لم يكن يتوقع أحد أن تفتح الحرب على غزة باب الحروب في المنطقة والاقليم بهذا المدى فيما يبدو أن إسرائيل اغتنمت الفرصة بفتح حروب على جبهات غير جبهة غزة لاعتقادها أن هذه الجبهات مترابطة وتريد بذلك أن تقضي على هذا الترابط الذي أطلقت عليه الفصائل الفلسطينية قبل الحرب اسم" وحدة الساحات”، وتريد إسرائيل في ذات الوقت تفكيك القوة العسكرية لهذه الجبهات وتنزع سلاحها. كان اعتقاد حركتي حماس والجهاد وبعض فصائل المقاومة في غزة أن هذه الوحدة يمكن أن تحقق أهدافا كبيرة، لكن لم يكن في التصور الاستراتيجي لهذه الحركات أن تفتح الحروب سنوات دون توقف حتى يقتنع الإسرائيلي بأنه قضى تماما على ما يسمى بوحدة الساحات وانهاء حالات التسلح ومن خلال نزع سلاح تلك الفصائل في غزة وبعض الكتائب التي كانت تعمل في الضفة الغربية بالإضافة لسلاح حزب الله في لبنان. لم تكن الحرب في غزة لأجل الانتقام من حماس على اثر هجوم اكتوبر ولم تكن الحرب في غزة دفاعية بل هي حرب استراتيجية لتحقيق أهداف استراتيجية أهمها تفكيك قضايا الصراع والقضاء على حلم الفلسطينيين بإقامة دولة فلسطينية على حدود العام ١٩٦٧ وطالما لم تتحقق هذه الأهداف فإن الإسرائيلي قد لا يغلق هذه الحرب وينهيها. كما وأعتقد أن هذا ينسحب على لبنان وعلى ايران والحوثيين في اليمن. إن كل ما ذكرته مبني على أساس أن إسرائيل دولة حرب تسعى لصناعة الحروب أكثر من سعيها باتجاه صنع سلام شامل بنى حالة الصراع الطويل مع الفلسطينيين بل إننا لاحظنا أنها تبرم اتفاقيات سلام مع دول لم يسجل في تاريخها اي توترات أو صراعات مسلحة مع إسرائيل وتترك الدول والمناطق التي تشهد توترات حدودية أو صراعات مسلحة كلبنان وغزة والضفة ولا تتركها لكي تحقق هدوء متبادل بل تفعل القتال مع هذه الدول والمناطق متي ارتأت أن ذلك قد يحقق لها أهدافها بديمومة الصراع وعدم إنهائه.
"ايال زامير" رئيس أركان جيش الاحتلال قال "اننا ما زلنا في معركة متعددة الجبهات والجيش يعمل وسيواصل العمل على ترسيخ واقع أمني جديد ولايزال الجيش على أهبة الاستعداد واليقظة لعودة القتال المكثف في جميع القطاعات وقد يستمر هذا حتى نهاية ٢٠٢٦" وهذا يدلل أنه ليس في مخططات إسرائيل أن تغلق هذه الحرب في المدى القريب وتتخلى عن تنفيذ هجمات تحت مسمى السيطرة الأمنية والواقع الأمني الجديد. إن دولة الاحتلال تعتقد أنه قد تحقق الواقع الأمني الجديد الان بالقوة والهيمنة على مقدرات الفلسطينيين وليس باتفاقات سلام حقيقية وهي ماهرة في البحث عن ذرائع لإبقاء الحروب مفتوحة لهذا الغرض وان لم تجد نجدها تصنع الذرائع وتوظيفها لصالح ابقاء الحروب مفتوحة. عندما شنت إسرائيل الحرب على غزة قبل ما يقارب الثلاثين شهرا فإنها إرادتها حربا لتغير الجغرافيا والديموغرافيا ليس في غزة وانما في كافة أراضي العام ١٩٦٧ . وبالتالي لا تريد أن تغلقها بمجرد أن تكون قد حققت اهدافا عملياتية وقضت على قيادات الصف الاول والثاني من حركتي حماس والجهاد الإسلامي وفي ذات الوقت أضعفت هذه الحركات بالدرجة التي تحتاج فيهما الحركتين سنوات لترميم بنيتها العسكرية حسب تقديري ،الملاحظ أن هذه الحرب اخذت شكل الموجات الهجومية المكثفة والتي من خلالها كانت تركز على هدم المدن وسحق بنيتها المدنية وهذا ما تفعله الان في الجنوب اللبناني ومازالت تفعله في الخط الاصفر في غزة برغم اتفاق وقف إطلاق النار في كل من غزة بحسب خطة الرئيس ترامب لإنهاء الحرب في غزة وبرغم وقف إطلاق النار بين إسرائيل ولبنان الذي توصلت آلية لبنان وإسرائيل من خلال المفاوضات بين الطرفين في واشنطن. الحقيقة أن هذه منهجية إسرائيل في التعامل مع الجبهات في المنطقة وحتى إيران التي أعلن عن وقف اطلاق النار بينها وبين امريكا من قبل الرئيس الأمريكي ترامب وتدور الان وساطات للتوصل لاتفاق نهائي ينهي حالة الحرب بين أمريكا وإيران وبالطبع إسرائيل تبقي بلا عقال وبلا رغبة باحترام أي اتفاق بالرغم من حالة التفاهم بين أمريكا وإسرائيل والطلب من إسرائيل باحترام الاتفاقات التي تبرمها إدارة ترامب سواء في غزة أو لبنان أو مع إيران . اقرب دليل على ذلك اتفاق وقف إطلاق النار في غزة الذي مضي على إعلانه ما يقارب المائتي يوم دون أن تلتزم إسرائيل بوقفه لو يوم واحد ومازال القتل مستمرا خارج الخط الاصفر وهذا الأمر نراه الآن ينسحب على لبنان التي تفاوض إسرائيل دون التزام بوقف إطلاق النار.
صحيح انخفضت وتيرة الحرب في كل من غزة ولبنان الا أنها لم تتوقف وبقيت الحرب مفتوحة لا تريد إسرائيل إنهاءها، وما المفاوضات التي تجري هناك في القاهرة بين ممثل مجلس السلام في غزة المندوب السامي ميلادينوف ما هي إلا مفاوضات خارج إطار الالتزام التام بوقف إطلاق النار حتى لو وصلت اللجنة الوطنية لإدارة غزة وتسلمت الحكم من حماس فان إسرائيل تبقي يدها منطلقة لتنفيذ عمليات عسكرية محدود أو غير محدود في أي منطقة تريدها من القطاع حتى داخل المناطق التي أطلقت علىها هي مناطق إنسانية في المواصي ومخيمات النزوح وكان وقف إطلاق النار مطلوب أن يلتزم به طرف دون الآخر وفي لبنان أيضا تطلق إسرائيل العنان لقوتها العسكرية فيما تقول عنه أنه أيضا خط اصفر بعمق ثمانية إلى عشرة كيلومترات من الحدود داخل الأراضي اللبنانية لا تلتزم فيه بوقف إطلاق النار وما زالت تهدم القري في منطقة الجنوب اللبناني ومازالت تستخدم صواريخ مسيراتها لتقتل لبنانيين تقول عنهم أنهم أعضاء في حزب الله اللبناني. لعلى اعتبر ان كل اتفاقات وقف إطلاق النار التي توصل إليها الوسطاء بين إسرائيل وغزة من طرف أو بين إسرائيل ولبنان من طرف آخر ما هي إلا اتفاقات وقف اطلاق نار على ورق ليس أكثر وللأسف فإن الولايات المتحدة تعرف كل التفاصيل وتصلها التقارير باستمرار عن القتل اليومي بحق الأطفال والمدنيين الفلسطينيين في غزة ونسف المربعات السكنية وهدم المباني وتغيير واقع الخط الاصفر لقضم مزيد من الأراضي و استمرار قتل المدنيين اللبنانيين حتى وصل الأمر لقتل بعض عناصر قوة اليونيفيل في جنوب لبنان وقد لا يكون في نوايا إسرائيل احترام اي اتفاق لوقف إطلاق النار ليكون وقفا شاملا في كل اراضي القطاع وكل اراضي لبنان.
السؤال الذي يريد كل المتأملين أن يتحقق السلام والاستقرار في الشرق الأوسط وتنتهي معاناة الفلسطينيين واللبنانيين ويودون سماع إجابته الان، الي متي ستبقي الحروب الإسرائيلية مفتوحة بالشرق الأوسط والي متي سيبقي وقف إطلاق النار مجرد كلام على ورق؟ الحقيقة أن توقعاتنا بأن تطول هذه الحروب كانت صائبة لكنها ستأخذ شكل موجات هجومية على بعض المناطق واحدة تلو الأخري بوتيرة منخفضة عن الحرب الكبيرة وطالما لم يتغير التوجه الأمريكي تجاه ذلك وطالما لم تحسم الإدارة الأمريكية هذه الحروب وتنهيها تماما ستبقي مفتوحة وقد لا تنتهي مع نهاية العام ٢٠٢٦ كما يزعم القادة العسكريين الإسرائيليين ، وهنا نلقي باللوم على امريكا خاصة إدارة ترامب الحالية ولا نستثني اي إدارة قادمة إن كانت للديموقراطيين أو الجمهوريين لانها لم تكبح جماح زعيم إسرائيل الذي بات يعتبر نفسة زعيما كبيرا مثل (بن غوريون وهرتزل من خلال التخطيط لتأسيس إسرائيل الكبرى بالقوة اي "نتنياهو" بالرغم من كل خسائر إسرائيل البشرية والمادية والمعنوية والسياسية التى وضعها وراء ظهره ولا يعنيه أن تصبح إسرائيل دولة منبوذة أو مكروهة بسبب هذه الحروب بقدر ما يعنيه تحقيق أهدافه الشخصية والإستراتيجية.
تعتقد إسرائيل أن استراتيجية الحروب المفتوحة قد تحقق لها السيطرة الأمنية والتحكم العملياتي، لكن على المدى البعيد حسب اعتقادي قد تصبح غير فاعلة وستضطر إسرائيل أن تنهيها إن عاجلا أو آجلا من خلال اتفاقات لكن قد لا تحقق لإسرائيل كل ما تريد في هذه الاتفاقات. وأعتقد أنه بات في صالح إسرائيل أن تنهي هذه الحروب وتغلقها في هذه المرحلة باتفاقات سلام حقيقية تنهي حلقات الصراع الطويل مع الفلسطينيين وغير الفلسطينيين لأن بقاءها مفتوحة يعني أنها تتحول إلي حروب استنزاف تبقي الصراع فاعلا وحروب قد لا تسيطر علىها إسرائيل في كثير من الأحيان في ذات الوقت فإن بقاء هذه الحروب مفتوحة يعني إرهاق القوة البشرية والمادية والاقتصادية الإسرائيلية بالإضافة إلى خسارة إسرائيل سياسيا أمام الرأي العام العالمي الذي يعرف ويدرك أن إسرائيل لا تريد أن تحقق السلام الشامل ولا تريد أن توفر الفرصة لكى يعيش الآخرين في سلام وأنها أضاعت الكثير من الفرص وانسحبت من طرف واحد من الاتفاقات التي وقعتها مع الفلسطينيين في( اوسلو) وتريد أن تحل الصراع حسب منظورها بالضم والاستيطان وتفكيك السلطة الفلسطينية وتولى إدارة المناطق الفلسطينية لهيئات محلية وفي ذات الوقت تحقق السلام المنفرد مع دول الإقليم دون أن تعترف بهوية الفلسطينيين السياسية أو تعترف بحقهم في تقرير مصيرهم وإقامة دولتهم وكأنها تدور الصراع وتعود به إلى النقطة صفر وهذا بالطبع لا يحقق الأمن الذي تدعي أنها تسعى إليه وبالتالي تحقق الاستقرار المنشود طويل الأمد الذي يحقق السلام والازدهار للشعوب ويمكنها من بناء مستقبل مواطنيها مع ضمان تقدمها على جميع الصعد.




