تحتفل حركة التحرير الوطني الفلسطيني «فتح» بذكرى انطلاقتها، وهي لا تقف أمام مجرد محطة زمنية في تقويم الثورة، بل أمام مرآة تعكس إرثًا ثقيلًا من التضحيات، ومستقبلًا مثقلًا بالأسئلة المصيرية. إن «فتح» لم تكن يومًا مجرد تنظيم سياسي طارئ، بل كانت، كما وصفها الشهيد ياسر عرفات، «حركة الشعب الفلسطيني»؛ تلك الكيانية التي صاغت الهوية من شتات المخيمات، وحوّلت اللجوء إلى فعل مقاومة، واضعةً الهوية الوطنية فوق كل أيديولوجيا ضيقة.
إرث مخضّب بالدم وشهادة الشركاء والخصوم
إن شرعية «فتح» لم تستمدها فقط من أقدميتها، بل من فاتورة الدم التي دفعتها عبر عشرات الآلاف من الشهداء، وسنوات الأسر التي نخرت أعمار أبنائها في الزنازين وغرف التحقيق. هذه التضحيات لم تكن حكرًا على لون تنظيمي واحد، بل كانت وقودًا للمشروع الوطني الفلسطيني الجامع، وهو ما جعل الخصوم والحلفاء، على حد سواء، يقرّون بمكانتها ودورها.
فشهادة الشيخ الشهيد أحمد ياسين بأن «فتح» مكوّن لا يمكن تجاوزه في الساحة الفلسطينية، وتأكيد الدكتور فتحي الشقاقي أن تهميشها أو إضعافها لا يخدم إلا الاحتلال، يشكّلان اعترافًا صريحًا بأن قوة «فتح» هي ضمانة لقوة الحالة الوطنية الفلسطينية برمّتها. وفي السياق ذاته، أكّد الشهيد يحيى السنوار، في أكثر من موقف وخطاب، أن فتح ليست فصيلاً عاديًا، بل عمودًا تاريخيًا في مسيرة النضال الفلسطيني، وأن أي مشروع تحرري حقيقي لا يمكن أن ينجح دون شراكة وطنية جامعة تكون فتح في قلبها. هذه الشهادة، الصادرة عن قائد مقاوم من خارج الحركة، تحمل دلالة عميقة على مركزية فتح في الوعي الوطني العام.
حين يشهد الاحتلال بالخطر
ولعل ما يرسّخ حقيقة هذا الدور أكثر، هو اعتراف قادة الاحتلال أنفسهم بخطورة «فتح». فقد حذّر قادة سياسيون وعسكريون إسرائيليون، من بينهم إسحق رابين وأرييل شارون، من أن الخطر الحقيقي في فتح لا يكمن فقط في العمل المسلح، بل في قدرتها على توحيد الفلسطينيين، وصياغة هوية وطنية جامعة، ومنح الشعب الفلسطيني عنوانًا سياسيًا واضحًا. وفي تقديرات أمنية إسرائيلية متكررة، جرى توصيف فتح بأنها الحركة التي نقلت الفلسطيني من حالة اللجوء والشتات إلى حالة الشعب صاحب المشروع، وهو ما اعتبره الاحتلال تهديدًا استراتيجيًا طويل الأمد.
هذه الشهادات، الصادرة عن العدو، لا تُقال بدافع الإنصاف، بل بدافع القلق؛ إذ لطالما رأت إسرائيل في فتح خطرًا مركّبًا: خطر المقاومة حين تتقدم، وخطر السياسة حين تتجذر، وخطر الوحدة حين تتجسّد.
فخ السلطة ومعيار الثورة
ومع ذلك، فإن المسيرة الطويلة لم تخلُ من العثرات. فقد واجهت الحركة اختبار «المغنم» مقابل «التضحية»، وانزلقت في بعض مفاصلها نحو الترهل الإداري الذي قيّدته الحسابات السلطوية. وهنا يستحضر التاريخ وصية عرفات الخالدة: «الثورة قبل السلطة، والبندقية قبل الكرسي». هذا النداء ليس مجرد شعار عاطفي، بل معيار أخلاقي ووجودي، يفرض على الحركة اليوم إعادة صياغة وجودها كحركة تحرر وطني أولًا وأخيرًا، تنحاز لوجع الناس وصمودهم قبل الانحياز للمناصب والامتيازات.
وحدة الحركة: المدخل الإلزامي للتجديد
إن أي حديث عن تجديد «فتح» يظل ناقصًا ما لم يبدأ من وحدة بيتها الداخلي. فاستعادة اللحمة بين أبنائها —ممن خرجوا أو أُخرجوا— ليست ترفًا سياسيًا، بل واجبًا نضاليًا مقدسًا. غير أن هذه العودة يجب أن ترتكز على قانون الحركة ومؤسساتها، بعيدًا عن منطق المحسوبية أو الشخصنة. فالمحاسبة، حين تكون ضرورية، يجب أن تكون وطنية وأخلاقية، تهدف إلى البناء لا الهدم، وإلى تمتين الصف لا تمزيقه، بحيث يصبح نجاح الفرد جزءًا من نجاح الجماعة والمشروع الوطني.
وفي هذا السياق، لا يمكن إغفال وصية ذات دلالة عميقة قالها لي القائد أحمد سعدات، الأمين العام للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، قبل خروجي من السجن، حين شدّد بالقول:
«عليكم أن تعملوا على وحدة حركة فتح، لأن ذلك شرطٌ إلزامي لأي مشروع وطني».
لم تكن هذه الكلمات مجاملة سياسية، بل خلاصة تجربة نضالية عميقة، وإدراكًا من قائد وطني بأن وحدة «فتح» ليست شأنًا فتحاويًا داخليًا فحسب، بل مسألة تتصل مباشرة بمصير المشروع الوطني الفلسطيني كله.
المسؤولية التاريخية تجاه الوحدة الوطنية
وباعتبارها «الأم» والمحرك التاريخي، تقع على عاتق «فتح» مسؤولية المبادرة الجادة لإنهاء الانقسام الفلسطيني. فالشراكة مع حركة حماس وبقية الفصائل ليست خيارًا تكتيكيًا، بل اعتراف بواقع الدم الواحد والمصير المشترك. وكما قال الدكتور جورج حبش: «قوة الثورة في وحدتها، وضعفها في انقسامها»، وعلى «فتح» أن تكون الرافعة الحقيقية لهذه الوحدة، محوِّلةً دماء الشهداء —كما دعا إسماعيل هنية— إلى جسر للالتقاء لا ساحة للخلاف.
أخيرًا: قدر التجدد
تقف «فتح» اليوم أمام الاختبار الأصعب: إما الاستمرار كإرث تاريخي يُحتفى به في المناسبات، أو الانبعاث كقوة متجددة تقود المشروع الوطني الفلسطيني نحو آفاقه التحررية. إن «فتح» التي يحتاجها الفلسطيني اليوم هي «فتح الجامعة»، التي تستمد قوتها من صدقها مع ذاتها، ومن قدرتها على تقديم الأكفأ والأخلص لقيادة دفة النضال.
لقد كانت «فتح» دائمًا قدر هذا الشعب، وقدرها اليوم أن تثبت أنها ما زالت قادرة على حمل الأمانة، والوفاء للأسرى والجرحى، والبقاء وفية لفلسطين التي لا تسقط بالتقادم