حاتم عبد القادر: جريمة لا تقتصر على مصادرة مبنى أُنشئ بموجب قرار دولي لخدمة اللاجئين بل تمثل محاولة لطمس هوية "الأونروا" وعدواناً مباشراً على القانون الدولي
حكم شهوان: القضية تستحق تحقيقاً دوليا فورياً لتتبين كل التفاصيل والمجريات خلف الكواليس وكذلك الاهمال والاخفاقات أو حتى المشاركة في تسليمه كما حصل
أمجد شهاب: إسرائيل تحاول منذ سنوات إنهاء وجود الوكالة باعتبارها تكريساً لقضية اللاجئين لذلك تأتي هذه الخطوة ضمن محاولات شطب ملف حق اللاجئين بالعودة
عمر الرجوب: المخطط الإسرائيلي يعكس توجهاً متسارعاً لتكريس الضم الفعلي للقدس المحتلة وإعادة تشكيل الفضاء العام فيها بما يخدم رواية الاحتلال الاستعمارية
سامي مشعشع: ما يجري ليس نزاعاً عقارياً بل سابقة خطيرة في تاريخ الأمم المتحدة.. وقرارات الكنيست الأخيرة أرست إطاراً قانونياً وسياسياً لطرد "الأونروا" من القدس
علي أبو حبلة: استهداف مقار "الأونروا" أو التضييق على عملها يأتي ضمن سياق سياسي إسرائيلي متدرج يهدف إلى إنهاء رمزية الوكالة ودورها القانوني والإنساني
خاص بـ"القدس"-
يشكّل قرار سلطات الاحتلال الإسرائيلي تحويل مقر وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "الأونروا" في حي الشيخ جراح بمدينة القدس المحتلة إلى منشآت عسكرية وأمنية تصعيداً خطيراً وغير مسبوق، يمس مكانة المؤسسات الدولية ويشكّل انتهاكاً واضحاً للقانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة. ويأتي في سياق محاولات إسرائيلية متواصلة لاستهداف الوكالة الدولية، وتقويض دورها الإنساني والسياسي المرتبط بقضية اللاجئين الفلسطينيين وحقهم في العودة، عبر فرض وقائع جديدة في القدس المحتلة وتكريس السيطرة الإسرائيلية عليها.
خرق فاضح للقرارات والقانون الدولي
يدين الأمين العام للهيئة الإسلامية المسيحية لنصرة القدس والمقدسات، حاتم عبد القادر، قيام قوات الاحتلال بتحويل مقر وكالة الغوث "الأونروا" في حي الشيخ جراح بالقدس إلى منشآت عسكرية للاحتلال، في خطوة تمثل خرقاً فاضحاً للقانون الدولي والقرارات الأممية ذات الصلة.
ويقول عبد القادر إن هذه الجريمة لا تقتصر على مصادرة مبنى أُنشئ بموجب قرار دولي لخدمة اللاجئين الفلسطينيين، بل تمثل محاولة ممنهجة لطمس هوية هذه المؤسسة، وعدواناً مباشراً على القانون الدولي، ومحاولة لتجريد اللاجئين الفلسطينيين من حقوقهم غير القابلة للتصرف، التي كفلها لهم القانون الدولي.
إجراء باطل من أساسه
ويؤكد عبد القادر أن هذا العدوان على مؤسسة "الأونروا" يهدف إلى طمس هوية وحقوق اللاجئين الفلسطينيين، لكنه لن يُسقط حقاً ولن يُنشئ التزاماً بأي وضع قانوني جديد، لأنه إجراء باطل من أساسه.
ويضيف عبد القادر أن قضية اللاجئين غير قابلة للطمس، وهي ركيزة أساسية من ركائز القضية الفلسطينية، لا يمكن تجاوزها أو التنازل عنها، كما أنها قضية الضمير الإنساني وكل الشرفاء في هذا العالم.
ويطالب عبد القادر المجتمع الدولي، بكل مؤسساته، بتحمل مسؤولياته القانونية والأخلاقية والإنسانية، واتخاذ إجراءات ذات مغزى لردع الاحتلال عن ارتكاب مزيد من هذه الانتهاكات الخطيرة، ومحاسبته على جرائمه المتواصلة بحق الشعب الفلسطيني.
كما يطالب عبد القادر المجتمع الدولي بالعمل الجاد على تمكين الشعب الفلسطيني من نيل حقوقه الكاملة غير المنقوصة، وعلى رأسها حق العودة وتقرير المصير، وإقامة الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس الشرقية.
الحدث الأول من نوعه في تاريخ الأمم المتحدة
يقول رئيس المكتب التنفيذي ورئيس طاقم العاملين لدى "الأونروا" سابقاً حكم شهوان "يعتبر قرار الحكومة الاسرائيلية الحالية الأخير بتحويل مقر "الأونروا" الرئيسي في القدس الشرقية إلى مقر عسكري لاستقطاب وتجنيد للجيش الاسرائيلي، خرقا واضحا لكافة المعايير والقيم القانونية الدولية والأخلاقية".
يضيف "يعتبر الحدث الأول في العالم من نوعه في تاريخ الأمم المتحدة ومنذ تأسيسها. المبنى والعقار هو ملك خاص لعائلة فلسطينية ومؤجر من قبل الحكومة الأردنية التي كانت المتصرفة حينها بموجب عقد رسمي مع الأونروا موثق ويجدد تلقائيا منذ اوائل الخمسينات من القرن الماضي".
ويشير شهوان انه كون المقر اممي يتمتع بحصانة دولية غير قابلة للشك، يعتبر عقار تابع لقانون حماية المستأجر الذي يمنع اي جهة اخرى من التصرف به حتى بموجب القانون الأسرائيلي.
هجمات مباشرة وغير مباشرة
ويؤكد شهوان ان الهجمات على وكالة الغوث الدولية الأممية مستمرة وباساليب عديدة منها الأسلوب المباشر من خلال القرارات الاسرائيلية المتعلقة باغلاق مقراتها ومراكز خدماتها في القدس، والمضايقات في اعمالها في الضفة الغربية، ومنعها من العمل في قطاع غزة، وايضا باساليب غير مباشرة من خلال استمرار الاتهامات الباطلة تجاه اعمالها وموظفيها، والتي تؤدي الى تقليص التمويل والخدمات للاجئين الفلسطينيين في كافة مناطق أعمال الوكالة الخمس.
ويقول "في عام 2018 قمت شخصيا بمتابعة الوضع القانوني وحصلت على رأي قانوني مختص يفصل كافة الاجراءات التي ممكن اتخاذها. قمت بارسال كافة الوثائق مرة أخرى عندما تم الاعتداء على المقر في القدس لادارة "الاونروا" للمتابعة. كما قمت شخصيا عام 2018 عندما حاولت بلدية القدس اغلاق مقرات "للاونروا" بتوظيف كافة الامكانيات المتاحة لحمايتها وبدعم كامل من المفوض العام الأسبق وبتنسيق كامل مع كافة الدول الأعضاء في اللجنة الاستشارية "للأونروا" وبالفعل تم وقف تلك المحاولات في حينه".
ويعرب شهوان عن اسفه الشديد كون تصرف المفوض السابق للأونروا تجاه قضية اللاجئين الفلسطينيين كان غير اخلاقي أو مهني من حيث المبدأ، ولم يحترم أي من مهامه ومسؤولياته امام مجتمع اللاجئين الفلسطينيين. فبالاضافة لقراراته التعسفية تجاه الموظفين واللاجئين، قام بنقل المقر الرئيسي من القدس بسنوات قبل اقرار الكنيست الاسرائيلي بمنع "الأونروا" من العمل في القدس.
ويضيف ومع الأسف الشديد والمؤلم ايضا لم توافق أي من المنظمات الأممية الأخرى العاملة في القدس بنقل مقرها هناك لمساندة "الأونروا" وحماية المقر من المصادرة بالرغم من المحاولات العديدة.
إهمال وإخفاقات تستحق تحقيقاً دولياً
ويرى شهوان أن قضية مقر "الأونروا" تستحق تحقيقا دوليا فوريا ليتبين فيه كل التفاصيل والمجريات خلف الكواليس، وكذلك الاهمال والاخفاقات أوحتى المشاركة في تسليمه كما حصل. الصمت الدولي منذ بداية التحركات الاسرائيلية اعتبرته الحكومة الاسرائيلية ضوء اخضر للاستمرار بالمخالفات والتطاول على مقرات أممية.
ويوضح شهوان ان هذه القضية لا تقل اهمية عن قضية التحقيقات الدولية والمستقلة التي جرت مع الموظفين في غزة عندما اتهمتهم اسرائيل بالانخراط في عملية السابع من اكتوبر. هذه القضية لا تقل اهمية ايضا عن الاتهامات التي ادت الى مراجعة المنهاج الدراسي الذي تستخدمه "الأونروا" في مدارسها، وقضايا اخرى ثبتت التحقيقات فيها بطلان الاتهامات بالكامل.
ويؤكد شهوان ان الرسالة التي على دول الأعضاء في الأمم المتحدة والأمين العام استنتاجها، أن هذا التصرف يضع منظمات الأمم المتحدة وعملياتها وبعثاتها حول العالم في خطر كبير لمجرد صمتهم وعدم اتخاذهم لاجراءات حقيقية قانونية لمواجهة وحماية قرارات دولية قاموا باقرارها بانفسهم من خلال الجمعية العمومية. في هذه الحالة فشلت الشرعية الدولية واغتصبت قراراتها أمام الجميع.
تعيين مفوض وطاقم عمل للتعامل مع حماية ولاية الوكالة
ويقول شهوان "يجب اليوم تعيين مفوض عام أصيل (وليس قائم باعمال) وطاقم عمل يتعامل مع حماية ولاية "الأونروا" واستمرار عملها كأولوية فورية من خلال برنامج يعيد الثقة مع اللاجئين الفلسطينيين أولا، ثم الموظفين والدول المانحة وليس برنامج استسلامي انهزامي يبين فيه العجز المالي فقط، لأن العجز المالي "للأونروا" هو عجز الأدارة في شرح اهمية وجود ودور ونجاحات هذه المنظمة على مدى عقود، وعجز دولي سياسي في حل قضية فلسطين الأم والتي ادى استمرارها الى انتظار ما يقارب 6 مليون لاجىء فلسطيني للعدالة الدولية وهم يعانون اصعب الظروف الانسانية والاجتماعية في اماكن تواجدهم".
خطوة ذات مغزى سياسي
يقول المحلل السياسي د.أمجد شهاب أن هذا التطور الخطير والاستهتار بانتهاك رمزية المكان والقانون الدولي وقرارات الامم المتحدة يهدف لارسال رسائل واضحه، وبحاجة لفهم الاجراء من الناحية الرمزية السياسية والقانون والرسائل، الموجه لطرف الفلسطيني والعربي والمجتمع الدولي وخاصة هيئة الامم المتحدة.
ويرى شهاب ان خطوة تحويل مقر تابع لـ"الأونروا" في القدس إلى مجمع عسكري، ليس مجرد قرار عقاري أو إداري، بل خطوة ذات مغزى سياسي. ويقول إن اسرائيل أعلنت ان لديها نوايا لإنشاء مكتب "لوزير الدفاع" ومركز تجنيد ومتحف عسكري في الموقع وهذا يعتبر انتهاك للقوانين والاعتراف والمعاهدات الدولية، ومساس بمنشآت الأمم المتحدة ووضع القدس الشرقية المحتلة.
ويوضح شهاب ان "الاونروا" ترتبط بقضية اللاجئين الفلسطينيين منذ عام ١٩٤٨ النكبة وأُنشئت الوكالة لخدمة اللاجئين الفلسطينيين بقرار اممي عام 1949.
محاولة إنهاء وجود الوكالة في الأراضي الفلسطينية
ويقول ان تحويل موقع مرتبط بها إلى منشأة عسكرية أو سيادية إسرائيلية مساس برمزية المكان، ورسالة سياسية تتجاوز المبنى نفسه وهذا يهدف بالدرجة الاولى لمحاولة إعادة تعريف المكان والذاكرة وفرض السيادة في القدس.
ويشير شهاب ان اسرائيل تحاول منذ سنوات انهاء وجود الوكالة في الاراضي الفلسطينية المحتلة، عبر تقليص دورها باعتبارها تكريس لقضية اللاجئين، لذلك هذه الخطوة تأتي ضمن محاولات اسرائيل لشطب ملف حق اللاجئين الفلسطينيين بالعودة ....الخ.
ويضيف ان الخطوة تعتبر ايضا ذات بعد انتخابي بتوقيتها الحالي كرسالة للجمهور الانتخابي الإسرائيلي كيف استطاعت هذه الحكومة اليمينية المتطرفة تحويل رمز وجودي للأمم المتحدة إلى رمز وجود سيادي إسرائيلي.
تحدٍّ واضح لسمعة الأمم المتحدة ومكانتها
ويقول شهاب ان عدم المبالاه في التعامل مع منشآت الوكالة التي من المفروض ان تتمتع بالحماية والحصانة التي يجب أن تكون ضمن التزامات إسرائيل. مضيفا ان هذا تحدي واضح لسمعة ومكانة الامم المتحدة ودورها وايضا للمجتمع الدولي، بالاضافة ان اسرائيل منذ احتلالها للشطر الشرقي من المدينة المقدسة تقوم بانتهاك القانون الدولي الذي يحرم التغير القانوني والديمغرافي للأراضي المحتلة.
أداة لترسيخ السيطرة العسكرية والأمنية
ويؤكد مدير الإعلام في محافظة القدس عمر الرجوب أن مصادقة سلطات الاحتلال الإسرائيلي على تخصيص مجمّع وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "أونروا" السابق في حي الشيخ جرّاح، المقام على مساحة تُقدّر بنحو (36) دونماً، لصالح إقامة متحف لجيش الاحتلال، ومكتب تجنيد، ومقر لوزارة الأمن الإسرائيلية، تمثل تصعيداً سياسياً وقانونياً بالغ الخطورة، يكشف عن انتقال الاحتلال من مرحلة التضييق على المؤسسات الدولية العاملة في القدس المحتلة، إلى مرحلة الاستيلاء المباشر على مقارها وتحويلها إلى أدوات لترسيخ السيطرة العسكرية والأمنية الإسرائيلية في المدينة المحتلة.
ويضيف الرجوب ان هذا القرار يشكل انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي، وخرقاً واضحاً لاتفاقية امتيازات وحصانات الأمم المتحدة لعام 1946، التي تكفل الحماية الكاملة لمقار وممتلكات المؤسسات التابعة للأمم المتحدة، بما فيها وكالة "أونروا". كما يتعارض القرار مع التزامات إسرائيل بصفتها قوة قائمة بالاحتلال بموجب اتفاقية جنيف الرابعة، التي تحظر مصادرة الممتلكات العامة أو تغيير طابع الأراضي المحتلة وفرض وقائع دائمة عليها.
محاولة فرض سردية الاحتلال على حساب الذاكرة الفلسطينية
ويرى الرجوب أنه على المستوى السياسي، يعكس هذا المخطط توجهاً إسرائيلياً متسارعاً لتكريس الضم الفعلي للقدس المحتلة، وإعادة تشكيل الفضاء العام فيها، بما يخدم الرواية الاستعمارية الإسرائيلية، عبر تحويل موقع أممي وإنساني إلى منشآت عسكرية وأمنية مرتبطة مباشرة بأجهزة الاحتلال، كما أن إقامة متحف لجيش الاحتلال في هذا الموقع تمثل محاولة لفرض سردية احتلالية على حساب الذاكرة والحقوق الفلسطينية، خصوصاً في منطقة تُعد من أكثر أحياء القدس استهدافاً بمشاريع التهويد والتهجير القسري.
ويشير الرجوب إلى أن هذا القرار يضع المجتمع الدولي والأمم المتحدة أمام اختبار حقيقي يتعلق بقدرتهم على حماية مؤسساتهم وقراراتهم من الانتهاكات الإسرائيلية المتواصلة.لافتا الى ان الصمت الدولي إزاء تحويل مقر تابع للأمم المتحدة إلى منشأة عسكرية إسرائيلية من شأنه أن يشجع الاحتلال على مواصلة اعتداءاته ضد المؤسسات الدولية والشعب الفلسطيني في القدس المحتلة، ويقوض مكانة المنظمات الأممية وحصاناتها القانونية، بما يهدد النظام القانوني الدولي برمّته.
إلغاء الوجود القانوني والسيادي للمنظمة الأممية بالقدس
ويرى الخبير الفلسطيني في شؤون الأونروا والوكالات الدولية سامي مشعش أنه لم تعد القضية تتعلق فقط بحملة سياسية ضد وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "الأونروا"، بل بمحاولة منظمة لإلغاء الوجود القانوني والسيادي للأمم المتحدة نفسها في القدس المحتلة.
ويشير إلى أن قرارات الكنيست الإسرائيلي الأخيرة، بما فيها "قانون وقف عمليات "الأونروا" 2024" و"قانون حظر نشاطها داخل أراضي دولة إسرائيل 2024"، لم تكتفِ بتقييد عمل الوكالة، بل أرست إطاراً قانونياً وسياسياً لطرد "الأونروا" بالكامل من القدس المحتلة، وتجريدها من وضعها المؤسسي والقانوني.
يؤكد مشعشع أن الأخطر أن الحكومة الإسرائيلية بدأت فعلياً بترجمة هذه القوانين إلى وقائع ميدانية دائمة، عبر قرار رسمي يقضي بإعادة تخصيص نحو 36 دونماً من الأراضي التي كانت تستخدمها "الأونروا" في القدس، وتحويلها إلى منشآت أمنية وعسكرية إسرائيلية، تشمل مركزاً عسكرياً للتجنيد والمعالجة (ميتكانيم) ومقراً لشرطة القدس. كما ينص القرار على تخصيص الأرض لمدة 49 عاماً قابلة للتجديد لـ49 عاماً إضافية، بما يكشف بوضوح نية فرض تغيير سيادي دائم على أملاك ومقار مرتبطة بالأمم المتحدة.
تشريعات أحادية الجانب في أرض محتلة
ويقول: إن ما يجري في الشيخ جراح ومحيط القدس ليس نزاعاً عقارياً، بل سابقة خطيرة في تاريخ الأمم المتحدة: لأول مرة لا تكتفي دولة عضو بعرقلة عمل وكالة أممية، بل تعمل على تحويل البنية التحتية المادية التابعة لها إلى منشآت سيادية أمنية وعسكرية، مستندة إلى تشريعات محلية أحادية الجانب في أرض محتلة.
يضيف مشعشع ان "الأونروا" ليست "ضيفاً" على إسرائيل حتى يُنهى وجودها بقرار من الكنيست، بل وكالة أنشأتها الجمعية العامة بتفويض دولي قائم، وترتبط مباشرة بالمسؤولية الدولية تجاه اللاجئين الفلسطينيين وحقوقهم غير القابلة للتصرف، وفي مقدمتها حق العودة. ولذلك فإن استهدافها لا يهدف فقط إلى وقف الخدمات، بل إلى تفكيك آخر شاهد سياسي وقانوني ومؤسساتي على نكبة فلسطين.
مطلوب تحرك استثنائي يتناسب مع خطورة اللحظة
ويشير إلى إن الصمت الدولي إزاء هذه الخطوات لن يُقرأ كحياد، بل كقبول ضمني بإمكانية إخضاع مؤسسات الأمم المتحدة لإرادة القوة العسكرية للدول القائمة بالاحتلال. وإذا جرى تثبيت هذه السابقة في القدس، فإن أي بعثة أو وكالة أممية في مناطق النزاع حول العالم قد تصبح مستقبلاً عرضة للمصادرة والطرد وإعادة التوظيف القسري.
ويرى مشعشع ان الجمعية العامة مطالبة بتحرك استثنائي يتناسب مع خطورة اللحظة، عبر خطوات عملية وملموسة:
أولاً: عقد دورة استثنائية طارئة للجمعية العامة تحت إطار “الاتحاد من أجل السلام”، باعتبار أن استهداف مؤسسة أممية يشكل تهديداً مباشراً للنظام الدولي القائم على ميثاق الأمم المتحدة.
ثانياً: طلب رأي استشاري عاجل من محكمة العدل الدولية بشأن قانونية مصادرة وإعادة توظيف ممتلكات الأمم المتحدة في الأراضي المحتلة، وليس فقط بشأن الاحتلال بحد ذاته.
ثالثاً: إعلان جميع مقار الأونروا وأراضيها وأرشيفاتها في القدس والأراضي الفلسطينية المحتلة “مواقع أممية محمية دولياً” ضمن آلية حفظ طارئة تشرف عليها الأمم المتحدة مباشرة، بما يشمل توثيقاً رقمياً وقانونياً كاملاً للأملاك والسجلات والوثائق التاريخية للاجئين.
رابعاً: إصدار تحذيرات قانونية دولية للشركات والمقاولين والبنوك والمؤسسات التي قد تشارك في إعادة تطوير أو بناء منشآت إسرائيلية على أراضٍ ومقار تابعة للأونروا، باعتبار ذلك مساهمة في الاستيلاء غير القانوني على ممتلكات أممية في أرض محتلة.
خامساً: إنشاء صندوق دولي خاص لضمان استمرار خدمات الأونروا في القدس حتى في حال إغلاق مقارها قسراً، عبر بدائل تعليمية وصحية ورقمية ومجتمعية تمنع تحقيق هدف الإفراغ السياسي والمؤسساتي للوكالة.
سادساً: إرسال بعثات دبلوماسية وبرلمانية دولية بشكل دوري إلى مقار الأونروا المهددة بالمصادرة، لخلق حضور سياسي دولي دائم يرفع الكلفة الدبلوماسية لأي محاولة استيلاء أو تحويل قسري.
الشرعية الدولية برمتها معرضة لإمكانية إلغائها
يختتم مشعشع: "إن المعركة الدائرة حول "الأونروا" لم تعد معركة خدمات إنسانية فقط، بل معركة حول من يملك سلطة تعريف الواقع السياسي والقانوني في فلسطين: الشرعية الدولية التي تمثلها الأمم المتحدة، أم القوة الأحادية المفروضة بقوانين الاحتلال وأدواته العسكرية. وإذا عجزت الأمم المتحدة عن حماية مؤسساتها ومقارها وقراراتها في القدس، فإن الرسالة الأخطر التي ستصل إلى العالم بأسره هي أن الشرعية الدولية نفسها يمكن إلغاؤها بالقوة”.
سلطة الاحتلال لا تملك أي سيادة قانونية
من جهته، يرى الكاتب المحامي علي أبو حبلة أن الحديث عن تحويل مقر وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "الأونروا" في حي الشيخ جراح بمدينة القدس المحتلة إلى منشآت عسكرية إسرائيلية يمثل تطوراً بالغ الخطورة، ليس فقط من الناحية العقارية أو الإدارية، وإنما لما يحمله من أبعاد قانونية وسياسية واستراتيجية تمس جوهر الصراع على القدس ومستقبل الوجود الفلسطيني وحقوق اللاجئين الفلسطينيين التي كفلتها قرارات الشرعية الدولية.
ويؤكد أبو حبلة أن استهداف مقار "الأونروا" أو التضييق على عملها يأتي ضمن سياق سياسي إسرائيلي متدرج يهدف إلى إنهاء رمزية الوكالة ودورها القانوني والإنساني، باعتبارها الشاهد الدولي الحي على قضية اللاجئين الفلسطينيين منذ نكبة عام 1948. فوجود "الأونروا" ليس مجرد وجود إغاثي أو خدماتي، بل يحمل بعداً سياسياً وقانونياً يرتبط مباشرة بقرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 194 الخاص بحق العودة والتعويض للاجئين الفلسطينيين.
ويشير أبو حبلة الى انه وفقاً لقواعد القانون الدولي الإنساني، فإن القدس الشرقية تُعد أرضاً محتلة وفق قرارات مجلس الأمن والجمعية العامة ومحكمة العدل الدولية، وبالتالي فإن سلطة الاحتلال لا تملك أي سيادة قانونية تخولها التصرف بالأملاك أو المؤسسات الدولية الموجودة فيها بصورة أحادية.
كما أن أي استيلاء على منشآت تابعة للأمم المتحدة أو تغيير طبيعتها القانونية والوظيفية يُعد انتهاكاً لاتفاقية امتيازات وحصانات الأمم المتحدة لعام 1946، والتي تكفل حماية مقرات المؤسسات الأممية وعدم التعرض لها أو مصادرتها أو تغيير استخدامها بالقوة.
تهديد مباشر للمدنين الفلسطينيين
ويضيف: إن تحويل منشأة مدنية وإنسانية إلى منشأة عسكرية يمثل خرقاً واضحاً لاتفاقيات جنيف، وخاصة الاتفاقية الرابعة المتعلقة بحماية المدنيين وقت الحرب، إذ إن استخدام المرافق المدنية لأغراض عسكرية يكرس سياسة عسكرة المدينة المحتلة ويشكل تهديداً مباشراً للمدنيين الفلسطينيين.
ومن الناحية القانونية، يرى أبو حبلة أن هذا الإجراء يندرج ضمن سياسة فرض الأمر الواقع بالقوة، وهي سياسة محرمة دولياً بموجب ميثاق الأمم المتحدة الذي يحظر الاستيلاء على الأراضي أو الممتلكات بالقوة أو عبر إجراءات أحادية الجانب.
وعن الأبعاد السياسية يقول أبو حبلة: يعكس هذا القرار تحولاً متسارعاً في العقيدة السياسية الإسرائيلية تجاه القدس، حيث لم تعد المسألة مرتبطة فقط بالاستيطان أو التهويد الديمغرافي، بل باتت تستهدف أيضاً الوجود الدولي والرمزي المرتبط بالقضية الفلسطينية.
ويشير إلى أن الاستهداف المتكرر لـ"الأونروا" ينسجم مع الرؤية الإسرائيلية التي تعتبر أن إنهاء الوكالة يعني عملياً شطب ملف اللاجئين من أي تسوية مستقبلية، وإعادة تعريف القضية الفلسطينية باعتبارها أزمة إنسانية وليست قضية تحرر وطني وحقوق تاريخية.
ويضيف: إن اختيار حي الشيخ جراح تحديداً يحمل دلالات سياسية عميقة، نظراً لما يمثله الحي من رمز للمواجهة القانونية والسياسية ضد سياسات التهجير القسري والاستيطان، وبالتالي فإن تحويل مقر أممي فيه إلى منشأة عسكرية يهدف إلى تكريس الهيمنة الأمنية الإسرائيلية على القدس الشرقية وإرسال رسالة بأن الاحتلال ماضٍ في فرض سيادته بالقوة.
تطور لا يمكن فصله عن السياقين الإقليمي والدولي
وحول التداعيات الاستراتيجية للقرار يؤكد أبو حبلة أن هذا التطور لا يمكن فصله عن السياق الإقليمي والدولي، خاصة في ظل الحرب المستمرة على غزة والتصعيد في الضفة الغربية ومحاولات إعادة تشكيل الواقع الجيوسياسي في المنطقة.
ويلفت ان تحويل منشآت أممية إلى استخدامات عسكرية يهدد مكانة الأمم المتحدة نفسها ويشكل سابقة خطيرة قد تقوض النظام الدولي القائم على احترام الحصانات الدولية والمؤسسات الإنسانية.
ويحذر أبو حبلة من أن هذه الخطوة قد تزيد من حدة التوتر في القدس، وتفتح الباب أمام موجة جديدة من المواجهات الشعبية والسياسية، خاصة أن القدس تبقى محوراً مركزياً في الوعي الوطني الفلسطيني والعربي والإسلامي.
وحول المطلوب فلسطينياً ودولياً يقول ابو حبلة انه أمام هذه التطورات، تبرز الحاجة إلى تحرك فلسطيني رسمي وقانوني ودبلوماسي عاجل، عبر:
- التوجه إلى الأمم المتحدة ومجلس الأمن والجمعية العامة لوقف أي إجراءات إسرائيلية تمس مقرات المؤسسات الدولية في القدس.
- مطالبة الأمين العام للأمم المتحدة بتوفير الحماية القانونية والسياسية لمؤسسات المنظمة الدولية.
- تفعيل المسار القانوني أمام محكمة العدل الدولية والمحكمة الجنائية الدولية باعتبار هذه الإجراءات جزءاً من سياسة الضم والتهجير القسري وتغيير الطابع القانوني للأراضي المحتلة.
- تعزيز الحضور الفلسطيني والعربي والدولي في القدس لمواجهة سياسة فرض الأمر الواقع.