وأضاف الموقع أنه بينما صُمّم "إف إس بي" الروسي لمكافحة التمرّد المسلّح والإرهاب السلفي (إرث بيسلان والشيشان)، يبدو أنه أعمى تمامًا أمام نفوذٍ ديني مؤسسي ومعتدل، حيث تُنمّي السلطات الإسلامية الروسية علنًا روابطها مع أنقرة. والسردية التي تروّجها "ديانت" قوية: إذ يُقدَّم الإسلام في روسيا بوصفه إرثًا تركيًا قُطع بفعل الحكم القيصري والسوفييتي، وهو اليوم جاهزٌ للبعث من جديد بفضل دعم تركيا.
ووفق للموقع فإن موسكو تتعامل مع الملف من زاوية أمنية صِرفة: فهي تركّز على محاربة التمرّد المسلّح، وتشدّد قبضتها عبر مركزية السلطة الإدارية، وتنظر إلى الإسلام بوصفه احتمال خطرٍ أمني، وتراهن قبل كل شيء على ضبط الحدود المادية وحمايتها.
في المقابل، تتحرك أنقرة بمنطق الهوية: لا تسعى إلى صدام مباشر، بل إلى بناء هوية ثقافية جامعة، وإعادة توزيع الولاءات على مستوى المشاعر والانتماء بدلًا من المؤسسات، وتتعامل مع الإسلام كجسر دبلوماسي يفتح الأبواب، بينما تُمسك بخيوط التأثير عبر التحكم في «تدفّقات الوعي» وصناعة السرديات، لا عبر الخرائط والأسلاك الشائكة.
وذكر الموقع أن قطر تدخل على الخط لتعقيد المشهد أكثر؛ فبينما تبني أنقرة الهوية التركية، تموّل الدوحة البنية التحتية للتديّن. ومن دون دلائل على تمويلات رسمية مباشرة مفرطة، تبرز في أوراسيا قسمة أدوار واضحة: تركيا وقطر تُشكّلان بيئةً يصبح فيها كون المرء مسلمًا داخل روسيا مرتبطًا بمرجعيات خارجية لا تمرّ عبر موسكو.
ولفت الموقع إلى أن الاستخبارات الروسية، المنشغلة بمطاردة الجواسيس الغربيين أو الإرهابيين، لا تفتح ملفات حول برامج المنح الدراسية أو منتديات الأعمال. ومع ذلك، فهناك تحديدًا تتكوّن نخب الغد: حكّام أقاليم، ورؤساء جامعات، ومفتون ينظرون إلى إسطنبول بوصفها عاصمتهم الروحية.
ويرى الموقع أن ثمة مفارقة عميقة تليق بأفضل مآسي اليونان القديمة، إذ ترتبط روسيا وتركيا باعتمادٍ متبادل لا تريد أيٌّ منهما الاعتراف به:
• اشترت تركيا منظومة "إس-400" الروسية متحدّيةً حلف شمال الأطلسي، رغم أنها لا تبدو لاحقًا وكأنها تدمجها فعليًا ضمن قواتها المسلحة.
• تقوم روسيا ببناء محطة «آق قويو» النووية في تركيا.
• ومع ذلك، فإن الطائرات المسيّرة التركية "بيرقدار" تستهدف الجنود الروس، فيما ينخر النفوذ التركي السيادة الثقافية الروسية من الداخل.
وذكر الموقع أن موسكو والغرب على نحوٍ لافت يخشيان السيناريو ذاته: تشكّل حزامٍ سنّي ذي نفَس تركي وقابل للتعبئة، يمتد من الفولغا وصولًا إلى الاتحاد الأوروبي، ويدور سياسيًا وثقافيًا في فلك أنقرة. المشكلة ليست في الطموح التركي بحدّ ذاته، بل في أن روسيا سمحت بتمدده تحت ضغط الحاجة الاقتصادية، بينما غضّ الغرب الطرف عنه لانشغاله. وفي ظل صمت الإعلام السائد، تواصل أنقرة التقدّم خطوةً بعد أخرى.
وأكد الموقع أن روسيا تجد نفسها في موقع ضعفٍ إستراتيجيًّا واقتصاديًّا بسبب العقوبات والحرب في أوكرانيا، وهي تحتاج بشدة إلى تركيا بوصفها محورًا للغاز، وقناة للتجارة الموازية، وشريكًا غير معادٍ داخل حلف شمال الأطلسي. لذلك تتحمّل موسكو التوسّع الثقافي لأردوغان باعتباره "شرًا أقل"، بهدف ضمان البقاء الاقتصادي الفوري، لكنها تُقلّل من شأن أثره بعيد المدى على تماسك الاتحاد الروسي من الداخل.
وبيّن الموقع أنه عبر "ديانت"، وهي الجهاز الحكومي المعني بالشؤون الدينية، لا تُصدّر تركيا العقيدة و الدين فقط، بل تُصدّر نموذجًا حضاريًا. ومن خلال تمويل المساجد، وتدريب أئمة روس، وتقديم منحٍ دراسية، تصنع أنقرة طبقةً قيادية دينية داخل الجمهوريات الروسية (مثل تتارستان وباشكيريا) ترى الإسلام عبر عدسةٍ تركية. وهذا ينقل مركز الولاء الروحي والثقافي من موسكو إلى إسطنبول، ويخلق رابطةً تتجاوز الحدود السياسية.
واختتم الموقع تقريره بالتأكيد على أنه ينبغي على الغرب أن يقلق بقدر ما تقلق موسكو. فرغم أن إضعاف روسيا قد يبدو مفيدًا، فإن تشكّل كتلة تركية-إسلامية متماسكة تمتد من أوروبا الوسطى حتى سيبيريا، تقودها أنقرة تزداد استقلالًا واندفاعًا، يُدخل متغيّرًا جديدًا يصعب التنبؤ به. هذا "الممر الهويّاتي" يفلت من السيطرة سواء لدى بروكسل أو لدى الكرملين، واضعًا أسس توازنات قوى مستقبلية قد لا تكون في صالح المصالح الأوروبية أو الأطلسية.