هدد الرئيس الأميركي دونالد
ترمب يوم الأحد إيران بأنها ستتعرّض لـ"ضربة قاسية جداً" من الولايات
المتحدة إذا قُتل مزيدا من المتظاهرين خلال الاحتجاجات التي دخلت أسبوعها الثاني،
في تصعيد لافت لخطابه تجاه طهران في لحظة إقليمية ودولية شديدة الحساسية.
وفي تصريحات للصحافيين على متن الطائرة الرئاسية عائدا إلى واشنطن، قال ترمب إن إدارته "تراقب الوضع عن كثب"، مكرّراً تهديداً أطلقه قبل أيام: "إذا بدأوا بقتل الناس كما فعلوا في الماضي، فأعتقد أنهم سيتعرّضون لضربة قاسية جداً من الولايات المتحدة". وتدعي منظمات غربية أن ما لا يقل عن 16 شخصاً قتلوا منذ اندلاع الاحتجاجات في عدة مدن إيرانية، في ما يُعد من أخطر التحديات الداخلية التي تواجهها السلطات الإيرانية منذ سنوات.
غير أن تهديد ترمب لإيران لا
يأتي بمعزل عن سياق أوسع، بل يندرج ضمن ما وصفه الرئيس الأميركي نفسه بـ"مرحلة
جديدة" في السياسة الخارجية الأميركية، تقوم على التصعيد المتزامن في أكثر من
ساحة دولية. ففي أيام قليلة، جمع ترمب بين التهديد العسكري لطهران، والتدخل
المباشر في فنزويلا، والتلويح بإسقاط الدولة في كوبا، وإعادة فتح ملف السيطرة على
غرينلاند، في مشهد يعكس انتقال واشنطن إلى سياسة ضغط قصوى تعتمد على القوة
العسكرية، ومتعددة الاتجاهات.
في أميركا اللاتينية، شكّلت
فنزويلا مسرح الاختبار الأبرز لهذه المرحلة. فقد أعلن ترمب أن الإطاحة بالرئيس
نيكولاس مادورو واختطافه هو وزوجته و محاكمته في محكمة فدرالية في نيويورك، تمثل
بداية "مرحلة جديدة" تهدف، وفق الرواية الأميركية، إلى تفكيك "أنظمة
إجرامية" تهدد الأمن الإقليمي. وتؤكد الإدارة الأميركية أن تدخلها جاء
لمكافحة تهريب المخدرات وإعادة الديمقراطية، إلا أن دولاً عدة في أميركا
اللاتينية، إلى جانب قوى دولية كبرى، رأت في الخطوة انتهاكاً صارخاً للسيادة
والقانون الدولي.
ورغم إعلان واشنطن نجاحها في
إنهاء حكم مادورو، لا تزال فنزويلا تعيش حالة من الاضطراب السياسي والاقتصادي.
فالصراعات الداخلية لم تُحسم، والبنية الاقتصادية المنهكة لم تتعافَ، فيما تتصاعد
مشاعر العداء للولايات المتحدة داخل البلاد. ومع ذلك، يواصل ترمب لهجته التصعيدية،
ملوّحاً بعقوبات وإجراءات أشد ضد أي قيادات ترفض الانصياع للمسار الذي ترسمه
واشنطن، بالتوازي مع حديث علني عن إعادة هيكلة قطاع النفط الفنزويلي تحت سيطرة الشركات
الأميركية.
ولم يقتصر التصعيد على فنزويلا.
فقد وسّع ترمب دائرة الضغط لتشمل كوبا، متهماً هافانا بلعب دور محوري في دعم
مادورو وزعزعة الاستقرار الإقليمي. وذهب أبعد من ذلك بالقول إن كوبا "جاهزة
للسقوط"، في تصريح أعاد إلى الأذهان لغة الحرب الباردة وأثار قلقاً واسعاً في
منطقة الكاريبي. وردّت السلطات الكوبية باتهام واشنطن بالسعي إلى فرض الهيمنة
بالقوة، محذّرة من أن أي عدوان سيقابل بمقاومة، فيما عبّرت عدة دول في المنطقة عن
خشيتها من انزلاق جديد نحو المواجهة.
وفي تحول لافت خارج الإطار
التقليدي للصراعات الأميركية، أعاد ترمب إحياء ملف غرينلاند، معتبراً أن السيطرة
الأميركية على الإقليم القطبي مسألة "حيوية" للأمن القومي في مواجهة
روسيا والصين. وقد قوبلت هذه التصريحات برفض قاطع من الدنمارك ومن قيادة غرينلاند،
التي شددت على أن الإقليم ليس للبيع، وأن تقرير مصيره شأن سيادي. وأثارت هذه
الخطوة توتراً داخل حلف شمال الأطلسي، وطرحت تساؤلات حول حدود الضغط الأميركي حتى
على أقرب حلفائه.
مجمل هذه التحركات يعكس توجهاً
أميركياً قائماً على استخدام التهديد والقوة كأدوات رئيسية لإدارة العلاقات
الدولية. فإيران، وفنزويلا، وكوبا، وغرينلاند، رغم اختلاف السياقات، تُدار جميعها
بمنطق واحد: فرض الوقائع أولاً، ثم التفاوض لاحقاً. وبينما ترى الإدارة الأميركية
في هذا النهج وسيلة لفرض الردع واستعادة الهيبة، يحذّر الخبراء من أن ذلك يهدد
بتقويض النظام الدولي القائم على القواعد، ويزيد من احتمالات التصعيد غير المحسوب.
ويشكّل التدخل الأميركي السافر
في فنزويلا سابقة خطيرة في العلاقات الدولية المعاصرة. فالإطاحة بقيادة دولة ذات
سيادة دون تفويض دولي واسع يعزز منطق القوة على حساب القانون. وفيما تعتقد واشنطن أنها
حققت مكاسب آنية، لكن الثمن سيكون إضعاف منظومة الردع القانونية التي تحمي الدول
الأضعف. مثل هذا النهج يفتح الباب أمام قوى أخرى لتبرير تدخلات مماثلة، ما ينذر
بعالم أقل استقراراً.
كما أن إعادة تصوير كوبا كـ"هدف
وشيك" تعكس عودة إلى خطاب أيديولوجي يتجاهل تعقيدات الواقع. فالضغط المفرط لا
يؤدي بالضرورة إلى التغيير، بل قد يدفع هافانا إلى تعزيز تحالفاتها مع خصوم
واشنطن. كما أن استدعاء مناخ الحرب الباردة يثير مخاوف تاريخية في المنطقة، ويقوّض
أي فرص لبناء نظام إقليمي قائم على التعاون بدلاً من الاستقطاب.
وتكشف قضية غرينلاند عن التوتر
بين الطموح الجيوسياسي الأميركي ومتطلبات الحفاظ على التحالفات. فالسعي للسيطرة
على إقليم تابع لحليف رئيسي يبعث برسالة مقلقة عن حدود الاحترام المتبادل داخل
التحالفات الغربية. وفي وقت تزداد فيه المنافسة الدولية في القطب الشمالي، قد يؤدي
الضغط على الحلفاء إلى نتائج عكسية، تُضعف وحدة الصف بدلاً من تعزيزها.
في ظل هذه "المرحلة
الجديدة" التي يروّج لها ترمب، يبقى السؤال مفتوحاً: هل يقود التصعيد المتعدد
الجبهات إلى تعزيز النفوذ الأميركي، أم إلى إنهاكه وفتح الباب أمام فوضى دولية
أوسع؟ الإجابة قد تحدد ملامح النظام العالمي في السنوات المقبلة.