يواجه رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، زعيم حزب العمال، موجة من الضغوط الداخلية التي تطالبه بالتنحي عن منصبه، وذلك في أعقاب النتائج المخيبة للآمال التي حققها الحزب في الانتخابات المحلية الأخيرة. وتأتي هذه التطورات لتهدد الوعود التي قطعها ستارمر خلال حملته الانتخابية عام 2024، حين قدم نفسه كبديل للاستقرار بعد سنوات من الاضطراب السياسي تحت حكم المحافظين.
ويرى مراقبون أن شعبية ستارمر المتراجعة قد تدفع الحزب نحو البحث عن قيادة جديدة لضمان المنافسة في الانتخابات العامة المقررة عام 2029. ومع ذلك، يحذر حلفاء رئيس الوزراء من أن الانزلاق نحو تغيير القادة بشكل متكرر قد يلحق ضرراً تراكمياً بالبلاد، وهو النهج الذي عانت منه بريطانيا خلال العقد الأخير وأدى إلى تآكل الثقة في المؤسسات السياسية.
وفي هذا السياق، يشير خبراء في العلوم السياسية إلى أن بريطانيا باتت تعيش حالة من 'الإدمان على الدراما السياسية' المرتبطة برؤساء الوزراء. ويرى البروفيسور توني ترافيرز أن ضعف النمو الاقتصادي منذ أزمة 2008، مضافاً إليه تداعيات الخروج من الاتحاد الأوروبي، جعل مهمة الحكم في لندن تبدو شبه مستحيلة لأي زعيم سياسي مهما بلغت قوته.
وتعاني الخدمات العامة في المملكة المتحدة من هشاشة واضحة نتيجة سنوات طويلة من نقص الاستثمار، وهو تحدٍ لا يمكن حله بمجرد تغيير الوجوه في 'داونينج ستريت'. كما تزيد الضغوط التضخمية الناتجة عن التوترات الجيوسياسية، لا سيما الحرب الإيرانية، من تعقيد المشهد الاقتصادي أمام الحكومة الحالية، مما يجعل أي زعيم قادم في مواجهة مباشرة مع أزمات هيكلية.
وبالعودة إلى سجل الإخفاقات السياسية، يبرز اسم ديفيد كاميرون كأول الضحايا في سلسلة التغييرات السريعة، حيث أطاح به استفتاء 'بريكست' عام 2016. كاميرون الذي كان يأمل في حسم الجدل حول عضوية الاتحاد الأوروبي، وجد نفسه مضطراً للاستقالة بعد أن جاءت النتائج على عكس توقعاته، فاتحاً الباب أمام حقبة من عدم اليقين.
تولت تيريزا ماي المهمة خلفاً لكاميرون، لتصبح ثاني امرأة تقود الحكومة البريطانية، لكنها اصطدمت بصعوبات التفاوض مع بروكسل. سيطرت قضية الخروج على كامل فترة ولايتها، وفشلت في النهاية في إقناع المتشددين داخل حزبها باتفاق متوازن، مما أدى إلى تمرد وزاري أجبرها على إعلان استقالتها في مايو 2019.
بعد رحيل ماي، صعد بوريس جونسون إلى السلطة مستنداً إلى خطاباته النارية ووعده بـ 'استعادة السيطرة'. ورغم تحقيقه فوزاً ساحقاً في انتخابات 2019، إلا أن فترة حكمه تلطخت بسلسلة من الفضائح الأخلاقية والسياسية، كان أبرزها خرق قواعد الإغلاق خلال جائحة كورونا فيما عرف بـ 'فضيحة الحفلات'، مما أدى لإقالته فعلياً من قبل حزبه.
يبدو أن بريطانيا أصبحت مدمنة على الدراما السياسية المتعلقة برؤساء وزرائها، لكن تغيير القيادة لا يُغيّر التحديات الأساسية.
لم تكن ليز تراس، التي خلفت جونسون، أوفر حظاً، بل سجلت الرقم القياسي كأقصر رئيسة وزراء خدمة في تاريخ البلاد. فخلال ستة أسابيع فقط، تسببت خطتها الاقتصادية القائمة على تخفيضات ضريبية غير مدروسة في فوضى عارمة بالأسواق المالية، وهو ما جعل بقاءها في المنصب أمراً مستحيلاً سياسياً واقتصادياً.
وعقب سقوط تراس، تولى ريشي سوناك زمام الأمور كأول رئيس وزراء من أصول هندية، محاولاً لملمة شتات حزب المحافظين. لكن سوناك لم يستطع الهروب من إرث أسلافه الثقيل، وانتهت رحلته بهزيمة مدوية في انتخابات 2024، حيث أقر بأن الناخبين أرسلوا إشارة واضحة بضرورة التغيير الجذري في قيادة المملكة المتحدة.
إن النظام البرلماني البريطاني، كما توضح المصادر، يسهل عملية الإطاحة بالقادة مقارنة بالأنظمة الرئاسية، لكن هذا التسهيل تحول إلى سلاح ذو حدين. فبينما يسمح النظام بتصحيح المسار، فإنه يخلق حالة من عدم الاستقرار الدائم التي تمنع الحكومات من تنفيذ خطط طويلة الأمد لمواجهة الأزمات المعيشية المتفاقمة.
ويخشى نواب في حزب العمال حالياً من أن يبدأ حزبهم دورة مشابهة من التغييرات القيادية السريعة التي ميزت عهد المحافظين. هذا القلق ينبع من إدراكهم أن الناخب البريطاني أصبح قليل الصبر تجاه الوعود التي لا تترجم إلى تحسن ملموس في مستوى المعيشة أو جودة الخدمات الصحية والتعليمية.
التحدي الذي يواجهه كير ستارمر اليوم ليس مجرد تحدٍ انتخابي، بل هو اختبار لمدى قدرة حزب العمال على كسر حلقة 'الفوضى' التي انتقدها سابقاً. فإذا فشل ستارمر في احتواء التمرد الداخلي وتحسين أرقام الاستطلاعات، فإن بريطانيا قد تجد نفسها أمام رئيس وزراء سادس في غضون أقل من عقد من الزمان.
وتشير التقارير إلى أن الأزمة الحالية تتجاوز الأشخاص لتصل إلى جوهر العملية السياسية في بريطانيا ما بعد 'بريكست'. فالبلاد لا تزال تبحث عن هويتها الاقتصادية والسياسية في عالم متغير، وهو بحث يبدو أنه يستهلك القادة السياسيين بسرعة تفوق قدرة الأحزاب على إنتاج بدائل مقنعة للجمهور.
في نهاية المطاف، يبقى السؤال معلقاً حول ما إذا كان ستارمر سيمتلك القدرة على المناورة والبقاء حتى عام 2029. إن الدروس المستفادة من تجارب كاميرون وماي وجونسون وتراس وسوناك تؤكد أن 'داونينج ستريت' لم يعد مكاناً آمناً للبقاء الطويل ما لم تقترن السلطة بإنجازات اقتصادية واضحة تلمس حياة المواطن العادي.












