- واشنطن- "القدس" دوت كوم –سعيد عريقات
في موقف غير معتاد من عضو جمهوري في الكونغرس الأميركي، انتقدت النائبة مارجوري تايلور غرين (من ولاية جورجيا) إسرائيل بشدة بسبب ما وصفته بـ"الهجمات الوحشية" على قطاع غزة، التي أودت بحياة العشرات من الأطفال والنساء خلال الأيام الأخيرة.
وكتبت غرين على موقع "إكس (تويتر سابقًا): "أعلن الجيش الإسرائيلي يوم الأربعاء استئناف وقف إطلاق النار في غزة بعد أن قتل 104 أشخاص، بينهم 46 طفلاً، وفقًا لمسؤولي الصحة المحليين. 46 طفلاً!!! أليست هذه جرائم حرب؟"
وجاءت تصريحاتها بعد سلسلة غارات إسرائيلية مكثفة استهدفت مناطق متعددة في القطاع، أسفرت – بحسب وزارة الصحة في غزة – عن مقتل 20 امرأة و46 طفلاً، بالإضافة إلى إصابة 253 شخصاً، من بينهم 78 طفلاً و84 امرأة.
خلاف داخل الحزب الجمهوري
غرين، المعروفة بمواقفها اليمينية في قضايا السياسة الداخلية، تبنت في الأشهر الأخيرة خطاباً ناقداً بحدة للسياسة الإسرائيلية، وذهبت أبعد من معظم زملائها الجمهوريين في رفضها دعم المساعدات العسكرية الأميركية لإسرائيل.
فقد طرحت مشاريع قوانين تهدف إلى إلغاء التمويل العسكري المخصص لتل أبيب من مشروع قانون الإنفاق السنوي للبنتاغون، المعروف باسم قانون تفويض الدفاع الوطني (NDAA).
وفي شهر تموز الماضي، أصبحت غرين أول نائبة جمهورية تصف الحملة الإسرائيلية على غزة بأنها "إبادة جماعية"، قائلة: "صحيح أن هجوم السابع من تشرين الأول كان مروعاً ويجب إعادة جميع الرهائن، لكن ما يجري في غزة من إبادة جماعية وأزمة إنسانية ومجاعة لا يمكن تجاهله".
صدام مع أيباك
ولم تقتصر انتقادات غرين على الحكومة الإسرائيلية فحسب، بل امتدت إلى جماعة الضغط المؤيدة لإسرائيل في واشنطن – أيباك (AIPAC). ففي شهر آب الماضي، هاجمت المنظمة قائلة على موقع "إكس": "الحقيقة أن أيباك بحاجة إلى التسجيل كجمعية ضغط أجنبية بموجب القانون الأميركي لأنها تمثل الحكومة الإسرائيلية العلمانية المسلحة نوويًا بنسبة 100%."
مواقف غرين هذه أثارت استياءً واسعاً داخل الحزب الجمهوري، الذي يُعد تاريخياً من أكثر الداعمين لإسرائيل في الكونغرس الأميركي، كما فتحت الباب أمام نقاش داخلي حول حدود النقد المسموح به لسياسات إسرائيل داخل المؤسسة التشريعية الأميركية.
تحول نادر في المزاج الجمهوري
ما نشهده من مواقف النائبة غرين، يمثل خرقاً واضحاً للإجماع التقليدي داخل الحزب الجمهوري، الذي ظل على مدى عقود يدعم إسرائيل دون قيد أو شرط. كما يبرز تأثير الصراع الداخلي في الحزب، في ضوء صعود التيار "الشعبوي القومي داخل الحزب – الذي يميل إلى تقليص التدخلات الخارجية – يعيد تعريف أولويات السياسة الخارجية الأميركية، بما في ذلك العلاقة مع إسرائيل.
كما يسلط الضوء على تآكل الدعم الشعبي لإسرائيل. حيث أن استطلاعات الرأي الأخيرة تُظهر تراجعاً ملموساً في تأييد الرأي العام الأميركي للعمليات العسكرية الإسرائيلية، لا سيما بين فئة الشباب والمحافظين الجدد، وهو ما يعكسه خطاب غرين.
وتعكس انتقادات غرين توجهاً سياسياً محسوباً لكسب شرائح من القاعدة اليمينية غير المتحمسة للإنفاق العسكري الخارجي في ظل الأوضاع الاقتصادية الصعبة.
وبحسب القراءات المعمقة، فإن مواقف من هذا النوع، وإن كانت معزولة داخل الكونغرس، قد تُحدث ضغطاً إضافياً على إدارة ترمب لتبرير استمرار دعمها العسكري والسياسي لإسرائيل في ظل التزايد المطرد للضحايا المدنيين في غزة.
وقد سلّطت مواقف مارجوري تايلور غرين الضوء على تصدّع جديد في أحد أكثر التحالفات استقراراً في السياسة الأميركية الحديثة. فبينما تواصل إدارة الرئيس ترمب تأكيد دعمها "الراسخ" لأمن إسرائيل، تتزايد الأصوات في الكونغرس – من الحزبين وإن بدرجات متفاوتة – التي تطالب بإعادة النظر في كلفة هذا الدعم السياسي والعسكري في ظل تصاعد أعداد الضحايا المدنيين في غزة.
ويخشى مراقبون أن يشكّل هذا المسار بداية تحول أعمق في نظرة واشنطن إلى تل أبيب، خصوصاً إذا ما استمرت الانتهاكات الإسرائيلية لوقف إطلاق النار الذي فاوضته الولايات المتحدة في غزة وارتفعت كلفتها الإنسانية والسياسية. كما يعكس الجدل الدائر بين أعضاء الكونغرس حالة انقسام متزايدة حول حدود التضامن الأميركي مع إسرائيل، في وقت بدأت فيه معايير حقوق الإنسان والقانون الدولي تدخل بقوة في النقاش السياسي الداخلي الأميركي، حتى داخل أوساط الحزب الجمهوري التي كانت تُعدّ من أكثر الداعمين لتل أبيب دون تحفظ.