسرائيلي د. عدنان الأفندي أن الانتخابات الإسرائيلية المرتقبة في إسرائيل محطة مفصلية في تحديد اتجاهات السياسة الداخلية والخارجية لإسرائيل خاصة بعد احداث السابع من أكتوبر 2023 .

ويقول ان هذه الاحداث شكلت أولوية للناخب الإسرائيلي وما تلا السابع من أكتوبر مثل الحرب مع لبنان وايران وتأثير هذه الاحداث على وجهة نظر  الناخب الإسرائيلي.

ويؤكد الأفندي أن سلوك الناخب يعداحد اهم العوامل المحددة لنتائج الانتخابات في إسرائيل خاصة في ظل نظام سياسي قائم على التعددية الحزبية والتمثيل النسبي ، لافتا ان سلوك الناخب في إسرائيل يعكس تفاعل بين العوامل الأمنية والاجتماعية والاقتصادية والأيديولوجية .

ويشير الافندي الى ان السابع من أكتوبر سيكون له تأثير كبير على الناخب الإسرائيلي من خلال العوامل كلها خاصة العامل الأمني والايديولوجي لان تعاظم الجانب الديني الأيديولوجي لدى الإسرائيليين تعاظم بشكل كبير في السنتين الأخيرتين الى جانب العامل الأمني والذي أصبح مطلب الأمن مطلباً أساسياً في إسرائيل خاصة بعد الحرب مع ايران وتعرض المدن الإسرائيلية لاطلاق الصواريخ بشكل كبير، واضافة الى الوضع الاقتصادي الذي اصبح له تأثير على الإسرائيليين بسبب الحروب الأخيرة خاصة مع ايران وحزب الله ، كل ذلك سيكون له تأثير على سلوك الناخب في إسرائيل.


اليمين الإسرائيلي ما زال يحافظ على تحالفه


ويعتقد الأفندي أن ذلك سيكون في صالح تحالف أقصى اليمين الذي يشكله بنيامين نتنياهو، موضحاً أن هذا التحالف متماسك بسبب أن تشكيله من حكومة هي الأكثر تطرف منذ بداية إقامة الكيان وكانت آخر تصريحات نتنياهو حتى عن العملية السياسية والوضع الفلسطيني واضحة بأنه لن يكون أي طرح لمسار سياسي مع الفلسطينيين ، كل هذه الأمور أعتقد أنها ترضي مزاج الإسرائيليين الذين سيكون توجههم نحو اقصى اليمين لذلك 

ويرى الأفندي أن اليمين الإسرائيلي ما زال يحافظ على تحالفه نتيجة لظهور التطرف الواضح لدى غالبية المجتمع الإسرائيلي بعد السابع من أكتوبر وان خارطة التحالفات داخل اليمين ستكون الأقوى من تحالفات أخرى في المعارضة .وأيضا نتيجة للتعاظم المتواصل للوزن النسبي لليهود الحريديم المتشددين دينيا واليهود المتدينين وأيضا صعود تيارات مثل الصهيونية الدينية والتي ستعمل على ترسيخ التحالف مع اليمين بقوة اكثر من السابق ويذكر ان هذا التحالف كان تاريخيا بين الأحزاب الحريدية واليمين منذ زمن .

ويؤكد الافندي ان ائتلاف بنيامين نتنياهو وحكومته ما زال متماسك الى ابعد الحدود على الرغم من الكشف عن إصابة نتنياهو بالورم الخبيث، وعلى الرغم من ان أحزاب المعارضة وجهت وتوجه انتقادات الى حكومة اليمين المتشدد برئاسة نتنياهو فيما يتعلق بإدارة الحروب الأخيرة والوضع السياسي وكل هذه الانتقادات محصورة في إدارة الحرب بشكل عام ولا تعارض الحرب نفسها .

ويعتقد الأفندي أن خارطة التحالفات تظهر بشكل واضح ان تحالف اليمين برئاسة نتنياهو سيكون الأقوى وهو يمثل تيار اقصى اليمين مقابل تيار يمين وسط برئاسة نفتالي بنت سيكون هذا التيار معارض لنتنياهو ومشروعه.



تغير جذري في الواقعين السياسي والعسكري


يقول الكاتب المختص بالشأن الإسرائيلي مازن الجعبري: إن الانتخابات المرتقبة في إسرائيل هي انتخابات مصيرية يحتدم فيها الصراع، خاصة عقب الكشف عن إصابة بنيامين نتنياهو بورم خبيث.

يضيف هذه المرة، لا تبدو الانتخابات كسابقاتها، فالواقع السياسي والعسكري تغير جذرياً بعد السابع من أكتوبر، والكشف عن المرض أضاف بُعداً اخرا معقداً، جعل من معركة الكنيست استفتاءً على حياة وحكم رجل هيمن على المشهد لأكثر من عقد ونصف.

ويرى الجعبري انه سيكون محور هذه الانتخابات الرئيسي هو إسقاط أو بقاء نتنياهو، وهو ذات الجوهر الذي سيطر على جولات الانتخابات الأخيرة في إسرائيل، لكن هذه المرة مع فارق أن نتنياهو لم يعد يملك غطاء رجل الأمن القوي، بعد فشل السابع من أكتوبر والتسريبات حول حالته الصحية.

يؤكد الجعبري ان نتنياهو استطاع منذ عام 2009 أن يكون أول رئيس وزراء بعد بن غوريون يحكم لأطول فترة متواصلة، محطماً بذلك أرقاماً قياسية في السياسة الإسرائيلية. ويضيف خلال هذه الفترة، استطاع أن يحشد اليمين الصهيوني والحركات الدينية في حكومته، واضعاً إياهم في مفاصل القرار الرئيسية، من ميزانية الحريديم إلى ملف المستوطنات وأيضا الامن الداخلي. لقد احتكر السلطة التنفيذية في إسرائيل من خلال تحويل حزب الليكود إلى حزب يميني شعبوي، ولكنه في العمق أصبح أداة لتمرير أجندة ائتلافية مع أحزاب صغيرة متطرفة تتحكم بقراراته وبقاءه. هذا التحول لم يكن ليحدث دون تغيير جذري في مفاصل الحكم، حيث تم استبدال الكفاءات المهنية بولاءات سياسية.

ويشير الجعبري الى أن الاختلافات داخل الشارع الإسرائيلي، وخاصة تلك الناتجة عن محاولات إخضاع القضاء للحكومة اليمينية، قد أحدثت شرخاً لا يمكن إصلاحه بسهولة. تعيين أغلب مسؤولي الأجهزة الأمنية ودوائر صنع القرار من أنصار اليمين أحدث تغييراً بنيوياً داخل مؤسسات اتخاذ القرار، حيث أصبح الجيش والمخابرات والشرطة يخضعان لاعتبارات سياسية بحتة.

ويرى الجعبري ان هذا الوضع أدخل الدولة بعد السابع من أكتوبر إلى تحولات جذرية، لم تقتصر على إدارة الحرب في غزة ولبنان وإيران، بل طالت طبيعة الدولة نفسها. الصراع بين المتدينين والليبراليين اشتعل من جديد، حيث يتهم الليبراليون اليمين الديني بتفكيك الجيش من خلال قوانين الإعفاء من التجنيد، بينما يرى المتدينون أن الليبراليين يستغلون الحرب لفرض علمانية متطرفة.

ويؤكد الجعبري ان اتحاد يائير لابيد ونفتالي بينيت من المعارضة الإسرائيلية، واحتمال تشكيل جبهة معارضة واسعة مع غانتس وايزنكوت للانتخابات مع تأييد منصور عباس عن القائمة الموحدة، هو السيناريو الأكثر ترجيحاً لقلب الطاولة. لافتا ان منصور عباس، الذي شكل سابقاً طوق نجاة لائتلاف بينيت-لابيد، يجد اليوم نفسه في موقف قوة، حيث يضع شروطه لدعم أي معسكر، هي التحدي الأكبر أمام نتنياهو.

ويرى الجعبري إن احتمالات الانتخابات القادمة محصورة بين خيارين: إما تنحية نتنياهو وتشكيل حكومة انتقالية، أو تحول الصراع بشكل عنيف إذا رفض اليمين المتطرف (بقيادة بن غفير وسموتريتش) التنازل عن مكتسباته التي حققها خلال السنوات الثلاث الأخيرة، خاصة السيطرة على القضاء ومناصب الأمن.

مرض نتنياهو واستمرار محاكم الفساد وفشله الذريع في تحقيق أي حسم عسكري وسياسي جميعها عوامل  ستؤدي حتماً إلى زيادة فرص المعارضين في إسقاطه.

ويختتم الجعبري أن مرض نتنياهو، واستمرار محاكم الفساد، وفشله الذريع في تحقيق أي حسم عسكري وسياسي كما وعد في غزة ولبنان وإيران، كلها عوامل متراكمة ستؤدي حتماً إلى زيادة فرص المعارضين في إسقاطه. ولكن السؤال الحقيقي ليس فقط "هل سيسقط نتنياهو؟، بل ماذا سيحدث بعد سقوطه؟ في دولة تحولت مؤسساتها وهُندست لصالح رجل واحد ، فإن الفراغ الذي سيتركه قد يكون أخطر من بقائه..



الانتخابات تنطوي على جوانب قد تكون مفصلية


يؤكد المحلل المختص بالشان الإسرائيلي وديع أبو نصار أن الانتخابات الإسرائيلية المقبلة تنطوي على العديد من الجوانب التي قد تكون مفصلية بالنسبة لمصير دولة إسرائيل.

ويضيف: إن الجانب الاول يتمثل في كل ما يتعلق ببنيامين نتنياهو ومكانته، فصحيح أنه أعلن معاناته من مشكلات صحية، إلا أن الإشكالية الكبرى تكمن في سعيه للاستمرار رئيسًا للحكومة رغم المحاكمة القائمة ضده، خاصة في ظل وجود عرض من الرئيس الاسرائيلي للتوصل إلى صفقة بين نتنياهو والادعاء. وفي المقابل، تصر المستشارة القانونية للحكومة على أن أي صفقة يجب أن تتضمن فعليا انسحاب نتنياهو من الحياة السياسية.

ويشير أبو نصار إلى أنه لا توجد انتخابات مباشرة في إسرائيل، وبالتالي فإن تشكيل الحكومة يعتمد على التحالفات التي ستنشأ بعد الانتخابات. ويكتنف هذا المسار الكثير من التعقيدات، لا سيما أن استطلاعات الرأي تشير حتى الآن إلى عدم قدرة أي من المعسكرين، سواء المؤيد لنتنياهو أو المعارض له، على تشكيل ائتلاف حكومي دون دعم من الطرف الآخر أو ضم أحد الأحزاب العربية على الأقل.

ويوضح ابو نصار ان مشكلة إضافية تتمثل في أن الغالبية العظمى من الأحزاب الصهيونية، خصوصًا اليمينية، منشغلة برفض شرعنة مشاركة العرب، وهو أمر بالغ الخطورة.

ويقول ابو نصار ان الإشكالية الثالثة بنتائج الانتخابات، إذ يُطرح تساؤل حول ما إذا كان اليمين المتطرف، وعلى رأسه نتنياهو، سيقبل بنتائجها. وهناك من يشكك في ذلك، ويرى أنه في حال خسارة هذا المعسكر، فقد يلجأ إلى الطعن في نزاهة لجنة الانتخابات المركزية. وفي هذا السياق، لم تكن الاستقالة التي قدمتها أورلي عدس، الأمينة العامة للجنة الانتخابات المركزية قبل يومين، مفاجئة.

تبدو المؤشرات وكأنها تسير، رغم كل شيء، لصالح نتنياهو بشكل خاص، ولصالح اليمين بشكل عام.

ويؤكد ابو نصار إن هناك أيضا بُعدا أمنيا حاضرا، حيث يرجح أن يلجأ نتنياهو إلى تصعيد ما قبل الانتخابات، وهو ما قد يؤثر على نتائجها ويدفع نحو مزيد من الانزياح إلى اليمين. وحتى الآن، تبدو المؤشرات وكأنها تسير، رغم كل شيء، لصالح نتنياهو بشكل خاص، ولصالح اليمين بشكل عام.


الانتخابات مرهونة بتحولات إقليمية ودولية وداخلية


ويعتقد المحلل السياسي المختص بالشان الاسرائيلي د. ثائر أبو راس أن الانتخابات المقبلة في إسرائيل ونتائجها ستكون مرهونة بتحولات إقليمية ودولية وداخلية تتعلق بإسرائيل.

ويقول إذا ما تحدثنا عن التحولات الإقليمية، فإن الحرب على إيران تُعد المتغير الأهم في هذا السياق. وحتى هذه اللحظة، يبدو وكأن المشروع الأمريكي الإسرائيلي في إيران قد فشل، وهو ما ينعكس سلبا على رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، كونه المبادر إلى هذه الحرب.

ويضيف أبو راس: إن نتنياهو لطالما تحدث، على مدى سنوات طويلة، عن أن الحل الوحيد لمجابهة النفوذ الإيراني في المنطقة يكمن في خوض حرب تقودها الولايات المتحدة. وبعد سنوات، تحقق له ما أراد، حيث أصبح الوضع الاستراتيجي لإسرائيل أكثر سوء. كما أن إسرائيل تُتهم عالميًا بأنها تواجه أزمة اقتصادية متفاقمة، إلى جانب تراجع قدرتها على تثبيت مكانتها في الإقليم.

ويؤكد أبو راس أنه قبل الحرب على إيران، كان الإسرائيليون يتحدثون عن أنفسهم بوصفهم القوة المهيمنة القادمة في المنطقة، أما الآن فقد بدأ الحديث يتجه نحو أن إيران قد تخرج أقوى من هذه الحرب، خاصة إذا توصلت إلى اتفاق يرفع عنها العقوبات، الأمر الذي سيؤدي إلى إضعاف إسرائيل بشكل أكبر، وينعكس سلبا على نتنياهو في الانتخابات.


نتنياهو  لم ينجح في تحقيق تقدم يُذكر


ويشير أبو راس إلى أن استطلاعات الرأي تظهر أنه منذ اندلاع هذه الحرب، لم ينجح نتنياهو في تحقيق تقدم يُذكر، بل على العكس، تراجعت مكانته نسبيًا. لذلك، يُعد المتغير الإقليمي عاملًا مهمًا، وكذلك المتغير الدولي، لا سيما في حال دخول العالم في أزمة اقتصادية، خصوصا مع أزمة الطاقة الحالية التي تسهم في ارتفاع تكاليف المعيشة عالميا، بما في ذلك داخل إسرائيل. وإذا لم يتم احتواء هذه الأزمات، فإنها ستنعكس سلبا على الحكومة الإسرائيلية.

ويؤكد أبو راس أن إسرائيل لم تحقق نجاحاً لا في الحرب على إيران، ولا في السيطرة على الأوضاع الاقتصادية الداخلية، خاصة فيما يتعلق بغلاء المعيشة. إلى جانب ذلك، تبرز المتغيرات الداخلية التي بدأت تتضح مؤخرًا، ومن أبرزها التحالف بين نفتالي بينيت ويائير لابيد، والذي يعزز من مكانة بينيت كمنافس رئيسي لنتنياهو على منصب رئاسة الوزراء.

ويشير إلى أن ذلك لا يعني أن بينيت هو المرشح المؤكد، لكنه يعد الأوفر حظًا مقارنة ببقية قادة الأحزاب الساعين إلى استبدال نتنياهو. كما يتوقع أن تشهد الساحة السياسية تحالفات إضافية، سواء بين أفيغدور ليبرمان وغادي آيزنكوت، أو احتمال انضمام أحدهما إلى تحالف بينيت لابيد. وإذا تحقق تشكيل تحالف بين الأحزاب العربية، فقد يؤدي ذلك وفق استطلاعات الرأي، إلى سحب مقعدين على الأقل من معسكر نتنياهو، ما سيضعفه أكثر.

ويرجح أبو راس، في المقابل، أن يتحالف إيتمار بن غفير مع بتسلئيل سموتريتش، خاصة أن استطلاعات الرأي تشير إلى صعوبة تجاوز سموتريتش لنسبة الحسم بمفرده. ويبقى السؤال الأبرز حول إمكانية تشكيل تحالف بين الأحزاب العربية، إذ إن تحقق ذلك قد يؤدي، وفق استطلاعات الرأي، إلى سحب مقعدين على الأقل من معسكر نتنياهو، ما سيضعفه أكثر.

ويختتم ابو راس بان، تبقى الصورة غير واضحة تماما، لا سيما مع بقاء نحو خمسة أشهر على موعد الانتخابات، إلا أن هذه المتغيرات الثلاثة: الإقليمي، والدولي، والداخلي، ستبقى العامل الحاسم في تحديد النتائج النهائية.


الانتخابات مصيرية


يرى المحلل السياسي المختص بالشأن الإسرائيلي وديع عواودة أن هذه الانتخابات مصيرية بالفعل. ففي كل مرة يُقال إن الانتخابات مصيرية، لكن هذه المرة تبدو كذلك حقاً بالنسبة لليمين الصهيوني المتشدد، وبالنسبة لبنيامين نتنياهو على وجه الخصوص، وذلك لسببين رئيسيين.

السبب الأول يتمثل في حجم الضغوط الداخلية والانتقادات المتزايدة، في ظل قضايا مثل تفشي الفساد، واستشراء العنف، وتراجع الحوكمة، إضافة إلى التهم الموجهة لنتنياهو. كل ذلك يضعف من فرص فوز الائتلاف الحاكم، الذي يتهم بالفشل على المستوى الداخلي، ما يشكل تحديًا كبيرًا له.

أما السبب الثاني، فيتعلق بالملف الخارجي، حيث إن الجبهات المفتوحة منذ السابع من أكتوبر لم تُحسم بعد، ويتشكل انطباع لدى الإسرائيليين والعرب والمجتمع الدولي بأن إسرائيل لم تحقق نصرا حاسما، لا في إيران ولا في لبنان، وأن النزيف لا يزال مستمراً. كما تبرز انتقادات واسعة لغياب مكون سياسي للحلول، والاعتماد المفرط على القوة العسكرية، إلى جانب الخطاب المتعجرف الذي خلق فجوة بين التوقعات والواقع.

يؤكد عواودة أن المواجهة في لبنان تبدو مختلفة عما كانت عليه سابقًا، إذ لم تعد إسرائيل تتحرك بحرية كما في الماضي، في ظل معادلات ردع جديدة. لافتا انه ومع دخول الطائرات المسيّرة على خط المواجهة، تصاعدت حالة الإحباط وخيبة الأمل داخل إسرائيل، خاصة مع شعور بأن القرار السياسي والعسكري بات متأثرا بشكل كبير بالولايات المتحدة، ما يثير تساؤلات حول استقلالية القرار الإسرائيلي.


استبدال صورة نتنياهو بصورة ترمب


ويقول عواودة: إن ذلك انعكس في مواقف رمزية، مثل استبدال صورة نتنياهو بصورة الرئيس الأمريكي في بعض المكاتب، في إشارة إلى حجم التأثير الخارجي. كما تشير استطلاعات الرأي إلى تراجع مكانة نتنياهو واحتمالات خسارته، ما يعزز وصف هذه الانتخابات بأنها مصيرية بالنسبة له.

ويضيف: إن ذلك يرتبط أيضاً بصورة نتنياهو التي سعى إلى ترسيخها على مدار سنوات، كـ"رجل الأمن" وصانع التحولات الكبرى في الشرق الأوسط، إلا أن هذه الصورة تواجه اليوم تحديات كبيرة، مع تزايد الشكوك حول قدرته على تحقيق هذه الوعود.

ويرى عواودة أنه في حال خروج نتنياهو من رئاسة الحكومة، فإن ذلك لن يكون حدثا عاديا، نظرا  لطول فترة حكمه مقارنة بمعظم أسلافه، وهو ما سيترك أثراً كبيراً في المشهد السياسي الإسرائيلي. لذلك، يخوض نتنياهو معركة حاسمة للحفاظ على موقعه، وعلى إرثه السياسي في ذاكرة الإسرائيليين، خاصة أنه ينتمي إلى عائلة تهتم بكتابة التاريخ وتوثيقه.


حالة من الانقسام الحاد


ويتطرق عواودة على الوضع الداخلي، ويقول: تشهد إسرائيل حالة من الانقسام الحاد، مع احتدام النقاش حول أداء نتنياهو، سواء فيما يتعلق بإدارة الحرب، أو الشؤون الداخلية والخارجية، أو قضايا الفساد، أو الحفاظ على هيبة الدولة واستقلال قرارها. كما تبرز ملفات خلافية أخرى، مثل قضية الحريديم، التي تُعد من القضايا الحساسة في ظل الحرب وتعدد الجبهات.

وفيما يتعلق بوضعه الصحي، يقول عواودة قد يحاول نتنياهو توظيفه سياسيا، إما لكسب التعاطف، أو لتبرير بعض قراراته. كما يطرح البعض احتمال أن يستخدم هذا الملف مخرجا سياسيًا في حال شعر بأن فرص بقائه في الحكم تتضاءل، عبر الانسحاب من المشهد تحت ذريعة المرض، بما قد يفتح الباب أمام تسوية قانونية تنهي ملاحقته القضائية.

ويضيف: في المقابل، تذهب بعض الآراء داخل إسرائيل إلى سيناريوهات أخرى، منها احتمال التشكيك في نتائج الانتخابات في حال خسارته، أو حتى السعي لتأجيلها عبر تمديد حالة الطوارئ، رغم أن هذه السيناريوهات تبقى محل جدل، ويستبعدها البعض، لكنها مطروحة في النقاشات السياسية داخل إسرائيل.

وخلص عواودة إلى القول: "تعكس هذه العوامل مجتمعة حجم التعقيد الذي يحيط بالانتخابات المقبلة، والتي قد تشكل نقطة تحول حاسمة في مستقبل المشهد السياسي الإسرائيلي".


أقلام وأراء

السّبت 16 مايو 2026 4:25 مساءً - بتوقيت القدس

هل جعلتنا التكنولوجيا الرقمية أقل أدبًا؟

ليست التكنولوجيا الرقمية قليلة أدب بذاتها، لكنها أحيانًا تكشف قلة الأدب الكامنة فينا، وتمنحها سرعة وانتشارًا وجمهورًا وتصفيقًا. فالهاتف لا يشتم من تلقاء نفسه، والمنصة لا تسخر وحدها، والخوارزمية لا تخترع الوقاحة من العدم، لكنها تعرف كيف تلتقطها وتضخمها وتضعها أمام الناس في أفضل توقيت ممكن، لأنها ببساطة تدرك أن الانفعال يجلب التفاعل، وأن الغضب يرفع المشاهدات، وأن التجاوز يجذب التعليقات أكثر من الاتزان.

في الماضي كان الإنسان يحتاج إلى مجلس أو منبر أو صحيفة أو لقاء مباشر كي يقول رأيه، وكان وجود الناس أمامه يفرض عليه شيئًا من الحياء الاجتماعي. كان يرى العيون، ويسمع نبرة الاعتراض، ويشعر بثقل الكلمة قبل خروجها. أما اليوم فقد صار بالإمكان أن يهين شخصًا لا يعرفه، وأن يسخر من وجع لا يفهمه، وأن يصدر حكمًا قاسيًا على حياة كاملة من وراء شاشة مضيئة وهو مستلقٍ على أريكته. هنا لا تكون المشكلة في الشاشة فقط، بل في المسافة الباردة التي صنعتها بين الفعل ونتيجته، بين الكلمة وأثرها، بين الإنسان والإنسان.

التكنولوجيا الرقمية أعادت تشكيل منظومة الذوق العام. لم يعد الذوق مرتبطًا فقط بطريقة السلام، أو احترام الكبير، أو اختيار الكلمات في المجالس، أو مراعاة المقام الاجتماعي، بل صار مرتبطًا بطريقة التعليق، وإعادة النشر، والتقاط الصورة، وتسجيل الفيديو، ونشر الخصوصيات، والتعامل مع مصائب الناس كمادة محتوى. صار الإنسان يحتاج إلى أخلاق رقمية كما يحتاج إلى أخلاق اجتماعية، لأن ما يفعله على المنصات لم يعد فعلًا عابرًا، بل قد يتحول إلى أرشيف دائم، ووصمة طويلة، وأذى لا ينتهي بمجرد إغلاق التطبيق.

منظومة الذوق العام في المجتمع لا تتشكل بالقوانين وحدها، بل بالتربية، والبيت، والمدرسة، والشارع، والمسجد، والجامعة، والإعلام، والخطاب السياسي، وطريقة الناس في الاختلاف. وعندما تدخل التكنولوجيا الرقمية إلى مجتمع لم يحسم بعد علاقته بالمسؤولية، يصبح العالم الرقمي امتدادًا مرتبكًا لهذا الواقع. فالمنصات لا تصنع الفراغ الأخلاقي من الصفر، لكنها توسّعه، وتمنحه أدوات جديدة، وتجعله أكثر وضوحًا. وما كان يقال همسًا في جلسة صغيرة، صار يكتب علنًا أمام الآلاف، وما كان ينتهي بانتهاء المجلس، صار يبقى محفوظًا وقابلًا للتداول في كل وقت.

الوقاحة الرقمية تظهر حين يظن البعض أن حرية التعبير تعني حرية التجريح، وأن الجرأة تعني كسر الكرامة، وأن النقد يعني الإهانة، وأن خفة الدم تبرر السخرية من الناس. وهذا الخلط لم يأتِ من فراغ، بل من بيئة رقمية تكافئ الصدمة أكثر مما تكافئ الحكمة. فالمنشور الهادئ قد يمر بصمت، أما العبارة المستفزة فتتحول إلى نقاش، والنقاش إلى معركة، والمعركة إلى وصول أعلى. وهكذا يتعلم كثيرون، دون أن يشعروا، أن قلة الأدب قد تكون استراتيجية انتشار، وأن التعدي على الذوق العام قد يكون طريقًا سريعًا نحو الشهرة.

الأخطر أن التكنولوجيا الرقمية لم تكتفِ بتغيير أسلوب الكلام، بل غيرت إحساسنا بالحدود. صار البعض يصور الغرباء في الشارع دون إذن، يعلق على أجساد الناس وملابسهم وأصواتهم وحياتهم الخاصة، يدخل في حزنهم وفرحهم وخلافاتهم كأنه يملك حق التفتيش العام. تحولت الخصوصية إلى مادة قابلة للاستهلاك، وتحولت حياة الآخرين إلى محتوى، وتحول الألم إلى فرصة لزيادة المتابعين. هنا تصبح التكنولوجيا قليلة أدب حين تفقدنا الإحساس بأن خلف كل صورة إنسانًا، وخلف كل قصة عائلة، وخلف كل خطأ حياة لا يجوز تمزيقها من أجل مشاهدات.

وهنا تظهر أزمة التربية الرقمية بوضوح. فقد تعلّم كثيرون كيف يستخدمون الهاتف قبل أن يتعلموا كيف يحترمون أثر الكلمة، وتعلموا كيف يفتحون حسابًا قبل أن يتعلموا معنى المسؤولية العامة، وتعلموا كيف يصورون وينشرون قبل أن يتعلموا أن للناس خصوصيات وكرامات وحدودًا. التربية اليوم لم تعد قادرة على الاكتفاء بعبارات عامة عن الاحترام والأدب، بل تحتاج إلى أن تدخل إلى تفاصيل الحياة الرقمية: كيف نختلف، كيف نعلّق، كيف نرفض، كيف ننتقد، كيف نحمي خصوصية الآخرين، وكيف نمنع أنفسنا من المشاركة في التشهير ولو كان المحتوى منتشرًا ومغريًا.

الأخلاق في العالم الرقمي ليست ترفًا ولا موعظة تقليدية، بل شرط من شروط سلامة المجتمع. فحين تتحول المنصات إلى ساحات للسخرية والتشهير والاتهام والتخوين، يبدأ النسيج الاجتماعي بالتآكل. الأسرة تتأثر، والعلاقات تتوتر، والثقة بين الناس تضعف، واللغة العامة تصبح أكثر عدوانية. ومع الوقت لا يعود الضرر محصورًا في منشور أو تعليق، بل يتحول إلى ثقافة كاملة ترى في الإهانة شجاعة، وفي الستر ضعفًا، وفي الهدوء تراجعًا، وفي الاحترام قلة تأثير.

هذا التأثير السلبي على النسيج الاجتماعي من أخطر ما حملته التكنولوجيا الرقمية حين تُستخدم بلا وعي. فالمجتمع لا يعيش فقط بالخبز والعمل والقانون، بل يعيش أيضًا بالثقة، والرحمة، وحسن الظن، والقدرة على الاختلاف دون قطيعة. وعندما تتحول المنصات إلى مصانع يومية للغضب، تصبح العلاقات أكثر هشاشة، ويصبح سوء الفهم أسرع من التفاهم، وتصبح الإشاعة أقوى من الحقيقة، ويصبح الحكم على الناس أسهل من محاولة فهمهم. وهكذا تنتقل عدوى القسوة من الشاشة إلى البيت، ومن التعليق إلى المجلس، ومن المنشور إلى علاقة الجار بجاره، والصديق بصديقه، والمواطن بمؤسساته.

لكن الإنصاف يقتضي القول إن التكنولوجيا الرقمية ليست ساحة للانحطاط فقط. فهي أيضًا منحت أصواتًا كثيرة فرصة للظهور، وفضحت انتهاكات، وساعدت الناس على التعلم، وفتحت أبواب الرزق، وقرّبت المسافات، وخلقت مساحات للتضامن والمعرفة. المشكلة ليست في وجود التكنولوجيا، بل في غياب التربية الرقمية التي تجعل الإنسان يعرف متى يتكلم، وكيف يختلف، ومتى يصمت، ومتى لا ينشر، ومتى يكون الامتناع عن المشاركة موقفًا أخلاقيًا لا ضعفًا.

نحن اليوم أمام أزمة ذوق رقمي أكثر من كوننا أمام أزمة أدوات. كثيرون تعلموا استخدام المنصات قبل أن يتعلموا أدب استخدامها. تعلموا كيف يصممون منشورًا، وكيف يصورون فيديو، وكيف يجذبون الانتباه، لكنهم لم يتعلموا أن الانتباه ليس قيمة بحد ذاته. ليس كل ما يجذب الناس نافعًا، وليس كل ما ينتشر محترمًا، وليس كل ما يحقق تفاعلًا يستحق أن يقال. في العالم الرقمي، قد يتحول الإنسان إلى نسخة أسرع من نفسه، فإن كان متزنًا زاد اتزانه أثرًا، وإن كان وقحًا منحه الإنترنت مكبر صوت.

ولا يمكن فصل هذه المسألة عن السياسة. فالفضاء الرقمي لم يعد مكانًا بريئًا لتبادل الآراء، بل صار ساحة صراع على الوعي، وتوجيه المزاج العام، وإعادة تشكيل الأولويات. في السياسة تحديدًا، لا تظهر قلة الأدب الرقمية فقط في الشتائم، بل في التخوين، والتحريض، ونزع الإنسانية عن الخصم، واستخدام الجيوش الإلكترونية، وتضخيم الانقسام، وتحويل الخلاف العام إلى كراهية شخصية. وعندما تدخل الخوارزميات على هذا الخط، فإنها لا تبحث عن الحقيقة بقدر ما تبحث عن التفاعل، فتدفع بالمحتوى الأكثر استفزازًا إلى الواجهة، وتترك الخطاب الهادئ في الهامش.

السياسة حين تفقد أخلاقها الرقمية تتحول إلى سوق للغضب. يصبح المواطن محاصرًا بين خطاب متشنج، ومقاطع مجتزأة، واتهامات جاهزة، وتعليقات لا تريد النقاش بقدر ما تريد الإلغاء. وهذا يضعف المجال العام، لأن المجتمعات لا تبني وعيها بالخوف والشتائم والمزايدات، بل بالحوار، والمعلومة، واحترام الاختلاف، والقدرة على محاسبة السلطة دون تدمير المجتمع، والقدرة على نقد الناس دون سحق كرامتهم. ولذلك فإن حماية الذوق العام في الفضاء الرقمي ليست مسألة شكلية، بل مسألة سياسية واجتماعية وأخلاقية في آن واحد.

قلة الأدب الرقمية لا تظهر فقط في الشتائم، بل في المقاطعة المستمرة، وفي التعليقات المتعالية، وفي نشر الأخبار قبل التحقق، وفي تحويل كل قضية إلى استعراض شخصي، وفي سرقة جهد الآخرين، وفي اقتطاع الكلام من سياقه، وفي الدخول إلى الخاص دون إذن، وفي الردود التي لا تريد الفهم بل تريد الانتصار. هذه كلها أشكال جديدة من سوء الأدب، لكنها ترتدي ملابس حديثة، وتستخدم لغة عصرية، وتختبئ أحيانًا خلف شعارات مثل الحرية والشفافية والنقد والمصلحة العامة.

في السياق العربي والفلسطيني تحديدًا، تصبح المسألة أكثر حساسية، لأن المنصات ليست مجرد فضاء ترفيهي، بل مساحة للرأي العام، والتضامن، والاحتجاج، والتعبير عن الألم، وتوثيق الانتهاكات، والدفاع عن الرواية. لذلك فإن قلة الأدب الرقمية هنا لا تؤذي الأفراد فقط، بل قد تضعف القضايا، وتشوه النقاش، وتستهلك الغضب في معارك جانبية، وتحول القضايا الكبرى إلى مزايدات صغيرة. حين نفقد أخلاقنا في التعبير، نخسر جزءًا من قوة رسالتنا، وحين يتحول الدفاع عن الحق إلى فوضى لفظية، يصبح الحق نفسه أقل قدرة على الوصول بكرامة ووضوح.

في مجتمع يعيش أزمات سياسية واقتصادية واجتماعية متراكمة، يصبح الحفاظ على النسيج الاجتماعي ضرورة لا رفاهية. والمنصات الرقمية قد تكون وسيلة لحماية هذا النسيج حين تستخدم في التوعية، والتضامن، وكشف الحقيقة، ومساندة الضعفاء، لكنها قد تكون أيضًا أداة لتمزيقه حين تتحول إلى مكان للتشهير، والتحريض، والشماتة، ونشر الإشاعات، وتصفية الحسابات. لذلك لا يكفي أن نسأل: ماذا تتيح لنا التكنولوجيا؟ بل يجب أن نسأل: ماذا تفعل التكنولوجيا بأخلاقنا وذوقنا وعلاقاتنا إذا استخدمناها بلا ضوابط؟

التكنولوجيا الرقمية ليست قليلة أدب، لكنها لا تربي أحدًا. هي تكشف، تضخم، وتكافئ ما نمنحها إياه. فإن دخلنا إليها بلا وعي، جعلتنا أكثر انفعالًا وتسرعًا وقسوة. وإن دخلنا إليها بأخلاق ومعرفة ومسؤولية، جعلتنا أكثر تأثيرًا ونفعًا وحضورًا. الأدب الرقمي لم يعد رفاهية، بل أصبح ضرورة اجتماعية ومهنية وإنسانية وسياسية. فكما نعلم أبناءنا كيف يتحدثون مع الناس في الشارع والمدرسة والبيت، علينا أن نعلمهم كيف يكتبون تعليقًا، وكيف يختلفون باحترام، وكيف يحمون خصوصيتهم وخصوصية غيرهم، وكيف يدركون أن الشاشة لا تلغي الأخلاق.

الخلاصة أن التكنولوجيا الرقمية ليست قليلة أدب، لكنها امتحان يومي لأدبنا، ومرآة قاسية لمنظومة الذوق العام فينا. ومن يفشل في هذا الامتحان لا تفضحه المنصة فقط، بل تحفظ فشله، وتعيد توزيعه، وتجعله قابلًا للمشاهدة في كل وقت. لذلك ربما لم تعد المسألة: هل التكنولوجيا قليلة أدب؟ بل السؤال الأدق: هل نحن ما زلنا نملك من التربية والأخلاق والذوق العام ما يكفي لاستخدامها دون أن نؤذي أنفسنا ومجتمعنا؟

* باحث ومستشار بالإعلام والتسويق الرقمي

أقلام وأراء

السّبت 16 مايو 2026 4:24 مساءً - بتوقيت القدس

هل يمكن للذكاء الاصطناعي أن يتفوق على الأطباء؟

في كل مرحلة تاريخية تشهد قفزة تكنولوجية كبرى، يعود السؤال ذاته بصيغة مختلفة: هل ستأخذ الآلة مكان الإنسان؟ واليوم، ومع الصعود المتسارع للذكاء الاصطناعي في القطاع الصحي، لم يعد السؤال نظرياً أو بعيداً عن الواقع، بل أصبح مطروحاً داخل المستشفيات وغرف العمليات ومراكز الأبحاث الطبية حول العالم: هل يمكن للذكاء الاصطناعي أن يتفوق على الأطباء؟

الإجابة ليست بسيطة، لأننا نتحدث عن واحدة من أكثر المهن حساسية وتعقيداً وتأثيراً في حياة البشر، فالطب ليس مجرد أرقام وتحاليل وصور أشعة، بل هو أيضاً خبرة إنسانية وحدس مهني وتفاعل نفسي وأخلاقي مع المريض، ومع ذلك، فإن ما حققته أنظمة الذكاء الاصطناعي خلال السنوات الأخيرة يدفعنا فعلاً لإعادة التفكير في شكل الطب ومستقبل الطبيب.

خلال الأعوام الماضية، أثبتت تقنيات الذكاء الاصطناعي قدرة هائلة في تحليل الصور الطبية واكتشاف الأمراض بدقة مرتفعة،،ففي بعض الدراسات، تمكنت خوارزميات متخصصة من اكتشاف سرطان الثدي أو أورام الرئة من خلال صور الأشعة بنسبة دقة قاربت أو تجاوزت أداء بعض الأطباء المختصين، كما استطاعت أنظمة أخرى تحليل صور شبكية العين واكتشاف مؤشرات مبكرة لأمراض السكري والقلب خلال ثوانٍ معدودة.

الأمر لا يتوقف عند التشخيص فقط، فاليوم تستخدم المستشفيات الذكاء الاصطناعي لتوقع احتمالية تدهور حالة المرضى، وتنظيم جداول العمليات، وتحليل السجلات الطبية، وحتى اقتراح خطط علاجية مبنية على ملايين البيانات والحالات السابقة، وتشير تقديرات عالمية إلى أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يوفر مئات المليارات من الدولارات سنوياً للقطاع الصحي عبر تقليل الأخطاء الطبية وتحسين الكفاءة التشغيلية.

ومن أبرز نقاط قوة الذكاء الاصطناعي أنه لا يشعر بالإرهاق أو التوتر أو الضغط النفسي الذي قد يتعرض له الطبيب بعد ساعات طويلة من العمل، فالخوارزمية قادرة على مراجعة آلاف الصور والتحاليل في وقت قصير جداً دون تراجع في التركيز، بينما يبقى الإنسان بطبيعته معرضاً للخطأ والتعب والانفعال.

لكن، ورغم كل هذا التقدم، فإن الحديث عن “تفوق كامل” للذكاء الاصطناعي على الأطباء يبدو حتى الآن مبالغاً فيه، فالآلة مهما بلغت دقتها تبقى معتمدة على البيانات التي تتعلم منها، وإذا كانت تلك البيانات ناقصة أو متحيزة فإن النتائج ستكون مضللة وخطيرة، وقد شهد العالم بالفعل حالات أخفقت فيها بعض الأنظمة الطبية بسبب ضعف تنوع البيانات أو غياب التمثيل الكافي لفئات معينة من المرضى.

إضافة إلى ذلك، لا يستطيع الذكاء الاصطناعي حتى اللحظة أن يفهم البعد الإنساني للعلاج كما يفعل الطبيب، فالمريض لا يحتاج فقط إلى تشخيص دقيق، بل يحتاج أحياناً إلى كلمة طمأنة، وإلى فهم حالته النفسية والاجتماعية، وإلى طبيب يوازن بين العلم والرحمة. وهنا تظهر الفجوة الكبرى بين "العقل الحسابي" و"العقل الإنساني".

كما أن الاعتماد المفرط على الأنظمة الذكية يفتح الباب أمام تحديات قانونية وأخلاقية معقدة. فإذا أخطأ النظام في التشخيص، من يتحمل المسؤولية؟ الشركة المطورة؟ المستشفى؟ أم الطبيب الذي اعتمد على التوصية التقنية؟ وماذا عن خصوصية البيانات الطبية الحساسة التي أصبحت تُخزن وتُحلل عبر أنظمة رقمية ضخمة؟

الواقع يشير إلى أن المستقبل لن يكون صراعاً بين الطبيب والذكاء الاصطناعي، بل شراكة بينهما. فالذكاء الاصطناعي لن يلغي دور الطبيب، لكنه سيغيره جذرياً، الطبيب الذي يستخدم التكنولوجيا بذكاء ستكون لديه قدرة أكبر على التشخيص السريع واتخاذ القرار الدقيق، بينما قد يتراجع دور من يرفض مواكبة هذا التحول.

وفي الحقيقة، بدأت كبرى الجامعات والمراكز الطبية العالمية بإعادة تصميم برامج التعليم الطبي لتشمل علوم البيانات والذكاء الاصطناعي، إدراكاً منها أن طبيب المستقبل لن يكون مجرد حافظ للمعلومات، بل مديراً ذكياً للمعرفة الرقمية والتقنيات الحديثة.

أما فلسطينياً، فإن هذا الملف يكتسب أهمية مضاعفة في ظل التحديات التي يواجهها القطاع الصحي الفلسطيني، من نقص الكوادر والموارد إلى صعوبة الوصول للخدمات الطبية في بعض المناطق، وهنا يمكن للذكاء الاصطناعي أن يشكل فرصة استراتيجية حقيقية لتحسين جودة الرعاية الصحية وتقليل الفجوات، خاصة في مجالات التشخيص عن بعد وتحليل الصور الطبية وإدارة البيانات الصحية.

تخيل أن يتمكن مركز صحي في منطقة نائية من استخدام أنظمة ذكية لتحليل صور الأشعة أو ربط المرضى بخبرات طبية متقدمة دون الحاجة إلى السفر أو الانتظار الطويل، وتخيل كيف يمكن للبيانات الصحية الذكية أن تساعد في التنبؤ بالأمراض المزمنة أو تحسين الاستجابة للحالات الطارئة.

لكن نجاح ذلك يتطلب بنية رقمية قوية، وتشريعات تحمي الخصوصية، واستثماراً حقيقياً في التعليم والتدريب والتكنولوجيا. فالمعركة المقبلة لن تكون فقط على امتلاك الأجهزة، بل على امتلاك المعرفة والقدرة على توظيفها وطنياً.

وفي النهاية، ربما لن يتفوق الذكاء الاصطناعي على الطبيب الإنسان بمعناه الكامل، لكنه بالتأكيد سيتفوق على الطبيب الذي يرفض فهمه واستخدامه، المستقبل لا يبدو مكاناً للآلة وحدها، ولا للإنسان وحده، بل لمن يستطيع الجمع بين الذكاء البشري والذكاء الاصطناعي في خدمة الإنسان أولاً وأخيراً.

أقلام وأراء

السّبت 16 مايو 2026 4:24 مساءً - بتوقيت القدس

الإدارة المحلية والحكم المحلي في مسودة الدستور

تمثل الإدارة المحلية أسلوباً من أساليب التنظيم الإداري يقوم على تقسيم الدولة إلى وحدات إدارية تهدف إلى توزيع الوظيفة الإدارية بين السلطة المركزية في الدولة وبين وحدات الإدارة المحلية على أساس إقليمي؛ لتباشر ما يعهد إليها تحت رقابة هذه السلطة. عادة تتكون التقسيمات الإدارية من قسمين، الأول: على المستوى الجهوي المتمثل بالمحافظة/ الولاية، والثاني: على مستوى الجماعات السكانية المتمثل بالهيئات المحلية "البلديات والمجالس القروية". وفقاً للتقسيمات المعتمدة في الدولة بما يعزز تماسك الحكم، ويضمن الشمولية الوظيفية ما بين جميع الجهات الجغرافية والحكومة المركزية.

لقد تجنبت لجنة صياغة الدستور في مسودة الدستور الحديث عن التقسيم الإداري على مستوى المحافظات، واكتفت بالحديث عن الهيئات المحلية مما ترك جانبا مهما من التقسيمات الإدارية دون مرجعية دستورية.، وقد جاء الباب الثامن على مادة واحدة فقط (المادة 144)  وهي ذات المادة 85 من القانون الأساسي الفلسطيني المعدل تقريبا، مع إزالة الإشارة الضمنية فيها المتعلقة بالمحافظات، الأمر الذي يكرس الامر القائم بتبعية المحافظين للرئيس دون قانون، وألغت التطور الهائل الذي جرى على هذا القسم من الحكم المحلي على المستوى العالمي والإقليمي؛ كأنها تسير عكس تيار التطور العالمي لنظام الحكم.

شهدت العقود الماضية اهتماماً عالميًا متزايدًا بموضوع اللامركزية بأبعادها الثلاثة السياسية والإدارية والمالية وبأشكالها المختلفة من الفِدْرَالِيَّة، والحكم الذاتي إلى الحوكمة المحلية، والحكم المحلي، والإدارة المحلية. وقد جاء هذا الاهتمام في إطار الاتجاه إلى توسيع نطاق مشاركة المواطنين وتعاونهم بقضايا الادارة المحلية والشؤون التنموية ذات المساس بحياتهم ومنطقتهم، ودورهم في عملية الحوكمة، ومنح الإدارة المحلية على مستوى التقسيمات الجهوية دوراً أكبر في عملية التنمية. تبلور التوجه نحو انتخاب أعضاء المجالس المحلية والمحافظين، وفي نقل المزيد من الاختصاصات والسلطات إلى الوحدات المحلية، وفي تبني قيم المساءلة والشفافية والمشاركة، وسيادة القانون، وفي زيادة نسبة الإنفاق المحلي إلى إجمالي الإنفاق العام. وتطوير دور الوحدات المحلية في تقديم الخدمات الاجتماعية من صحة وتعليم وإسكان وثقافة وأمن وتنمية اقتصادية، أي أن الحكومة المركزية تشرف على التنمية بدلا من الإدارة.

كما أن هذا التوجه يمنح المزيد من مشاركة المواطنين في إدارة الشؤون المحلية لهدفين رئيسيين؛ الأول: يتعلق بتطوير التنمية السياسية كبناء القيادات الشابة من خلال التجارب المتعددة التي يخوضونها في إدارة الحكم المحلي بما يشمل تدريب المواطنين وتثقيفهم على اتباع المفاهيم الديمقراطية والشعبية وعلى أساليب الحكم والإدارة الحديثة، والتعاون على حل مشاكلهم بأنفسهم، وتفعيل المساءلة السياسية فيها وتقريب السلطة إلى المواطنين، والثاني تعميق الملكية لدى سكان المناطق المختلفة في تحقيق التنمية المحلية، حيث أشارت تجارب عديدة إلى أن التنمية التي تتحقق من خلال المجالس المحلية والمواطنين المحليين تتمتع بالديمومة.   

أظهرت تجارب الدولة العربية أن التطور الذي حصل بها في مسألة التقسيمات الإدارية مبني على خمسة مسائل رئيسية تتمثل بما يلي: المسألة الأولى؛ انتخاب مجلس المحافظة كلياً أو جزئياً/ كما هو الحال في الأردن، كجسم يدير شؤون المحافظة "مجلس المحافظة" أو انتخاب مجلس للمحافظة "برلمان" يتولى الرقابة والمساءلة على أعمال الإدارة المحلية بما فيها إدارات الدولة المحلية، كما هو الحال في مصر.  والمسألة الثانية: حجم الصلاحيات والمهام الموكلة للمجلس المنتخب حيث أولت الإصلاحات في المغرب صلاحيات واسعة للمجلس المنتخب في خطط التنمية المحلية وإقرارها. والمسألة الثالثة: تقوم على حجم المشاركة أو تبني أساليب الديمقراطية التشاركية وأدواتها بما يمنح تعاون واسع ومنتظم لمشاركة منظمات المجتمع المدني. والمسألة الرابعة: الإبقاء على نمط تعيين المحافظ/ الوالي بيد السلطة التنفيذية المركزية في العاصمة، لكن التجربة العراقية تفيد بأن مجلس المحافظة المنتخب هو من يختار المحافظ سواء كان عضوا في المجلس المنتخب أو من خارجة وتصادق الحكومة على تعيينه. والمسألة الخامسة: مرجعية المحافظين للحكومة ورئيسها حتى وان كان التعيين يأتي من رئيس الدولة، ووضع بعض المعايير لآليات التعيين قائمة على الشراكة بين الأطراف في السلطة التنفيذية الرئيس والحكومة.

أقلام وأراء

السّبت 16 مايو 2026 4:22 مساءً - بتوقيت القدس

حركة فتح... راية النضال التي لا تنكسر: المؤتمر العام الثامن وتجديد البيعة للقائد محمود عباس قراءة في المعنى والدلالة

في زمنٍ تتكالب فيه المؤامرات على القضية الفلسطينية، ويتعرض فيه شعبنا لأبشع موجات العدوان والتنكيل، تبقى حركة التحرير الوطني الفلسطيني فتح هي الصخرة التي تتحطم عليها كل المخططات الرامية إلى تصفية الحلم الفلسطيني. فمنذ انطلاقتها في الفاتح من كانون الثاني عام 1965، ظلت فتح هي البندقية التي أيقظت الضمير العربي والعالمي، وهي العنوان الذي أعاد للفلسطيني هويته وكرامته بعد عقود من التغييب والنسيان.


فتح... ضمير الأمة ووجدان فلسطين

ليست فتح مجرد حركة سياسية أو فصيل من فصائل العمل الوطني، بل هي مشروع تحرري كامل، صاغ ملامح الهوية الوطنية الفلسطينية المعاصرة، وأسس لمفهوم المقاومة الشاملة بكل أشكالها. من رحم فتح خرجت منظمة التحرير الفلسطينية الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني، ومن مدرستها تخرّج أجيال من القادة والمناضلين الذين رووا بدمائهم تراب الوطن من شواطئ يافا إلى جبال الخليل، ومن أزقة القدس إلى مخيمات الشتات في لبنان وسوريا والأردن.

إن استمرارية حركة فتح بعد أكثر من ستة عقود من النضال المتواصل، رغم الحصار والاغتيالات والمؤامرات والانقسامات، ليست مصادفة ولا قدراً عابراً، بل هي شهادة على أصالة المشروع الذي حملته، وعلى عمق ارتباطها بنبض الشارع الفلسطيني الذي يرى فيها بيته الكبير وحضنه الدافئ.


محمود عباس... الحكمة في زمن العواصف

إن إعادة انتخاب الأخ القائد أبو مازن، الرئيس محمود عباس، رئيساً لحركة فتح في مؤتمرها العام الثامن، ليس مجرد إجراء تنظيمي، بل رسالة سياسية بالغة العمق والدلالة. إنها رسالة من قواعد الحركة وكوادرها إلى العالم أجمع، مفادها أن فتح ماضية في طريقها الذي اختطه الشهيد القائد ياسر عرفات أبو عمار، وأن النهج السياسي القائم على الشرعية الدولية والقانون الإنساني وحق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير سيبقى ثابتاً لا يتزحزح.

لقد أثبت الرئيس محمود عباس على مدى السنوات الماضية أنه القائد الذي يمتلك من الحكمة والصبر والدهاء السياسي ما يمكّنه من قيادة سفينة الحركة والسلطة الوطنية وسط الأمواج العاتية. فهو رجل المرحلة الذي وحّد الموقف الفلسطيني في المحافل الدولية، وأوصل القضية إلى محكمة العدل الدولية والجنائية الدولية، وانتزع اعترافات تاريخية بدولة فلسطين من عشرات الدول حول العالم. اختياره مجدداً لقيادة الحركة هو تكريس لمسار الشرعية، ورفض قاطع لمحاولات فرض البدائل من خارج البيت الفلسطيني.


المؤتمر الثامن... وحدة الجغرافيا وحدة المصير

ولعل أبرز ما يميز هذا المؤتمر الاستثنائي هو انعقاده في أربعة أماكن في آنٍ واحد: فلسطين، وغزة، ولبنان، ومصر. وهذه ليست مجرد ضرورة لوجستية فرضتها ظروف الاحتلال والحصار، بل هي رمزية بالغة العمق تختزل جوهر الحالة الفلسطينية. ففي فلسطين تنعقد جلسات المؤتمر لتؤكد أن الأرض هي البوصلة، وفي غزة الجريحة الصامدة تنعقد لترسل رسالة وفاء لأهلها الصابرين المرابطين في وجه آلة الحرب، وفي لبنان حيث تتواجد أكبر تجمعات اللاجئين الفلسطينيين تنعقد لتؤكد أن حق العودة ثابت لا يسقط بالتقادم، وفي مصر العمق الاستراتيجي للقضية الفلسطينية تنعقد لتجدد عرى الأخوة العربية والتلاحم المصيري.

إن انعقاد المؤتمر في هذه الجغرافيا المتعددة هو إعلان صريح بأن مشروع تشتيت الفلسطينيين قد فشل، وأن وحدة الشعب الفلسطيني أينما حلّ ووُجد هي حقيقة لا يمكن تجاوزها. هذه الصورة المهيبة التي يجتمع فيها كوادر فتح من الداخل والشتات تحت سقف واحد، تذكّرنا بأن فلسطين ليست قطعة أرض فحسب، بل هي قضية أمة بأكملها.


في وجه العاصفة... فتح هي الإجابة

تنعقد جلسات المؤتمر الثامن في ظل أوضاع بالغة الصعوبة والتعقيد. شعبنا في غزة يتعرض لحرب إبادة لم تشهد البشرية لها مثيلاً منذ عقود، وأهلنا في الضفة الغربية يتعرضون لاعتداءات يومية من جيش الاحتلال وقطعان المستوطنين، والقدس الشريف تتعرض للتهويد والتغيير الديموغرافي، ومخيمات اللجوء تحاصرها أزمات متلاحقة. وفي خضم هذه العاصفة، تأتي فتح لتقول للعالم: نحن هنا، نحن باقون، ونحن ماضون.

إن دور فتح اليوم لم يعد ترفاً أو خياراً، بل ضرورة وطنية قصوى. فهي الحركة القادرة على لمّ الشمل الفلسطيني، وإعادة بناء الوحدة الوطنية على أسس سليمة، وقيادة المرحلة المقبلة نحو إنجاز المشروع الوطني المتمثل في إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة كاملة السيادةعلى أراضي الرابع من حزيران 1967م وعاصمتها القدس الشريف، وضمان حق العودة للاجئين وفق قرار الأمم المتحدة رقم 194.


كلمة أخيرة

إلى كوادر فتح في كل مكان، إلى أبناء الشهداء والأسرى والجرحى، إلى أبناء حركتنا في المخيمات وفي الداخل، نقول: إن المؤتمر الثامن ليس محطة عابرة، بل هو منعطف تاريخي يعيد ترتيب البيت الفتحاوي ويُعدّه لمواجهة استحقاقات المرحلة المقبلة. ومع تجديد الثقة بالقائد أبو مازن، تتجدد معه الثقة بالمشروع الوطني الفلسطيني الذي لن يُهزم ما دام أبناؤه أوفياء لعهد الشهداء، متمسكين بثوابتهم الوطنية، موحدين خلف قيادتهم الشرعية.

عاشت حركة فتح... عاشت فلسطين حرة عربية أبية.


أقلام وأراء

السّبت 16 مايو 2026 4:21 مساءً - بتوقيت القدس

عندما تُقايَضُ الحقوق بالمناصب

تعتبر "حرب البسوس" التي استمرت عشرات السنين من أعقد الحروب التي شهدها العصر الجاهلي، وذلك لصلة القرابة والتداخل الكبير بين القبيلتين المتنازعتين بني بكر وتغلب. ومن دلائل شدة التعقيد أن "هجرس" إبن الملك وائل بن ربيعة (المشهور بكليب)، قد رباه خاله جساس بن مرة في بيته، وهو نفسه قاتل والده كليب.

عندما كبر الهجرس وعرف أن أباه هو المغدور كليب، وأن قاتله هو خاله جساس، بدأت قضية الثأر لوالده تراوده. حينها، اقترح "مرة بن ذهل" (والد جساس) على ابنه أن يتنازل عن الملك لهجرس، لكي لا يلتحق الأخير بعمه "الزير سالم" وأهله من بني تغلب فيقاتل معهم. لقد كان الاقتراح عبارة عن "مقايضة": تتويجه ملكاً مقابل التنازل عن ثأر أبيه.

وفي يوم التتويج المتفق عليه، ثارت حمية الهجرس واستل سيفه ليقتل جساساً، فاندلعت المواجهة والتحق هجرس بأهله، رافضاً مقايضة كرامته ودم والده بالملك، وانحاز لقضية العزة التي رآها في الأخذ بالثأر. لقد حدث هذا في "جاهلية" تخلو من المبادئ السماوية، لكن الدنيا في نظرهم لم تكن تساوي شيئاً أمام المناصب، والعزة لا تُباع مهما كان الثمن.

بعد أن نجح الاستعمار في التغلب على أمتنا وتفكيك وحدتها والسيطرة على مفاصل حياتها، أصبح القرار بيده، وغدت المناصب هو من يملك توزيعها. وهنا، وجدنا من أبناء هذه الأمة من يقايض حقوق الأمة وثرواتها وكرامتها بمناصب يسديها له المستعمر. فكانت هذه الفئة الشاذة تحكم الأمة وتتسلط عليها، وتسومها سوء العذاب، وتنفذ المخططات الغربية بل زيادة عما يريد هذا المستعمر ليبقى راضياً عنها.

إن الذين يقايضون حقوق الأمة بمناصب زائلة وكراسي حكم معوجة، هم منسلخون عن الأمة وفاقدون لعنصر العزة والأمانة . لذا، وجب على الأمة العمل لإزاحتهم عن مواقع القرار، وأن يتولى شؤونها أهل عزة لا يساومون على الحقوق مهما كان المقابل .

إذا كانت دوافع الكرامة هي من دفعت "ابن كليب" للثورة ضد قتلة أبيه وهو في جاهلية بعيدة عن السمو الفكري، أليس الأولى بأصحاب القرار اليوم – وبين أيديهم أعظم دين ومبدأ – أن تتحرك فيهم دوافع العزة والكرامة والحق فيثوروا على أعدائهم ولا يبقوا يقايضون الحقوق والكرامة بالمناصب والسلطان والجاه؟.

إن الحقيقة الدامغة هي أن مقايضة الحقوق من أرض وثروات بالمناصب لا تنتج إلا الذل والهوان، وفي رفض هذه المقايضة تكمن الأنفة والكرامة، وهي الخطوة الأولى للانعتاق من التبعية والانقياد للأعداء.

أقلام وأراء

السّبت 16 مايو 2026 4:17 مساءً - بتوقيت القدس

من الطابو إلى التراث: هندسة السيطرة طويلة المدى على الضفة


"في القرن الحادي والعشرين، لا تُضم الأرض عندما تُرسم الحدود... بل عندما يُعاد تعريف تاريخها."

لم يعد الصراع الحديث يُحسم بالحروب الكبرى ولا بالاتفاقيات التاريخية. في زمننا، ظهرت صيغة جديدة للسيطرة يمكن وصفها بالسيادة الهادئة؛ سيادة لا تعلن نفسها لكنها تتوسع يومياً، ولا تحتاج خطاب ضم أو لحظة سياسية فاصلة، لأن هدفها ليس إحداث الصدمة... بل صناعة الاعتياد.

وما نشهده في الضفة الغربية ليس حدثا منفصلاً، بل نموذجاً متقدماً لإعادة تشكيل الجغرافيا السياسية دون إعلان رسمي.

لا يمكن قراءة قرار إنشاء سلطة تراث إسرائيلية في الضفة الغربية باعتباره تنظيمًاً لملف الآثار أو السياحة فقط. بل خطوة قانونية تحمل دلالة سيادية عميقة للقرار تكمن في نقل جزء من الصلاحيات من الإدارة العسكرية المؤقتة إلى مؤسسات مدنية إسرائيلية دائمة داخل الضفة. وهو انتقال يُقرأ باعتباره مرحلة متقدمة من الضم الزاحف عبر السيطرة على الأرض من بوابة التاريخ والآثار. هنا لا تُدار المواقع الأثرية فحسب، بل يُعاد تعريف المكان نفسه: من أرض متنازع عليها إلى فضاء مُدار ضمن منظومة سيادية قبل أي إعلان سياسي رسمي.

إنها هندسة سيادة بلا إعلان.

في الماضي، كان الضم يبدأ بقرار واضح أو خطوة عسكرية صريحة. أما اليوم فنحن أمام نموذج مختلف تماماً: سيادة تُبنى بهدوء عبر القانون والإدارة والخرائط، بل وحتى عبر اللافتات التعريفية في المواقع الأثرية. إنها عملية تراكمية لتحويل الاستثناء إلى قاعدة، والاحتلال المؤقت إلى واقع يبدو طبيعياًبمرور الزمن.

هنا يظهر ما يمكن تسميته مدرسة السيادة التدريجية.

فالسيادة لم تعد تُفرض دفعة واحدة، بقرار ضم أو إعلان سياسي صريح. بل تُبنى طبقة فوق طبقة - إعادة تصنيف الأرض قانونياً، نقل الإدارة إلى مؤسسات مدنية، إعادة صياغة الرواية التاريخية، وصولاً إلى خلق واقع إداري وثقافي يصبح قائما فعليا قبل الاعتراف به سياسيا. وبهذا المعنى، لا يعود التراث شأناً ثقافيا محايدا، بل يتحول إلى أداة سيادية طويلة المدى تجعل الماضي أساسا قانونياً للحاضر وحدود المستقبل.

 خلال سنوات طويلة، تمحور تركيز السياسات الإسرائيلية حول ملف الطابو: من يملك الأرض قانونيا؟ لكن المرحلة الجديدة تضيف سؤالًا أكثر حساسية:من يملك التاريخ المرتبط بالأرض؟

إن إنشاء "سلطة التراث" لا يمثل قرارا منفصلا، بل جزءا من منظومة سيادية متكاملة تعمل عبر طبقات متراكمة: الأرض ، القانون ، التاريخ ، الإدارة المدنية

إعادة تعريف الملكية عبر الطابو، تسجيل الأراضي وفحص السجلات القانونية.

نقل الصلاحيات من إدارة عسكرية مؤقتة إلى مؤسسات مدنية دائمة.

إعادة كتابة الرواية التاريخية وتحويل المواقع الأثرية إلى مصادر شرعية سياسية.

خلق واقع غير قابل للتراجع بحيث يصبح أي حل سياسي مستقبلي محاولة لتفكيك واقع قائم، لا تفاوضا على احتمالات مفتوحة.

فالعالم يبحث عن إعلان سياسي... بينما الواقع يتغير بصمت.

بهذه الطريقة تُمارَس السيطرة القانونية - تحويل الأرض من مسألة سياسية إلى ملف إداري، والإدارية - تحويل الأرض من مسألة سياسية إلى ملف إداري، والرمزية - تحويل الأرض من مسألة سياسية إلى ملف إداري، والزمنية- إطالة العملية حتى يفقد العالم القدرة على التراجع عنها، في آن واحد.فالسيادة الهادئة هنا لا تنتصر بسرعة... بل تنتصر بالاستمرار. ولهذا يصبح الضم عملية زمنية صامتة: لا يحدث فجأة، بل يتحول إلى حقيقة قبل أن يُعلن.

إن إدارة "التراث" داخل الضفة الغربية لا تتعلق بالماضي بقدر ما تتعلق بالمستقبل. فالتراث يمنح ثلاث قوى استراتيجية: شرعية رمزية أمام العالم، حضورا مدنيا دائما بدل الإدارة العسكرية، وإعادة تعريف المكان سياسيا دون إعلان سياسي مباشر. وهكذا تتحول الحفريات الأثرية إلى حدود غير مرئية.

وهنا تكمن المفارقة، التراث أخطر من المستوطنات؟.

المستوطنات يمكن رؤيتها وإدانتها والتفاوض حولها، أما التراث فيبدو مشروعاثقافيا محايدا. والرواية التاريخية المؤسسية فتصبح جزءا من النظام القانوني والوعي الدولي. فالمستوطنة تغيّر الواقع المادي، لكن التراث يعيد تشكيل الإدراك العالمي لذلك الواقع. ولهذا قد يكون التراث أخطر من المستوطنات.

 العالم اعتاد فهم الضم كحدث مفاجئ: إعلان رسمي، قرار، أزمة دبلوماسية، ردود فعل دولية. لكن النموذج الجديد يغيّر قواعد اللعبة؛ لا توجد لحظة صدمة، ولا نقطة بداية واضحة يمكن عندها فرض رد سياسي حاسم. ومع مرور الوقت يتحول الواقع الإداري الجديد إلى "الوضع الطبيعي" والسيادة هنا لا تُفرض بالقوة فقط، بل تُبنى عبر الاعتياد الدولي.

وهنا تكمن العبقرية لنموذج السيادة التدريجية: السيطرة لا تحتاج مواجهة... بل تحتاج وقتا.

وينتقل النقاش من "من يملك الأرض؟" إلى "لمن تنتمي هذه الحضارة؟" .

 أنها لا تخلق أزمة واضحة يمكن للعالم أن يتفق على لحظة بدايتها.. لا توجد لحظة يمكن للعالم أن يقول فيها: "هنا بدأ الضم." وعندما تختفي لحظة البداية، ... يصبح من المستحيل تحديد لحظة التراجع، هكذا يتحول الواقع السياسي إلى أمر واقع غير قابل للعكس.

والتاريخ ليس سجلا محايدا؛ إنه مصدر شرعية سياسية، وعندما يُعاد تعريف موقع أثري ضمن سردية قومية واحدة، يُعاد تفسير الحاضر تلقائياً. فالدولة التي تنجح في تثبيت روايتها التاريخية لا تحتاج دائما إلى إعلان سيادتها؛ يكفي أن تبدو سيادتها امتدادا طبيعيا للتاريخ.

فالحدود الحديثة لم تعد تُرسم فقط على الخرائط، بل في الكتب المدرسية، والمسارات السياحية، واللافتات التي تعيد تسمية المكان ومعناه.

وبالنسبة للفلسطينيين، لم يعد التحدي سياسيا فقط، بل معرفيا أيضا. و الصراع لم يعد حول الأرض وحدها، بل حول معنى الأرض:
من يكتب التاريخ؟

من يدير المكان؟

ومن يملك تعريف الهوية الجغرافية؟

إذا كانت المرحلة السابقة صراعا على الجغرافيا، فإن المرحلة الحالية هي صراع على السردية التي تجعل تلك الجغرافيا تبدو طبيعية.

 يبدو أننا أمام إعادة تعريف كاملة لمفهوم الضم في القرن الحادي والعشرين.السيادة الهادئة ليست حالة محلية، بل نموذج مرشح للانتشار عالميا، حيث تسعى الدول إلى تحقيق السيطرة دون إعلان، ولاكلفة المواجهة المباشرةوالتغيير دون ضجيج.

في زمن السيادة التدريجية، لا تتغير الحدود عندما تُرسم... بل عندما يعتاد العالم عليها.

والسيادة الهادئة لا تحتاج دائما إلى رفع علم جديد؛ أحيانا يكفي تثبيت لوحة تعريف تقول إن هذا المكان ينتمي إلى قصة واحدة فقط.

فالذي ينجح في امتلاك الماضي، لا يحتاج كثيرا ليحكم الحاضر.



أقلام وأراء

السّبت 16 مايو 2026 4:16 مساءً - بتوقيت القدس

معادلة: في ذكرى النكبة الـ78 ... شعور عارم أننا لم نعد وحدنا

 من الصعب بمكان تجاوز تاريخ يوم أمس، منتصف أيار، المرتبط بنكبة فلسطين قبل ثمانية وسبعين سنة، دون التوقف عندها، وإعطائها بعضا من خصوصيتها وظلمها وظلامها الذي ما زال يرخي سواده على فلسطين والأمة العربية وأحرار العالم، رغم ما يصور هنا او هناك من بعض مظاهر الرخاء والعمران والبنيان ومستوى الدخل، ورغم ما يشغل العالم من قضايا ذات ملحاحية كالحرب العدوانية على إيران او اختطاف رئيس فنزويلا المنتخب والقابع في احد السجون الامريكية، ولعاب رئيس أمريكا الذي سال على جزيرة دنماركية، وخليج مكسيكي، وقناة بنمية ومضيق إيراني وريفيرا الغزية ..... الخ .

 بعد ثمانية وسبعين سنة على نكبة فلسطين، تعالوا نقرأ ما الذي تغير: لم يعد اللاجئون الفلسطينيون لديارهم التي هجّروا منها، بل لم يعد من ولد في ذلك العام، قبيله وبعيده، حياً على قيد الحياة، ادعى البعض السلامي من مؤيدي أوسلو عودة بضعة آلاف على انها عودة لاجئين، كانت عودة مشروطة الى الضفة، رحل ياسر عرفات لكن منع ان يدفن في القدس، والشاعر الكبير محمود درويش من ان يدفن في مسقط رأسه في الجليل، وادوارد سعيد الذي دفن في لبنان، حتى وزير شؤون القدس سمير غوشة وهو أصلا من القدس دفن في رام الله.

 على الصعيد المعادي، الشق الآخر من معادلة النكبة والانتكاب، أي إسرائيل، فقد كنا نرشقها بحجر، فبماذا تُرشق اليوم؟. صدقت أكاذيبها انها استقرت، خاصة بعد اعتراف منظمة التحرير بها، ثم الأردن، ثم اربع دول عربية مرة واحدة "اتفاقيات أبراهام"، ثم تمادت حين أصبحت تتحدث عن شرق أوسط جديد، وتوسيع رقعتها، فهي "كرأس قلم على طاولة" وفق الرئيس الأمريكي دونالد ترامب. كنا نحاربها بما نستطيع وحدنا، ولطالما رفع العديد من قادة المنظمة شعار "يا وحدنا"، فهل اليوم نحن وحدنا؟

 في "طوفان الأقصى" قبل ثلاث سنوات تقريبا، أشار أمين عام الأمم المتحدة غوتيرتش بوضوح أن الطوفان "لم يأت من فراغ"، يقصد النكبة وحق العودة الذي يتنفسه الفلسطينيون في صيفهم وشتائهم، في حلهم وترحالهم، بل في صبحهم ومسائهم، ووصل الأمر بأحد القادة ان يصفه بركن الإسلام السادس، وبالأب عطا الله حنا بإنجيل المسيحيين الخامس. 

عندما زار الرئيس الإيراني السابق أحمدي نجاد الجنوب اللبناني عام 2010، أراد ان يرشق إسرائيل بحجر، لكن احد مستشاريه المرافقين، منعه من فعل ذلك، بقوله : أنت رئيس دولة كبرى في المنطقة، لا يجوز ان ترشق إسرائيل بحجر.

أقلام وأراء

السّبت 16 مايو 2026 4:15 مساءً - بتوقيت القدس

قراءة في خطاب الرئيس


لم يكن خطاب الرئيس محمود عباس في افتتاح المؤتمر العام الثامن لحركة حركة التحرير الوطني الفلسطيني فتح مجرد كلمة افتتاحية في مناسبة تنظيمية داخلية، بل جاء بوصفه خطاب مرحلة فلسطينية شديدة الخطورة والتعقيد، تتداخل فيها حرب الإبادة على غزة، والأزمة البنيوية للنظام السياسي الفلسطيني، والتحولات الإقليمية والدولية المتسارعة، ومحاولات إعادة تشكيل القضية الفلسطينية تحت ضغط النار والحصار والتهجير.

فالخطاب، بكل ما حمله من لغة سياسية وقانونية ووطنية، عكس إدراك القيادة الفلسطينية أن الشعب الفلسطيني يقف اليوم أمام واحدة من أخطر اللحظات في تاريخه المعاصر، ليس فقط بسبب حجم الكارثة الإنسانية في قطاع غزة، وإنما أيضاً بسبب استهداف الكيانية السياسية الفلسطينية ذاتها، ومحاولة تفكيك المرجعية الوطنية الجامعة التي مثلتها منظمة التحرير الفلسطينية لعقود طويلة.

سياسياً، بدا واضحاً أن الرئيس عباس أراد تثبيت ثلاث رسائل مركزية.

الأولى، أن منظمة التحرير الفلسطينية ما زالت الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني، وأن حركة فتح، رغم كل ما واجهته من أزمات وتحديات، ما تزال تشكل العمود الفقري للمشروع الوطني الفلسطيني. ولذلك جاء المؤتمر الثامن بوصفه محاولة لإعادة تثبيت الشرعية الوطنية والتنظيمية في لحظة تتكاثر فيها محاولات تجاوز النظام السياسي الفلسطيني أو القفز عنه تحت عناوين "اليوم التالي" للحرب على غزة.

أما الرسالة الثانية، فتمثلت في التمسك بالخيار السياسي رغم الانهيار شبه الكامل لمسار التسوية. فالرئيس عباس، وهو يصف ما يجري في غزة بالنكبة غير المسبوقة وحرب الإبادة والتدمير والتهجير، لم يتخلَّ عن خطاب الدولة والحل السياسي والشرعية الدولية. وهنا تتجلى المفارقة الفلسطينية الكبرى؛ إذ تتمسك القيادة الفلسطينية بالخيار السياسي في الوقت الذي تواصل فيه إسرائيل تقويض كل الأسس التي قامت عليها عملية السلام، وتحويل الاحتلال إلى مشروع استيطاني إحلالي مفتوح.

في المقابل، حمل الخطاب رسالة ثالثة موجهة إلى الداخل الفلسطيني، مفادها أن المرحلة المقبلة تتطلب إصلاحاً سياسياً ومؤسساتياً يعيد بناء الثقة بين المواطن والنظام السياسي. ومن هنا جاءت الإشارة إلى الانتخابات والإصلاحات وتجديد المؤسسات، باعتبارها محاولة لاستعادة الشرعية الشعبية والقانونية بعد سنوات طويلة من الجمود والانقسام وتآكل الثقة العامة.

قانونياً، كان الخطاب شديد الدلالة في توصيفه لما يجري في قطاع غزة. فاستخدام مفردات مثل "الإبادة الجماعية" و"التهجير القسري" و"التدمير الشامل" لا يحمل بعداً سياسياً فحسب، بل يؤسس أيضاً لسردية قانونية تستند إلى قواعد القانون الدولي الإنساني واتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية لعام 1948. لقد حاول الرئيس عباس نقل القضية الفلسطينية من إطار النزاع السياسي التقليدي إلى فضاء المساءلة القانونية الدولية، بما يعزز مكانة الرواية الفلسطينية أمام المحاكم والهيئات الدولية، ويفضح حجم الانتهاكات الواقعة بحق الشعب الفلسطيني.

كما أن الحديث عن الإصلاحات والانتخابات حمل في مضمونه اعترافاً ضمنياً بوجود أزمة دستورية وتمثيلية داخل النظام السياسي الفلسطيني، الأمر الذي يجعل من المؤتمر الثامن ليس مجرد استحقاق تنظيمي، بل محطة لإعادة تعريف العلاقة بين الشرعية الوطنية والشرعية الشعبية، وبين الثورة والدولة، وبين الحركة والتنظيم والمؤسسة.

اجتماعياً، جاء الخطاب في ظل حالة فلسطينية مثقلة بالجراح والإنهاك النفسي والاجتماعي. فالحرب على غزة، وما رافقها من قتل ودمار وتجويع وتشريد، أعادت إنتاج شعور جمعي بالخطر الوجودي، وأدخلت المجتمع الفلسطيني في واحدة من أقسى مراحله المعاصرة. ولذلك حاول الخطاب إعادة بناء المعنى الوطني الجامع عبر مفردات الصمود والثبات والوحدة الوطنية والهوية الفلسطينية.

غير أن التحدي الحقيقي لا يكمن فقط في قوة الخطاب، بل في قدرة النظام السياسي الفلسطيني على استعادة ثقة الأجيال الجديدة، خصوصاً في ظل اتساع الفجوة بين الخطاب السياسي التقليدي والواقع الاجتماعي والاقتصادي الصعب الذي يعيشه الشباب الفلسطيني، وما يرافقه من إحباط وبطالة وتراجع الثقة بفاعلية المؤسسات الوطنية والتنظيمية.

أما استراتيجياً، فإن خطاب الرئيس عباس يمكن قراءته باعتباره خطاب إدارة مرحلة انتقالية كبرى في التاريخ الفلسطيني المعاصر. فهو من جهة، يواجه مشروعاً إسرائيلياً يسعى إلى تفكيك الهوية الوطنية الفلسطينية وفرض وقائع جديدة بالقوة العسكرية. ومن جهة أخرى، يحاول الحفاظ على الكيانية السياسية الفلسطينية ومنع انهيارها تحت ضغط الحرب والانقسام والتدخلات الإقليمية والدولية.

كما حمل الخطاب رسالة واضحة إلى المجتمع الدولي مفادها أن السلطة الفلسطينية، رغم كل أزماتها، ما تزال الطرف الفلسطيني الأكثر قدرة على تمثيل المشروع الوطني ضمن الإطار السياسي والقانوني الدولي، وأن أي محاولة لتجاوزها أو إضعافها ستقود إلى مزيد من الفوضى والانهيار.

في المحصلة، لم يكن خطاب افتتاح المؤتمر الثامن خطاباً احتفالياً أو تنظيمياً عابراً، بل خطاب أزمة وطنية شاملة، حاول الجمع بين شرعية التاريخ ومتطلبات الإصلاح، وبين التمسك بالثوابت الوطنية ومواجهة التحولات الإقليمية والدولية العاصفة. غير أن نجاح هذا الخطاب سيبقى مرهوناً بقدرة حركة فتح والنظام السياسي الفلسطيني على تحويل الشعارات إلى مراجعات حقيقية، والإصلاحات إلى ممارسة فعلية، والوحدة الوطنية إلى مشروع سياسي جامع يعيد الاعتبار للقضية الفلسطينية وللإنسان الفلسطيني في آن واحد.

 


 

فلسطين

السّبت 16 مايو 2026 4:13 مساءً - بتوقيت القدس

أطفال القدس من الرباط: لسنا أبطالا ولا نريد أن نكون ضحايا.. نحن أطفال نحب الحياة

"لسنا أبطالا ولا نريد أن نكون ضحايا.. نحن فقط أطفال نحب الحياة، أحلامنا كبيرة بقدر مآذن القدس، وعزيمتنا قوية بقدر جبالها، ولسنا مجرد أرقام وصور تتناقلها وسائل الإعلام"، بهذه الرسالة اختصر ستة أطفال مقدسيين مشاركين في الدورة السادسة لمحاكاة القمة الدولية للطفولة من أجل القدس، رؤيتهم للصورة التي يجب أن يقدمهم بها الإعلام إلى العالم.

بالنسبة لهؤلاء الأطفال، لم تكن هذه القمة، التي نظمتها وكالة بيت مال القدس الشريف تحت شعار: "من أجل إعلام ينصف الطفولة الفلسطينية"، مجرد نشاط عابر أو رحلة خارج القدس، بل مساحة نادرة للتعبير عن أنفسهم كما يريدون أن يراهم العالم، لا كما تصورهم نشرات الأخبار.

وعلى مدى أيام، شارك 64 طفلا من 24 دولة في جلسات حوارية وورش فنية وتربوية، ناقشوا خلالها صورة الطفل الفلسطيني في وسائل الإعلام، واستمعوا مباشرة إلى شهادات الأطفال القادمين من القدس حول حياتهم اليومية وطموحاتهم ومشاعرهم تجاه ما يشاهدونه في نشرات الأخبار.

ويقول الطالب المقدسي كريم علي محمد داوود (14 عاما)، وهو حافظ للقرآن الكريم ولاعب كرة قدم: "إن حلمي لا يحتاج إلى تأشيرة دخول ولا يتوقف عند حاجز عسكري، وتعلمت أن الإصرار في الملعب جزء من صمودي في الحياة، وأن كل هدف أسجله هو رسالة بأننا هنا نلعب ونكبر ونتمسك بالحياة".

ويضيف داوود: "أحلم بأن تكون ساحات المسجد الأقصى غرفتي الكبيرة التي أقرأ فيها القرآن بأمان، وأن تتحول خطواتي في الملاعب إلى خطوات ثابتة في أروقة الجامعات والمستشفيات لأحقق حلمي الأكبر بأن أكون طبيبا".

ويتابع: "نريد إعلاما ينقل صورتنا الحقيقية، ويحكي قصص النجاح والأمل، لا أن يرانا فقط في مشاهد الحزن والخوف".

ولا تختلف أحلام الأطفال المقدسيين عن أحلام أقرانهم حول العالم؛ فبينهم لاعبة كرة سلة تطمح لأن تكون مديرة أعمال، وفارسة تهوى ركوب الخيل وتحلم بأن تصبح طبيبة أطفال، وطفلة تجد متعتها بين صفحات الكتب وتحلم بأن تكون طبيبة، وأخرى تبدع بأناملها في صناعة الأساور والمشغولات اليدوية وتتطلع لأن تصبح طبيبة بيطرية، إضافة إلى طفل مبدع في عالم الكمبيوتر يطمح لأن يكون لاعب كرة قدم محترفا.

وشكر داوود المملكة المغربية، ملكا وحكومة وشعبا، على وقوفهم الدائم إلى جانب أطفال القدس واحتضانهم لأحلامهم.

وفي إحدى قاعات وكالة بيت مال القدس في الرباط، اختفت فوارق اللغة والجنسيات أمام أطفال اجتمعوا حول مائدة واحدة بأزيائهم الوطنية، ليناقشوا الصورة التي يرسمها الإعلام عن الطفل الفلسطيني، ويتبادلوا الأحاديث العفوية والرسومات والرسائل المكتوبة بخط اليد، في مشهد اختلطت فيه البراءة بالتضامن.

وبعيدا عن تعقيدات السياسة ولغة الأرقام الجافة، كتبت الطفلة المغربية آية وحمان رسالة قصيرة قالت فيها: "نحن فخورون بكم، فأنتم مثال الإرادة والصمود.. تحيا فلسطين الحبيبة".

أما الطفلة السعودية فوزية العتيبي (13 عاما)، فاختارت كلمات بسيطة حملت الكثير من المشاعر، وقالت: "نحن فخورون بأطفال فلسطين ونتمنى لهم الأمن والسلام، وكل البلاد العربية تدعو لهم بأن الله ينصرهم.. أطفال فلسطين أقوى أطفال وأطيب قلب".

وفي جلسات الحوار والورش الفنية والزيارات التربوية، وجد الأطفال المقدسيون فرصة للتعبير عن حياتهم اليومية، وعن مشاعرهم حين يشاهدون صور الأطفال الفلسطينيين في وسائل الإعلام، وعن أحلامهم البسيطة في أن يعيشوا مثل باقي أطفال العالم بأمان وهدوء.

وأوضح المدير المكلف بتسيير وكالة بيت مال القدس الشريف محمد سالم الشرقاوي، أن القمة شكلت فضاء للنقاش والتفكير في الكيفية التي يقدم بها الطفل الفلسطيني في الإعلام العالمي، مع إتاحة المجال للأطفال القادمين من القدس للتعبير عن رؤيتهم للصورة النمطية المتداولة عنهم، وما إذا كانوا ينظر إليهم كأبطال أو كضحايا في التغطيات الإعلامية المختلفة.

وشدد الشرقاوي على أن أطفال فلسطين "ليسوا أبطالا ولن يكونوا ضحايا"، بل أطفال لهم الحقوق نفسها التي يتمتع بها أطفال العالم، وفي مقدمتها الحق في الحياة والتعليم واللعب والأمان، داعيا إلى تقديم صورة إعلامية أكثر إنصافا واحتراما لخصوصيتهم وواقعهم الإنساني.

ويعيش الأطفال الفلسطينيون ظروفا قاسية نتيجة سياسات الاحتلال، إذ لا يقتصر الأمر على حرمانهم من حقوقهم الأساسية في التعليم واللعب والحياة الآمنة، بل تشير الإحصائيات أيضا إلى استشهاد أكثر من 19 ألف طفل وطالب، إلى جانب اعتقال المئات في قطاع غزة والضفة الغربية والقدس منذ السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023.

فلسطين

السّبت 16 مايو 2026 4:11 مساءً - بتوقيت القدس

الرباط: إسدال الستار على أعمال الدورة السادسة لـ"محاكاة القمة الدولية للطفولة من أجل القدس"

أسدل الستار في مقر أكاديمية المملكة المغربية بالرباط، على أعمال الدورة السادسة لـ"محاكاة القمة الدولية للطفولة من أجل القدس"، بعقد جلسة عامة تحاكي مؤتمرا دوليا لوزراء الإعلام، تكللت بإصدار بيان ختامي، بمشاركة أطفال فلسطينيين من مدارس القدس.

وركزت أعمال الدورة، التي نظمتها وكالة بيت مال القدس الشريف، لصالح طلبة تراوح أعمارهم ما بين 11 و 16 عاما، يمثلون 24 جنسية، على مناقشة صورة الطفل الفلسطيني في الإعلام، وذلك تزامنا مع اختيار الرباط عاصمة للإعلام العربي 2026.

وثمن الأطفال المشاركون في الجلسة العامة الختامية، هذه المبادرة التربوية والإنسانية، مؤكدين أن هذه التجربة أتاحت لهم فرصة التعرف إلى ثقافات متعددة وتبادل الحوار حول قضايا الطفولة والإعلام.

وأكد المشاركون في البيان الختامي للدورة، الذي تلي في الجلسة الختامية، بحضور شخصيات مغربية وسفراء وأعضاء بعض الهيئات الدبلوماسية المعتمدة لدى المملكة المغربية وممثلي عدد من الهيئات، على "ضرورة احترام خصوصية الطفل الفلسطيني وحقوقه الإنسانية".

ودعا المشاركون الهيئات والمؤسسات الدولية ووسائل الإعلام إلى "إنصاف الطفل الفلسطيني، لا سيما أطفال غزة الذين يعيشون أوضاعاً إنسانية صعبة ويحرمون من أبسط حقوقهم الأساسية"، وشددوا على أن أطفال فلسطين هم قبل كل شيء "أطفال يحبون الحياة ويتطلعون إلى التعلم واللعب والعيش بأمان وطمأنينة في وطنهم".

وفي كلمة بالمناسبة، اعتبر أمين السر الدائم لأكاديمية المملكة المغربية، عبد الجليل الحجمري، أن هذه الجلسة مناسبة لإعلان "التزام أخلاقي يمنح الطفل الفلسطيني حقه في الظهور"، كما يمنح الصورة معناها الإنساني العميق، مؤكدا أن الطفل الفلسطيني يمثل "حياة كاملة تتشبث بحقها في المدرسة واللعب والدفء والسماء الآمنة".

وأشار إلى أن هذه الفعاليات ستسهم في "تسليط الضوء على واقع الطفولة الفلسطينية، كما ستؤسس لوعي جماعي بقضايا الفلسطينيين وباقي الأطفال الذين يعانون في مناطق النزاعات والحروب".

أما المدير المكلف بتسيير وكالة بيت مال القدس الشريف، محمد سالم الشرقاوي، فقد أكد أن هذه الجلسة "تساعد المشاركين على بناء الصورة الإعلامية التي يريدونها عن الطفل الفلسطيني"، وأبرز الحرص على أن تجسد هذه الصورة قيم الحق والحرية والعدالة والسلام والعيش الواحد.

وأوضح الشرقاوي أن مناقشة الصورة التي يرسمها الإعلام عن الطفل الفلسطيني "تمرين جاد جدا"، لأن تدفق المعلومات، لاسيما الموجهة للأطفال، بالوتيرة التي بتنا نشهدها في الوقت الراهن، تبعث على القلق والانشغال لدى الآباء والمربين.

وشكلت الدورة فرصة للأطفال المشاركين من أجل التعبير عن رؤيتهم تجاه الصورة التي تقدمها وسائل الإعلام عنهم، ومدى احترامها لحقوقهم وخصوصيتهم، انسجاما مع المبادئ التي نصت عليها الاتفاقية الدولية لحقوق الطفل، وذلك من خلال محاكاة أعمال قمة دولية لوزراء الإعلام، بمشاركة الأطفال أنفسهم.

فلسطين

السّبت 16 مايو 2026 4:11 مساءً - بتوقيت القدس

جددت التزامها برعاية نحو 300 من الأطفال مبتوري الأطراف...وكالة بيت مال القدس تسلم دفعة الربع الأول من كفالات ايتام غزة

سلمت وكالة بيت مال القدس الشريف، التابعة للجنة القدس، برئاسة العاهل المغربي الملك محمد السادس، اليوم السبت، دفعة الربع الأول من عام 2026 من مبالغ كفالات أطفال قطاع غزة، بتمويل من المملكة المغربية.

ونظمت الوكالة، بهذه المناسبة، حفل استقبال لأيتام مخيم النصيرات وسط قطاع غزة، تخلله فقرات ترفيهية لإدخال الفرحة والسرور إلى قلوب الصغار. وأعلنت التزامها بالتكفل بنحو 300 من الأطفال مبتوري الأطراف ضحايا الحرب على القطاع، فور توفر الشروط المناسبة.

وكانت الوكالة، قد أعلنت في 30 نيسان/ ابريل 2026، عن توسيع برنامج كفالة اليتيم المقدسي، ليشمل 350 يتيمًا من أطفال قطاع غزة من الفئات الأكثر احتياجًا.

وجرى تصنيف الايتام المستفيدين إلى ثلاث فئات، تشمل الأولى الأطفال الأيتام المصابين أو مبتوري الأطراف وذوي الإعاقات الدائمة، والثانية الأيتام فاقدي الأب والأم، أو الذين فقدوا أحد الوالدين ويعيشون في ظروف استثنائية، بما في ذلك الناجي الوحيد من أسرته، فيما خُصصت الفئة الثالثة للأيتام المنحدرين من الأسر الأكثر هشاشة واحتياجًا.

ولتطوير هذه المبادرة الإنسانية، أطلقت الوكالة منصة رقمية متكاملة مخصصة لرعاية الأيتام في مدينة القدس وقطاع غزة، بهدف تعزيز منظومة كفالة الأيتام، وكفاءة وشفافية إيصال الدعم إلى مستحقيه، في ظل تزايد التحديات الإنسانية التي تواجه هذه الفئة.

وكانت الوكالة قد أطلقت برنامج "كفالة اليتيم" في مدينة القدس عام 2008 لفائدة 500 يتيم، قبل أن يتطور تدريجيًا ليشمل فئات أوسع، في إطار رؤية الوكالة التي تقوم على الاستجابة للاحتياجات المتزايدة للفئات المتضررة.

عربي ودولي

السّبت 16 مايو 2026 4:06 مساءً - بتوقيت القدس

بوتين يتوجه إلى بكين الأسبوع المقبل لتعزيز الشراكة الاستراتيجية مع الصين

أعلن الكرملين رسمياً عن توجه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى العاصمة الصينية بكين في زيارة رسمية مقررة يومي 19 و20 مايو الجاري. وتأتي هذه الخطوة في سياق حراك دبلوماسي مكثف تشهده المنطقة، حيث تهدف المباحثات مع الرئيس الصيني شي جينبينغ إلى تمتين أواصر التعاون الثنائي ومناقشة القضايا الدولية الملحة.

تكتسب هذه الزيارة أهمية استثنائية لكونها تأتي في أعقاب زيارة قام بها الرئيس الأمريكي دونالد ترمب إلى الصين قبل أيام قليلة. وتعكس هذه التحركات التنافس المحموم بين القوى الكبرى على النفوذ السياسي والاقتصادي، في وقت تسعى فيه موسكو وبكين إلى إظهار جبهة موحدة أمام التحديات الجيوسياسية الراهنة.

أوضح البيان الصادر عن الرئاسة الروسية أن القمة المرتقبة ستركز بشكل أساسي على سبل تطوير الشراكة الشاملة والارتقاء بمستوى التنسيق الاستراتيجي بين البلدين. ومن المتوقع أن يتبادل الزعيمان وجهات النظر حول الملفات الإقليمية الساخنة، مع التأكيد على رؤيتهما المشتركة تجاه ضرورة إصلاح النظام العالمي الحالي.

من المقرر أن يختتم الزعيمان مباحثاتهما بتوقيع إعلان مشترك يرسخ التوجهات الجديدة للتعاون السياسي والاقتصادي في المرحلة المقبلة. ويعد هذا الإعلان وثيقة مرجعية تعكس رغبة الطرفين في تعميق التنسيق في المحافل الدولية، بما يخدم مصالحهما المشتركة ويواجه الضغوط الخارجية المستمرة.

يتضمن جدول أعمال الرئيس الروسي لقاءً منفصلاً مع رئيس الوزراء الصيني لي تشيانغ، حيث سيتم التركيز على الجوانب التقنية والاقتصادية للتعاون. ويسعى الطرفان إلى رفع معدلات التبادل التجاري وتجاوز العقبات التي تفرضها العقوبات الدولية، مع تعزيز دور الصين كشريك تجاري أول لروسيا في مختلف القطاعات.

تمثل الصين الرئة الاقتصادية لروسيا في ظل الظروف الراهنة، حيث تستمر في استيراد كميات ضخمة من النفط والغاز الروسي بانتظام. وتنظر القيادة الصينية إلى هذه العلاقة كحجر زاوية في مساعيها لإعادة تشكيل نظام عالمي متعدد الأقطاب ينهي حقبة القطب الواحد، ويحقق توازناً جديداً في موازين القوى الدولية.

فلسطين

السّبت 16 مايو 2026 3:53 مساءً - بتوقيت القدس

أعضاء مؤتمر فتح الثامن ينتخبون قيادة جديدة للحركة في الضفة وغزة والشتات

بدأ أعضاء المؤتمر العام الثامن لحركة التحرير الوطني الفلسطيني (فتح)، صباح السبت، عملية الاقتراع السري لانتخاب الهيئات القيادية العليا للحركة. وفتحت صناديق الاقتراع أبوابها في تمام الساعة العاشرة صباحاً بالتوقيت المحلي، حيث توافد الكادر الفتحاوي للإدلاء بأصواتهم في مراكز مجهزة بمدينة رام الله، وبالتزامن مع مراكز أخرى في قطاع غزة والعاصمتين المصرية واللبنانية.

وتشهد هذه الدورة الانتخابية مشاركة واسعة من القاعدة التنظيمية، حيث يبلغ عدد أعضاء المؤتمر الذين يحق لهم التصويت أكثر من ألفي عضو. وتتوزع هذه الكتلة التصويتية بين الضفة الغربية المحتلة والقطاع، بالإضافة إلى الساحات الخارجية في القاهرة وبيروت، لضمان تمثيل كافة قطاعات الحركة في الداخل والشتات.

ويتنافس في هذه الانتخابات 59 مرشحاً للفوز بـ 18 مقعداً في اللجنة المركزية، التي تمثل أعلى سلطة تنفيذية وقرارية داخل حركة فتح. وفي الوقت ذاته، يتنافس نحو 450 عضواً على 80 مقعداً مخصصاً للمجلس الثوري، وهو البرلمان المصغر للحركة الذي يضطلع بمهام الرقابة والتشريع التنظيمي بين دورتي المؤتمر العام.

وقد أدلى رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس بصوته في مقر الرئاسة برام الله، بعد أن جدد المؤتمر الثامن ثقته به رئيساً للحركة بالإجماع في وقت سابق. وأكدت مصادر مطلعة أن هذه الخطوة تأتي في إطار مساعي الحركة لإعادة هيكلة أطرها القيادية وضخ دماء جديدة قادرة على مواجهة التحديات السياسية الراهنة، استجابةً لمتطلبات الإصلاح الداخلي.

وتبرز في القوائم الانتخابية أسماء قيادية وازنة تتنافس على مقاعد المركزية، من بينهم أعضاء حاليون مثل حسين الشيخ وجبريل الرجوب، إلى جانب حضور لافت للقيادات الأسيرة والمحررة يتقدمهم مروان البرغوثي وزكريا الزبيدي. كما تشهد القوائم دخول وجوه جديدة من المؤسسة الأمنية والمدنية، مثل مدير المخابرات ماجد فرج وياسر عباس، مما يعكس تنوعاً في التوجهات داخل الحركة.

من جانبه، أوضح الناطق الإعلامي للمؤتمر أن عملية الاقتراع قد تم تمديد ساعاتها لضمان مشاركة الجميع وتحقيق أقصى درجات النزاهة والشفافية في الفرز. ومن المتوقع أن تبدأ لجان الإشراف بإعلان النتائج الأولية فور الانتهاء من عمليات العد والفرز ليل السبت، على أن يتم اعتماد النتائج النهائية والرسمية خلال يوم الأحد.

عربي ودولي

السّبت 16 مايو 2026 3:53 مساءً - بتوقيت القدس

إجراءات أمنية مشددة: وفد ترامب يتخلص من الهدايا الصينية في حاويات القمامة قبل مغادرة بكين

أفادت مصادر صحفية أمريكية باتخاذ الوفد المرافق للرئيس دونالد ترامب إجراءات أمنية غير مسبوقة خلال زيارته الرسمية إلى العاصمة الصينية بكين. حيث قام أعضاء الوفد بالتخلص من كافة الهدايا والمقتنيات التي تلقوها من الجانب الصيني بشكل مفاجئ قبل مغادرة البلاد، في خطوة تعكس حجم التوجس الأمني الأمريكي من محاولات الاختراق أو التجسس الإلكتروني.

ونقلت مصادر إعلامية عن مراسلة البيت الأبيض لصحيفة نيويورك بوست، إميلي جودين أن أعضاء الفريق الرئاسي ألقوا بطاقات الاعتماد والهواتف المؤقتة المخصصة للاستخدام لمرة واحدة في حاوية قمامة وضعت خصيصاً أسفل سلم الطائرة الرئاسية 'إير فورس وان'. ولم تقتصر هذه الإجراءات على الأجهزة التقنية فحسب، بل شملت أيضاً الشارات التذكارية والهدايا الرسمية التي قدمها المسؤولون الصينيون للوفد خلال أيام الزيارة.

وأكدت التقارير أن التعليمات الأمنية الصادرة للوفد كانت حازمة وواضحة، حيث منعت إدخال أي مقتنيات ذات منشأ صيني إلى داخل الطائرة الرئاسية التي تعتبر من أكثر الأماكن تأميناً في العالم. وأوضحت جودين عبر حسابها في منصة 'إكس' أن هذا البروتوكول الصارم يهدف إلى ضمان عدم تسلل أي أجهزة تنصت أو برمجيات خبيثة إلى الأنظمة الحساسة للطائرة عبر الهدايا التقليدية أو الأجهزة الإلكترونية.

وعلى صعيد التحركات الشخصية، التزم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بقيود أمنية مشددة، حيث امتنع تماماً عن استخدام هاتفه الشخصي طوال فترة تواجده على الأراضي الصينية. وأشارت المصادر إلى أن كافة التحديثات التي ظهرت على حساباته الرسمية في وسائل التواصل الاجتماعي خلال الزيارة كانت تتم عبر فريق تقني في واشنطن، وذلك لتجنب أي محاولات تعقب أو اختراق لبياناته الخاصة.

وتأتي هذه السلوكيات لتسلط الضوء على مستوى الشكوك العميقة والمتبادلة بين القطبين الاقتصاديين، واشنطن وبكين، في ظل صراع تكنولوجي وسياسي محتدم. وتعكس هذه الإجراءات الاحترازية مخاوف الإدارة الأمريكية المتزايدة من قدرات التجسس السيبراني الصينية، مما دفع الأجهزة الأمنية لفرض عزل تقني كامل على الوفد الرئاسي خلال المهمات الرسمية في الخارج.

ورغم هذه التوترات الأمنية الكواليسية، انتهت الزيارة بصبغة دبلوماسية، حيث وجه ترامب دعوة رسمية لنظيره الصيني شي جين بينغ لزيارة الولايات المتحدة في شهر سبتمبر المقبل. وأعرب ترامب عن تقديره لمستوى الضيافة الصينية والتقدم الذي تشهده البلاد، واعداً باستقبال الرئيس الصيني بمستوى مماثل من الاهتمام والترتيبات البروتوكولية في البيت الأبيض.

عربي ودولي

السّبت 16 مايو 2026 3:22 مساءً - بتوقيت القدس

مستشفيات جنوب لبنان: خط الدفاع الأخير يصارع الانهيار تحت وطأة القصف

تتحول المرافق الطبية في جنوب لبنان تدريجياً إلى جبهات صمود إنسانية أخيرة، حيث تواصل العمل في ظروف قاسية تحت وطأة القصف المستمر ونقص الإمكانات الحاد. ومع تصاعد العدوان الإسرائيلي، تجد الكوادر الطبية نفسها في مواجهة مباشرة مع تداعيات الحرب، محاولةً سد الفجوة الكبيرة التي خلفها خروج عدد من المنشآت الحيوية عن الخدمة.

وأكدت المعطيات الرسمية الصادرة عن وزارة الصحة اللبنانية خروج ثلاثة مستشفيات حكومية رئيسية عن الخدمة بشكل كامل، وهي مستشفيات ميس الجبل وبنت جبيل والشهيد صلاح غندور. وتأتي هذه التطورات بعد سلسلة من الاستهدافات المباشرة التي أدت أيضاً إلى تضرر نحو 16 مستشفى آخر في مختلف المناطق اللبنانية، مما فاقم من أزمة القطاع الصحي.

وفي قضاء بنت جبيل، يبرز مستشفى تبنين الحكومي كنموذج للإصرار على البقاء، إذ يستمر الطاقم الطبي في تقديم خدماته رغم تعرض محيط المنشأة لثماني غارات جوية واستهدافات مدفعية. وتسعى الإدارة الطبية هناك للحفاظ على الحد الأدنى من الجاهزية اللوجستية، في ظل بيئة عمل محفوفة بالمخاطر الأمنية والتهديدات المستمرة.

أما في مدينة صور، فقد اتخذت الأزمة منحىً اجتماعياً وإنسانياً أعمق، حيث تحولت المستشفيات إلى مراكز إيواء للكوادر الطبية وعائلاتهم الذين فقدوا الأمان في منازلهم. وتكافح ثلاثة مستشفيات رئيسية في المدينة، وهي اللبناني الإيطالي وحيرام وصور الحكومي، للاستجابة لضغط الجرحى المتزايد وتدفق النازحين من القرى المجاورة.

وتواجه محافظة النبطية واقعاً لا يقل خطورة، حيث تتوالى الإنذارات الإسرائيلية بالإخلاء بالتزامن مع توسع رقعة القصف المدفعي الذي يطال الأحياء السكنية والمرافق العامة. هذا الضغط العسكري يضع الأطقم الطبية أمام تحديات نفسية وجسدية هائلة، تتجاوز مجرد تقديم العلاج لتصل إلى إدارة أزمة نزوح وانهيار إنساني شامل.

وتشير تقارير ميدانية إلى أن النقص الحاد في الإمدادات الطبية والوقود بات يهدد ما تبقى من قدرة تشغيلية لهذه المؤسسات، في وقت تتزايد فيه الحاجة للعمليات الجراحية الطارئة. وتعمل هذه المستشفيات حالياً كخطوط مواجهة مفتوحة، حيث يتم استقبال الإصابات الحرجة تحت دوي الانفجارات التي لا تهدأ في محيط المراكز الصحية.

إن التحول الذي شهدته مستشفيات الجنوب من مراكز علاجية إلى معاقل للصمود يعكس حجم المأساة التي يعيشها السكان، حيث باتت هذه الجدران هي الفاصل الأخير بين الحياة والموت. ومع استمرار استهداف البنية التحتية، يظل الرهان معقوداً على قدرة هذه المنظومة المتهالكة على الصمود أمام آلة الحرب التي لا تستثني أحداً.

عربي ودولي

السّبت 16 مايو 2026 3:08 مساءً - بتوقيت القدس

واشنطن تتراجع عن ضم غرينلاند وتفاوض الدنمارك على قواعد عسكرية بسيادة أمريكية

تخلت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن خطابها التصعيدي بشأن الاستحواذ على جزيرة غرينلاند وضمها للسيادة الأمريكية، حيث انتقلت واشنطن إلى مسار تفاوضي جديد مع الدنمارك. وتهدف هذه المفاوضات الحالية إلى تأمين موطئ قدم عسكري استراتيجي عبر إقامة قواعد جديدة، لضمان عدم انفراد روسيا والصين بالهيمنة على منطقة القطب الشمالي الحيوية.

وتشير المعطيات الميدانية إلى أن التعثر الذي واجهته الولايات المتحدة في حربها ضد إيران كان سبباً جوهرياً في هذا التحول نحو الاعتدال. فقد أدت المواجهة التي استمرت 39 يوماً من القتال المكثف إلى تآكل قوة الردع الأمريكية، خاصة بعد فشل 'مشروع الحرية' في فتح مضيق هرمز بالقوة وانسحاب المدمرات إلى بحر عُمان.

وتسعى واشنطن حالياً لإقامة ثلاث قواعد عسكرية في الساحل الجنوبي لغرينلاند، وهي منطقة استراتيجية لا تتجمد وتعد ممراً رئيسياً لسفن الشحن الدولي. وتصر الإدارة الأمريكية في مفاوضاتها مع كوبنهاغن على أن تتمتع هذه القواعد بسيادة مطلقة وتخضع للقانون الأمريكي حصراً، بعيداً عن سلطة القوانين الدنماركية أو قوانين الحكم الذاتي المحلية.

ويرى مراقبون أن الضغوط الاقتصادية التي خلفتها الحرب مع إيران، والتي كبدت المستهلكين الأمريكيين نحو 40 مليار دولار بسبب ارتفاع أسعار الوقود، جعلت البيت الأبيض يعيد حساباته. كما أن تكلفة العمليات العسكرية المباشرة التي بلغت 29 مليار دولار، وفقاً لتقديرات البنتاغون، قلصت من قدرة واشنطن على فتح جبهات صراع جديدة في القارة الأوروبية.

وعلى الصعيد الدبلوماسي، ساهم الشرخ العميق مع الحلفاء الأوروبيين في دفع واشنطن للتراجع عن فكرة الضم القسري. فقد أبدت دول القارة العجوز عزمها على حماية سيادة غرينلاند، ووصل الأمر إلى التلويح ببناء جيش أوروبي موحد والتخلي عن التزامات الحلف الأطلسي، مما وضع الولايات المتحدة في عزلة سياسية غير مسبوقة.

وتمثل غرينلاند أهمية قصوى للأمن القومي الأمريكي نظراً لاحتياطياتها الضخمة من المعادن والنفط والغاز التي بدأت تظهر مع ذوبان الجليد. وتعتبر واشنطن أن السيطرة على هذه الموارد وسلاسل الإمداد المرتبطة بها ضرورة استراتيجية لمواجهة التمدد الاقتصادي الصيني والمطامع العسكرية الروسية في القطب الشمالي.

وتستهدف القواعد المقترحة مراقبة المنطقة البحرية المعروفة باسم 'جيوك' الواقعة بين بريطانيا وغرينلاند وإيسلندا، وهي ممر حيوي للغواصات والقطع البحرية. وتدير الولايات المتحدة حالياً قاعدة بيتوفيك الفضائية في شمال غرب الجزيرة، لكنها تطمح لاستعادة زخم وجودها الذي كان يضم 17 منشأة عسكرية إبان حقبة الحرب الباردة.

وفي سياق متصل، أكدت تقارير عسكرية أن تضرر 15 قاعدة أمريكية في الخليج وكردستان العراق خلال المواجهة مع إيران، دفع القيادة العسكرية لمراجعة انتشارها العالمي. وقد شمل ذلك نقل مراكز القيادة من البحرين إلى قاعدة ماكديل في فلوريدا، مما يعكس رغبة في تأمين القوات بعيداً عن مناطق التماس المباشرة مع القوى الإقليمية الصاعدة.

ويرى المنظر الاستراتيجي روبرت كاغان أن واشنطن خسرت الحرب استراتيجياً أمام إيران، وهو ما انعكس على هيبة الولايات المتحدة دولياً. هذا الفشل في تحقيق 'النصر الكامل' أو إسقاط النظام الإيراني، أجبر إدارة ترامب على تبني سياسة أكثر واقعية في ملف غرينلاند لتجنب الظهور بمظهر الدولة المارقة التي تخرق القانون الدولي.

وتبقى المفاوضات مع الدنمارك معقدة، حيث ترفض الحكومة الدنماركية وسكان الجزيرة أي مساس بالسيادة الوطنية. ومع ذلك، تأمل واشنطن أن يساهم الحوار الاقتصادي والعسكري في الوصول إلى صيغة تضمن وجوداً دائماً يحمي مصالحها في القطب الشمالي دون الحاجة إلى مواجهة عسكرية أو سياسية شاملة مع أوروبا.

أحدث الأخبار

السّبت 16 مايو 2026 2:53 مساءً - بتوقيت القدس

تركيا تعيد صياغة مناهجها الدراسية: 'تركستان' بدلاً من آسيا الوسطى و'بحر الجزر' عوضاً عن إيجه

كشفت تقارير صحفية دولية عن توجه تركي جديد لإعادة صياغة المناهج الدراسية الرسمية، في خطوة تعكس تحولات عميقة في السياسة الخارجية والتوجهات الأيديولوجية لأنقرة. وأعلن وزير التعليم التركي، يوسف تكين، عن تبني أسلوب مبتكر في تدريس مادتي التاريخ والجغرافيا، يتماشى مع مفاهيم القومية التركية الشاملة والرؤية المناهضة للاستعمار التي تتبناها الحكومة الحالية.

وبموجب هذه التعديلات الجوهرية، ستختفي مصطلحات تاريخية وجغرافية استقرت لعقود في الكتب المدرسية، ليحل محلها مسميات تعبر عن الهوية الوطنية الصرفة. ومن أبرز هذه التغييرات استبدال مصطلح 'آسيا الوسطى' بكلمة 'تركستان'، وتحويل مسمى 'بحر إيجه' إلى 'بحر الجزر'، في إشارة واضحة إلى الرغبة في فك الارتباط بالمصطلحات ذات الجذور اليونانية أو الغربية.

ولم تقتصر التعديلات على الجغرافيا، بل امتدت لتشمل قراءة التاريخ، حيث تم استبدال 'الحروب الصليبية' بمصطلح 'الهجمات الصليبية'. كما تقرر تغيير وصف 'الاكتشافات الجغرافية الكبرى' ليصبح 'بداية الحقبة الاستعمارية'، وهو ما يراه المسؤولون الأتراك تصحيحاً لرؤية تاريخية كانت متمركزة حول الذات الأوروبية وتجاهلت حقوق الشعوب الأخرى.

وجاء إعلان الوزير تكين خلال مؤتمر 'رمضان في قلب التعليم' الذي عُقد في مسجد تشامليجا بإسطنبول، مما أعطى للقرار صبغة رمزية تتقاطع فيها النزعة القومية المحافظة مع توجهات الدولة. وبرر الوزير هذه الخطوات بالتغيرات المتسارعة على الساحة الدولية، مؤكداً أن حماية الأجيال القادمة من التأثيرات الخارجية تتطلب ترسيخ وعي قومي صلب.

وأوضح تكين أن مصطلح 'الحروب الصليبية' لا ينسجم مع خصوصية اللغة التركية ودلالاتها التاريخية، حيث أن كلمة 'حملة' غالباً ما تحمل معنى إيجابياً في الوجدان الشعبي. وبما أن النظرة للصليبيين في التاريخ التركي سلبية تماماً، فقد وجد التربويون ضرورة في استخدام وصف 'هجمات' لضمان دقة التعبير عن الواقعة التاريخية من منظور وطني.

ويرى مراقبون أن استبدال 'آسيا الوسطى' بمصطلح 'تركستان' يحمل أبعاداً سياسية تتجاوز الحدود التركية لتصل إلى فضاء الاتحاد السوفييتي السابق. وتعكس هذه الخطوة رغبة أنقرة في تعزيز نفوذها الثقافي والسياسي في المناطق التي تقطنها شعوب ذات أصول تركية، معتبرة إياها 'أرض الأتراك' بالمعنى الواسع للكلمة.

أما التعديل المتعلق بـ 'بحر الجزر' بدلاً من 'بحر إيجه'، فيعد الأكثر حساسية نظراً لارتباطه المباشر بالنزاعات الحدودية والسيادية مع اليونان. ويعود اسم 'إيجه' إلى أساطير يونانية قديمة، بينما يمثل 'بحر الجزر' مصطلحاً تركياً خالصاً ينسجم مع العقيدة البحرية الجديدة التي تسعى الدولة لترسيخها في وعي الطلاب.

وتتقاطع هذه التوجهات مع رؤى استراتيجية طرحها قادة عسكريون سابقون، مثل الأدميرال جيم غوردينيز، الذي يرى أن تركيا قوة أوراسية مستقلة. وتدعو هذه الرؤية إلى ضرورة تعزيز السيادة التركية على المساحات البحرية المحيطة بها، والاعتماد على القدرات الذاتية بعيداً عن مظلة حلف شمال الأطلسي 'الناتو'.

وفي الجانب الآخر، أثارت هذه التحركات موجة من الغضب في الأوساط السياسية اليونانية، حيث اعتبرتها أثينا تهديداً لمسار التقارب الدبلوماسي بين البلدين. وأكدت مصادر رسمية يونانية أن أي إجراءات أحادية الجانب تتخذها أنقرة في قضايا دولية مشتركة لن تحظى بأي شرعية أو أثر قانوني على المستوى العالمي.

ووصف وزير الخارجية اليوناني، جورجوس جيرابتريتيس، تبني أنقرة لهذه العقيدات التعليمية والسياسية بأنه 'أمر مؤسف للغاية'. وأشار في تصريحات صحفية إلى أن هذه الخطوات قد تقوض الجهود التي بذلت خلال السنوات الثلاث الماضية لتخفيف حدة التوتر في منطقة شرق المتوسط وضمان الاستقرار الإقليمي.

وتشير التقارير إلى أن حزب العدالة والتنمية الحاكم يعتزم تحويل هذه الرؤى التعليمية إلى مشاريع قوانين تعزز السيادة البحرية والقومية. ويعكس هذا النهج المتشدد في السياسة الخارجية رغبة تركية في إعادة تعريف دورها الإقليمي كقوة مهيمنة قادرة على فرض سرديتها الخاصة للتاريخ والجغرافيا.

ويرى خبراء تربويون أن إعادة صياغة المناهج هي أداة قوية في يد الحكومة لتشكيل هوية الجيل القادم بما يتوافق مع رؤية 'قرن تركيا'. ومن المتوقع أن تثير هذه الكتب المدرسية الجديدة نقاشات واسعة داخل تركيا وخارجها، خاصة في ظل التجاذبات السياسية المستمرة بين التيارات العلمانية والمحافظة.

وخلصت التحليلات إلى أن تصريحات وزير التعليم التركي تعد مؤشراً واضحاً على مرحلة جديدة من المواجهة الثقافية والسياسية مع القوى الدولية. فمن خلال تغيير المسميات، تسعى أنقرة إلى بناء جدار صد فكري يحمي هويتها الوطنية من التذويب في القوالب الغربية الجاهزة، معلنة بذلك بداية حقبة جديدة من الاعتزاز بالذات التركية.

فلسطين

السّبت 16 مايو 2026 2:53 مساءً - بتوقيت القدس

سياسة 'جس النبض'.. الاحتلال يصعد الاغتيالات في غزة تحت غطاء التهدئة

تواصل قوات الاحتلال الإسرائيلي انتهاج سياسة ميدانية تقوم على 'جس النبض' واختبار 'الخطوط الحمراء' في قطاع غزة، وذلك عبر تنفيذ سلسلة من عمليات الاغتيال شبه اليومية التي تستهدف قيادات المقاومة الفلسطينية. وتهدف هذه العمليات، التي تجري تحت مظلة وقف إطلاق النار، إلى قياس مدى استعداد الفصائل للانخراط في مواجهة عسكرية جديدة وردود فعلها على خرق التفاهمات القائمة.

وأفادت مصادر بأن الاحتلال سعى منذ الأسابيع الأولى للهدنة إلى خلق مبررات ميدانية مفتعلة لتغطية عمليات القصف والاغتيال، من خلال الترويج لروايات تزعم خرق حركة حماس للاتفاق. وتتضمن هذه الادعاءات الحديث عن اشتباكات مع مقاتلين داخل الأنفاق في رفح، أو تعرض القوات المنتشرة في 54% من مساحة القطاع لإطلاق نار، وهي مزاعم تُستخدم كغطاء قانوني وسياسي أمام المجتمع الدولي.

وعلى الرغم من تكرار الروايات الإسرائيلية حول هذه الحوادث، إلا أنها تفتقر إلى أدلة ميدانية ملموسة، مما عزز القناعة لدى الأوساط الفلسطينية بأن الهدف الحقيقي هو استنزاف الكادر القيادي للمقاومة. ويرى مراقبون أن الاحتلال يحاول تحديد سقف ردود الفعل التي قد تدفع الفصائل لإنهاء حالة الهدوء والعودة إلى التصعيد العسكري الشامل.

وفي سياق هذا التصعيد، اغتالت قوات الاحتلال في 13 كانون الأول/ ديسمبر الماضي القيادي البارز في كتائب القسام، رائد سعد، رفقة عدد من مرافقيه في عملية وصفت بالنوعية. وبرر رئيس حكومة الاحتلال، بنيامين نتنياهو، تلك العملية حينها بأنها رد على تفجير عبوة ناسفة استهدفت جنوده، دون أن يقدم الجيش أي تفاصيل حول موقع الانفجار أو حجم الخسائر المدعاة.

ومع مرور الوقت، انتقلت سلطات الاحتلال إلى مرحلة 'الكشف عن النوايا'، حيث باتت تبرر الاستهدافات بادعاء وجود 'نية' لدى المقاومة لتنفيذ هجمات مستقبلية. وتنفذ هذه العمليات غالباً في مناطق مكتظة بالنازحين أو تجمعات مدنية، مما يؤدي إلى وقوع مجازر مروعة تسفر عن ضحايا كثر في صفوف المدنيين العزل.

وتشير المعطيات الميدانية إلى أن اطمئنان الاحتلال لعدم رغبة الفصائل في الانجرار لمواجهة واسعة حرصاً على استمرار التهدئة، شجعه على توسيع دائرة الاغتيالات لتصبح جزءاً من المشهد اليومي. ولم يعد الاحتلال يجد نفسه مضطراً لاختلاق ذرائع معقدة، بل بات يكتفي بإعلان استهداف الشخصيات بناءً على أدوارها التاريخية في المقاومة.

وكانت أحدث هذه العمليات المجزرة التي وقعت يوم الجمعة 15 أيار/ مايو وسط القطاع، والتي استهدفت محاولة اغتيال قائد أركان كتائب القسام، عز الدين الحداد، وأدت لاستشهاد 7 مواطنين وإصابة العشرات. واكتفى نتنياهو بتبرير العملية بوصف الحداد بأنه أحد مهندسي هجوم السابع من أكتوبر، في إشارة واضحة إلى تحول الاغتيالات إلى نهج مفتوح يتجاوز الردود الميدانية المباشرة.