فلسطين

السّبت 23 مايو 2026 10:47 صباحًا - بتوقيت القدس

الاحتلال يفسد حفل زفاف في جنين ويعتقل العريس وسط تصعيد واسع بالضفة

حولت قوات الاحتلال الإسرائيلي حفل زفاف في محافظة جنين إلى ساحة اعتقال، بعد أن اقتحمت مساء الجمعة قاعة أفراح في قرية برطعة شمالي الضفة الغربية المحتلة. وأفادت مصادر محلية بأن الجنود اعتقلوا العريس الشاب يزن محمد قبها من وسط المدعوين واقتادوه إلى جهة غير معلومة، دون تقديم أي مبررات قانونية لهذا الإجراء.

وتأتي هذه الحادثة في سياق حملات أمنية مكثفة ينفذها جيش الاحتلال بشكل يومي في مختلف مدن وقرى الضفة الغربية، حيث غالباً ما تتم الاعتقالات دون إعلان أسباب واضحة. وقد تسبب اقتحام قاعة الأفراح في حالة من الصدمة والذعر بين الحاضرين، مما أدى إلى توقف مراسم الزفاف وتحول الفرح إلى حالة من التوتر.

وفي سياق متصل بالانتهاكات في محافظة جنين، هاجمت مجموعات من المستوطنين قرية مسعود الواقعة جنوب المدينة، حيث أطلقوا الرصاص الحي بشكل عشوائي تجاه منازل المواطنين. وذكرت مصادر ميدانية أن الهجوم أثار حالة من الهلع الشديد، خاصة بين الأطفال والنساء، في ظل غياب أي حماية دولية للمدنيين الفلسطينيين.

أما في محافظة بيت لحم جنوبي الضفة، فقد صعدت قوات الاحتلال من إجراءاتها العقابية ضد قرية حوسان عبر إغلاق مداخلها الرئيسية والفرعية. وصرح رامي حمامرة، مدير مجلس قروي حوسان، بأن الجرافات العسكرية وضعت سواتر ترابية وصخوراً ضخمة في منطقة الشرفا وعند المدخل الشرقي للقرية، مما أدى إلى عزلها تماماً.

وأوضح حمامرة أن الإغلاقات شملت أيضاً طريقاً حيوياً في منطقة المشاهد قرب المدخل الغربي، وهو ما تسبب في تقييد حركة المواطنين ومنعهم من قضاء احتياجاتهم اليومية. وأشار إلى أن القرية تتعرض منذ فترة لتصعيد ممنهج يستهدف التضييق على السكان عبر إغلاق الشوارع الرئيسية والمداخل المؤدية إلى وسط القرية.

وفي المحافظة ذاتها، اقتحمت القوات الإسرائيلية بلدة الخضر وتمركزت في حارة أبو عموص وبالقرب من قصر المؤتمرات، حيث نفذت عمليات استطلاع واستفزاز للسكان. ورغم عدم تسجيل اعتقالات في البلدة، إلا أن الوجود العسكري المكثف خلق أجواء من الترقب والقلق بين الأهالي الذين يخشون مداهمة منازلهم في أي لحظة.

وامتدت الاقتحامات لتشمل مخيم الدهيشة، حيث أفادت مصادر بأن قوات الاحتلال تمركزت في منطقة مراد وأطلقت وابلاً من قنابل الغاز المسيل للدموع. واستهدف إطلاق الغاز المتسوقين الذين كانوا يستعدون لاستقبال عيد الأضحى، مما أدى إلى وقوع إصابات بحالات اختناق في صفوف المواطنين المارين في الأسواق المكتظة.

وفي مدينة الخليل، واصل المستوطنون اعتداءاتهم تحت حماية الجيش، حيث اقتحموا منزل المواطن عاطف جابر في منطقة واد الحصين القريبة من مستوطنة 'كريات أربع'. وتزامن هذا الاعتداء مع تشديد الإجراءات العسكرية في البلدة القديمة، حيث أغلقت قوات الاحتلال عدة أجزاء منها ومنعت حركة الفلسطينيين لتأمين تحركات المستوطنين.

كما شهدت منطقة جورة الخليل جولات استفزازية نفذها عشرات المستوطنين الذين أقاموا طقوساً دينية تخللتها هتافات عنصرية وشتائم ضد الفلسطينيين. وذكر شهود عيان أن هذه التحركات تهدف إلى تكريس الوجود الاستيطاني في قلب الأحياء الفلسطينية وتهجير السكان الأصليين عبر الترهيب المستمر.

وتشير التقارير الرسمية الصادرة عن هيئة مقاومة الجدار والاستيطان إلى تصاعد مخيف في وتيرة الاعتداءات، حيث تم توثيق أكثر من 1600 اعتداء خلال شهر واحد فقط. وتعكس هذه الأرقام سياسة ممنهجة تتبعها سلطات الاحتلال والمستوطنون لفرض واقع جديد في الضفة الغربية منذ اندلاع الحرب على قطاع غزة.

ووفقاً لآخر المعطيات الإحصائية، فإن حصيلة الانتهاكات الإسرائيلية في الضفة منذ أكتوبر 2023 بلغت مستويات قياسية، مع ارتقاء مئات الشهداء وإصابة الآلاف. كما تجاوز عدد المعتقلين حاجز 23 ألف فلسطيني، في ظل استمرار سياسة الإغلاقات والحواجز التي تمزق أوصال المدن والقرى الفلسطينية.

فلسطين

السّبت 23 مايو 2026 10:42 صباحًا - بتوقيت القدس

استهداف مقر "الأونروا"...محاولة لطمس الهوية وشطب "حاملة الأختام"

حاتم عبد القادر: جريمة لا تقتصر على مصادرة مبنى أُنشئ بموجب قرار دولي لخدمة اللاجئين بل تمثل محاولة لطمس هوية "الأونروا" وعدواناً مباشراً على القانون الدولي

حكم شهوان: القضية تستحق تحقيقاً دوليا فورياً لتتبين كل التفاصيل والمجريات خلف الكواليس وكذلك الاهمال والاخفاقات أو حتى المشاركة في تسليمه كما حصل

أمجد شهاب: إسرائيل تحاول منذ سنوات إنهاء وجود الوكالة باعتبارها تكريساً لقضية اللاجئين لذلك تأتي هذه الخطوة ضمن محاولات شطب ملف حق اللاجئين بالعودة

عمر الرجوب: المخطط الإسرائيلي يعكس توجهاً متسارعاً لتكريس الضم الفعلي للقدس المحتلة وإعادة تشكيل الفضاء العام فيها بما يخدم رواية الاحتلال الاستعمارية

سامي مشعشع: ما يجري ليس نزاعاً عقارياً بل سابقة خطيرة في تاريخ الأمم المتحدة.. وقرارات الكنيست الأخيرة أرست إطاراً قانونياً وسياسياً لطرد "الأونروا" من القدس

علي أبو حبلة: استهداف مقار "الأونروا" أو التضييق على عملها يأتي ضمن سياق سياسي إسرائيلي متدرج يهدف إلى إنهاء رمزية الوكالة ودورها القانوني والإنساني

خاص بـ"القدس"-

يشكّل قرار سلطات الاحتلال الإسرائيلي تحويل مقر وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "الأونروا" في حي الشيخ جراح بمدينة القدس المحتلة إلى منشآت عسكرية وأمنية تصعيداً خطيراً وغير مسبوق، يمس مكانة المؤسسات الدولية ويشكّل انتهاكاً واضحاً للقانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة. ويأتي في سياق محاولات إسرائيلية متواصلة لاستهداف الوكالة الدولية، وتقويض دورها الإنساني والسياسي المرتبط بقضية اللاجئين الفلسطينيين وحقهم في العودة، عبر فرض وقائع جديدة في القدس المحتلة وتكريس السيطرة الإسرائيلية عليها.


خرق فاضح للقرارات والقانون الدولي


يدين الأمين العام للهيئة الإسلامية المسيحية لنصرة القدس والمقدسات، حاتم عبد القادر، قيام قوات الاحتلال بتحويل مقر وكالة الغوث "الأونروا" في حي الشيخ جراح بالقدس إلى منشآت عسكرية للاحتلال، في خطوة تمثل خرقاً فاضحاً للقانون الدولي والقرارات الأممية ذات الصلة.

ويقول عبد القادر إن هذه الجريمة لا تقتصر على مصادرة مبنى أُنشئ بموجب قرار دولي لخدمة اللاجئين الفلسطينيين، بل تمثل محاولة ممنهجة لطمس هوية هذه المؤسسة، وعدواناً مباشراً على القانون الدولي، ومحاولة لتجريد اللاجئين الفلسطينيين من حقوقهم غير القابلة للتصرف، التي كفلها لهم القانون الدولي.


إجراء باطل من أساسه


ويؤكد عبد القادر أن هذا العدوان على مؤسسة "الأونروا" يهدف إلى طمس هوية وحقوق اللاجئين الفلسطينيين، لكنه لن يُسقط حقاً ولن يُنشئ التزاماً بأي وضع قانوني جديد، لأنه إجراء باطل من أساسه.

ويضيف عبد القادر أن قضية اللاجئين غير قابلة للطمس، وهي ركيزة أساسية من ركائز القضية الفلسطينية، لا يمكن تجاوزها أو التنازل عنها، كما أنها قضية الضمير الإنساني وكل الشرفاء في هذا العالم.

ويطالب عبد القادر المجتمع الدولي، بكل مؤسساته، بتحمل مسؤولياته القانونية والأخلاقية والإنسانية، واتخاذ إجراءات ذات مغزى لردع الاحتلال عن ارتكاب مزيد من هذه الانتهاكات الخطيرة، ومحاسبته على جرائمه المتواصلة بحق الشعب الفلسطيني.

كما يطالب عبد القادر المجتمع الدولي بالعمل الجاد على تمكين الشعب الفلسطيني من نيل حقوقه الكاملة غير المنقوصة، وعلى رأسها حق العودة وتقرير المصير، وإقامة الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس الشرقية.


الحدث الأول من نوعه في تاريخ الأمم المتحدة


يقول رئيس المكتب التنفيذي ورئيس طاقم العاملين لدى "الأونروا" سابقاً حكم شهوان "يعتبر قرار الحكومة الاسرائيلية الحالية الأخير بتحويل مقر "الأونروا" الرئيسي في القدس الشرقية إلى مقر عسكري لاستقطاب وتجنيد للجيش الاسرائيلي، خرقا واضحا لكافة المعايير والقيم القانونية الدولية والأخلاقية".

يضيف "يعتبر الحدث الأول في العالم من نوعه في تاريخ الأمم المتحدة  ومنذ تأسيسها. المبنى والعقار هو ملك خاص لعائلة فلسطينية ومؤجر من قبل الحكومة الأردنية التي كانت المتصرفة حينها بموجب عقد رسمي مع الأونروا موثق ويجدد تلقائيا منذ اوائل الخمسينات من القرن الماضي".

ويشير  شهوان انه كون المقر اممي يتمتع بحصانة دولية غير قابلة للشك، يعتبر عقار تابع لقانون حماية المستأجر الذي يمنع اي جهة اخرى من التصرف به حتى بموجب القانون الأسرائيلي. 


هجمات مباشرة وغير مباشرة


ويؤكد شهوان ان الهجمات على وكالة الغوث الدولية الأممية مستمرة وباساليب عديدة منها الأسلوب المباشر من خلال القرارات الاسرائيلية المتعلقة باغلاق مقراتها ومراكز خدماتها في القدس، والمضايقات في اعمالها في الضفة الغربية، ومنعها من العمل في قطاع غزة، وايضا باساليب غير مباشرة من خلال استمرار الاتهامات الباطلة تجاه اعمالها وموظفيها، والتي تؤدي الى تقليص التمويل والخدمات للاجئين الفلسطينيين في كافة مناطق أعمال الوكالة الخمس. 

ويقول "في عام 2018 قمت شخصيا بمتابعة الوضع القانوني وحصلت على رأي قانوني مختص يفصل كافة الاجراءات التي ممكن اتخاذها.  قمت بارسال كافة الوثائق مرة أخرى عندما تم الاعتداء على المقر في القدس لادارة "الاونروا" للمتابعة. كما قمت شخصيا عام 2018 عندما حاولت بلدية القدس اغلاق مقرات "للاونروا" بتوظيف كافة الامكانيات المتاحة لحمايتها وبدعم كامل من المفوض العام الأسبق وبتنسيق كامل مع كافة الدول الأعضاء في اللجنة الاستشارية "للأونروا" وبالفعل تم وقف تلك المحاولات في حينه".

ويعرب شهوان عن اسفه الشديد كون تصرف المفوض السابق للأونروا تجاه قضية اللاجئين الفلسطينيين كان غير اخلاقي أو مهني من حيث المبدأ، ولم يحترم أي من مهامه ومسؤولياته امام مجتمع اللاجئين الفلسطينيين. فبالاضافة لقراراته التعسفية تجاه الموظفين واللاجئين، قام بنقل المقر الرئيسي من القدس بسنوات قبل اقرار الكنيست الاسرائيلي بمنع "الأونروا" من العمل في القدس.

ويضيف ومع الأسف الشديد والمؤلم ايضا لم توافق أي من المنظمات الأممية الأخرى العاملة في القدس بنقل مقرها هناك لمساندة "الأونروا" وحماية المقر من المصادرة بالرغم من المحاولات العديدة.


إهمال وإخفاقات تستحق تحقيقاً دولياً


ويرى شهوان أن قضية مقر "الأونروا" تستحق تحقيقا دوليا فوريا ليتبين فيه كل التفاصيل والمجريات خلف الكواليس، وكذلك الاهمال والاخفاقات أوحتى المشاركة في تسليمه كما حصل. الصمت الدولي منذ بداية التحركات الاسرائيلية اعتبرته الحكومة الاسرائيلية ضوء اخضر للاستمرار بالمخالفات والتطاول على مقرات أممية.

ويوضح شهوان ان هذه القضية لا تقل اهمية عن قضية التحقيقات الدولية والمستقلة التي جرت مع الموظفين في غزة عندما اتهمتهم اسرائيل بالانخراط في عملية السابع من اكتوبر. هذه القضية لا تقل اهمية ايضا عن الاتهامات التي ادت الى مراجعة المنهاج الدراسي الذي تستخدمه "الأونروا" في مدارسها، وقضايا اخرى ثبتت التحقيقات فيها بطلان الاتهامات بالكامل. 

ويؤكد شهوان ان الرسالة التي على دول الأعضاء في الأمم المتحدة والأمين العام استنتاجها، أن هذا التصرف يضع منظمات الأمم المتحدة وعملياتها وبعثاتها حول العالم في خطر كبير لمجرد صمتهم وعدم اتخاذهم لاجراءات حقيقية قانونية لمواجهة وحماية قرارات دولية قاموا باقرارها بانفسهم من خلال الجمعية العمومية. في هذه الحالة فشلت الشرعية الدولية واغتصبت قراراتها أمام الجميع.


تعيين مفوض وطاقم عمل للتعامل مع حماية ولاية الوكالة


ويقول شهوان "يجب اليوم تعيين مفوض عام أصيل (وليس قائم باعمال) وطاقم عمل يتعامل مع حماية ولاية "الأونروا" واستمرار عملها كأولوية فورية من خلال برنامج يعيد الثقة مع اللاجئين الفلسطينيين أولا، ثم الموظفين والدول المانحة وليس برنامج استسلامي انهزامي يبين فيه العجز المالي فقط، لأن العجز المالي "للأونروا" هو عجز الأدارة في شرح اهمية وجود ودور ونجاحات هذه المنظمة على مدى عقود، وعجز دولي سياسي في حل قضية فلسطين الأم والتي ادى استمرارها الى انتظار ما يقارب 6 مليون لاجىء فلسطيني للعدالة الدولية وهم يعانون اصعب الظروف الانسانية والاجتماعية في اماكن تواجدهم".


خطوة ذات مغزى سياسي


يقول المحلل السياسي د.أمجد شهاب أن هذا التطور الخطير والاستهتار بانتهاك رمزية المكان والقانون الدولي وقرارات الامم المتحدة يهدف لارسال رسائل واضحه، وبحاجة  لفهم الاجراء من الناحية الرمزية السياسية والقانون والرسائل، الموجه لطرف الفلسطيني والعربي والمجتمع الدولي وخاصة هيئة الامم المتحدة.

ويرى شهاب ان خطوة تحويل مقر تابع لـ"الأونروا" في القدس إلى مجمع عسكري، ليس مجرد قرار عقاري أو إداري، بل خطوة ذات مغزى سياسي. ويقول إن اسرائيل أعلنت ان لديها نوايا  لإنشاء مكتب "لوزير الدفاع" ومركز تجنيد ومتحف عسكري في الموقع وهذا يعتبر انتهاك للقوانين  والاعتراف والمعاهدات الدولية، ومساس بمنشآت الأمم المتحدة ووضع  القدس الشرقية المحتلة.

ويوضح شهاب ان "الاونروا" ترتبط بقضية اللاجئين الفلسطينيين منذ عام ١٩٤٨ النكبة وأُنشئت الوكالة لخدمة اللاجئين الفلسطينيين بقرار اممي عام 1949.


محاولة إنهاء وجود الوكالة في الأراضي الفلسطينية


ويقول ان تحويل موقع مرتبط بها إلى منشأة عسكرية أو سيادية إسرائيلية مساس برمزية المكان، ورسالة سياسية تتجاوز المبنى نفسه وهذا يهدف بالدرجة الاولى لمحاولة إعادة تعريف المكان والذاكرة وفرض السيادة في القدس.

ويشير شهاب ان اسرائيل تحاول منذ سنوات انهاء وجود الوكالة في الاراضي الفلسطينية المحتلة، عبر تقليص دورها باعتبارها تكريس لقضية اللاجئين، لذلك هذه الخطوة تأتي ضمن محاولات اسرائيل لشطب ملف حق اللاجئين الفلسطينيين بالعودة ....الخ.

ويضيف ان الخطوة  تعتبر ايضا ذات بعد انتخابي بتوقيتها الحالي كرسالة للجمهور الانتخابي الإسرائيلي كيف استطاعت هذه الحكومة اليمينية المتطرفة تحويل رمز وجودي للأمم المتحدة إلى رمز وجود سيادي إسرائيلي.


تحدٍّ واضح لسمعة الأمم المتحدة ومكانتها


ويقول شهاب ان عدم المبالاه في التعامل مع منشآت الوكالة التي من المفروض ان تتمتع بالحماية والحصانة التي يجب أن تكون ضمن التزامات إسرائيل. مضيفا ان هذا تحدي واضح لسمعة ومكانة الامم المتحدة ودورها وايضا للمجتمع الدولي، بالاضافة ان اسرائيل منذ احتلالها للشطر الشرقي من المدينة المقدسة تقوم بانتهاك القانون الدولي الذي يحرم التغير القانوني والديمغرافي للأراضي المحتلة.


أداة لترسيخ السيطرة العسكرية والأمنية


ويؤكد مدير الإعلام في محافظة القدس عمر الرجوب أن مصادقة سلطات الاحتلال الإسرائيلي على تخصيص مجمّع وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "أونروا" السابق في حي الشيخ جرّاح، المقام على مساحة تُقدّر بنحو (36) دونماً، لصالح إقامة متحف لجيش الاحتلال، ومكتب تجنيد، ومقر لوزارة الأمن الإسرائيلية، تمثل تصعيداً سياسياً وقانونياً بالغ الخطورة، يكشف عن انتقال الاحتلال من مرحلة التضييق على المؤسسات الدولية العاملة في القدس المحتلة، إلى مرحلة الاستيلاء المباشر على مقارها وتحويلها إلى أدوات لترسيخ السيطرة العسكرية والأمنية الإسرائيلية في المدينة المحتلة.

ويضيف الرجوب ان هذا القرار يشكل انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي، وخرقاً واضحاً لاتفاقية امتيازات وحصانات الأمم المتحدة لعام 1946، التي تكفل الحماية الكاملة لمقار وممتلكات المؤسسات التابعة للأمم المتحدة، بما فيها وكالة "أونروا". كما يتعارض القرار مع التزامات إسرائيل بصفتها قوة قائمة بالاحتلال بموجب اتفاقية جنيف الرابعة، التي تحظر مصادرة الممتلكات العامة أو تغيير طابع الأراضي المحتلة وفرض وقائع دائمة عليها.


محاولة فرض سردية الاحتلال على حساب الذاكرة الفلسطينية


ويرى الرجوب أنه على المستوى السياسي، يعكس هذا المخطط توجهاً إسرائيلياً متسارعاً لتكريس الضم الفعلي للقدس المحتلة، وإعادة تشكيل الفضاء العام فيها، بما يخدم الرواية الاستعمارية الإسرائيلية، عبر تحويل موقع أممي وإنساني إلى منشآت عسكرية وأمنية مرتبطة مباشرة بأجهزة الاحتلال، كما أن إقامة متحف لجيش الاحتلال في هذا الموقع تمثل محاولة لفرض سردية احتلالية على حساب الذاكرة والحقوق الفلسطينية، خصوصاً في منطقة تُعد من أكثر أحياء القدس استهدافاً بمشاريع التهويد والتهجير القسري.

ويشير الرجوب إلى أن هذا القرار يضع المجتمع الدولي والأمم المتحدة أمام اختبار حقيقي يتعلق بقدرتهم على حماية مؤسساتهم وقراراتهم من الانتهاكات الإسرائيلية المتواصلة.لافتا الى ان الصمت الدولي إزاء تحويل مقر تابع للأمم المتحدة إلى منشأة عسكرية إسرائيلية من شأنه أن يشجع الاحتلال على مواصلة اعتداءاته ضد المؤسسات الدولية والشعب الفلسطيني في القدس المحتلة، ويقوض مكانة المنظمات الأممية وحصاناتها القانونية، بما يهدد النظام القانوني الدولي برمّته.


إلغاء الوجود القانوني والسيادي للمنظمة الأممية بالقدس


ويرى الخبير الفلسطيني في شؤون الأونروا والوكالات الدولية سامي مشعش أنه لم تعد القضية تتعلق فقط بحملة سياسية ضد وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "الأونروا"، بل بمحاولة منظمة لإلغاء الوجود القانوني والسيادي للأمم المتحدة نفسها في القدس المحتلة.

ويشير إلى أن قرارات الكنيست الإسرائيلي الأخيرة، بما فيها "قانون وقف عمليات "الأونروا" 2024" و"قانون حظر نشاطها داخل أراضي دولة إسرائيل 2024"، لم تكتفِ بتقييد عمل الوكالة، بل أرست إطاراً قانونياً وسياسياً لطرد "الأونروا" بالكامل من القدس المحتلة، وتجريدها من وضعها المؤسسي والقانوني.

يؤكد مشعشع أن الأخطر أن الحكومة الإسرائيلية بدأت فعلياً بترجمة هذه القوانين إلى وقائع ميدانية دائمة، عبر قرار رسمي يقضي بإعادة تخصيص نحو 36 دونماً من الأراضي التي كانت تستخدمها "الأونروا" في القدس، وتحويلها إلى منشآت أمنية وعسكرية إسرائيلية، تشمل مركزاً عسكرياً للتجنيد والمعالجة (ميتكانيم) ومقراً لشرطة القدس. كما ينص القرار على تخصيص الأرض لمدة 49 عاماً قابلة للتجديد لـ49 عاماً إضافية، بما يكشف بوضوح نية فرض تغيير سيادي دائم على أملاك ومقار مرتبطة بالأمم المتحدة.


تشريعات أحادية الجانب في أرض محتلة


ويقول: إن ما يجري في الشيخ جراح ومحيط القدس ليس نزاعاً عقارياً، بل سابقة خطيرة في تاريخ الأمم المتحدة: لأول مرة لا تكتفي دولة عضو بعرقلة عمل وكالة أممية، بل تعمل على تحويل البنية التحتية المادية التابعة لها إلى منشآت سيادية أمنية وعسكرية، مستندة إلى تشريعات محلية أحادية الجانب في أرض محتلة.

يضيف مشعشع ان "الأونروا" ليست "ضيفاً" على إسرائيل حتى يُنهى وجودها بقرار من الكنيست، بل وكالة أنشأتها الجمعية العامة بتفويض دولي قائم، وترتبط مباشرة بالمسؤولية الدولية تجاه اللاجئين الفلسطينيين وحقوقهم غير القابلة للتصرف، وفي مقدمتها حق العودة. ولذلك فإن استهدافها لا يهدف فقط إلى وقف الخدمات، بل إلى تفكيك آخر شاهد سياسي وقانوني ومؤسساتي على نكبة فلسطين.


مطلوب تحرك استثنائي يتناسب مع خطورة اللحظة


ويشير إلى إن الصمت الدولي إزاء هذه الخطوات لن يُقرأ كحياد، بل كقبول ضمني بإمكانية إخضاع مؤسسات الأمم المتحدة لإرادة القوة العسكرية للدول القائمة بالاحتلال. وإذا جرى تثبيت هذه السابقة في القدس، فإن أي بعثة أو وكالة أممية في مناطق النزاع حول العالم قد تصبح مستقبلاً عرضة للمصادرة والطرد وإعادة التوظيف القسري.

ويرى مشعشع ان الجمعية العامة مطالبة بتحرك استثنائي يتناسب مع خطورة اللحظة، عبر خطوات عملية وملموسة:

أولاً: عقد دورة استثنائية طارئة للجمعية العامة تحت إطار “الاتحاد من أجل السلام”، باعتبار أن استهداف مؤسسة أممية يشكل تهديداً مباشراً للنظام الدولي القائم على ميثاق الأمم المتحدة.

ثانياً: طلب رأي استشاري عاجل من محكمة العدل الدولية بشأن قانونية مصادرة وإعادة توظيف ممتلكات الأمم المتحدة في الأراضي المحتلة، وليس فقط بشأن الاحتلال بحد ذاته.

ثالثاً: إعلان جميع مقار الأونروا وأراضيها وأرشيفاتها في القدس والأراضي الفلسطينية المحتلة “مواقع أممية محمية دولياً” ضمن آلية حفظ طارئة تشرف عليها الأمم المتحدة مباشرة، بما يشمل توثيقاً رقمياً وقانونياً كاملاً للأملاك والسجلات والوثائق التاريخية للاجئين.

رابعاً: إصدار تحذيرات قانونية دولية للشركات والمقاولين والبنوك والمؤسسات التي قد تشارك في إعادة تطوير أو بناء منشآت إسرائيلية على أراضٍ ومقار تابعة للأونروا، باعتبار ذلك مساهمة في الاستيلاء غير القانوني على ممتلكات أممية في أرض محتلة.

خامساً: إنشاء صندوق دولي خاص لضمان استمرار خدمات الأونروا في القدس حتى في حال إغلاق مقارها قسراً، عبر بدائل تعليمية وصحية ورقمية ومجتمعية تمنع تحقيق هدف الإفراغ السياسي والمؤسساتي للوكالة.

سادساً: إرسال بعثات دبلوماسية وبرلمانية دولية بشكل دوري إلى مقار الأونروا المهددة بالمصادرة، لخلق حضور سياسي دولي دائم يرفع الكلفة الدبلوماسية لأي محاولة استيلاء أو تحويل قسري.


الشرعية الدولية برمتها معرضة لإمكانية إلغائها


يختتم مشعشع: "إن المعركة الدائرة حول "الأونروا" لم تعد معركة خدمات إنسانية فقط، بل معركة حول من يملك سلطة تعريف الواقع السياسي والقانوني في فلسطين: الشرعية الدولية التي تمثلها الأمم المتحدة، أم القوة الأحادية المفروضة بقوانين الاحتلال وأدواته العسكرية. وإذا عجزت الأمم المتحدة عن حماية مؤسساتها ومقارها وقراراتها في القدس، فإن الرسالة الأخطر التي ستصل إلى العالم بأسره هي أن الشرعية الدولية نفسها يمكن إلغاؤها بالقوة”.


سلطة الاحتلال لا تملك أي سيادة قانونية


من جهته، يرى الكاتب المحامي علي أبو حبلة أن الحديث عن تحويل مقر وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "الأونروا" في حي الشيخ جراح بمدينة القدس المحتلة إلى منشآت عسكرية إسرائيلية يمثل تطوراً بالغ الخطورة، ليس فقط من الناحية العقارية أو الإدارية، وإنما لما يحمله من أبعاد قانونية وسياسية واستراتيجية تمس جوهر الصراع على القدس ومستقبل الوجود الفلسطيني وحقوق اللاجئين الفلسطينيين التي كفلتها قرارات الشرعية الدولية.

ويؤكد أبو حبلة أن استهداف مقار "الأونروا" أو التضييق على عملها يأتي ضمن سياق سياسي إسرائيلي متدرج يهدف إلى إنهاء رمزية الوكالة ودورها القانوني والإنساني، باعتبارها الشاهد الدولي الحي على قضية اللاجئين الفلسطينيين منذ نكبة عام 1948. فوجود "الأونروا" ليس مجرد وجود إغاثي أو خدماتي، بل يحمل بعداً سياسياً وقانونياً يرتبط مباشرة بقرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 194 الخاص بحق العودة والتعويض للاجئين الفلسطينيين.

ويشير أبو حبلة الى انه وفقاً لقواعد القانون الدولي الإنساني، فإن القدس الشرقية تُعد أرضاً محتلة وفق قرارات مجلس الأمن والجمعية العامة ومحكمة العدل الدولية، وبالتالي فإن سلطة الاحتلال لا تملك أي سيادة قانونية تخولها التصرف بالأملاك أو المؤسسات الدولية الموجودة فيها بصورة أحادية.

كما أن أي استيلاء على منشآت تابعة للأمم المتحدة أو تغيير طبيعتها القانونية والوظيفية يُعد انتهاكاً لاتفاقية امتيازات وحصانات الأمم المتحدة لعام 1946، والتي تكفل حماية مقرات المؤسسات الأممية وعدم التعرض لها أو مصادرتها أو تغيير استخدامها بالقوة.


تهديد مباشر للمدنين الفلسطينيين


ويضيف: إن تحويل منشأة مدنية وإنسانية إلى منشأة عسكرية يمثل خرقاً واضحاً لاتفاقيات جنيف، وخاصة الاتفاقية الرابعة المتعلقة بحماية المدنيين وقت الحرب، إذ إن استخدام المرافق المدنية لأغراض عسكرية يكرس سياسة عسكرة المدينة المحتلة ويشكل تهديداً مباشراً للمدنيين الفلسطينيين.

ومن الناحية القانونية، يرى أبو حبلة أن هذا الإجراء يندرج ضمن سياسة فرض الأمر الواقع بالقوة، وهي سياسة محرمة دولياً بموجب ميثاق الأمم المتحدة الذي يحظر الاستيلاء على الأراضي أو الممتلكات بالقوة أو عبر إجراءات أحادية الجانب.

وعن الأبعاد السياسية يقول أبو حبلة: يعكس هذا القرار تحولاً متسارعاً في العقيدة السياسية الإسرائيلية تجاه القدس، حيث لم تعد المسألة مرتبطة فقط بالاستيطان أو التهويد الديمغرافي، بل باتت تستهدف أيضاً الوجود الدولي والرمزي المرتبط بالقضية الفلسطينية.

ويشير إلى أن الاستهداف المتكرر لـ"الأونروا" ينسجم مع الرؤية الإسرائيلية التي تعتبر أن إنهاء الوكالة يعني عملياً شطب ملف اللاجئين من أي تسوية مستقبلية، وإعادة تعريف القضية الفلسطينية باعتبارها أزمة إنسانية وليست قضية تحرر وطني وحقوق تاريخية.

ويضيف: إن اختيار حي الشيخ جراح تحديداً يحمل دلالات سياسية عميقة، نظراً لما يمثله الحي من رمز للمواجهة القانونية والسياسية ضد سياسات التهجير القسري والاستيطان، وبالتالي فإن تحويل مقر أممي فيه إلى منشأة عسكرية يهدف إلى تكريس الهيمنة الأمنية الإسرائيلية على القدس الشرقية وإرسال رسالة بأن الاحتلال ماضٍ في فرض سيادته بالقوة.


تطور لا يمكن فصله عن السياقين الإقليمي والدولي


وحول التداعيات الاستراتيجية للقرار يؤكد أبو حبلة أن هذا التطور لا يمكن فصله عن السياق الإقليمي والدولي، خاصة في ظل الحرب المستمرة على غزة والتصعيد في الضفة الغربية ومحاولات إعادة تشكيل الواقع الجيوسياسي في المنطقة.

ويلفت ان تحويل منشآت أممية إلى استخدامات عسكرية يهدد مكانة الأمم المتحدة نفسها ويشكل سابقة خطيرة قد تقوض النظام الدولي القائم على احترام الحصانات الدولية والمؤسسات الإنسانية.

ويحذر أبو حبلة من أن هذه الخطوة قد تزيد من حدة التوتر في القدس، وتفتح الباب أمام موجة جديدة من المواجهات الشعبية والسياسية، خاصة أن القدس تبقى محوراً مركزياً في الوعي الوطني الفلسطيني والعربي والإسلامي.

وحول المطلوب فلسطينياً ودولياً يقول ابو حبلة انه أمام هذه التطورات، تبرز الحاجة إلى تحرك فلسطيني رسمي وقانوني ودبلوماسي عاجل، عبر:

- التوجه إلى الأمم المتحدة ومجلس الأمن والجمعية العامة لوقف أي إجراءات إسرائيلية تمس مقرات المؤسسات الدولية في القدس.

- مطالبة الأمين العام للأمم المتحدة بتوفير الحماية القانونية والسياسية لمؤسسات المنظمة الدولية.

- تفعيل المسار القانوني أمام محكمة العدل الدولية والمحكمة الجنائية الدولية باعتبار هذه الإجراءات جزءاً من سياسة الضم والتهجير القسري وتغيير الطابع القانوني للأراضي المحتلة.

- تعزيز الحضور الفلسطيني والعربي والدولي في القدس لمواجهة سياسة فرض الأمر الواقع.


أقلام وأراء

السّبت 23 مايو 2026 10:41 صباحًا - بتوقيت القدس

قبسات.. لا تُحاكَم القصيدة بالمختبر

يمثل هذا المقال تحديثًا وتطويرًا لمقال سابق نشر عام 2023 بعنوان:

"النقد على منهج المنقود وليس على منهج الناقد"،

وهو محاولة لمواصلة البحث في إشكالية النقد، وحدود المناهج، والعلاقة بين طبيعة المنقود وأدوات نقده.

يقول أبو العلاء المعري في قصيدته "غير مجد في ملتي واعتقادي":

"خفف الوطءَ ما أظنُّ أديمَ الأرضِ إلا من هذه الأجساد"

لم يكن المعري يقدّم نظريةً في الجيولوجيا، ولا تقريرًا علميًا عن مكونات التربة.

كان يكتب شعرًا؛ والشعر لا يُقاس بالمختبر، بل يُفهم بمعناه، وصورته، وغاياته الإنسانية.

ولو أن عالمًا أخذ حفنةً من التراب، ثم أخضعها للفحص المخبري، ليخرج بعد ذلك معلنًا أن المعري أخطأ لأن مكونات الأرض ليست من الأجساد البشرية، فإن المشكلة هنا ليست في نتائج التحليل، بل في المنهج المستخدم أصلًا.

لقد جرت محاكمة القصيدة بأدوات لا تنتمي إليها.

وهذه واحدة من أكثر الإشكاليات حضورًا في النقد المعاصر؛ إذ يظن بعض النقاد أن امتلاكهم لمنهج معين يمنحهم حق إخضاع كل الظواهر الإنسانية له، مهما اختلفت طبيعتها وسياقاتها.

فالمنهج العلمي، رغم قيمته العظيمة ودوره الكبير في تطور البشرية، ليس منهجًا مطلقًا يصلح لقراءة كل شيء. إنه منهج يقوم على الفرضيات والقياس والتجربة واختبار العلاقات بين المتغيرات، ولذلك يبدع في العلوم الطبيعية. لكنه ليس الأداة الوحيدة لفهم الإنسان، أو الأدب، أو الفلسفة، أو التجارب التاريخية والسياسية المعقدة.

المشكلة لا تبدأ من المنهج العلمي ذاته، بل من تحويله إلى معيار وحيد للحقيقة، ومحاولة إخضاع بقية المناهج له.

النقد العادل لا يبدأ من أدوات الناقد، بل من فهم طبيعة المنقود أولًا.

فالقصيدة تُقرأ بمنهج الأدب، والفكرة الفلسفية تُناقش ضمن سياقها الفكري، والتجارب السياسية والتحررية تُفهم من داخل ظروفها وأهدافها وبيئتها التاريخية.

ولهذا، فإن الخطأ المنهجي يحدث عندما تُنتزع الظواهر من سياقاتها، ثم تُحاكم بأدوات لا تشبهها.

وفي التجارب الوطنية الكبرى، تصبح هذه المسألة أكثر حساسية وتعقيدًا. فبعض التجارب لا يمكن فهمها فهمًا حقيقيًا بعيدًا عن ظروف نشأتها، وطبيعة التحديات التي واجهتها، والرؤية التي انطلقت منها.

وفي هذا السياق، تناولنا في الملف الحركي الصادر عام 2019 عن حركة التحرير الوطني الفلسطيني فتح بعنوان "حركة فتح ما بين المعرفة والخيال" مفهوم "منهج الرؤية"، بوصفه مدخلًا لفهم تجربة الحركة وتأسيسها؛ حيث إن الرؤية ليست خيالًا منفصلًا عن الواقع، بل ثمرة معرفة عميقة بالإنسان والتاريخ والسياسة.

كما ناقشنا في الملف الحركي الصادر عام 2021 بعنوان "الظن والنقد وحركة فتح" أن نقد حركة فتح يصبح أكثر إنصافًا ودقة عندما ينطلق من فهم مبادئها وظروفها وبيئتها النضالية، لا من إسقاط نماذج جاهزة أو مقارنات مبسطة مع تجارب مختلفة.

كما تناولنا في الملف والمحاضرة الصادرين عام 2022 بعنوان "حركة فتح والخماسيات الخمسة في الفكر التحرري الوطني في مواجهة المشروع الصهيوني" البنية الفكرية الحاكمة للتجربة الفتحاوية، ومحاولة فهمها ضمن سياق الفكر التحرري الوطني الفلسطيني، لا باعتبارها تجربة سياسية معزولة، بل بوصفها مشروعًا تحرريًا تشكل في بيئة استعمارية وصراعية شديدة التعقيد. وقد أكّد ذلك أهمية قراءة التجارب الوطنية من داخل منطقها الفكري والتاريخي، لا من خلال إسقاطات جاهزة أو مقاييس مستوردة من تجارب مختلفة في الظروف والأهداف والأدوات.

فالتجربة الفلسطينية تحمل خصوصية تاريخية وسياسية تجعل القياس السريع عليها أمرًا مضللًا في كثير من الأحيان.

إن النقد الحقيقي لا يسعى إلى الانتصار على المنقود، بل إلى فهمه وتقويمه وتطويره. وهو لا يفرض على الأشياء ما ليس فيها، بل يحاول قراءتها ضمن منطقها الداخلي.

فليس من العدل أن نحاكم القصيدة بالمختبر، ولا أن نحاكم التجارب الإنسانية الكبرى بمنهج واحد يدّعي امتلاك الحقيقة وحده.

أقلام وأراء

السّبت 23 مايو 2026 10:39 صباحًا - بتوقيت القدس

الذكاء الاصطناعي في فلسطين… هل نصنع المستقبل أم نستهلكه؟

لم يعد الحديث عن الذكاء أو التعلّم في عصرنا ترفًا فكريًا أو قضية تخص النخب الأكاديمية فقط، بل أصبح مسألة اجتماعية واقتصادية تمس حياة الأفراد والعائلات والمجتمعات بأكملها. فالعالم يتغيّر بسرعة غير مسبوقة، والتكنولوجيا تعيد تشكيل سوق العمل، وأنماط التواصل، وحتى طريقة التفكير ذاتها. وفي خضم هذا التحوّل الكبير، تبدو الفجوة واضحة بين من يواكب هذا التغيير ويفهم أدواته، وبين من يكتفي بالمشاهدة والقلق والشكوى.

المشكلة أن كثيرين ما زالوا يتعاملون مع الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا الحديثة وكأنها عوالم بعيدة أو معقدة أو تخص فئة محددة من الناس، بينما الواقع يقول إن هذه الأدوات أصبحت جزءًا من تفاصيل الحياة اليومية، وتؤثر بصورة مباشرة في التعليم، والإعلام، والاقتصاد، والتجارة، وحتى في تشكيل الرأي العام والوعي الجمعي. وما كان يحتاج قبل سنوات إلى مؤسسات كاملة وفرق عمل كبيرة، بات اليوم يُدار من خلال خوارزميات وأدوات ذكية تختصر الوقت والجهد وتعيد تشكيل قواعد المنافسة.

وفي الحالة الفلسطينية تحديدًا، تبدو الصورة أكثر حساسية وتعقيدًا. فالمجتمع الفلسطيني من أكثر المجتمعات استخدامًا لمنصات التواصل الاجتماعي، خصوصًا في ظل الظروف السياسية والاقتصادية الصعبة، حيث أصبحت الهواتف المحمولة والمنصات الرقمية جزءًا أساسيًا من الحياة اليومية، ومتنفسًا للكثيرين، ومصدرًا للأخبار والعمل وحتى الترفيه. لكن المشكلة لا تكمن في الاستخدام بحد ذاته، بل في طبيعة هذا الاستخدام ومستوى الوعي المرتبط به.

جزء كبير من المستخدمين يتعامل مع التكنولوجيا باعتبارها مساحة للاستهلاك فقط، لا مساحة للتعلّم أو الإنتاج أو بناء الفرص. ساعات طويلة تُستهلك يوميًا في متابعة المحتوى السريع، والجدل، والانفعالات اللحظية، وإعادة نشر الأخبار والمعلومات دون تدقيق أو فهم لطبيعة الخوارزميات وكيفية توجيه المحتوى والتأثير على السلوك العام. وفي كثير من الأحيان يتحول المستخدم إلى مجرد أداة داخل المنصة، يستهلك ما يُعرض عليه دون أن يدرك كيف يتم تشكيل اهتماماته ومخاوفه وقراراته بصورة تدريجية.

الأخطر من ذلك أن هذا الاستخدام غير الواعي يحدث في وقت يشهد فيه العالم تحولات اقتصادية كبرى مرتبطة بالذكاء الاصطناعي والاقتصاد الرقمي. بينما تتجه دول وشركات وأفراد إلى تطوير مهاراتهم الرقمية وصناعة مصادر دخل جديدة قائمة على المعرفة والتكنولوجيا، ما زالت قطاعات واسعة في مجتمعاتنا تستخدم الأدوات نفسها بصورة استهلاكية بحتة، وكأنها مجرد وسيلة للهروب من الواقع أو قتل الوقت.

اقتصاديًا، هذا الأمر يحمل إشارات مقلقة للغاية، لأن العالم الجديد لن يعتمد فقط على الشهادات التقليدية، بل على المهارات الرقمية والقدرة على التعلّم السريع والتكيّف مع المتغيرات. ومع ارتفاع معدلات البطالة والأزمات الاقتصادية في الحالة الفلسطينية، كان من الممكن أن تتحول التكنولوجيا إلى فرصة حقيقية للشباب في مجالات العمل الحر، والتسويق الرقمي، وصناعة المحتوى، والتعليم الإلكتروني، والخدمات الرقمية العابرة للحدود. لكن غياب الوعي والتوجيه يجعل كثيرًا من الطاقات تضيع داخل دوامة الاستهلاك الرقمي بدل استثمارها في الإنتاج والتطوير.

أما اجتماعيًا، فقد بدأت آثار هذا الاستخدام العشوائي تظهر بوضوح على العلاقات الأسرية، والانتباه، وطريقة التفكير، وحتى على مستوى النقاش العام. فالمنصات اليوم لا تكتفي بعرض المحتوى، بل تعيد تشكيل أولويات الناس ومشاعرهم وطريقة تفاعلهم مع القضايا المختلفة. ومع غياب الثقافة الرقمية الحقيقية، يصبح المجتمع أكثر عرضة للإشاعات، والاستقطاب، والانفعالات السريعة، وفقدان القدرة على التركيز والتحليل العميق.

إن ناقوس الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في تطور التكنولوجيا، بل في أن يتحول مجتمع كامل إلى مستخدم سلبي يعيش داخل العالم الرقمي دون أن يفهمه أو يمتلك أدواته. فالفجوة اليوم لم تعد فقط فجوة اقتصادية أو سياسية، بل أصبحت فجوة وعي ومعرفة وقدرة على التكيّف مع المستقبل. ولهذا فإن بناء الوعي الرقمي لم يعد خيارًا، بل ضرورة وطنية واجتماعية واقتصادية، تبدأ من الأسرة والمدرسة والجامعة والإعلام، وصولًا إلى طريقة تعامل الأفراد أنفسهم مع التكنولوجيا.

ربما لم يعد السؤال اليوم: هل سندخل عصر الذكاء الاصطناعي؟ لأننا دخلناه بالفعل. السؤال الحقيقي هو: هل سنكون مجتمعًا يستخدم التكنولوجيا لبناء المعرفة والفرص وتعزيز الصمود، أم سنبقى مجرد مستهلكين داخل عالم يتغيّر بسرعة أكبر من قدرتنا على اللحاق به؟


* باحث ومستشار بالإعلام والتسويق الرقمي

أقلام وأراء

السّبت 23 مايو 2026 10:38 صباحًا - بتوقيت القدس

الذكاء الاصطناعي في مواجهة الإحباط

تتزاحم الأخبار الثقيلة في زمننا هذا وتتسارع فيه الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، يبدو الإحباط وكأنه أصبح جزءاً من المزاج العام للكثير منا فوسائل التواصل الاجتماعي تعجّ بالشكوى، والخوف من المستقبل يتسلل إلى تفاصيل الحياة اليومية، فيما يشعر كثيرون منا أيضا أنهم عالقون في دائرة من السلبية والعجز، ولكن وسط هذا المشهد المرهق، يبرز الذكاء الاصطناعي كأداة يمكن أن تسهم، ولو جزئياً، في إعادة بناء الأمل وتحسين جودة الحياة النفسية والمهنية والاجتماعية.

الحديث عن الذكاء الاصطناعي يجب ألا يبقى محصوراً في الروبوتات والبرمجيات المعقدة والشركات العملاقة، فالقضية الأهم اليوم هي: كيف يمكن لهذه التكنولوجيا أن تساعد الإنسان العادي على تجاوز الإحباط؟ وكيف يمكن تحويلها من مصدر خوف إلى مصدر دعم وتمكين؟

أولى النقاط المهمة تكمن في أن الذكاء الاصطناعي بات قادراً على تسهيل الوصول إلى المعرفة بشكل غير مسبوق، ففي الماضي، كان الوصول إلى المعلومة يحتاج إلى وقت وجهد وربما تكلفة مالية، أما اليوم فأصبح بإمكان أي شخص، عبر هاتفه المحمول، أن يتعلم مهارة جديدة، أو يطوّر مشروعاً صغيراً، أو يحصل على استشارة أولية في مجالات متعددة خلال دقائق وهذا التحول يمنح الناس شعوراً بالقدرة على الفعل، وهو شعور مضاد تماماً للإحباط.

كما أن أدوات الذكاء الاصطناعي أصبحت تفتح أبواباً جديدة للعمل والإبداع، خصوصاً للشباب. فهناك من يستخدم هذه الأدوات في التصميم، أو كتابة المحتوى، أو البرمجة، أو الترجمة، أو التعليم الإلكتروني، أو حتى في بناء مشاريع صغيرة من المنزل. وفي ظل نسب البطالة المرتفعة والتحديات الاقتصادية، فإن أي وسيلة تمنح الإنسان فرصة للإنتاج وتحقيق دخل تصبح أداة مقاومة نفسية واجتماعية، وليست مجرد تقنية حديثة.

ومن الجوانب المهمة أيضاً، أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يساعد في تحسين الصحة النفسية بشكل غير مباشر. فالكثير من التطبيقات الحديثة أصبحت توفر دعماً أولياً للأشخاص الذين يعانون من القلق أو التوتر أو الضغط النفسي، سواء عبر تنظيم الوقت، أو تقديم نصائح للتعامل مع التوتر، أو توفير مساحات للحوار والتفريغ. صحيح أن التكنولوجيا لا يمكن أن تكون بديلاً عن الإنسان أو المختص النفسي، لكنها قد تكون نافذة أولى للمساعدة، خاصة في المجتمعات التي لا يزال الحديث عن الصحة النفسية فيها محدوداً أو حساساً.

الأهم من ذلك كله، أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يغيّر طريقة تفكيرنا تجاه المستقبل. فالمجتمعات التي تنغلق على الخوف غالباً ما تتراجع، أما المجتمعات التي تتعامل مع التغيير كفرصة فإنها تملك قدرة أكبر على النهوض. وهنا يأتي دور المؤسسات التعليمية والإعلامية والثقافية في نشر ثقافة الاستخدام الإيجابي للتكنولوجيا، بدلاً من الاكتفاء بتخويف الناس منها أو تصويرها كخطر مطلق.

في فلسطين، تبدو الحاجة إلى هذا التحول أكثر إلحاحاً. فالشعب الفلسطيني يعيش ضغوطاً مركبة؛ سياسية واقتصادية ونفسية، إلى جانب محدودية الموارد والفرص. ومع ذلك، فإن التجربة الفلسطينية أثبتت دائماً أن الإبداع يولد أحياناً من قلب المعاناة. واليوم يمكن للذكاء الاصطناعي أن يكون أداة حقيقية لدعم الشباب الفلسطيني، سواء في التعليم، أو ريادة الأعمال، أو الإعلام، أو تطوير الحلول الرقمية المحلية.

لقد أصبح بالإمكان، مثلاً، تطوير منصات تعليمية ذكية تخدم الطلبة في المناطق المهمشة، أو استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي لدعم ذوي الاحتياجات الخاصة، أو إنشاء مشاريع رقمية فلسطينية تنافس عالمياً رغم كل التحديات. كما يمكن للإعلام الفلسطيني أن يستخدم هذه الأدوات لإنتاج محتوى أكثر تأثيراً وقدرة على الوصول إلى العالم بلغات متعددة.

لكن في المقابل، لا بد من الإشارة إلى أن التكنولوجيا وحدها لا تصنع المعجزات. فالذكاء الاصطناعي ليس عصاً سحرية تنهي الأزمات أو تلغي المعاناة، بل هو أداة تعتمد نتائجها على طريقة استخدامها. فإذا استُخدمت لنشر الكراهية والإشاعات والتضليل، فإنها ستزيد الإحباط والقلق. أما إذا استُخدمت لنشر المعرفة والفرص والإبداع، فإنها قد تتحول إلى عنصر إيجابي يخفف من حالة السلبية العامة.

إن التحدي الحقيقي اليوم ليس في وجود التكنولوجيا، بل في قدرتنا على توجيهها لخدمة الإنسان. وربما تكون الخطوة الأولى لتجاوز الإحباط هي أن ندرك أن المستقبل لا يُنتظر فقط، بل يُصنع أيضاً. والذكاء الاصطناعي، رغم كل الجدل حوله، قد يكون واحداً من الأدوات التي تساعدنا على صناعة مستقبل أكثر أملاً وإنسانية، إذا أحسنّا استخدامه.

اقتصاد

السّبت 23 مايو 2026 10:35 صباحًا - بتوقيت القدس

كيف تختار قرضاً عقارياً مناسباً عند شراء منزل في السعودية؟

تعرف على كيفية اختيار القرض العقاري المناسب عند شراء منزل في السعودية، من مقارنة عروض البنوك وأنواع التمويل الإسلامي، إلى برامج دعم الإسكان الحكومية وأهمية تقرير سمة، بأسلوب عملي وشامل يساعدك على اتخاذ قرار مستنير.

شراء منزل في المملكة العربية السعودية ليس مجرد قرار مالي، بل هو خطوة مصيرية تؤثر على حياتك لعقود قادمة. ومع التوسع العمراني الهائل الذي تشهده المملكة في إطار رؤية 2030، وارتفاع عدد المشاريع السكنية في الرياض وجدة والدمام وسواها، باتت خيارات التمويل العقاري أكثر تنوعاً وأكثر تعقيداً في الوقت ذاته.

يجد كثيرون من المواطنين والمقيمين أنفسهم أمام وابل من العروض البنكية والشروط المتشعبة، دون أن يمتلكوا الأدوات الكافية لاتخاذ قرار مستنير. هذا المقال دليلك العملي للتعامل مع القرض العقاري بوعي وذكاء، من أول خطوة حتى توقيع العقد.

افهم احتياجاتك قبل أن تطرق أبواب البنوك

الخطأ الذي يقع فيه كثيرون هو التوجه مباشرة إلى البنك دون تقييم دقيق لوضعهم المالي. قبل أي خطوة، اسأل نفسك:

  • ما القيمة التقريبية للعقار الذي تبحث عنه؟

  • كم يبلغ دخلك الشهري الثابت؟

  • هل لديك التزامات مالية أخرى كقروض شخصية أو سيارة؟

  • كم تستطيع توفيره كدفعة أولى؟

في السعودية، تشترط معظم البنوك ألا يتجاوز إجمالي الأقساط الشهرية 33% من الراتب الأساسي، وهو ما يُعرف بـ"نسبة الاستقطاع". هذا الرقم هو حجر الأساس في أي حسابات تمويلية، لذا احسبه بدقة قبل أن تبدأ.

أنواع التمويل العقاري في السعودية

تتنوع منتجات التمويل العقاري في السوق السعودية، ولكل منها طبيعة مختلفة:

التمويل بالمرابحة

وهو الأكثر شيوعاً في المملكة، إذ يشتري البنك العقار ثم يبيعه للعميل بسعر أعلى يشمل هامش الربح، مع تقسيط المبلغ على سنوات. هذا النوع يتوافق مع أحكام الشريعة الإسلامية وهو معتمد لدى جميع البنوك السعودية.

الإجارة المنتهية بالتمليك

يستأجر العميل العقار من البنك مع خيار التملك في نهاية المدة. وهو خيار مناسب لمن لا يريد الانتهاء من الإجراءات القانونية الفورية لنقل الملكية.

المشاركة المتناقصة

يمتلك العميل والبنك العقار بصورة مشتركة، ثم يقوم العميل تدريجياً بشراء حصة البنك حتى يصبح المالك الكامل. هذا النوع أقل شيوعاً لكنه يوفر مرونة أكبر في بعض الحالات.

المقارنة بين العروض البنكية

من أكبر الأخطاء الاكتفاء بعرض بنك واحد. السوق السعودية تضم عشرات المنتجات التمويلية من بنوك كالأهلي وسامبا والراجحي والبلاد وغيرها. وللمقارنة الصحيحة، انتبه إلى:

نسبة الربح الفعلية: ليست النسبة المُعلنة وحدها، بل الكلفة الإجمالية للتمويل شاملةً كل الرسوم.

مدة التمويل: تتراوح عادةً بين 5 و30 سنة. كلما طالت المدة انخفض القسط الشهري لكن ارتفع الإجمالي المدفوع.

رسوم الإعداد والمعالجة: بعض البنوك تفرض رسوماً تصل إلى 1% من قيمة التمويل، وهذا مبلغ لا يُستهان به عند الحديث عن عقارات بقيمة ستة أرقام.

شروط السداد المبكر: هل يُسمح به؟ هل توجد غرامات؟ قد تحتاج لاحقاً لرفع قسطك أو سداد المبلغ قبل انتهاء المدة.

التأمين على الحياة والعقار: بعض البنوك تضع كشرط وتضيف تكلفته إلى الأقساط.

لتسهيل هذه المقارنة، يمكنك الاستفادة من حاسبة التمويل العقاري من بيوت التي تتيح لك احتساب الأقساط الشهرية ومقارنة عروض التمويل المختلفة بخطوات بسيطة وشفافة.

برامج دعم الإسكان الحكومية

تُقدّم المملكة العربية السعودية منظومة دعم إسكاني لا يعرفها كثيرون بالتفصيل:

صندوق التنمية العقارية: يوفر قروضاً بفائدة صفرية أو منخفضة جداً للمواطنين، بحد أقصى يصل إلى 500,000 ريال في الوضع الاعتيادي، مع إمكانية الجمع بينه وبين التمويل البنكي.

برنامج "سكني": المنصة الحكومية الموحدة التي تجمع بين برامج الدعم الحكومي والوحدات السكنية المتاحة. توفر المنصة أيضاً خيار الدعم السكني الشهري الذي يُعوّض جزءاً من قيمة القسط.

نظام إعانة الإيجار: للأسر التي لم تحصل بعد على وحدة سكنية، ويمكن الاستفادة منه ريثما يُنجز التمويل.

الوثائق المطلوبة

تأخير كثير من طلبات التمويل يعود إلى نقص في الأوراق. إليك القائمة الأساسية التي يطلبها معظم البنوك:

  • الهوية الوطنية سارية المفعول

  • كشف الراتب أو عقد العمل

  • كشف حساب بنكي لآخر 3 إلى 6 أشهر

  • تقرير سمة (نظام معلومات الائتمان) — وهو الأهم

  • وثائق العقار (صك الملكية، مخطط الأرض، رخصة البناء إن وُجدت)

  • عقد الشراء المبدئي إن كان موجوداً

التفاوض حقٌّ لك لا تتنازل عنه

كثيرون لا يعلمون أن شروط التمويل العقاري قابلة للتفاوض في حدود معقولة. إذا كان لديك راتب مرتفع أو ملف ائتماني ممتاز أو علاقة طويلة مع البنك، فلديك أوراق ضغط حقيقية. تستطيع التفاوض على:

  • خفض نسبة الربح ولو بنسبة 0.25%، فهي تُترجَم إلى آلاف الريالات على مدى 20 سنة

  • إلغاء رسوم الإعداد

  • تأجيل أول قسط لعدة أشهر

  • منح فترة سماح عند الضائقة المالية

لا تتردد في طرح هذه النقاط، فالبنوك تُقدّر العميل الواعي.

اختيار القرض العقاري المناسب ليس مجرد مقارنة بين أرقام، بل هو فهم عميق لوضعك المالي، واستيعاب كامل للأدوات المتاحة، وتخطيط ذكي لمستقبلك. خذ وقتك، استعن بالمختصين، وقارن العروض بعين ناقدة. المنزل الذي تسكنه يستحق أن تبنيه على أسس صلبة — مالياً وقانونياً.

الأسئلة الأكثر تكراراً

هل يمكن للمقيمين غير السعوديين الحصول على قرض عقاري في المملكة؟

نعم، تتيح بعض البنوك التمويل العقاري للمقيمين الأجانب، غير أن الشروط أكثر صرامة وتشمل شرط الإقامة النظامية وثبات الدخل، كما أن بعض البنوك تشترط فترة عمل لا تقل عن سنة في المملكة.

ما الفرق بين نسبة الربح الاسمية ونسبة الربح الفعلية؟ 

نسبة الربح الاسمية هي الرقم المُعلن فقط، بينما تشمل جميع الرسوم والتكاليف الإضافية المرتبطة بالتمويل. 

كم تستغرق عملية الموافقة على التمويل العقاري في السعودية؟ 

تتراوح المدة عادةً بين أسبوع وأربعة أسابيع حسب اكتمال الملف وسياسة البنك. تقديم المستندات كاملة منذ البداية يُسرّع العملية بشكل ملحوظ.

هل يمكن الجمع بين دعم صندوق التنمية العقارية والتمويل البنكي؟ 

نعم، وهذا هو الخيار الأمثل لكثير من المواطنين. صندوق التنمية العقارية يُكمل التمويل البنكي، ويمكن تنسيق الجمع بينهما من خلال منصة "سكني" التي تُبسّط هذا الإجراء.

ماذا يحدث إذا عجزتُ عن سداد القسط لفترة؟ 

يختلف ذلك من بنك لآخر. بعض البنوك توفر فترة سماح قصيرة، لكن التأخر المستمر يؤثر على تقرير سمة ويعرّضك لغرامات أو حتى تصفية العقار. الأهم: تواصل مع البنك فور توقع أي صعوبة بدلاً من الانتظار.

هل يشترط البنك تأمين العقار والمقترض؟ 

نعم، معظم البنوك تشترط التأمين على الحياة والعقار كشرط لمنح التمويل، وتضاف تكاليفه عادةً إلى القسط الشهري. تحقق مسبقاً من قيمة هذا التأمين لأنه يرفع الكلفة الإجمالية.


عربي ودولي

السّبت 23 مايو 2026 10:32 صباحًا - بتوقيت القدس

مباحثات إيرانية عُمانية لفرض رسوم خدمات على السفن العابرة لمضيق هرمز

كشفت مصادر إعلامية دولية عن تحركات دبلوماسية مكثفة بين طهران ومسقط تهدف إلى صياغة آلية جديدة لإدارة حركة الملاحة في مضيق هرمز. وتتركز هذه المباحثات حول إنشاء نظام دفع مسبق تلتزم به السفن التجارية العابرة للممر المائي الاستراتيجي، تحت مسمى رسوم الخدمات المقدمة.

وأفادت تقارير نقلاً عن مصادر مطلعة أن الجانب الإيراني يسعى لتجنب الصدام مع القوانين الدولية التي تمنع فرض ضرائب على العبور الحر. وبدلاً من ذلك، تقترح طهران تحصيل مبالغ مالية مقابل خدمات لوجستية وبيئية وفنية تقدمها للسفن المارة عبر المضيق الذي يعد شريان الطاقة العالمي.

من جانبها، أبدت سلطنة عُمان تحولاً في موقفها بعد تحفظ أولي، حيث تدرس حالياً إمكانية تقاسم العوائد الاقتصادية الناتجة عن هذا النظام. وأشارت مصادر إلى أن مسقط قد تلعب دور الوسيط لإقناع دول المنطقة والولايات المتحدة بجدوى هذه الخطة وتأثيراتها على استقرار الملاحة.

وتأتي هذه التحركات في أعقاب توترات أمنية شهدها المضيق في فبراير الماضي، أدت إلى توقف شبه كامل لحركة الشحن وارتفاع حاد في أسعار الطاقة. ويسعى المسؤولون الإيرانيون من خلال هذه الآلية إلى تعزيز سيطرتهم على الممر المائي وتحويله إلى مصدر دخل قومي مستدام.

في سياق متصل، أعلنت هيئة إيرانية مستحدثة لإدارة المضيق عن خريطة جديدة تحدد مناطق الإشراف والرقابة البحرية. وأكدت الهيئة أن عبور السفن للمناطق المحددة سيتطلب الحصول على تصاريح مسبقة، مما يعزز من القبضة الإدارية لطهران على حركة التجارة الدولية في المنطقة.

على الصعيد الدولي، واجهت هذه المقترحات معارضة حازمة من الإدارة الأمريكية، حيث عبر الرئيس ترامب عن رفضه القاطع لأي رسوم إيرانية. وطرح ترامب في تصريحات من المكتب البيضاوي فكرة بديلة تقضي بفرض رقابة دولية أو أمريكية على الممر لضمان مجانية الملاحة.

ووصف وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو المساعي الإيرانية بأنها غير مقبولة على الإطلاق وتعرقل أي فرص للتوصل إلى اتفاقات دبلوماسية مستقبلاً. وشدد روبيو على أن واشنطن لن تسمح بإعاقة حركة التجارة العالمية في ممر يمر عبره خُمس إمدادات النفط والغاز في العالم.

ورغم حالة الهدنة الهشة بين واشنطن وطهران، إلا أن الأخيرة تواصل الضغط لتمرير نظام الرسوم الذي قد يشمل تكاليف بيئية ورسوم رسو وخدمات طوارئ. وترى طهران أن هذه الرسوم مشروعة قانوناً طالما أنها ترتبط بخدمات فعلية ولا تندرج تحت بند ضريبة العبور المجردة.

من الناحية القانونية، تبرز اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982 كعائق رئيسي أمام الطموحات الإيرانية، حيث تكفل الاتفاقية حق المرور العابر دون عوائق. وبالرغم من أن إيران لم توقع على هذه الاتفاقية، إلا أن خبراء القانون الدولي يؤكدون أن بنودها أصبحت عرفاً دولياً ملزماً لجميع الدول.

ويشير أساتذة في القانون البحري إلى أن التحدي الأكبر أمام التحالف الإيراني العُماني المقترح يكمن في إثبات أن الرسوم تتناسب طردياً مع الخدمات المقدمة. ويرى مراقبون أن أي مبالغة في تقدير هذه الرسوم سيجعلها تبدو كأنها 'إتاوات' غير قانونية تفرض على المجتمع الدولي تحت غطاء إداري.

وتشير التقارير إلى أن عُمان أبلغت الجانب الإيراني باستعدادها لاستخدام قنواتها الدبلوماسية مع السعودية والإمارات وقطر والكويت لبحث المقترح. وتهدف مسقط من ذلك إلى خلق إجماع إقليمي يقلل من حدة التوتر مع القوى الدولية ويضمن توزيعاً عادلاً للمكاسب الاقتصادية المتوقعة.

في المقابل، يرى محللون أن هذه الخطوة قد تؤدي إلى عسكرة إضافية للمنطقة، حيث قد تلجأ الدول الكبرى لتعزيز تواجدها العسكري لحماية سفنها من إجراءات الهيئة الإيرانية الجديدة. ويحذر خبراء من أن فرض أي قيود مالية قد يدفع شركات الشحن للبحث عن مسارات بديلة أو رفع تكاليف التأمين البحري.

ويبقى مضيق هرمز نقطة ارتكاز في الصراع الجيوسياسي بين إيران والغرب، حيث تستخدمه طهران كأداة ضغط استراتيجية في كل أزمة سياسية. وتعد المحادثات الحالية مع عُمان محاولة لتحويل هذا النفوذ العسكري إلى نفوذ مالي وقانوني معترف به، ولو جزئياً، من قبل دول الجوار.

ختاماً، يترقب المجتمع الدولي نتائج هذه المفاوضات وما إذا كانت ستفضي إلى اتفاق رسمي أو ستؤدي إلى جولة جديدة من التصعيد في مياه الخليج. وتظل التساؤلات قائمة حول قدرة طهران على فرض واقع جديد في الملاحة الدولية دون الاصطدام المباشر مع القوى البحرية الكبرى.

اسرائيليات

السّبت 23 مايو 2026 10:32 صباحًا - بتوقيت القدس

مناورات 'زيرو-2026': استعراض قوة تركي يثير هواجس الاحتلال من تنامي النفوذ الإقليمي

تواصل الماكنة الإعلامية والسياسية في دولة الاحتلال بث رسائل التحريض ضد تركيا، على خلفية المناورات العسكرية الضخمة التي أجراها الجيش التركي مؤخراً. وأبدى محللون عسكريون إسرائيليون تخوفهم من استعراض القدرات البرمائية واسعة النطاق، والتي تأتي في وقت تسعى فيه أنقرة لترسيخ مكانتها كقوة قيادية داخل حلف شمال الأطلسي 'الناتو'.

وأفادت مصادر بأن الجيش التركي استعرض قوته الإقليمية من خلال مناورات 'زيرو-2026' السنوية، التي تميزت بتركيز عالٍ على العمليات المعقدة والتكامل بين مختلف الأسلحة. وشملت التدريبات تنفيذ هجوم برمائي واسع النطاق، تم تنسيقه مباشرة من سفينة القيادة 'تي سي جي أنادولو'، التي تُعد أول حاملة طائرات بدون طيار في العالم.

وشهدت العمليات الميدانية نشر مركبات هجومية مدرعة من طراز 'زها'، بالإضافة إلى زوارق إنزال حديثة اقتحمت شواطئ التدريب في وقت متزامن. كما شاركت في موجات الإنزال زوارق هجومية من الجيل التالي، حملت على متنها قوات من مشاة البحرية ولواء الكوماندوز 19، مدعومة بفرق هندسية متخصصة في إزالة الألغام البحرية.

وعلى الصعيد الجوي، وفرت مقاتلات من طراز 'إف-16' غطاءً نارياً كثيفاً عبر إطلاق قذائف مدفعية وأضواء تمويهية لتأمين القوات المتقدمة نحو الشواطئ. وتزامن ذلك مع تحليق مروحيات 'أتاك' الهجومية التي قدمت إسناداً مستمراً للوحدات البرية، مما عكس مستوى عالياً من التنسيق العملياتي بين الصنوف المختلفة.

وتضمنت المناورة تفعيل سرب جوي ضخم مكون من 21 مروحية، شملت طرازات 'شينوك' و'بلاك هوك' لنقل القوات والمعدات الثقيلة إلى مناطق استراتيجية. كما تم التدريب على سيناريوهات إخلاء الجرحى ونقلهم إلى مستشفيات ميدانية متنقلة، في محاكاة لظروف الحرب الحقيقية والتعامل مع الإصابات تحت النار.

ومن أبرز ملامح التمرين كان استعراض نظام الدفاع الجوي التركي الجديد المعروف باسم 'القبة الفولاذية'، في رسالة تكنولوجية واضحة حول تطور الصناعات الدفاعية التركية. ويرى مراقبون أن هذا الاستعراض يهدف إلى توجيه رسائل سياسية وعسكرية حول قدرة أنقرة على حماية أجوائها ومصالحها الحيوية بشكل مستقل.

وتأتي هذه التحركات العسكرية في وقت تستعد فيه أنقرة لاستضافة قمة الناتو المرتقبة في يوليو القادم، حيث تسعى لتقديم رؤية استراتيجية جديدة للحلف. وتطمح تركيا للانتقال من دور العضو التقليدي إلى دور القوة الفاعلة التي تساهم في صياغة السياسات الأمنية الدولية، خاصة في ظل الأزمات الراهنة في أوروبا والشرق الأوسط.

وخلصت القراءات الإسرائيلية إلى أن هذه المناورات، التي ضمت لأول مرة قوات من ليبيا وسوريا، تعكس طموحاً تركياً لمد النفوذ في كامل المنطقة. ويسود القلق لدى الاحتلال من نشوء تهديد استراتيجي جديد يتمثل في شبكة العلاقات السياسية والعسكرية المعقدة التي تبنيها أنقرة، مما قد يغير موازين القوى في المرحلة المقبلة.

اسرائيليات

السّبت 23 مايو 2026 10:17 صباحًا - بتوقيت القدس

تحقيق دولي يكشف استغلال الحرس الثوري الإيراني لمنصة 'بينانس' لتمويل أنشطة عسكرية بمليارات الدولارات

كشفت تقارير صحفية دولية عن شبكة مالية سرية مرتبطة بالحرس الثوري الإيراني، نجحت في استخدام منصة 'بينانس'، أكبر منصات تداول العملات الرقمية عالمياً، لتحويل مئات ملايين الدولارات. ووفقاً للتحقيق، فإن هذه العمليات هدفت إلى تمويل أنشطة عسكرية وأمنية إيرانية واسعة النطاق، متجاوزة بذلك منظومة العقوبات الأمريكية المشددة المفروضة على طهران.

وأشار التحقيق إلى أن رجل الأعمال الإيراني بابك زنجاني، المعروف بصلاته الوثيقة مع دوائر صنع القرار في إيران، كان العقل المدبر وراء إنشاء شبكة معقدة لتحويل الأموال. واستغلت هذه الشبكة ثغرات تقنية وإجرائية داخل منصة 'بينانس' للتحايل على الرقابة الدولية، مما مكنها من نقل سيولة ضخمة بعيداً عن أعين أجهزة إنفاذ القانون.

وبلغت قيمة المعاملات المالية التي أجرتها الشبكة ما يزيد عن 850 مليون دولار خلال فترة لم تتجاوز العامين، وانتهت في كانون الأول/ ديسمبر الماضي. وتركزت معظم هذه العمليات عبر حساب رئيسي واحد، بينما تولى مقربون من زنجاني، من بينهم أفراد من عائلته ومديرو شركاته، إدارة حسابات فرعية إضافية لتمويه مصدر الأموال.

وأظهرت تقارير الامتثال الداخلية في المنصة أن جميع هذه الحسابات كانت تُدار من الأجهزة ذاتها، وهو ما اعتبره المحققون دليلاً قاطعاً على وجود عملية منظمة وممنهجة للالتفاف على العقوبات. ورغم صدور تحذيرات داخلية متكررة بشأن طبيعة هذه الحسابات، إلا أن الحساب الرئيسي ظل نشطاً لفترة طويلة استمرت حتى مطلع العام الجاري.

وتشير التقديرات المستندة إلى بيانات 'بلوك تشين' ومعلومات من أجهزة أمنية أجنبية، إلى أن هذه التحويلات ليست سوى جزء بسيط من مليارات الدولارات التي تدفقت عبر المنصة لصالح الحرس الثوري. ويعتقد مسؤولون مختصون بمتابعة تمويل الإرهاب أن نحو 425 مليون دولار من هذه الأموال خصصت بشكل مباشر لدعم العمليات العسكرية الإيرانية.

ولم تقتصر الأنشطة المشبوهة على شبكة زنجاني، بل كشف التحقيق عن قيام البنك المركزي الإيراني بتحويل نحو 107 ملايين دولار العام الماضي باستخدام العملات المشفرة. كما رصدت مصادر تقنية معاملات مباشرة بقيمة 260 مليون دولار بين حسابات على المنصة ومحافظ رقمية تابعة لجهات إيرانية مدرجة على قوائم العقوبات الدولية.

وفي سياق متصل، كشفت بيانات السلسلة الرقمية عن قيام محفظة مجهولة بتحويل نحو 218 مليون دولار إلى شبكة تمويل تابعة للدولة الإيرانية خلال عام 2023. وتضاف هذه المبالغ إلى نحو 1.7 مليار دولار أخرى كان محققو المنصة قد ربطوها سابقاً بشبكات تمويل إيرانية تعمل في الخفاء.

واتهم التحقيق الكيانات الإيرانية باستخدام وسائل تقنية متطورة لإخفاء مسار الأموال بعيداً عن أنظمة الرقابة المالية التقليدية. وأفادت مصادر مطلعة بأن بعض المحققين الداخليين في 'بينانس' اضطروا للاستقالة بعد أن أثاروا مخاوف جدية بشأن حسابات مرتبطة بشركاء تجاريين للمنصة لم يتم التعامل معها بجدية.

من جانبها، نفت منصة 'بينانس' بشكل قاطع السماح بأي نشاط يخالف العقوبات الأمريكية، مؤكدة التزامها بإزالة الكيانات المخالفة فور التحقق منها. وقامت الشركة برفع دعوى قضائية ضد الجهة الناشرة للتحقيق، معتبرة أن المعلومات الواردة مضللة، بينما تمسكت الصحيفة بصحة وثائقها ومصادرها.

وأوضح التحقيق أن الجزء الأكبر من الأموال المتدفقة جاء من عائدات بيع النفط الإيراني لمشترين في الصين، وهي تجارة تدار تحت إشراف مباشر من الحرس الثوري. وتعتبر هذه التجارة النفطية أحد أهم مصادر التمويل التي تعتمد عليها طهران لمواجهة الضغوط الاقتصادية الغربية المستمرة.

وتأتي هذه الفضيحة بعد فترة وجيزة من إقرار 'بينانس' بالذنب في عام 2023 في قضايا تتعلق بغسل الأموال وانتهاك العقوبات، وهي القضية التي انتهت بتغريمها 4.3 مليارات دولار. كما شهدت تلك الفترة صدور حكم بالسجن ضد مؤسس المنصة تشانغبينغ تشاو، مما وضع المنصة تحت رقابة دولية صارمة.

وعلى الصعيد السياسي، تواصل وزارة العدل الأمريكية تحقيقاتها الموسعة بشأن استخدام إيران للمنصات الرقمية كوسيلة للتحايل المالي. وقد عقد مسؤولون من وزارة الخزانة الأمريكية اجتماعات مع إدارة المنصة لمناقشة مدى التزامها بشروط الرقابة المفروضة عليها وضمان عدم تكرار هذه الخروقات.

وتشير تقديرات شركات متخصصة في أمن العملات الرقمية إلى أن حجم تعاملات الإيرانيين بالمشفرات تجاوز 10 مليارات دولار خلال العام الماضي فقط. ويعكس هذا الرقم الضخم تحول العملات الرقمية إلى وسيلة أساسية للنظام الإيراني للالتفاف على النظام المالي العالمي التقليدي.

وفي خطوة تصعيدية، بدأت السلطات الإيرانية مؤخراً بمطالبة ناقلات النفط العابرة لمضيق هرمز بدفع رسوم المرور باستخدام العملات الرقمية أو اليوان الصيني. وتؤكد هذه الإجراءات سعي طهران الحثيث لبناء نظام مالي بديل يقلل من تأثير العقوبات الأمريكية ويوفر سيولة مستمرة لعملياتها العسكرية.

فلسطين

السّبت 23 مايو 2026 10:04 صباحًا - بتوقيت القدس

الشاب خالد.. حين يغيب الصوت ويحضر الصدى في ذاكرة 'الرأي'

ينبعث صوت خالد حاج إبراهيم كموجة توقظ سكون الليل، متسللاً إلى الأسماع ليحفز العقل على مسايرة إيقاعاته الفريدة منذ اللحظة الأولى. في أعماق هذا الصوت تسكن حكايات تداوي الآلام وترفع معنويات من انكسرت آمالهم، فهو رفيق المبتدئين في الحياة والباحثين عن الابتهاج الصافي دون ضرر.

عندما يشرع خالد في الغناء، فإن نبراته لا تعرف التردد، بل تنطلق بقوة وثبات لتروي قصص العابرين والمقيمين على تخوم الحلم. تتأرجح ألحانه بين الشجن العميق والانشراح الطاغي، معبرة عن تجارب إنسانية خاضها أولئك الذين ساروا في طرقات مجهولة بحثاً عن وجهة معلومة.

يستمد ملك الرأي قوة كلماته من إرث شعراء كبار عاشوا حياة الصعلكة والاستقرار، أمثال مصطفى بن إبراهيم وعبد القادر خالدي. هؤلاء الشعراء مثلوا التربة الخصبة التي نبتت فيها شجرة فن خالد، حيث تحولت القصائد على لسانه إلى أغنيات تروي حكايات الحب والحنين والهجر والغفران.

يقف خالد أمام الميكروفون بخشوع يشبه خشوع الرهبان في صلواتهم، حيث تصغر الدنيا في نظره وتتسع رؤيته الفنية. ترتجف يده ارتجافة قصيرة تعكس هيبة الكلمة واحترام الجمهور، بينما تظل عيناه شاخصتين نحو هدف واحد، ينثر من خلاله مشاعره بصدق لا يشوبه زيف.

تعد الابتسامة المجلجلة علامة فارقة في شخصية هذا الفنان، فهي ليست مجرد تعبير عابر بل هي فلسفة نجاة في وجه كدر العيش. ورغم أن حياته لم تكن دائماً مفروشة بالورود، إلا أنه اختار الضحك وسيلة لمواجهة ضيق السبل، مانحاً الطمأنينة لكل من اتكأ على صوته في لحظات الانكسار.

منذ سنوات، يلاحظ المتابعون غياباً ملموساً لصوت الشاب خالد، حيث لم يعد يصدر أعمالاً جديدة أو يظهر في المهرجانات الوطنية الكبرى بالجزائر. هذا الغياب أثار تساؤلات عديدة حول الأسباب الكامنة وراء تواريه عن الأنظار، رغم أن شاشات التلفزة وصفحات الجرائد لا تزال تلاحق أخبار المشاهير.

الحقيقة أن خالد لم ينطفئ تماماً، بل يظهر في مناسبات غير متوقعة عبر مقاطع فيديو بسيطة على منصات التواصل الاجتماعي. يظهر فيها كإنسان عادي يشارك الناس همومهم البسيطة أو يتابع مباراة كرة قدم من المدرجات، متخلياً عن رداء النجومية ليعيش فطرته الأولى كمواطن.

إن غياب خالد ترك فراغاً ثقيلاً في ساحة موسيقى الرأي بالجزائر، مما جعل هذا الفن يراوح مكانه دون دليل أو شيخ يقوده نحو التجديد. وعندما يستحضر الناس سنوات مجده، فإنهم يستعيدون ذكريات الأعراس والسهرات التي كانت توحد المتناقضات في المجتمع الجزائري تحت سقف صوته.

يبقى السؤال معلقاً حول ما إذا كان هذا الصمت هو اعتزال مبكر أم استراحة محارب يشعر باللاجدوى في زمن تغيرت فيه الموازين. ومع ذلك، تظل أغانيه القديمة تطن في الآذان، وينتظر محبوه عملاً جديداً يبدد قتامة هذا الصمت الطويل ويعيد لملك الرأي عرشه المفقود.

تحليل

السّبت 23 مايو 2026 9:33 صباحًا - بتوقيت القدس

نقد العقل الاستراتيجي الغربي: كيف صاغ 'الأغبياء الجدد' خطة تفكيك الشرق الأوسط؟

يرصد الكتاب البنية الفكرية والسياسية التي حكمت الرؤية الغربية للشرق الأوسط عقب نهاية الحرب الباردة، حيث تداخلت الاستراتيجية بالإيديولوجيا بشكل معقد. وقد تحولت مفاهيم براقة مثل 'نشر الديمقراطية' و'المجتمع الدولي' إلى أدوات وظيفية لتبرير الهيمنة وإعادة رسم الخرائط السياسية للدول العربية والإسلامية بما يخدم المصالح الغربية.

يبرز التحليل دور من يصفهم بـ 'الأغبياء الجدد'، وهم النخبة التي أعادت إنتاج خطاب التفوق الغربي في صيغة أحادية القطبية بعد انهيار الاتحاد السوفييتي. وتسعى هذه القوى إلى إدارة العالم بمنطق التفكيك والاحتواء، معتمدة على هندسة الإقليم عبر 'الفوضى المنظمة' التي تضمن بقاء الولايات المتحدة كقوة وحيدة مهيمنة.

تعد نظريات المستشرق برنار لويس حجر الزاوية في المخطط الأمريكي الصهيوني، حيث نادى بضرورة 'بلقنة الحزام الأخضر' أي العالم العربي والإسلامي وتجزئته إلى كيانات ضعيفة. وقد عمل لويس مستشاراً لمجلس الأمن القومي الأمريكي وبنيامين نتنياهو، مما يعكس الترابط العضوي بين الفكر الأكاديمي والمشاريع الاستعمارية على الأرض.

يرى لويس أن استقرار الدول الإسلامية يمثل خطراً على المصالح الإمبريالية، ولذلك اقترح استراتيجية تقوم على إضعاف هذه الدول وضرب استقرارها من الداخل. ويتم ذلك عبر خلق كيانات طائفية وعرقية متناحرة، وإشاعة التوتر بين المذاهب الإسلامية لضمان بقاء المنطقة في حالة صراع دائم يستنزف مقدراتها.

انتقلت هذه الأفكار إلى حيز التنفيذ الأوسع مع صامويل هنتنجتون الذي صاغ نظرية 'صدام الحضارات'، محولاً الصراع من طابعه الأيديولوجي بين الرأسمالية والشيوعية إلى صراع ثقافي وديني. وبحسب هذه الرؤية، أصبح العالم العربي والإسلامي هو العدو الجديد الذي يجب مواجهته تحت ذريعة مكافحة الإرهاب العالمي.

يشير الكتاب إلى أن الغرب نصب نفسه 'مجتمعاً دولياً' في ظل غياب البديل القوي، وبدأ في إدارة الكرة الأرضية وفقاً لمصالح 'محور الخير' اليهودي المسيحي. هذا التوجه يعكس ميراثاً استعمارياً لم يهضم بعد، خاصة فيما يتعلق باتفاقيات سايكس بيكو ووعد بلفور التي لا تزال ذكرياتها تسمم العلاقات الدولية.

تجلت الغطرسة الأمريكية في ابتكار مصطلحات مثل 'الدول الفاشلة' و'الدول المارقة' لتبرير التدخلات العسكرية المباشرة وغير المباشرة. هذه المفاهيم هي نتاج مختبرات قانونية ولغوية تهدف إلى إضفاء شرعية زائفة على عمليات زعزعة الاستقرار التي طالت دولاً عديدة في المنطقة العربية.

يؤكد التحليل أن الولايات المتحدة تتبع سياسة أحادية الجانب تقوم على الإنكار التام لمبادئ القانون الدولي التي تتشدق بها في خطاباتها الرسمية. وقد أدى هذا السلوك إلى فقدان واشنطن لمصداقيتها الأخلاقية، خاصة مع استمرار المجازر بحق المدنيين وانتهاك الحريات تحت غطاء 'الحماية' الدولية.

لم تكن الدول الأوروبية بمنأى عن هذا الانحدار، حيث يرى الكاتب أن فرنسا وبريطانيا تحولتا إلى مجرد أقاليم تابعة للإمبراطورية الأمريكية ضمن 'مجموعة بلدربرغ'. وقد تخلت فرنسا تحديداً عن سياستها العربية المستقلة التي أرساها ديغول، لتنخرط بشكل كامل في الشراك الأطلسية والصهيونية.

إن العودة القوية للنزعات الاستعمارية في السياسة الأوروبية تعكس خضوع القادة أو 'استعمار العقول' الذي مارسته واشنطن على حلفائها طوال عقود. وتظهر هذه الوقاحة السياسية في الرغبة المحمومة للعودة إلى أساليب الانتداب القديمة وتفتيت الأراضي العربية بما يخدم أمن الكيان الصهيوني.

يعتبر الكتاب أن الإمبراطورية الأمريكية تعيش حالياً مرحلة الأفول التاريخي، رغم كل مظاهر القوة العنيفة التي تمارسها في العالم. فالتاريخ يثبت أن الإمبراطوريات التي تؤسس على الغباء الاستراتيجي والغطرسة المطلقة تكون آيلة للزوال مهما بلغت درجة هيمنتها العسكرية.

يبرز النص كيف جرى توظيف السرديات الثقافية والأكاديمية لتبرير الحروب الصليبية الجديدة على العالم الإسلامي، معتبراً إياها محاولة للإبقاء على الهيمنة. هذه الحرب لا تستهدف الأنظمة السياسية فحسب، بل تسعى لتفكيك النسيج الاجتماعي والهوية الثقافية للشعوب التي ترفض التبعية المطلقة للغرب.

في نهاية المطاف، يطرح الكتاب تساؤلاً جوهرياً حول مآلات النظام العالمي المعاصر في ظل صعود قوى دولية جديدة تتحدى الأحادية القطبية. فهل سينجح العالم في صياغة نظام دولي جديد يقوم على توازن القوى، أم سيستمر منطق 'الغابة' الذي تفرضه القوى الإمبريالية الحالية؟

يبقى المخطط الصهيوني في قلب هذه التحولات، حيث تظل تصفية القضية الفلسطينية هدفاً استراتيجياً ثابتاً لكل المشاريع الغربية في المنطقة. ومن هنا تبرز أهمية الوعي بهذه المخططات الفكرية التي تسبق عادة التحركات العسكرية والسياسية على أرض الواقع الفلسطيني والعربي.

أقلام وأراء

السّبت 23 مايو 2026 9:03 صباحًا - بتوقيت القدس

حين يعز النصير: غزة تعيد صياغة الوعي العالمي وتختبر ضمير الإنسانية

لم يعد العالم يتحرك بالوتيرة الرتيبة التي ألفها البشر لعقود، بل بات يقفز نحو تحولات كبرى تختصر مسافات زمنية هائلة في سنوات قليلة. من حرب أوكرانيا التي أعادت رسم خرائط القوى الدولية، إلى التوترات الإقليمية المحيطة بإيران، وصولاً إلى فلسطين التي تجاوزت حدودها الجغرافية لتصبح سؤالاً أخلاقياً يواجه البشرية جمعاء.

في خضم هذا المشهد المضطرب، تبدو الأنظمة الدولية التي كانت توصف بالمستقرة أكثر ارتباكاً وفقداناً لليقين أمام تبدل موازين القوة. الحروب اليوم لم تعد مجرد صراعات على النفوذ أو الحدود السياسية، بل تحولت إلى لحظات كاشفة تعيد تعريف مفاهيم العدالة والإنسانية في وعي الشعوب.

يأتي العيد هذا العام محملاً بأسئلة وجودية تتجاوز الطقوس المعتادة، حيث يبحث الإنسان عن معنى يستند إليه في ظل ضيق الأرض وتأخر نصرة الضعفاء. وبينما ترتفع التكبيرات في العواصم، تعيش غزة زمناً مختلفاً يُقاس بعدد الناجين من القصف والباحثين عن شربة ماء وسط الركام.

لقد تجاوز ما يحدث في قطاع غزة حدود الحدث الفلسطيني الخالص، ليتحول إلى اختبار عالمي للصورة التي يريد الإنسان أن يتركها عن نفسه في هذا العصر. إنها مواجهة مباشرة بين المبادئ المعلنة لحقوق الإنسان وبين المصالح الفعلية التي تحكم سياسات الدول الكبرى.

المفارقة القاسية في عصرنا الحالي تكمن في التكنولوجيا التي نقلت مآسي الأطفال والآباء تحت الأنقاض لحظة بلحظة إلى كل شاشة في العالم. ورغم أن هذا التقدم قرب المسافات وكشف الألم الإنساني غير المسبوق، إلا أنه أظهر في الوقت ذاته حدود تحويل هذا التعاطف الرقمي إلى فعل حقيقي على الأرض.

تتحول غزة اليوم إلى مرآة كاشفة لتناقضات النظام الدولي الحديث، الذي بُني على أسس القانون الدولي لكنه يقف عاجزاً عن حماية أبسط الحقوق البشرية. هذا العجز يولد وعياً جديداً يتشكل ببطء في وجدان الشعوب، وهو ما سيحدد ملامح العالم الذي يتشكل أمام أعيننا الآن.

التاريخ يعلمنا أن التحولات الكبرى لا تصنعها القرارات السياسية الفوقية وحدها، بل يطبخها الوعي الشعبي الذي بدأ يرفض المعايير المزدوجة. لقد خرجت فلسطين من سياقها المحلي لتسكن الجامعات والميادين العالمية، معلنةً ولادة جيل جديد ينظر إلى القضايا بمعايير أخلاقية مختلفة.

عبارة 'الله يا مولانا' التي ترددت في الذاكرة الثقافية المغربية، لم تكن يوماً دعوة للاستسلام أو الهروب من الواقع المرير. بل هي مناجاة إنسانية عميقة تخرج من رحم المعاناة لتمنح الإنسان وقوداً أخلاقياً للصمود عندما تضيق به السبل الأرضية وتتآكل السندات.

هذه الروح هي ذاتها التي دفعت الملايين للخروج في شوارع العالم تضامناً مع غزة، وهي التي تبقي القضية حية في مدن مثل الرباط التي تحتضن لجنة القدس. إن التمسك بالرجاء في السماء يتحول في هذه الحالة إلى إصرار على الفعل الإنساني وكسر الحصار المفروض على الوعي والجسد.

لقد أثبتت التجارب التاريخية أن الإمبراطوريات التي ظنت أن القوة المادية وحدها تصنع الخلود قد زالت وبقيت الشعوب الصامدة في ذاكرة الزمن. الذاكرة دائماً تنحصر فيمن قاوم وصمد، وليس فيمن ملك أدوات القتل والدمار وفرض إرادته بالقوة الغاشمة.

السؤال الحقيقي الذي سيطرح بعد وضوع أوزار هذه الحرب لن يكون عن هوية المنتصر العسكري، بل عما تعلمه العالم من دروس غزة القاسية. فلسطين اليوم تعيد تعريف الطريقة التي ينظر بها الإنسان إلى نفسه وإلى المنظومة الأخلاقية التي تحكم هذا الكوكب.

إن الصرخة التي تخرج من أعماق المظلومين، سواء كانت 'الله يا مولانا' أو 'ما لنا غيرك يا الله'، تمثل قمة التمسك بالحق في وجه الباطل. هذه النداءات ليست انسحاباً من المواجهة، بل هي استمداد للقوة لمواصلة النضال من أجل الكرامة والحرية والعدالة المفقودة.

بينما يحاول البعض اختزال القضية في أرقام وإحصائيات، تظل الحكايات الإنسانية المستخرجة من تحت الركام هي المحرك الفعلي للتغيير العالمي القادم. غزة اليوم لا تدافع عن حدودها فحسب، بل تدافع عن بقايا المعنى في عالم يكاد يغرق في المادية واللامبالاة.

في نهاية المطاف، سيكتب التاريخ أن مرحلة انتقالية عميقة بدأت من أزقة غزة المحاصرة، لتعيد رسم وعي البشرية بالكامل. إنها رحلة البحث عن العدل حين يعز النصير، وهي الرحلة التي ستحدد من سيدفع ثمن ولادة العالم الجديد ومن سيكتب فصوله القادمة.

فلسطين

السّبت 23 مايو 2026 8:50 صباحًا - بتوقيت القدس

سقوط ورقة التوت: كيف تحولت إسرائيل إلى السجن الأكبر للصحفيين والكلمة الحرة؟

سجلت حرية الصحافة في الأراضي الفلسطينية المحتلة انتكاسة دموية جديدة مع ارتقاء الزميل محمد وشاح، لينضم إلى قائمة طويلة تضم 262 شهيداً من كوادر العمل الإعلامي في قطاع غزة خلال السنوات الثلاث الأخيرة. وتؤكد التقارير الحقوقية أن معظم هؤلاء الشهداء قضوا برصاص القناصة أو عبر استهدافات صاروخية مباشرة، في حصيلة فاقت أعداد الضحايا من الصحفيين في كبرى الحروب العالمية المسجلة تاريخياً.

صنف تقرير جمعية حماية الصحفيين الدولية لعام 2025 إسرائيل كأكثر دول العالم فتكاً بالصحفيين، مشيراً إلى أن استهداف 'ناقلي الحقيقة' بات سياسة ممنهجة. ولم تكتفِ سلطات الاحتلال بالاستهداف الميداني، بل شرعنت القمع عبر 'قانون الجزيرة' الذي أقره الكنيست في أبريل 2024، مانحاً الحكومة صلاحيات واسعة لطرد الشبكات الأجنبية ومصادرة ممتلكاتها.

وزير الاتصالات الإسرائيلي شلومو كرحي كان صريحاً في عدائه، حين أكد أن التشريعات الجديدة تستهدف تقويض التغطية الإعلامية التي تفضح ممارسات الجيش. ولم يتوقف الأمر عند المؤسسات العربية، بل امتد ليشمل وكالات دولية مثل 'أسوشيتد برس' التي أغلقت مكاتبها بذريعة تسريب معلومات وصور لجهات إعلامية أخرى، في تكرار لسيناريو تدمير المكاتب الصحفية عام 2021.

تخضع المنظومة الإعلامية داخل دولة الاحتلال لسطوة المؤسسة العسكرية، حيث يمتلك الرقيب العسكري الكلمة الفصل في تحديد ما يُسمح بنشره وما يجب حجبه. هذا الهلع من انكشاف التجاوزات دفع السلطات إلى ممارسة ضغوط هائلة حتى على الصحف العبرية مثل 'هآرتس'، عبر حرمانها من الإعلانات الحكومية بسبب تحقيقاتها حول الفساد العسكري.

أمام هذا التضييق، لجأت بعض الوسائل الإعلامية الإسرائيلية إلى حيل التفافية عبر تسريب تقاريرها لصحف أجنبية ثم إعادة اقتباسها، هرباً من مقصلة الرقيب. ورغم هذه المحاولات، تراجع ترتيب إسرائيل في مؤشرات حرية الصحافة العالمية لتستقر في المركز 108 لعام 2025، مما يعكس حجم القمع الممارس ضد الكلمة الحرة.

تشير بيانات مجلة '+972' إلى أن الرقابة العسكرية حظرت كلياً أو جزئياً نحو 7900 تقرير صحفي خلال عام 2024 وحده، بمعدل يصل إلى 20 تقريراً يومياً. هذه الرقابة تشتد وطأتها خلال المواجهات العسكرية، حيث يُمنع الصحفيون من الإفصاح عن مواقع سقوط القذائف أو حجم الخسائر الحقيقية في الأرواح والمعدات.

في المواجهات الأخيرة التي شهدتها المنطقة في فبراير 2026، أُلزم الصحفيون الأجانب والمحليون بعرض كافة موادهم على الرقيب العسكري قبل البث. هذا التعتيم المطبق يهدف إلى الحفاظ على صورة 'الجيش الذي لا يقهر' ومنع تسرب أي معلومات قد تؤثر على الروح المعنوية للجبهة الداخلية أو تكشف حجم الإخفاقات الميدانية.

منظمة 'صحفيون بلا حدود' أكدت أن الصحفيين الفلسطينيين يواجهون عداءً مفرطاً يتجاوز الرقابة إلى التحريض المباشر وتأليب المستوطنين ضدهم. وقد وصلت الانتهاكات إلى حد منع عشرات الصحفيين من السفر، وإغلاق مؤسسات حقوقية بدعاوى واهية تتعلق بالإرهاب، في محاولة لعزل الصوت الفلسطيني عن العالم الخارجي.

تستفيد إسرائيل في قمعها للحريات من حالة 'الصمت والتواطؤ' التي تبديها بعض الحكومات الغربية، التي لا تزال تروج لفرية 'الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط'. هذا الغطاء السياسي سمح للاحتلال بالتمادي في انتهاكاته دون خوف من ملاحقة دولية أو عقوبات رادعة تؤمن الحماية للطواقم الإعلامية.

قضية الخبير النووي مردخاي فعنونو تظل شاهداً حياً على الرعب الإسرائيلي من كشف الحقائق، حيث لا يزال الرجل محروماً من أدنى حقوقه في الحركة والكلام رغم مرور عقود على كشفه أسرار المفاعل النووي. بل إن العقوبات طالت صحفيين دوليين حاولوا التواصل معه، مما يبرز الطبيعة الأمنية المتطرفة للنظام الإسرائيلي.

يمتد الهلع الإسرائيلي إلى اللغة ذاتها، حيث حظرت السلطات استخدام مصطلح 'النكبة' في وسائل الإعلام للإشارة إلى أحداث عام 1948، معتبرة إياها مفردة دعائية معادية. هذا الحجر الفكري يعكس رغبة عميقة في إعادة صياغة التاريخ ومحو الذاكرة الجماعية للشعب الفلسطيني عبر أدوات القمع الناعمة والخشنة.

منذ عام 2016، استحدثت الاستخبارات العسكرية وحدات خاصة لملاحقة المدونين وأصحاب الرأي على منصات التواصل الاجتماعي، وخاصة 'فيسبوك'. وتعمل أذرع الاحتلال عبر ضغوط اقتصادية وسياسية للسيطرة على محتوى منصات مثل 'تيك توك'، بعد أن نجحت الأخيرة في فضح جرائم الإبادة الجماعية في غزة أمام الرأي العام العالمي.

إن ديمقراطية المعلومات التي وفرتها التكنولوجيا الحديثة بدأت تكسر احتكار الاحتلال للرواية، مما أدى إلى سقوط 'ورقة التوت' التي كانت تتستر بها إسرائيل. فالمشاهد الحية والتقارير الميدانية العفوية باتت تصل إلى الملايين حول العالم، متجاوزة مقص الرقيب العسكري وجدران التعتيم التي شيدتها المؤسسة الأمنية.

في الختام، يظهر بوضوح أن المعركة بين 'الكلمة' و'الرصاصة' في فلسطين المحتلة دخلت مرحلة كسر عظم، حيث يستميت الاحتلال لإخفاء سجلاته الدموية. إلا أن إصرار الصحفيين على أداء رسالتهم، رغم الأثمان الباهظة، يظل الضمانة الوحيدة لعدم ضياع الحقيقة في أروقة الرقابة العسكرية المظلمة.

فلسطين

السّبت 23 مايو 2026 8:49 صباحًا - بتوقيت القدس

تحولات الموقف الأوروبي: هولندا تقود توجهاً لحظر منتجات المستوطنات الإسرائيلية

لم يعد النقاش داخل الأروقة الأوروبية محصوراً في التوصيف القانوني للاستيطان الإسرائيلي باعتباره غير شرعي، بل انتقل إلى مرحلة البحث في التبعات العملية لهذا التوصيف. وتبرز هولندا اليوم كلاعب أساسي في هذا التحول من خلال توجهها الجدي نحو حظر منتجات المستوطنات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية المحتلة.

هذا التوجه الهولندي يكتسب أهمية استثنائية نظراً لموقع أمستردام التاريخي، التي عُرفت بمواقفها المتوازنة أو القريبة من إسرائيل في ملفات الأمن والهجرة. إلا أن استمرار الحرب على قطاع غزة وتصاعد وتيرة العنف في الضفة الغربية فرضا واقعاً جديداً دفع النخبة السياسية لمراجعة حساباتها.

انتقل القرار في هولندا من مجرد أطروحات سياسية إلى مسار قانوني وتنفيذي يحظى بموافقة حكومية أولية، مما يشير إلى جدية في اتخاذ خطوات ملموسة. ويهدف هذا التحرك إلى منع تداول سلع المستوطنات داخل الأسواق الهولندية كخطوة أولى نحو تقييد النشاط الاقتصادي المرتبط بالاحتلال.

تتزامن هذه الخطوات مع ضغوط هائلة تمارسها منظمات حقوقية دولية كبرى تتخذ من هولندا مقراً أو مراكز تأثير لها، مثل منظمة أوكسفام وأطباء بلا حدود. وتطالب هذه المنظمات بضرورة اتساق السياسة الخارجية الهولندية مع مبادئ القانون الدولي وحقوق الإنسان التي تنادي بها القارة العجوز.

الموقف الهولندي ليس معزولاً، بل يأتي في سياق حراك أوروبي أوسع تجلى في البيان المشترك الصادر عن ألمانيا وفرنسا وبريطانيا وإيطاليا. وقد تضمن هذا البيان لغة غير مسبوقة في تشددها تجاه سياسات التوسع الاستيطاني الإسرائيلي، محذراً من تقويض فرص حل الدولتين.

التحذيرات الأوروبية وصلت إلى حد دعوة الشركات الدولية بشكل صريح لتجنب الانخراط في مشاريع البناء الاستيطاني، خاصة في المناطق الحساسة مثل منطقة 'E1'. ويعكس هذا التوجه خشية أوروبية من التبعات القانونية الدولية التي قد تترتب على دعم كيانات استيطانية غير قانونية.

يرى مراقبون أن تصريحات وزراء متطرفين في الحكومة الإسرائيلية، مثل بتسلئيل سموتريتش وإيتمار بن غفير، ساهمت في تسريع هذا التحول الأوروبي. فقد أصبحت سياسات التهجير والضم التي ينادي بها هؤلاء الوزراء تشكل حرجاً كبيراً للحكومات الأوروبية أمام شعوبها والقانون الدولي.

المزاج العام في أوروبا بدأ يربط بشكل وثيق بين ما يحدث في غزة من دمار واسع وبين ما يجري في الضفة الغربية من توسع استيطاني ممنهج. هذا الربط أدى إلى قناعة متزايدة بأن النزاع لم يعد مجرد خلاف سياسي يمكن إدارته، بل هو تهديد وجودي لأي تسوية مستقبلية.

النقاشات الدائرة في المحكمة الجنائية الدولية بشأن شخصيات إسرائيلية بارزة ألقت بظلالها على العلاقات الثنائية بين إسرائيل ودول الاتحاد الأوروبي. وبات الحرج القانوني يلاحق العواصم الأوروبية التي تحاول الموازنة بين علاقاتها الاستراتيجية مع تل أبيب والتزاماتها تجاه ميثاق روما.

التوتر امتد ليشمل سلوك الجيش الإسرائيلي تجاه النشطاء الدوليين، خاصة بعد الحوادث المرتبطة بـ 'أسطول الصمود' وما رافقها من اعتقالات أثارت غضباً واسعاً. هذه الأحداث عززت من الأصوات المطالبة بفرض عقوبات محددة تستهدف الشخصيات والكيانات الأكثر تطرفاً في منظومة الاستيطان.

رغم أن الإجراءات الهولندية الحالية لا تشمل قطاع الخدمات أو الاستثمارات الضخمة، إلا أن قيمتها الرمزية والسياسية تظل مرتفعة جداً. فهي تمثل كسرًا لحالة الجمود والتردد الأوروبي في اتخاذ إجراءات عقابية فعلية تتجاوز بيانات الاستنكار الورقية.

يبقى التساؤل قائماً حول ما إذا كانت هذه الخطوات تمثل بداية لسياسة أوروبية شاملة وجديدة، أم أنها مجرد استجابة مؤقتة لضغط الرأي العام الغاضب. لكن المؤكد أن انتقال النقاش من 'الإدانة' إلى 'الإجراء' يمثل دلالة سياسية لا يمكن لإسرائيل تجاهلها في المرحلة المقبلة.

التحول الأعمق يكمن في المجتمعات الأوروبية نفسها، حيث باتت القضية الفلسطينية تُقرأ من منظور حقوقي وأخلاقي بحت بعيداً عن الحسابات الجيوسياسية التقليدية. هذا التغيير في الوعي المجتمعي يضغط على الحكومات لاتخاذ مواقف أكثر صرامة تجاه انتهاكات القانون الدولي.

في نهاية المطاف، تضع الخطوة الهولندية بقية دول الاتحاد الأوروبي أمام اختبار حقيقي لمصداقية شعاراتها حول حقوق الإنسان. فالمسار الذي بدأته أمستردام قد يفتح الباب أمام سلسلة من القرارات المشابهة التي قد تؤدي في النهاية إلى عزلة اقتصادية للمستوطنات في القارة الأوروبية.

عربي ودولي

السّبت 23 مايو 2026 8:02 صباحًا - بتوقيت القدس

غموض يلف تدريبات جوية أمريكية في كراكاس بعد حذف الخارجية الفنزويلية بيان الموافقة

سادت حالة من الغموض في العاصمة الفنزويلية كراكاس عقب قيام وزير الخارجية، إيفان خيل، بمحو بيان رسمي من حساباته الإلكترونية كان يتضمن الموافقة على إجراء تدريبات جوية أمريكية. ولم تقدم السلطات الفنزويلية أي إيضاحات رسمية حول أسباب هذا الإجراء المفاجئ، وما إذا كان يعكس قراراً بتأجيل التمارين أو إلغائها بالكامل في اللحظات الأخيرة.

وكانت الحكومة الفنزويلية قد أعلنت في وقت سابق قبولها لطلب تقدمت به السفارة الأمريكية لإجراء تمرين محاكاة مخصص للإخلاء في حالات الطوارئ الطبية والكوارث. وتتضمن الخطة المقررة لهذا اليوم السبت تحليق طائرتين أمريكيتين في مسارات محددة فوق كراكاس، وصولاً إلى الهبوط داخل المجمع الدبلوماسي التابع للولايات المتحدة.

وأفادت مصادر مطلعة بأن المشهد السياسي والأمني في فنزويلا يمر بمرحلة بالغة الحساسية والتعقيد تزامناً مع هذه التحركات الجوية. وتأتي هذه التطورات في ظل تساؤلات حول طبيعة الطائرات المشاركة، حيث لم يحدد البيان الأصلي ما إذا كانت هذه الطائرات ذات طابع عسكري هجومي أم أنها مخصصة للأغراض المدنية والإغاثية فقط.

ويثير هذا التعاون العسكري-الدبلوماسي جدلاً واسعاً في الأوساط السياسية، خاصة وأن البلاد لم تتجاوز بعد تداعيات أحداث وقعت قبل خمسة أشهر فقط. وشملت تلك الأحداث قصفاً أمريكياً استهدف قواعد عسكرية فنزويلية، وانتهت باختطاف الرئيس نيكولاس مادورو ونقله إلى الولايات المتحدة حيث لا يزال قيد الاحتجاز هناك.

وتشير القراءات الأولية إلى وجود تباينات حادة داخل أجنحة السلطة في فنزويلا تجاه ملف العلاقة مع واشنطن؛ حيث يرى تيار ضرورة الانفتاح لرفع العقوبات الاقتصادية الخانقة واستعادة مكانة البلاد النفطية. وفي المقابل، يبدي تيار آخر رفضاً قاطعاً لأي تنسيق أمني، معتبراً أن النوايا الأمريكية تظل محل شك في ظل استمرار غياب الرئيس المنتخب عن المشهد.

ويرجح مراقبون أن يكون سحب البيان ناتجاً عن ضغوط داخلية أو ضرورة لإجراء تعديلات تقنية على البروتوكولات الأمنية المتفق عليها بين الجانبين. ومع ذلك، يبقى الصمت الرسمي سيد الموقف، مما يفتح الباب أمام كافة الاحتمالات بشأن مستقبل التنسيق الميداني بين كراكاس وواشنطن في هذه المرحلة الانتقالية الحرجة.

تحليل

السّبت 23 مايو 2026 7:02 صباحًا - بتوقيت القدس

البراغماتية الأمريكية والمناورة الصينية: صراع المصالح في ظل الأزمات الدولية

لطالما كانت البراغماتية هي السمة الغالبة على السياسة الخارجية للولايات المتحدة، إلا أن الحقبة الحالية شهدت تذبذباً بين خطاب الهيمنة وبين مقتضيات الواقع الدولي. وتكشف التفاعلات الأخيرة للبيت الأبيض مع القضايا العالمية عن محاولات حثيثة لتوجيه الأحداث بما يخدم المصالح الأمريكية العليا، حتى وإن تطلب ذلك تغيير النبرة الدبلوماسية المعتادة.

تعد زيارة الدولة التي قام بها الرئيس دونالد ترمب إلى بكين نموذجاً جلياً على استدعاء الثقافة البراغماتية لإدارة ما يعرف بالأزمة الإيرانية. فبعد أشهر من التوتر المتصاعد والحرب التجارية الشرسة، ظهرت رغبة أمريكية واضحة في التهدئة وفتح قنوات اتصال أكثر انضباطاً مع التنين الصيني.

لقد شهدت العلاقة بين القطبين استخداماً مكثفاً لسلاح الرسوم الجمركية، وهو السلاح الذي أربك الميزان التجاري الصيني واستهدف حماية المنتجات الأمريكية. ومع ذلك، فإن الزيارة الأخيرة عكست سلوكاً دبلوماسياً مغايراً، حيث التزم الجانب الأمريكي بالبروتوكولات الصارمة وتجنب الارتجال الذي قد يؤدي إلى زلات لسان سياسية.

الخطاب الأمريكي الجديد يميل نحو تعزيز الصداقة والتهدئة، مقاطعاً بذلك نبرة التحدي والصدام التي هيمنت على المشهد في الفترة الماضية. ويرى مراقبون أن هذا التحول يهدف بالأساس إلى كسب حليف قوي وصاعد للمساعدة في تجاوز التعقيدات الأمنية في منطقة الشرق الأوسط.

إن الاعتقاد بوجود قطيعة تامة بين واشنطن وبكين يتجاهل حقيقة 'الاعتماد الاقتصادي المتبادل' الذي يربط البلدين بشكل وثيق. فالولايات المتحدة لا تزال تعتمد على الصين في توريد المكونات الإلكترونية والمعادن النادرة الضرورية للصناعات المتقدمة.

في المقابل، تظل الصين المستهلك الأكبر للمنتجات الزراعية الأمريكية، وخاصة الحبوب، مما يجعل استقرار سلاسل التوريد العالمية مصلحة مشتركة تفوق الخلافات السياسية العارضة. هذه المصالح المتشابكة هي التي تمنع انهيار العلاقات تماماً رغم حدة المنافسة التجارية.

تطرح التطورات الراهنة تساؤلات حول الثمن الذي قد تدفعه واشنطن مقابل تعاون بكين في ملفات إقليمية شائكة. فالصين تدرك جيداً قيمتها في الميزان الدولي، وتطمح للحصول على تنازلات ملموسة تتعلق بخفض الرسوم الجمركية وتخفيف التدخل الأمريكي في ملف تايوان الحساس.

يبقى التحدي الأكبر أمام بكين هو كيفية إدارة هذه الفرصة دون خسارة أوراقها الرابحة، خاصة علاقتها الاستراتيجية مع إيران. فالصين هي المشتري الأول للنفط الإيراني، وتستخدم العملة الوطنية في تعاملاتها، مما يمنحها نفوذاً اقتصادياً وسياسياً فريداً في المنطقة.

من المستبعد أن تدير الصين ظهرها بالكامل لطهران مقابل وعود أمريكية، نظراً للأهمية الحيوية لمنطقة الشرق الأوسط في استراتيجيتها بعيدة المدى. فالمقاربة الصينية للعلاقات الدولية تختلف جوهرياً عن مقاربة البيت الأبيض، حيث تركز بكين على استدامة المصالح المستقبلية.

تبدو الصين في موقع الرابح حتى الآن، فهي تراقب المشهد وتنتظر العروض التي تخدم طموحاتها كقوة عظمى مستقبلية. وتعتمد في ذلك على تكتيك 'أقصى درجات الربح' مع تقليل المخاطر إلى أدنى مستوياتها، بعيداً عن المغامرات غير المحسوبة التي قد تستنزف مواردها.

في نهاية المطاف، تظل الكرة في ملعب بكين لتحديد مسار التفاعلات القادمة في نادي الأقوياء. وسيكون لكيفية تمرير هذه الكرة أثر بالغ على خارطة التحالفات الدولية، سواء في مضيق هرمز أو في أروقة المنظمات التجارية العالمية.

عربي ودولي

السّبت 23 مايو 2026 5:32 صباحًا - بتوقيت القدس

بمرسوم رئاسي.. تركيا تقرر إغلاق جامعة 'بيلجي' العريقة في إسطنبول

أصدر الرئيس التركي رجب طيب أردوغان مرسوماً رئاسياً يقضي بإغلاق جامعة بيلجي المستقلة في مدينة إسطنبول، وهي واحدة من أعرق الجامعات ذات التوجهات الليبرالية في البلاد. وجاء القرار المنشور في الجريدة الرسمية ليلغي رخصة تشغيل المؤسسة التعليمية التي تضم في أروقتها أكثر من 20 ألف طالب من الأتراك والأجانب، في خطوة مفاجئة تزامنت مع منتصف العام الدراسي.

استندت السلطات التركية في قرار الإغلاق إلى نصوص قانونية تتيح للحكومة إنهاء عمل المؤسسات التعليمية الخاصة في حال ثبت أن المستوى التعليمي والتدريبي المقدم غير كافٍ. ورغم الشهرة الواسعة التي تتمتع بها الجامعة وباحثوها في مجالات العلوم الاجتماعية، إلا أن التقييم الرسمي الأخير اعتبر جودتها الأكاديمية دون المعايير المتوقعة، مما استوجب سحب ترخيصها.

من جانبه، سارع مجلس التعليم العالي التركي إلى طمأنة الطلبة المسجلين، مؤكداً أنه سيتخذ كافة التدابير اللازمة لضمان عدم تضرر مسيرتهم الأكاديمية نتيجة هذا القرار. وأوضح المجلس في بيان له أنه يسعى لتأمين آليات تتيح للطلاب خوض امتحانات نهاية الفصل الدراسي المقررة في يونيو المقبل، دون أن يحدد بوضوح ما إذا كان سيتم دمجهم في جامعات أخرى.

في المقابل، أثار القرار موجة من الانتقادات الحقوقية والأكاديمية، حيث اعتبر أستاذ القانون في الجامعة يامان أقدنيز أن الإجراء يفتقر إلى السند الدستوري السليم. وأشار أقدنيز في تصريحات له إلى أن الدستور التركي يحمي استقلالية الجامعات ويمنع إغلاقها إلا عبر مسارات قانونية محددة، مؤكداً أن الهيئة التدريسية لن تقف صامتة أمام ما وصفه بالإجراء غير القانوني.

وتأتي هذه التطورات بعد فترة من الاضطراب الإداري الذي شهدته الجامعة، حيث كانت تخضع لإدارة معينة من قبل القضاء منذ العام الماضي. وجاء هذا التدخل القضائي عقب تحقيقات واسعة في قضايا غسل أموال وتهرب ضريبي استهدفت الشركة الأم المالكة للجامعة، مما وضع المؤسسة التعليمية تحت المجهر الحكومي لفترة طويلة قبل صدور قرار الإغلاق النهائي.

يُذكر أن جامعة بيلجي التي تأسست في عام 1996، تعد ركيزة أساسية في التعاون الأكاديمي الدولي لتركيا، لكونها عضواً نشطاً في برنامج 'إيراسموس' للتبادل الطلابي مع الاتحاد الأوروبي. ويخشى مراقبون أن يؤثر هذا القرار على سمعة التعليم العالي في تركيا، خاصة وأن الجامعة تستقطب سنوياً مئات الطلاب الدوليين والباحثين المرموقين في تخصصاتهم.

عربي ودولي

السّبت 23 مايو 2026 5:32 صباحًا - بتوقيت القدس

مناورات 'زيرو-2026': تركيا تستعرض قوتها العسكرية وتثير تساؤلات داخل حلف الناتو

يواصل الجيش التركي استعراض نفوذه الإقليمي المتنامي من خلال تنفيذ مناورات 'زيرو-2026' السنوية، والتي تعكس قفزة نوعية في القدرات العسكرية النظامية. تركز هذه التدريبات الضخمة على العمليات المعقدة والتكامل بين القوات البحرية والجوية والبرية، مما يبعث برسائل قوية حول جاهزية أنقرة القتالية.

أفادت مصادر إعلامية بأن تركيا تسعى لتثبيت مكانتها كمهندس رئيسي داخل حلف شمال الأطلسي (الناتو)، خاصة مع اقتراب موعد استضافتها لقمة الحلف في يوليو المقبل. وتأتي هذه التحركات في وقت تشهد فيه القارة الأوروبية قلقاً متزايداً بشأن الالتزامات الأمريكية طويلة الأمد وتداعيات الحرب الروسية الأوكرانية.

ترى أنقرة في الأزمات الدولية الراهنة، سواء في شرق أوروبا أو في مضيق هرمز، فرصة استراتيجية لتغيير قواعد اللعبة التاريخية داخل الحلف. وقد عبر وزير الخارجية التركي هاكان فيدان عن هذه الرؤية خلال الاجتماعات التحضيرية في السويد، مؤكداً رغبة بلاده في التحول إلى قوة فاعلة ومؤثرة.

لم تكتفِ تركيا بالخطاب السياسي، بل قدمت وزارة الدفاع مشروعاً مبتكراً لإنشاء خط أنابيب وقود مخصص لتأمين إمدادات الطاقة على الجناح الشرقي للناتو. ويتميز هذا المشروع بكونه أكثر اقتصادية بخمس مرات من البدائل المتاحة، مما يعزز من ثقل تركيا اللوجستي داخل التحالف العسكري.

شهدت مناورات 'زيرو-2026' مشاركة غير مسبوقة لقوات من ليبيا وسوريا، في خطوة تهدف إلى إظهار الامتداد الميداني للنفوذ التركي في الشرق الأوسط. ونفذت القوات المشاركة هجوماً برمائياً واسع النطاق، تم تنسيقه وإدارته مباشرة من سفينة القيادة 'تي سي جي أنادولو'، التي تعد أول حاملة طائرات بدون طيار في العالم.

خلال العمليات الميدانية، تم نشر مركبات الإنزال المدرعة من طراز 'ZAHA' وزوارق إنزال متنوعة لاقتحام مناطق محددة على الشواطئ في توقيت متزامن. وشاركت في موجات الإنزال نحو 30 زورقاً هجومياً من طراز 'Karayil' المتطور، والتي حملت عناصر من مشاة البحرية وقوات الهندسة القتالية.

لضمان نجاح عمليات الإنزال، استعانت القوات التركية بفرق متخصصة في إزالة الألغام استخدمت مركبات آلية متطورة تعمل تحت الماء لتطهير المسارات. ووفرت المروحيات الهجومية من طراز 'أتاك' وبطاريات المدفعية غطاءً نارياً كثيفاً ومستمراً للقوات المتقدمة نحو أهدافها البرية.

ساهم سلاح الجو التركي بفعالية عبر مقاتلات 'إف-16' التي نفذت ضربات دقيقة على أهداف شاطئية، مستخدمة نحو 150 قذيفة مدفعية وأضواء تمويهية لتأمين القوات. كما تضمن التمرين مناورة هبوط جوي مثيرة شارك فيها سرب مكون من 21 مروحية متنوعة المهام بين الهجوم والنقل العسكري.

قامت مروحيات 'شينوك' و'بلاك هوك' بنقل قوات الكوماندوز إلى مناطق استراتيجية، بينما تولت مروحيات 'S-70' نقل مدافع 'بوران' عيار 105 ملم ومركبات القيادة جواً. وشملت التدريبات سيناريوهات طارئة لإجلاء الجرحى ونقلهم إلى مستشفيات ميدانية متنقلة لضمان استمرارية العمليات القتالية.

برز خلال المناورات استعراض منظومة الدفاع الجوي التركية الجديدة 'القبة الفولاذية'، حيث تم تشغيل مكوناتها بشكل نشط أمام المراقبين. وتهدف هذه الخطوة إلى توجيه رسالة واضحة حول التطور التكنولوجي الذاتي الذي وصلت إليه الصناعات الدفاعية التركية وقدرتها على حماية أجوائها.

تشير هذه التطورات إلى أن تركيا لم تعد تكتفي بدور العضو التقليدي في الناتو، بل تسعى لفرض واقع جديد يعتمد على قوتها العسكرية الذاتية ومبادراتها الاستراتيجية. وتراقب العواصم الغربية باهتمام هذه المناورات التي تعيد صياغة موازين القوى في منطقة شرق المتوسط والجناح الشرقي للحلف.

فلسطين

السّبت 23 مايو 2026 5:32 صباحًا - بتوقيت القدس

عامان من الانتظار.. جرحى غزة في بغداد يواجهون تراجع الرعاية ونقص الدواء

تتصاعد معاناة الجرحى والمرضى الفلسطينيين القادمين من قطاع غزة إلى مدينة الطب في العاصمة العراقية بغداد، حيث يواجهون واقعاً معقداً يتسم بطول فترة الانتظار ونقص الدعم اللازم. هذه المبادرة التي انطلقت كبرنامج علاجي مؤقت لمدة ستة أشهر، تحولت إلى إقامة مفتوحة تجاوزت العامين، مما ألقى بظلاله على الحالة النفسية والجسدية للمصابين.

وأفادت مصادر إعلامية بأن الأشهر الأولى لوصول الجرحى شهدت اهتماماً طبياً ومعيشياً ملموساً، إلا أن الأوضاع بدأت تتغير تدريجياً نحو الأسوأ. وأوضحت إحدى الجريحات أن الرعاية في البداية كانت تشمل توفير الطعام والعلاج والاحتياجات الأساسية بانتظام، لكن الفترة الأخيرة شهدت تراجعاً ملحوظاً في جودة هذه الخدمات.

ومع فتح المعابر الحدودية، تزايدت رغبة الجرحى في العودة إلى ديارهم ولقاء عائلاتهم في قطاع غزة، خاصة في ظل الشعور بالعزلة وتدني مستوى الخدمات الطبية المقدمة. ويرى هؤلاء أن البقاء في المستشفيات دون خطة علاجية واضحة أو سقف زمني للعودة يزيد من وطأة إصاباتهم التي لم تندمل بعد.

وفي شهادات مؤلمة من داخل أروقة مدينة الطب، تحدث أحد المصابين عن تدهور حالته الصحية نتيجة معاناته من أورام متعددة في الأمعاء والغدة الدرقية والبروستات، بالإضافة إلى مشكلات تنفسية حادة. وأكد أن غياب العلاج الكافي والدعم المالي يجعل من الحياة داخل المستشفى معركة يومية لتأمين أبسط المتطلبات الصحية.

وتبرز أزمة تكلفة الدواء كعائق أساسي أمام المرضى، حيث أن المبالغ الشهرية المخصصة لهم لا تغطي سوى جزء يسير من احتياجاتهم. ويضطر العديد منهم إلى تحمل أعباء مالية إضافية في ظل ظروف اقتصادية قاسية، مما يفاقم من معاناتهم الإنسانية بعيداً عن وطنهم.

أما مرضى الكلى، فيواجهون تحديات من نوع خاص تتعلق بتوفر الأدوية الضرورية لعمليات الزراعة والمتابعة، حيث سجلت حالات انقطاع للعلاج استمرت لشهرين متتاليين. هذا الانقطاع يهدد بفشل العمليات الجراحية التي أجريت لهم ويدخلهم في دوامة من الخطر الصحي المحدق الذي لا يحتمل التأجيل.

وأشارت جريحة أخرى إلى أن غياب الجهات الراعية التي توفر الاحتياجات الأساسية بشكل منتظم جعلهم في حالة من التيه والضياع. وذكرت أن المعاناة المستمرة منذ عامين تتطلب تدخلاً عاجلاً لضمان استمرارية البروتوكولات العلاجية التي يحتاجها مصابو الحروب والعمليات العسكرية.

وتتعالى الدعوات الإنسانية لضرورة إعادة ترتيب الملف الطبي والمعيشي لهؤلاء الجرحى، ووضع حد لحالة الغموض التي تكتنف مصيرهم العلاجي. ويطالب المرضى بوجود رقابة فعلية على مستوى الخدمات المقدمة وضمان وصول الأدوية التخصصية دون انقطاع لتفادي حدوث انتكاسات صحية غير قابلة للعلاج.

ويبقى الأمل معلقاً لدى عشرات الجرحى في بغداد على لفتة رسمية أو دولية تنهي سنوات الانتظار المريرة داخل غرف المستشفيات. إنهم يتطلعون إلى مسار واضح يضمن لهم إكمال رحلة العلاج بكرامة، أو تسهيل عودتهم إلى قطاع غزة ليكونوا بين ذويهم في ظل هذه الظروف الصعبة.

تحليل

السّبت 23 مايو 2026 5:22 صباحًا - بتوقيت القدس

استقالة تولسي غابارد: تصدّع داخل إدارة ترمب أم انسحاب أخلاقي من حروب الخارج؟

رسالة واشنطن




واشنطن – سعيد عريقات – 23/5/2026


أعلنت مديرة الاستخبارات الوطنية في إدارة الرئيس دونالد ترمب، تولسي غابارد استقالتها من منصبها الوزاري ، مبررة قرارها بالحاجة إلى التفرغ لرعاية زوجها المصاب بسرطان نادر في العظام. غير أن الاستقالة، التي جاءت في لحظة سياسية وأمنية شديدة الحساسية، بدت أبعد من مجرد قرار شخصي، خصوصاً في ظل التباين المتزايد بين مواقف غابارد المناهضة للحروب الخارجية، وبين اندفاعة ترامب نحو توسيع التدخلات العسكرية الأميركية، لا سيما في إيران.


وفي رسالة الاستقالة التي نشرتها عبر وسائل التواصل الاجتماعي، قالت غابارد إنها ستغادر منصبها رسمياً نهاية حزيران، مؤكدة أن زوجها "يواجه تحديات كبيرة خلال الأسابيع والأشهر المقبلة". ورد ترمب بإشادة مقتضبة، معتبراً أنها "أنجزت عملاً مذهلاً"، معلناً تعيين نائبها آرون لوكاس مديراً بالوكالة للاستخبارات الوطنية.


لكن خلف العبارات الرسمية، ظهرت مؤشرات واضحة على "تصدع داخلي" داخل الإدارة الأميركية، خاصة بعد الضربات العسكرية التي شنتها الولايات المتحدة بالتنسيق مع إسرائيل ضد إيران في شباط الماضي. فغابارد، التي بنت حضورها السياسي منذ سنوات على رفض الحروب الأميركية في الشرق الأوسط، وجدت نفسها في موقع يتناقض جذرياً مع خطابها التقليدي.


وبرز هذا التناقض خلال جلسات الاستماع في الكونغرس، حين تجنبت غابارد مراراً تأييد الحرب على إيران أو تبريرها بشكل مباشر، كما رفضت الانخراط في خطاب الإدارة الذي تحدث عن "تهديد إيراني وشيك". بل إن تصريحاتها أمام لجنة الاستخبارات في مجلس الشيوخ، التي أكدت فيها أن إيران لم تبادر إلى إعادة بناء برنامجها النووي بعد الضربات الأميركية السابقة، بدت متعارضة مع رواية ترمب الذي أصر على أن الحرب كانت ضرورية لمنع خطر داهم.


ولم يكن هذا الخلاف معزولاً. فاستقالة مدير المركز الوطني لمكافحة الإرهاب، جو كينت، في آذار احتجاجا على الحرب، عكست وجود تيار داخل الإدارة يرى أن الانخراط العسكري الأميركي في مواجهة مفتوحة مع إيران قد يقود إلى تداعيات كارثية سياسياً واقتصادياً وأمنياً.


وتُعد غابارد من أبرز الشخصيات الأميركية التي تبنت خطاباً مناهضاً للتدخلات العسكرية منذ حرب العراق. وهي من المحاربين القدامى الذين خدموا في الجيش الأميركي، ما منح انتقاداتها للحروب الخارجية ثقلاً إضافياً داخل التيار الشعبوي الأميركي، سواء في اليمين أو اليسار. وخلال مسيرتها كنائبة ديمقراطية عن ولاية هاواي، هاجمت باستمرار ما وصفته بـ”حروب تغيير الأنظمة” التي أهدرت أرواح الأميركيين ودمّرت دولاً بأكملها دون نتائج حقيقية.


وتكشف استقالة غابارد عمق الانقسام داخل المؤسسة الأميركية بشأن حدود القوة العسكرية الأميركية، خاصة بعد سنوات من الحروب المكلفة في الشرق الأوسط. فبينما يدفع تيار محافظ جديد نحو إعادة فرض الهيمنة الأميركية بالقوة، يزداد حضور تيار انعزالي وشعبوي يرى أن التدخلات الخارجية استنزفت الاقتصاد الأميركي وأضعفت مكانة واشنطن الدولية. ومن هذه الزاوية، تبدو غابارد أقرب إلى تمثيل مزاج أميركي متنامٍ يرفض التورط العسكري المفتوح، خصوصاً بعد التجارب المريرة في العراق وأفغانستان، حيث تحولت الحروب الطويلة إلى عبء سياسي وأخلاقي داخلي يصعب الدفاع عنه أمام الرأي العام الأميركي.


ويشير مراقبون إلى أن غابارد حاولت خلال الأشهر الماضية الحفاظ على توازن دقيق بين الولاء السياسي لترمب وبين قناعاتها الشخصية الرافضة للحروب. إلا أن تصاعد المواجهة مع إيران، واحتمالات توسعها إقليمياً، جعلا هذا التوازن شبه مستحيل، خاصة مع تنامي الضغوط داخل الإدارة لتوحيد الخطاب الأمني والإعلامي خلف الرئيس.


كما أن استقالتها تأتي ضمن سلسلة مغادرات نسائية بارزة من حكومة ترمب الثانية، بعد خروج وزيرة الأمن الداخلي السابقة كريستي نوم، ووزيرة العدل السابقة بام بوندي، ووزيرة العمل السابقة لوري شافيز-ديريمر ، وسط أزمات سياسية وتحقيقات وانتقادات متزايدة. ويعزز ذلك الانطباع بوجود اضطراب إداري متكرر داخل البيت الأبيض، في وقت تواجه فيه الإدارة تحديات داخلية وخارجية متصاعدة.


وسيخلف غابارد مؤقتاً آرون لوكاس، وهو شخصية مقربة من الدوائر المحافظة الليبرتارية، وعمل سابقاً مع ريتشارد غرينيل خلال ولاية ترمب الأولى، إضافة إلى ارتباطه بـ معهد (Cato Institute) المعروف بمواقفه الداعية إلى تقليص التدخلات العسكرية الأميركية في الخارج.


وتعكس طريقة تعامل إدارة ترمب مع الملف الإيراني تحوّلاً خطيراً في العلاقة بين الأجهزة الاستخباراتية والقرار السياسي. فبدلاً من أن تقود التقديرات الاستخباراتية عملية صنع القرار، بدا أن المطلوب من المسؤولين الأمنيين هو تكييف الوقائع بما ينسجم مع الخطاب السياسي للرئيس. وهنا تحديداً برزت غابارد كصوت متحفظ داخل المؤسسة، رافضة منح غطاء استخباراتي كامل لحرب لم تكن مقتنعة بضرورتها. هذا التوتر يعيد إلى الأذهان أجواء ما قبل غزو العراق عام 2003، حين جرى توظيف المعلومات الاستخباراتية لتبرير قرار سياسي اتُخذ مسبقاً.


ويرى محللون أن مغادرة غابارد قد تمنح إدارة ترمب هامشاً أوسع لتوحيد المؤسسة الأمنية خلف استراتيجيتها التصعيدية تجاه إيران، خصوصاً مع تراجع الأصوات المعارضة داخل الإدارة. غير أن ذلك قد يحمل في المقابل مخاطر أكبر، في ظل غياب التوازنات الداخلية التي كانت تحدّ جزئياً من اندفاعة البيت الأبيض نحو الخيارات العسكرية.


ويصعب فصل استقالة غابارد عن التحولات الأوسع داخل السياسة الأميركية، حيث يتراجع تدريجياً الإجماع التقليدي المؤيد للتدخلات العسكرية الخارجية. فالحروب الطويلة، والأزمات الاقتصادية، وتنامي الاستقطاب الداخلي، كلها عوامل دفعت قطاعات واسعة من الأميركيين إلى التشكيك في جدوى "الحروب الوقائية" وشعارات نشر الديمقراطية بالقوة. ومن هنا، فإن خروج شخصية مثل غابارد لا يمثل مجرد حادث إداري عابر، بل قد يكون مؤشراً إضافياً على تصاعد أزمة الثقة بين النخب الحاكمة والرأي العام الأميركي، خاصة في ما يتعلق باستخدام القوة العسكرية خارج الحدود.

عربي ودولي

السّبت 23 مايو 2026 3:47 صباحًا - بتوقيت القدس

تحول استراتيجي: وكلاء إيران ينتقلون من الاستيراد إلى التصنيع المحلي للسلاح

كشفت تقارير صحفية دولية عن تحول جذري في استراتيجية التسليح التي تتبعها إيران مع حلفائها في الشرق الأوسط، حيث انتقلت من مرحلة توريد الأسلحة عبر المسارات التقليدية إلى تمكين هؤلاء الوكلاء من تكنولوجيا التصنيع المحلي. وتأتي هذه التطورات في وقت تواجه فيه طهران ضغوطاً عسكرية مكثفة استهدفت بنيتها التحتية الدفاعية، مما دفع الجماعات المسلحة في المنطقة للاعتماد على قدراتها الذاتية.

وأشارت مصادر إلى أن العميد أمير علي حاجي زاده، الذي لعب دوراً محورياً في تطوير برامج الصواريخ الإيرانية قبل مقتله في عملية عسكرية سابقة، كان المهندس الأول لهذه الرؤية. وقد اعتمدت طهران تاريخياً على تهريب الأسلحة عبر مراكب الصيد التقليدية في الخليج العربي وخليج عُمان، إلا أن التركيز انصب لاحقاً على نقل 'المعرفة الفنية' لضمان استمرارية العمليات العسكرية للحلفاء.

وفي إفادة أمام لجنة القوات المسلحة بمجلس الشيوخ الأمريكي، أوضح الأدميرال براد كوبر أن العمليات العسكرية المكثفة أدت إلى تدهور كبير في قدرة إيران على تزويد حزب الله والحوثيين وحماس بالأسلحة المتطورة. وأكد كوبر أن الغارات الجوية التي تجاوزت 13 ألف غارة نجحت في تدمير جزء كبير من القاعدة الصناعية الإيرانية المخصصة للصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة.

ورغم هذا التفاؤل الأمريكي، تشير المعطيات الميدانية إلى أن حزب الله اللبناني نجح في تطوير تكتيكات مبتكرة لمواجهة التكنولوجيا الإسرائيلية. وبات الحزب يعتمد بشكل متزايد على طائرات مسيّرة صغيرة يتم التحكم بها عبر كابلات الألياف الضوئية، وهي تقنية تمنع أنظمة التشويش والدفاعات المتطورة من رصدها أو اعتراضها بفعالية.

وفي اليمن، أظهر الحوثيون قدرة لافتة على تصنيع سلسلة مسيّرات 'صمد' محلياً باستخدام قطع غيار تجارية وتقنيات هندسية مطورة. وتتميز هذه المسيّرات، وخاصة طراز 'صمد-4'، بقدرتها على تنفيذ مهام مزدوجة تشمل الاستطلاع الدقيق والهجمات الانتحارية، مما يجعلها سلاحاً تكتيكياً يصعب على الرادارات التقليدية التعامل معه.

وتشير تقارير استخباراتية إلى أن إيران استغلت فترات الهدنة ووقف إطلاق النار لإعادة بناء قدراتها العسكرية المفقودة بوتيرة أسرع مما كان متوقعاً. وأفادت مصادر بأن طهران قامت بنقل منصات إطلاق صواريخ متنقلة وأعادت ترميم بعض المنشآت الحيوية التي تضررت خلال العمليات العسكرية الأخيرة، مما يعكس مرونة في التعامل مع الأزمات.

ويرى محللون عسكريون أن تدمير المصانع والقوى العاملة الفنية في إيران قد يؤخر إنتاج الصواريخ بعيدة المدى، لكنه لا ينهي التهديد الذي يشكله الوكلاء. فالتصنيع الموزع في دول المنطقة يعني أن الحلفاء باتوا يمتلكون استقلالية نسبية في اتخاذ القرار العسكري وتنفيذ الهجمات دون انتظار شحنات السلاح من طهران.

وفي العراق، حافظت الفصائل المسلحة على مخزونات كبيرة من الأسلحة نظراً لعدم انخراطها في مواجهات مباشرة بنفس كثافة حزب الله أو الحوثيين. وتؤكد مصادر ميدانية أن عمليات نقل المعدات التقنية عبر الحدود الإيرانية العراقية لا تزال مستمرة، مما يسهل عملية التحديث المستمر لترسانة هذه الفصائل.

وعلى صعيد سلاح الجو الإيراني، تشير البيانات إلى شلل شبه كامل في العمليات الجوية، حيث انخفض عدد الطلعات اليومية من مئة طلعة إلى الصفر. وقد تسببت الضربات المركزة في خروج المطارات العسكرية ومخازن الوقود والذخيرة عن الخدمة، مما جعل الدفاعات الجوية الإيرانية غير ذات جدوى من الناحية العملياتية في الوقت الراهن.

ومع ذلك، يظل التهديد الجوي القادم من الطائرات المسيّرة هو التحدي الأكبر للقوى الإقليمية والدولية، نظراً لسهولة تصنيعها وتكلفتها المنخفضة. ويؤكد الخبراء أن توزيع مراكز التصنيع يجعل من الصعب القضاء على هذا التهديد بضربة واحدة، حيث أصبحت كل جماعة تمتلك ورشاً خاصة بها قادرة على الإنتاج المستقل.

وفي سياق متصل، صرح مسؤولون في حزب الله بأن الأسلحة المستخدمة في العمليات الأخيرة هي 'صناعة محلية'، في إشارة واضحة إلى نجاح الحزب في استيعاب التكنولوجيا الإيرانية وتحويلها إلى إنتاج وطني. وهذا التحول يقلل من الضغوط السياسية والدبلوماسية التي قد تُمارس على طهران لوقف دعم حلفائها.

وتشير التقديرات إلى أن الصواريخ الباليستية قصيرة المدى، مثل 'فاتح-110'، قد تكون العنصر الوحيد الذي لا يزال الوكلاء يجدون صعوبة في تصنيعه محلياً بالكامل. ومع ذلك، فإن البدائل المتمثلة في المسيّرات الانتحارية والصواريخ الموجهة قصيرة المدى بدأت تسد هذه الفجوة في الميزان العسكري الميداني.

إن استراتيجية 'تعليم الصيد' التي انتهجتها إيران بدأت تؤتي ثمارها من وجهة نظر عسكرية، حيث بات من الصعب عزل هؤلاء الوكلاء عن إمدادات السلاح. فالمعرفة التقنية التي انتقلت إليهم أصبحت جزءاً من بنيتهم التنظيمية، مما يجعل أي تسوية سياسية مستقبلية تتطلب معالجة القدرات التصنيعية المحلية وليس فقط طرق التهريب.

ختاماً، يبدو أن الصراع في المنطقة قد دخل مرحلة جديدة تتسم بالتعقيد التكنولوجي والاعتماد المتبادل بين طهران وحلفائها. ورغم الخسائر الكبيرة التي لحقت بالبنية التحتية الإيرانية، إلا أن 'شبكة التهديد' لا تزال تمتلك الأنياب اللازمة لزعزعة الاستقرار الإقليمي، مما يضع المجتمع الدولي أمام تحديات أمنية غير مسبوقة.

عربي ودولي

السّبت 23 مايو 2026 3:47 صباحًا - بتوقيت القدس

إدارة ترامب تفرض قيوداً جديدة تُلزم المهاجرين الشرعيين بمغادرة أمريكا لطلب الإقامة الدائمة

أقرت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب سياسة هجرة جديدة وصفت بالمتشددة، تفرض على المهاجرين المقيمين بصفة قانونية مغادرة الأراضي الأمريكية والعودة إلى بلدانهم الأصلية كشرط أساسي للتقدم بطلبات الحصول على الإقامة الدائمة 'البطاقة الخضراء'. وتمثل هذه الخطوة تحولاً جذرياً في القوانين المنظمة للهجرة، حيث تعطل أحد أكثر المسارات القانونية استخداماً من قبل المقيمين والعمال الأجانب في البلاد.

وأصدرت دائرة خدمات الجنسية والهجرة الأمريكية مذكرة رسمية تبرر هذا الإجراء بأنه 'عودة إلى المقصد الأصلي للقانون' وضمان لالتزام الأجانب بالمسارات الصحيحة للهجرة. وفي المقابل، انتقد مدافعون عن حقوق المهاجرين هذه السياسة، واصفين إياها بالتدبير 'القاسي والمربك' الذي يستهدف فئات منتجة تقيم وتعمل في الولايات المتحدة منذ سنوات طويلة تحت غطاء قانوني كامل.

وبموجب القواعد الجديدة، لن يكون بمقدور المهاجرين إتمام إجراءات الإقامة الدائمة من داخل الولايات المتحدة كما كان متبعاً في السابق، بل سيتعين عليهم السفر إلى الخارج وانتظار المعالجة في قنصليات بلدانهم. وتزامن هذا القرار مع إعلان وزارة الخارجية الأمريكية عن وقف معالجة طلبات تأشيرات الهجرة في 75 دولة، مما يزيد من تعقيد الموقف القانوني للمتضررين.

وصرح المتحدث باسم دائرة الهجرة، زاك كاهلر، بأن الإدارة تسعى من خلال هذا القرار إلى سد ما وصفه بـ 'الثغرات القانونية' التي تسمح للبعض بالبقاء داخل البلاد بعد رفض طلباتهم. وأكد كاهلر أن أي شخص يتواجد في الولايات المتحدة بصفة مؤقتة ويرغب في الاستقرار الدائم، يجب عليه التقديم من الخارج، مشيراً إلى أن الاستثناءات ستكون محدودة جداً وفي ظروف قاهرة فقط.

وكان نظام 'تعديل الوضع القانوني' المعمول به سابقاً يتيح للطلاب الدوليين وحاملي تصاريح العمل المتخصصة، بالإضافة إلى المتزوجين من مواطنين أمريكيين، الانتقال من التأشيرات المؤقتة إلى الإقامة الدائمة دون مغادرة البلاد. ويرى خبراء أن إلغاء هذا النظام سيتسبب في حالة من عدم الاستقرار الوظيفي والاجتماعي لآلاف العائلات التي استقرت بالفعل في المجتمع الأمريكي.

من جانبه، اعتبر ديفيد بير، مدير دراسات الهجرة في معهد 'كاتو' أن هذه الإدارة هي الأكثر عداءً للهجرة القانونية في التاريخ الأمريكي الحديث، نظراً لاستهدافها مسارات كانت مستقرة لعقود. وأوضح بير أن أكثر من نصف المهاجرين الشرعيين خلال الجيل الماضي اعتمدوا على آلية تعديل الوضع من الداخل، وهو ما تسعى الإدارة الحالية لتقويضه بشكل كامل.

وتشير الإحصاءات الحالية إلى وجود نحو مليون طلب معلق لتعديل الوضع القانوني، وهي طلبات بات مصيرها مجهولاً في ظل السياسة الجديدة التي قد تجبر أصحابها على الرحيل القسري. وقد تضخم هذا العدد بشكل ملحوظ بعد قرارات سابقة للإدارة بتعليق معالجة الملفات عقب حوادث أمنية، مما خلق أزمة إدارية وقانونية متراكمة في دوائر الهجرة.

وحذر حقوقيون من أن إجبار المهاجرين على المغادرة قد يؤدي إلى فقدانهم لوظائفهم وضياع حقوقهم التأمينية، فضلاً عن المخاطر المتعلقة بتشتت الأسر التي يمتلك بعض أفرادها الجنسية الأمريكية. ويرى مراقبون أن هذه السياسة تهدف بشكل غير مباشر إلى تقليص أعداد المهاجرين الشرعيين عبر فرض عوائق بيروقراطية ولوجستية يصعب تجاوزها.

وعلى الصعيد القانوني، يتوقع خبراء أن تواجه دائرة الهجرة موجة من الدعاوى القضائية أمام المحاكم الفيدرالية للطعن في شرعية هذه المذكرة. ويستند المعارضون إلى أن تغييرات بهذا الحجم في لوائح الهجرة تتطلب عادة فترة إخطار عام وإتاحة الفرصة لتلقي التعليقات من الجمهور والجهات المتضررة قبل البدء في تنفيذها الفعلي.

وتأتي هذه التطورات في سياق حملة أوسع تقودها إدارة ترامب لإعادة صياغة قوانين الهجرة واللجوء، وسط انقسام سياسي حاد في واشنطن حول الجدوى الاقتصادية والاجتماعية لهذه الإجراءات. وبينما تصر الإدارة على أنها تحمي سيادة القانون، يرى خصومها أنها تشن حرباً على المهاجرين الذين يساهمون بشكل فعال في الاقتصاد الأمريكي.

عربي ودولي

السّبت 23 مايو 2026 3:47 صباحًا - بتوقيت القدس

ترمب يتوقع نهاية وشيكة للصراع مع إيران وسط حراك دبلوماسي مكثف في طهران

أطلق الرئيس الأميركي دونالد ترمب تصريحات لافتة تشير إلى اقتراب نهاية المواجهة العسكرية والسياسية مع إيران، مؤكداً أن إدارته نجحت في كبح طموحات طهران النووية. وأوضح ترمب أمام حشد من أنصاره في ولاية نيويورك أن الأمور ستنتهي قريباً جداً وبطريقة ستنعكس إيجاباً على الاقتصاد الأمريكي وتكاليف المعيشة.

وشدد الرئيس الأمريكي على أن إيران لن تُمنح أي فرصة لامتلاك سلاح نووي تحت أي ظرف، مشيراً إلى أن الضغوط التي مارستها واشنطن بدأت تؤتي ثمارها. وتوقع ترمب أن يشهد العالم أرقاماً غير مسبوقة على صعيد المكاسب الاقتصادية، لافتاً إلى أن أسعار السلع والسيارات ستشهد انخفاضاً ملحوظاً فور حسم هذا الملف.

في غضون ذلك، أكدت مصادر مسؤولة في البيت الأبيض أن التوجه العام للرئيس يميل نحو الحل الدبلوماسي، لكنه يبقى مشروطاً بمدى استجابة طهران للمطالب الأمريكية. وأضافت المصادر أن واشنطن لن تتردد في اتخاذ إجراءات حازمة إذا رفضت القيادة الإيرانية إبرام اتفاق يضمن الأمن والاستقرار الدوليين.

وأشارت المصادر إلى أن نجاح عمليات 'الغضب الملحمي' والضغوط الاقتصادية والحصار المفروض، منح الإدارة الأمريكية زمام المبادرة في المفاوضات الجارية. وأكدت أن ترمب يمتلك الوقت الكافي للتوصل إلى 'أفضل اتفاق' ممكن، مشددة على أنه لن ينجر إلى توقيع أي اتفاق 'سيء' أو متسرع لا يخدم المصالح الأمريكية.

على الصعيد الميداني والدبلوماسي، كشفت تقارير صحفية عن عقد ترمب اجتماعاً طارئاً مع كبار أعضاء فريق الأمن القومي لمناقشة سيناريوهات التعامل مع الملف الإيراني. وتلقى الرئيس إحاطة شاملة حول وضع المفاوضات الحالية والخطط البديلة في حال انهيار المسار السياسي، مما يعكس جدية الموقف الأمريكي.

وفي خطوة عززت التكهنات حول خطورة الساعات القادمة، ألغى ترمب جدول أعماله المعتاد وقرر البقاء في واشنطن خلال عطلة نهاية الأسبوع. وأعلن الرئيس اعتذاره عن حضور حفل زفاف نجله 'دونالد جونيور'، مبرراً ذلك بوجود ظروف حكومية طارئة تتطلب وجوده المباشر في مركز القرار.

بالتوازي مع ذلك، ذكرت تقارير إعلامية أن الجيش الأمريكي رفع درجة استعداده لاحتمالية شن ضربات جوية جديدة ضد أهداف إيرانية. وتأتي هذه الاستعدادات كرسالة ضغط أخيرة تزامناً مع الجهود الدبلوماسية المكثفة التي تقودها أطراف إقليمية في العاصمة الإيرانية طهران.

من جانبها، استقبلت طهران قائد الجيش الباكستاني المشير عاصم منير، في زيارة وُصفت بأنها 'الفرصة الأخيرة' لتقريب وجهات النظر بين واشنطن وطهران. وتسعى إسلام آباد من خلال هذا التحرك إلى منع استئناف الحرب الشاملة وإيجاد صيغة توافقية ترضي الطرفين وتنهي حالة التوتر المتصاعد.

ولم تقتصر الوساطة على الجانب الباكستاني، حيث وصل وفد قطري رفيع المستوى إلى طهران للمشاركة في تذليل العقبات أمام الاتفاق المرتقب. وتعمل الدوحة بالتنسيق مع الأطراف الدولية لضمان عدم انزلاق المنطقة إلى مواجهة عسكرية واسعة قد تخرج عن السيطرة.

في المقابل، أبدت وزارة الخارجية الإيرانية تفاؤلاً حذراً، مؤكدة أن المحادثات لا تزال مستمرة رغم وجود قضايا خلافية جوهرية لم تُحسم بعد. وأشارت مصادر إيرانية إلى أن الحديث عن اتفاق وشيك قد يكون سابقاً لأوانه ما لم يتم التوصل إلى تفاهمات شاملة حول كافة النقاط.

وأوضحت مصادر مقربة من فريق التفاوض الإيراني أن التركيز الأساسي لطهران ينصب حالياً على 'إنهاء الحرب' ورفع القيود المفروضة عليها بشكل كامل. وشددت المصادر على أن الجانب الإيراني لن ينتقل لمناقشة أي ملفات ثانوية قبل الحصول على ضمانات نهائية بوقف الأعمال العدائية.

ورغم التعقيدات، أقرت المصادر الإيرانية بحدوث تقدم ملموس في بعض الملفات مقارنة بجولات التفاوض السابقة، بفضل جهود الوسطاء. ومع ذلك، يبقى التوصل إلى الصياغة النهائية مرهوناً بمدى مرونة واشنطن في التعامل مع المطالب الإيرانية المتعلقة بالسيادة والأمن.

وتشير التحركات الدبلوماسية المكثفة، بما في ذلك تواجد وزير الداخلية الباكستاني في طهران منذ يومين، إلى أن المفاوضات دخلت مرحلة 'عنق الزجاجة'. ويحاول الوسطاء حالياً تضييق الفجوات في وجهات النظر حول آليات تنفيذ الاتفاق وضمانات الالتزام به من قبل الطرفين.

ويبقى الترقب سيد الموقف في العواصم العالمية، حيث تتجه الأنظار نحو واشنطن وطهران لمعرفة ما إذا كانت الساعات القادمة ستحمل اتفاقاً تاريخياً أم تصعيداً عسكرياً. وتظل تصريحات ترمب حول 'النهاية الوشيكة' هي المؤشر الأبرز على احتمالية حدوث اختراق دراماتيكي في هذا الملف الشائك.

فلسطين

السّبت 23 مايو 2026 3:18 صباحًا - بتوقيت القدس

منظمات دولية تحذر من وضع كارثي في غزة رغم مرور أشهر على قرار السلام الأممي

أطلقت ثلاث منظمات غير حكومية دولية صرخة تحذير من مقر الأمم المتحدة في نيويورك، مؤكدة أن الظروف المعيشية في قطاع غزة لا تزال تتسم بالكارثية المطلقة. وجاء هذا الموقف بعد انقضاء أكثر من نصف عام على تبني مجلس الأمن الدولي قراراً يدعم خطة السلام، دون أن يترجم ذلك إلى تحسن ملموس في حياة السكان المحاصرين.

وأوضحت كل من منظمة 'أوكسفام' و'سايف ذي تشلدرن' و'ريفيوجيز إنترناشيونال' أن هناك هوة واسعة تفصل بين الوعود السياسية الدولية وبين الواقع المرير على الأرض. وأشارت المصادر إلى أن قرار مجلس الأمن الصادر في نوفمبر 2025، والذي استهدف دعم الرؤية الأمريكية للسلام، شدد على ضرورة التدفق الكامل للمساعدات، وهو ما لم يتحقق حتى اللحظة.

من جانبها، أفادت رئيسة منظمة أوكسفام أميركا، آ بي ماكسمان، بأن سلطات الاحتلال الإسرائيلي تواصل فرض قيود مشددة تمنع عمليات الصيانة الحيوية وإدخال المستلزمات الأساسية. وأوضحت أن منع دخول أنابيب المياه ومعدات الإيواء والأجهزة الطبية يفاقم الأزمات الصحية، حيث باتت العائلات عرضة للأوبئة نتيجة انتشار مياه الصرف الصحي في المناطق المأهولة.

وفيما يخص واقع الطفولة، كشفت جانتي سوريبتو من منظمة 'إنقاذ الأطفال' عن بيانات مقلقة تشير إلى ارتفاع حاد في معدلات سوء التغذية بين أطفال القطاع خلال شهر نيسان/أبريل الماضي. وأضافت أن الأزمة التعليمية بلغت ذروتها مع حرمان نحو 600 ألف طفل فلسطيني من حقهم في التعليم للعام الثالث على التوالي، مما يهدد جيلاً كاملاً بالضياع.

وعلى الصعيد الطبي، قدمت الجراحة الأمريكية تيريزا سولدنر شهادة ميدانية وصفت فيها النظام الصحي في غزة بأنه تعرض لتدمير شامل وممنهج. وأكدت سولدنر أن المستشفيات المتبقية تعجز عن التعامل مع التدفق اليومي للمصابين والجرحى الذين يسقطون جراء الغارات الجوية المستمرة التي لا تتوقف على مختلف مناطق القطاع.

وطالبت المنظمات الثلاث في ختام مؤتمرها المجتمع الدولي، وخاصة الولايات المتحدة بصفتها الراعي الأساسي للاتفاق، بممارسة ضغوط حقيقية وفعالة على إسرائيل. وشددت على أن إلزام الاحتلال بتعهداته الإنسانية هو السبيل الوحيد لإنقاذ ما تبقى من فرص لتطبيق خطة السلام وحماية المدنيين من موت محقق.

وحذر جيريمي كونينديك، رئيس منظمة 'اللاجئين الدولية'، من أن استمرار الفشل في تنفيذ البنود الإنسانية، التي تعتبر الجزء الأسهل في أي اتفاق، يهدد بتقويض كافة الجهود الدبلوماسية. وأشار إلى أن الساعات والأيام القادمة ستكون حاسمة في تحديد مصير المسارات السياسية في ظل التدهور المتسارع للأوضاع الميدانية.

فلسطين

السّبت 23 مايو 2026 3:18 صباحًا - بتوقيت القدس

شهادات مروعة لناشطي أسطول الصمود: تعرضنا لانتهاكات واعتداءات جنسية من قبل قوات الاحتلال

كشف معتصم زيدان، الناطق الإعلامي باسم مركز عدالة الحقوقي في الأراضي المحتلة، عن تفاصيل صادمة تتعلق بمعاملة قوات الاحتلال لعشرات الناشطين الدوليين المشاركين في أسطولي الحرية والصمود. وأوضح زيدان أن الشهادات التي جمعها محامو المركز تشير بوضوح إلى تعرض المعتقلين لانتهاكات جنسية وإذلال متعمد خلال فترة احتجازهم.

وأكدت مصادر حقوقية أن الانتهاكات لم تقتصر على الجانب الجسدي العام، بل شملت تحرشات جنسية وشتائم ذات طابع جنسي مهين استهدفت كرامة الناشطين. وأشار المركز إلى أن المحامين لم يتمكنوا من مقابلة كافة المعتقلين، إلا أن العينة التي جرت مقابلتها أجمعت على تعرضها لهذا النوع من العنف الممنهج.

وفي سياق متصل، أفادت التقارير بإجبار سلطات الاحتلال للناشطات المحجبات المشاركات في الأسطول على خلع حجابهن قسراً، مما يعكس رغبة في الإمعان في الإذلال النفسي. وتركزت نسبة كبيرة من هذه الانتهاكات الموجهة ضد النساء المشاركات، في محاولة لكسر إرادتهن وثنيهن عن مواصلة نشاطهن التضامني.

من جانبه، أصدر أسطول الحرية بياناً رسمياً أكد فيه توثيق شهادات مقلقة للغاية حول تعرض النشطاء لمعاملة مهينة وغير إنسانية. وتضمنت هذه الشهادات واقعة تجريد أحد المشاركين من ملابسه بالكامل وإجباره على الركض تحت تهديد السلاح والعنف الجسدي المباشر، وهو ما يعد انتهاكاً صارخاً للقوانين الدولية.

ويخضع المشاركون في الأسطول حالياً لسلسلة من الفحوصات الطبية الدقيقة في مدينة إسطنبول التركية لتوثيق كافة الإصابات الجسدية والآثار النفسية الناتجة عن الاعتداءات. وتهدف هذه الخطوة إلى بناء ملف قانوني متكامل يثبت تورط قوات الاحتلال في ممارسات تعذيب ممنهجة ضد المتضامنين الدوليين.

وأعلن القائمون على الأسطول عن بدء التنسيق مع فرق قانونية دولية لاتخاذ إجراءات قضائية ضد المسؤولين الإسرائيليين المتورطين في هذه الجرائم. وتشمل لائحة الاتهام المقترحة الاحتجاز التعسفي، والمعاملة القاسية واللاإنسانية، والاعتداء الجسدي والتعذيب النفسي الذي يجرمه القانون الدولي الإنساني.

وشدد البيان على أن محاولات حصر هذه الانتهاكات في شخصيات سياسية معينة مثل إيتمار بن غفير هي مغالطة تهدف لتضليل الرأي العام العالمي. واعتبر الأسطول أن هذا العنف هو فعل بنيوي ومؤسسي متجذر في عقيدة جيش الاحتلال، ويحظى بغطاء سياسي وحماية من حكومات دولية تمنع المساءلة.

وفي شهادة مصورة، أكد الناشط البرازيلي تياغو أفيلا وقوع حالات اغتصاب فعلي بحق مشاركين في أسطول الصمود على يد جنود الاحتلال. ووصف أفيلا الجنود بـ'الوحوش' الذين استلذوا بتعذيب المتضامنين على متن سفينة السجن أثناء اقتيادهم إلى ميناء أشدود، حيث تواصلت عمليات الضرب هناك.

وأشار أفيلا إلى وجود إصابات بليغة بين الناشطين تشمل كسوراً في الضلوع وعظام الأذرع وعظمة الترقوة نتيجة الضرب المبرح. وأضاف أن هذه الممارسات تعكس طبيعة 'دولة الإبادة الجماعية' التي تستخدم العنف الجنسي كأداة ممنهجة ليس فقط ضد الفلسطينيين، بل وضد المتضامنين الأجانب أيضاً.

واعتبر الناشط البرازيلي أن ما تعرض له المشاركون في الأسطول هو لمحة بسيطة عما يواجهه آلاف الأسرى الفلسطينيين يومياً في سجون الاحتلال بعيداً عن أعين الكاميرات. ودعا المجتمع الدولي إلى التحرك الفوري لوقف هذه الجرائم وعدم قبول دولة تضع نفسها فوق القانون الدولي الإنساني وتجرد البشر من إنسانيتهم.

يذكر أن التقارير الحقوقية تشير إلى وجود نحو 10,000 فلسطيني في سجون الاحتلال، من بينهم مئات الأطفال والنساء الذين يواجهون ظروفاً مشابهة من التنكيل. وتستمر المنظمات الدولية في التحذير من تصاعد حالات التعذيب والاغتصاب والإهمال الطبي المتعمد داخل مراكز الاعتقال الإسرائيلية التي تحولت إلى بؤر للانتهاكات الجسيمة.

تحليل

السّبت 23 مايو 2026 3:17 صباحًا - بتوقيت القدس

فخ ثيوسيديدس بين بكين وواشنطن: هل الصراع على الهيمنة أم على شكل النظام الدولي؟

منذ أن أعاد المنظر السياسي الأمريكي غراهام أليسون إحياء مفهوم 'فخ ثيوسيديدس' في كتابه الشهير، بات هذا المصطلح المرجعية الأبرز لتفسير التوتر المتصاعد بين واشنطن وبكين. الفكرة المستمدة من التاريخ الإغريقي تشير إلى أن صعود قوة جديدة يثير ذعر القوة المهيمنة، مما يجعل الصدام العسكري قدراً لا مفر منه في كثير من الأحيان.

ومع ذلك، فإن إسقاط هذا التفسير التاريخي على الواقع المعاصر قد ينطوي على تبسيط مخل، فالعالم اليوم لا يشبه المدن اليونانية القديمة في تعقيداته. الصراع الحالي لا يدور فقط حول من يمتلك القوة الأكبر، بل هو صدام بين نموذجين مختلفين تماماً في فهم الاقتصاد والمجتمع ودور الإنسان في الدولة.

تخطئ القراءات التي تحصر الصين في خانة 'أثينا الجديدة' أو مجرد منافس تجاري، فالواقع يشير إلى أن بكين تقدم نموذجاً سياسياً واقتصادياً هجيناً. هذا النظام الذي يوصف بأنه 'رأسمالية منضبطة' يسمح بآليات السوق لكنه يبقي الدولة ممسكة بالمفاصل الاستراتيجية والقرار السيادي بعيداً عن سطوة رأس المال.

في المقابل، يرى النموذج الأمريكي أن السوق الحر هو القوة القادرة على تصحيح نفسها، وهو ما أدى مع مرور الزمن إلى تضخم نفوذ الشركات الكبرى. هذا التوجه جعل المال أداة تتحكم في السياسة والإعلام، وهو ما تعتبره القيادة الصينية خطراً وجودياً يجب تجنبه عبر تقييد نفوذ القطاع الخاص أمام سلطة الدولة.

الخلاف الجوهري بين القطبين ليس مجرد سباق على أشباه الموصلات أو الذكاء الاصطناعي، بل هو اختلاف في رؤية معنى النجاح الاقتصادي والاجتماعي. فبينما يقدس النظام الغربي النمو الدائم والربح السريع، تميل الثقافة الاقتصادية الصينية نحو الاستقرار والوفرة طويلة الأمد حتى لو تطلب ذلك هوامش ربح أقل.

يربط النموذج الأمريكي قيمة الفرد بقدرته على المنافسة والإنتاج الفردي، مما يحول المجتمع إلى سباق محموم لا يعرف الاكتفاء. أما النموذج الصيني، فرغم الانتقادات الحقوقية الموجهة إليه، يمنح الدولة دور المنظم الأعلى الذي يوجه الموارد نحو أهداف قومية تتجاوز رغبات المستثمرين اللحظية.

السؤال الجوهري الذي يطرحه المحللون هو: هل تخشى الولايات المتحدة من صعود الصين أم من تآكل بنيتها الداخلية؟ القوة الأمريكية تعاني من اختلالات تراكمت لعقود، مثل الديون الهائلة وتراجع الطبقة الوسطى وانتقال القاعدة الصناعية إلى خارج الحدود، مما أضعف قدرتها على المنافسة الحقيقية.

لقد تحول الاقتصاد الأمريكي في فترات معينة إلى الاعتماد على الاستهلاك والمضاربات المالية بدلاً من الإنتاج الحقيقي. هذا التراجع جعل التحدي الصيني يبدو أكثر إزعاجاً، لأن بكين لا تنافس عسكرياً فحسب، بل تقدم نموذجاً للدولة القادرة على التخطيط الاستراتيجي بعيد المدى ومحاربة الفقر بفعالية.

عندما يتحدث القادة الصينيون عن 'النهضة الصينية'، فإنهم يطرحون رؤية تضع بقاء الدولة واستقرارها فوق حرية السوق المطلقة. هذا التوجه يتناقض بحدة مع الأنظمة الغربية التي باتت فيها النخب السياسية مرتبطة بشكل وثيق بشبكات المصالح والتمويل الإعلامي والانتخابي المكلف.

إن 'فخ ثيوسيديدس' الحقيقي قد لا يكون خوف القوة القديمة من الجديدة، بل عجز الأنظمة القائمة عن إصلاح نفسها قبل فوات الأوان. التاريخ يخبرنا أن الإمبراطوريات تسقط غالباً من الداخل عندما تفقد القدرة على معالجة اختلالاتها الهيكلية، تماماً كما حدث مع روما التي تآكلت بنيتها قبل سقوطها.

الخطر الحقيقي على واشنطن يكمن في استمرار نموذج اقتصادي يحول الإنسان وعلاقاته إلى مجرد وقود لعجلة الاستهلاك اللانهائي. إذا استمر هذا التآكل الداخلي، فإن القوة العسكرية الضخمة لن تكون كافية لحماية الهيمنة أمام نماذج أكثر تماسكاً وقدرة على التنظيم الاجتماعي.

الصين بدورها ليست نموذجاً مثالياً، فهي تواجه تحديات ديموغرافية وأزمات اجتماعية ناتجة عن مركزية السلطة والرقابة المشددة. ومع ذلك، فقد نجحت في فرض تساؤلات عالمية حول إمكانية بناء نظام يستفيد من السوق دون أن يتحول البشر فيه إلى مجرد أرقام صماء في معادلات الربح.

مستقبل النظام الدولي لن يحسمه عدد حاملات الطائرات فقط، بل القدرة على تقديم نموذج يمنح الإنسان معنى للحياة خارج إطار الخوف الاقتصادي. المحاولات الأمريكية لاحتواء الصين عبر العقوبات قد تؤجل المواجهة، لكنها لن تحل الأزمة البنيوية التي يعاني منها النظام الليبرالي التقليدي.

في نهاية المطاف، يحتاج كلا النظامين إلى مراجعة داخلية عميقة لإعادة التوازن بين متطلبات السوق واحتياجات المجتمع. وإذا لم يتم إدارة هذا الصراع بحكمة وتفاهم متبادل، فإن التاريخ سيعيد نفسه، وسيبقى فخ ثيوسيديدس قائماً ليهدد السلم العالمي بأدوات تدميرية غير مسبوقة.

فلسطين

السّبت 23 مايو 2026 3:17 صباحًا - بتوقيت القدس

تكتيكات حزب الله تُعطل مخطط 'المنطقة الصفراء' والاحتلال يصعد استهداف المسعفين جنوبي لبنان

كثفت قوات الاحتلال الإسرائيلي من وتيرة غاراتها الجوية على بلدات جنوب لبنان، حيث ركزت ضرباتها مؤخراً على مراكز الإسعاف والدفاع المدني. ووصف مراقبون عسكريون هذه الاستهدافات بأنها تطال 'أهدافاً سهلة' للتعويض عن التعثر الميداني الذي يواجهه الجيش في محاولات التوغل البري على ثلاثة محاور رئيسية، في ظل تصدٍ لافت من مقاتلي حزب الله.

وأكدت مصادر عسكرية أن قواعد الاشتباك التي فرضها حزب الله خلال الأيام العشرة الماضية، عبر استخدام المسيرات الانقضاضية والاستهدافات الدقيقة، ساهمت بشكل مباشر في تقييد فاعلية الهجوم الإسرائيلي. وأوضحت المصادر أن المناورات الميدانية التي ينفذها المقاتلون أربكت حسابات القيادة العسكرية للاحتلال ومنعتها من تحقيق تقدم مستدام في القرى الحدودية.

ويسعى جيش الاحتلال حالياً إلى تثبيت ما يُعرف بـ 'الخط الأصفر'، وهو مخطط يهدف لإخضاع نحو 55 بلدة وقرية لبنانية لوجود عسكري إسرائيلي مباشر. ويمتد هذا الشريط بعمق يتراوح بين 4 و10 كيلومترات على طول الحدود، انطلاقاً من الناقورة وصولاً إلى العديسة، ليكون بمثابة خط دفاع أمامي يحمي المستوطنات الشمالية.

وعلى الرغم من الكثافة النارية، لا يزال الاحتلال عاجزاً عن فرض سيطرته الكاملة على هذه المنطقة، حيث تدور معارك ضارية في ثلاثة محاور متزامنة. وتتركز المواجهات بين بلدتي دير سريان وزوطر الشرقية، إضافة إلى محور عيتا وحداثا الذي شهد أعنف الاشتباكات خلال الساعات الثماني والأربعين الماضية، فضلاً عن محيط منطقة بيوت السيد.

وفي سياق التصعيد ضد المدنيين، أفادت مصادر ميدانية باستشهاد أربعة مسعفين إثر غارة استهدفت مركز الهيئة الإسلامية في بلدة حانويه بقضاء صور. كما وقعت غارة أخرى بالقرب من 'دير قانون النهر' أدت إلى ارتقاء خمسة شهداء بينهم مسعفان، في منطقة تعتبر خطاً خلفياً حيوياً للعمليات العسكرية في قطاعي المنصوري والقليلة.

وتشير التقارير إلى أن الاحتلال يضع بلدة تبنين الإستراتيجية كهدف محوري في مساعيه لتوسيع رقعة السيطرة البرية نحو العمق اللبناني. وفي المقابل، رصدت وسائل إعلام عبرية تحركات لمسلحين في مناطق دوفيف وبرعام القريبة من بلدة رميش، مما يعكس فشل الاحتلال في تأمين المناطق التي يدعي تطهيرها عسكرياً.

ويعزو خبراء عسكريون استمرار وجود مقاتلي حزب الله في القرى المدمرة إلى طبيعة التضاريس الجغرافية المعقدة والأودية التي تمنحهم أفضلية حركية كبيرة. وباعتبارهم من أبناء هذه القرى، يمتلك المقاتلون معرفة دقيقة بالجغرافيا المحلية لا يمكن لعمليات التدمير الممنهج للمنازل أن تلغيها أو تحد من فاعليتها في استنزاف القوات المهاجمة.

وفيما يخص الخسائر المادية للاحتلال، سجلت المصادر إصابات يومية متكررة في صفوف سلاح المدرعات، لا سيما دبابات الميركافا على محور عيتا-حداثا. وتستخدم المقاومة في هذه الهجمات طائرات انقضاضية مزودة بأسلحة مضادة للدروع، مما يقيد حرية مناورة الآليات الإسرائيلية التي يعتمد عليها الجيش بشكل أساسي في عملياته البرية بدلاً من قوات المشاة.

فلسطين

السّبت 23 مايو 2026 2:17 صباحًا - بتوقيت القدس

الاحتلال يدمر مبنيين في النصيرات والبريج وسط نزوح قسري للعائلات

شنت طائرات الاحتلال الإسرائيلي، مساء الجمعة، سلسلة غارات جوية استهدفت مبنيين سكنيين وتجاريين في وسط قطاع غزة، وذلك عقب إصدار أوامر إخلاء مفاجئة لمربعات سكنية مأهولة. وأفادت مصادر محلية بأن القصف جاء بعد اتصالات هاتفية أجراها جيش الاحتلال مع السكان، مما أثار حالة من الذعر والهلع الكبيرين، خاصة في صفوف النساء والأطفال الذين اضطروا للفرار من منازلهم في وقت متأخر.

وفي تفاصيل العدوان، استهدفت الغارة الأولى منزلاً يعود لعائلة 'أبو سيف' يقع في شارع العشرين بمخيم النصيرات، حيث دمرت الصواريخ المبنى بشكل كامل وسوته بالأرض. وأوضحت المصادر أن جيش الاحتلال كان قد أنذر سكان المربع السكني المحيط بالمنزل بضرورة المغادرة الفورية، مما أدى إلى موجة نزوح قسرية لعشرات العائلات التي تركت ممتلكاتها تحت وطأة التهديد.

بالتزامن مع ذلك، طال القصف الإسرائيلي مبنى آخر يضم محالاً تجارية في مخيم البريج المجاور، وذلك بعد إجراءات تهديد مشابهة طالت القاطنين في محيط المنشأة المستهدفة. وقد تسببت الغارة في تدمير المبنى المستهدف وإلحاق أضرار مادية جسيمة وواسعة النطاق في عشرات المنازل والمنشآت المجاورة، مما زاد من معاناة المواطنين في تلك المنطقة المكتظة.

وعلى الصعيد الطبي، أكدت مصادر طبية وصول إصابتين إلى مستشفى شهداء الأقصى بمدينة دير البلح، وصفت جراحهما بالمتوسطة، جراء القصف الذي استهدف مخيم البريج. وتعمل الطواقم الإغاثية والدفاع المدني على معاينة المواقع المستهدفة للتأكد من عدم وجود عالقين تحت الأنقاض، في ظل استمرار التحليق المكثف لطائرات الاستطلاع الإسرائيلية في أجواء المحافظة الوسطى.

وتأتي هذه التطورات الميدانية في إطار الخروقات المستمرة لاتفاق وقف إطلاق النار الذي دخل حيز التنفيذ في العاشر من أكتوبر 2025، حيث تواصل قوات الاحتلال استهداف المدنيين والمنشآت. وبحسب الإحصائيات الرسمية، فقد أدت هذه الخروقات منذ توقيع الاتفاق وحتى اليوم إلى ارتقاء 883 شهيداً وإصابة أكثر من 2648 فلسطينياً في مختلف مناطق القطاع.

يُذكر أن قطاع غزة لا يزال يعاني من آثار حرب الإبادة الجماعية التي انطلقت في أكتوبر 2023، والتي خلفت دماراً هائلاً طال نحو 90% من البنية التحتية المدنية. وقد سجلت وزارة الصحة منذ بدء العدوان الشامل ارتقاء أكثر من 72 ألف شهيد وإصابة ما يزيد عن 172 ألفاً آخرين، في واحدة من أكبر الكوارث الإنسانية التي شهدتها المنطقة في العصر الحديث.

فلسطين

السّبت 23 مايو 2026 1:47 صباحًا - بتوقيت القدس

الأمم المتحدة: الاحتلال يواصل جرائم الحرب في غزة وحصيلة الضحايا تتجاوز 880 قتيلاً منذ الهدنة

أفاد مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان في فلسطين بأن الانتهاكات الإسرائيلية الممنهجة في قطاع غزة لم تتوقف منذ توقيع اتفاق وقف إطلاق النار قبل نحو سبعة أشهر. وأوضحت مصادر أممية أن الواقع المعيشي للسكان بات مأساوياً بشكل غير مسبوق، حيث يتعرض الفلسطينيون، بمن فيهم الأطفال، لعمليات قتل مستمرة في مختلف مناطق القطاع دون رادع.

وكشفت المتحدثة باسم المكتب، مي الشيخ، عن إحصائيات وصفتها بالمرعبة تتعلق بحجم الجرائم المرتكبة منذ أكتوبر الماضي، مشيرة إلى سقوط أكثر من 880 شهيداً برصاص وقذائف قوات الاحتلال خلال فترة الهدنة المفترضة. وأكدت أن هذه الأرقام تعكس عدم جدية الجانب الإسرائيلي في الالتزام بالاتفاقيات الموقعة واستمراره في استهداف المدنيين.

وشددت المتحدثة على أن سلطات الاحتلال اتخذت من الهدنة غطاءً لتنفيذ عمليات تصفية ميدانية وقصف مركز، مما أدى لاستشهاد 180 مدنياً مؤخراً في مراكز النزوح والشوارع العامة. وتنوعت أدوات القتل بين القصف البحري والجوي المركز، مما حول حياة النازحين في الخيام إلى جحيم مستمر يفتقر لأدنى مقومات الأمان.

ورصدت التقارير الأممية استمرار الهجمات الجوية المكثفة، لا سيما عبر استخدام الطائرات المسيّرة والقصف الصاروخي والمدفعي من البوارج الحربية. وحذرت المسؤولة الأممية من وقوع كارثة إنسانية مركبة، في ظل العجز الكامل عن البدء في أي من مشاريع إعادة الإعمار نتيجة القيود الإسرائيلية المشددة على دخول المواد الأساسية.

واتهمت الأمم المتحدة إسرائيل بتعمد خنق قطاع غزة إنسانياً من خلال سياسة تقنين دخول الغذاء والدواء، وبث حالة من الذعر الدائم في نفوس العائلات النازحة على طول الشريط الساحلي. واعتبرت أن استمرار هذه السياسات العدوانية يتنافى تماماً مع جوهر وقف إطلاق النار، ويجعل من حالة النزوح أزمة مستدامة تؤرق معظم سكان القطاع.

وفي سياق متصل، حذر المكتب الإعلامي الحكومي في غزة من تداعيات تقليص كميات الوقود والمساعدات الواصلة للسكان، مؤكداً أن الأزمة الإنسانية بلغت مستويات غير مسبوقة. وأشار المكتب في بيان رسمي إلى أن القيود المفروضة على المعابر تهدف إلى إبقاء القطاع في حالة استنزاف دائم ومنع أي محاولة للتعافي الاقتصادي أو المعيشي.

وأظهرت البيانات الرسمية أن حركة السفر عبر معبر رفح خلال الأسبوع الماضي لم تتجاوز 28% من العدد الفعلي للحالات الإنسانية المستهدفة، حيث غادر 403 مسافرين فقط من أصل 2400 حالة طارئة. وتعكس هذه الأرقام حجم التضييق الممارس على حركة الأفراد، خاصة الجرحى والمرضى الذين يحتاجون لعلاج عاجل خارج القطاع المحاصر.

وعلى صعيد الإمدادات الإغاثية، دخلت إلى غزة 2287 شاحنة فقط من أصل أكثر من 4200 شاحنة كان من المفترض وصولها، ما يمثل عجزاً يتجاوز 70%. وأوضح البيان أن هذا النقص الحاد في المساعدات والوقود يعطل عمل المستشفيات والمرافق الحيوية، ويضع مئات الآلاف من الأسر تحت طائلة الجوع والمرض.

من جانبه، حذر نيكولاي ملادينوف أمام مجلس الأمن الدولي من خطورة تحول هذا الواقع المأساوي إلى وضع دائم في ظل غياب أفق حقيقي لإعادة الإعمار. وتزامنت هذه التحذيرات مع نداءات أطلقتها منظمة الصحة العالمية ووكالة أونروا، أكدت فيها أن آلاف الجرحى يواجهون خطر الموت بسبب نقص الرعاية الطبية وانهيار منظومة الغذاء والصحة والمياه.

عربي ودولي

السّبت 23 مايو 2026 1:47 صباحًا - بتوقيت القدس

تصعيد إسرائيلي يطال شرق لبنان وجنوبه: غارات مكثفة تستهدف المسعفين وتوقع عشرات الضحايا

شهدت المناطق الجبلية في شرق لبنان ومدينة صور الساحلية جنوباً سلسلة من الغارات الجوية العنيفة التي نفذها الطيران الحربي الإسرائيلي ليل الجمعة والسبت. وأفادت مصادر ميدانية بتسجيل نحو سبع غارات استهدفت جرود السلسلة الشرقية المحاذية للحدود السورية، وهي منطقة كانت قد بقيت بعيدة نسبياً عن دائرة الاستهداف المباشر منذ بدء سريان اتفاق وقف إطلاق النار الأخير.

وفي مدينة صور، طال القصف مبنيين سكنيين في المدينة ومحيطها بعد صدور أوامر إخلاء إسرائيلية فورية للسكان. وبررت سلطات الاحتلال هذه الهجمات بذريعة استخدام المنشآت من قبل عناصر حزب الله، وهو ما أدى إلى موجة نزوح جديدة وذعر بين المدنيين في المناطق المستهدفة.

يأتي هذا التصعيد الميداني بعد يوم دامٍ شهد سقوط 11 شهيداً، من بينهم ستة مسعفين، جراء أكثر من ستين هجوماً إسرائيلياً استهدفت القرى والبلدات الجنوبية. وتنوعت هذه الاعتداءات بين الغارات الجوية والقصف المدفعي المركز، بالإضافة إلى عمليات تمشيط وتفجير في المناطق الحدودية، مما يضع اتفاق الهدنة الهش أمام اختبار حقيقي.

ورصدت المصادر استهدافاً مباشراً لفرق الإنقاذ، حيث استشهد ستة أشخاص بينهم مسعفان في غارة على مثلث برج رحال - دير قانون النهر. ووقعت الإصابات أثناء محاولة المسعفين إجلاء جرحى سقطوا في غارة سابقة استهدفت دراجة نارية، مما يشير إلى نمط من الهجمات المزدوجة التي تستهدف الأطقم الطبية.

وفي بلدة حناوية، استشهد أربعة مسعفين آخرين وأصيب اثنان بجروح متفاوتة نتيجة غارتين استهدفتا بشكل مباشر مركزاً إسعافياً ونقطة تمركز تابعة للهيئة الصحية الإسلامية. كما طالت الغارات منطقة الحافور الواقعة بين بلدتي صديقين وقانا، مما أدى إلى وقوع إصابات إضافية في صفوف المدنيين المتواجدين في المنطقة.

ولم تكن مدينة النبطية بمنأى عن هذا التصعيد، حيث استهدفت طائرة مسيرة سيارة شحن صغيرة (بيك أب) في قلب السوق التجاري المكتظ. وأسفر الهجوم عن استشهاد شخص وإصابة آخرين، في خطوة تعكس إصرار الاحتلال على ملاحقة الأهداف المدنية والتجارية في عمق المدن الجنوبية الكبرى.

من جانبها، كشفت وزارة الصحة اللبنانية في تقريرها الدوري عن تسجيل 22 شهيداً و39 جريحاً خلال الأربع وعشرين ساعة الماضية فقط. وتعكس هذه الأرقام حجم التصعيد العسكري الإسرائيلي المستمر رغم التفاهمات الدولية التي كانت تهدف إلى خفض حدة التوتر ووقف العمليات القتالية.

ومع استمرار هذه الموجة من العنف، ارتفعت الحصيلة الإجمالية لضحايا العدوان الإسرائيلي منذ مطلع مارس الماضي لتصل إلى 3111 شهيداً و9432 جريحاً. وتؤكد هذه الإحصائيات المأساوية عمق الأزمة الإنسانية التي يعيشها لبنان في ظل استمرار الخروقات الإسرائيلية المتكررة للسيادة اللبنانية وللاتفاقات المبرمة.