عربي ودولي

الأحد 04 يناير 2026 7:26 مساءً - بتوقيت القدس

غارة فنزويلا: سياسة استعراض أم فشل إستراتيجي مُقنَّع؟

واشنطن – سعيد عريقات

لم تكن الغارة الأميركية الخاطفة على فنزويلا فعلًا أمنيًا اضطراريًا، ولا استجابة لتهديد داهم، بل كانت تعبيرًا فجًّا عن نمط راسخ في سياسة دونالد ترمب الخارجية: تحويل القوة العسكرية إلى أداة دعاية سياسية، تُستخدم للصدمة لا لبناء الردع، وللاستعراض لا لتحقيق أهداف قابلة للاستدامة. المسألة، إذن، لا تتعلق بالقدرة الأميركية على الضرب، بل بغياب أي منطق إستراتيجي يربط الضربة بسياقها، أو يحدد ما الذي يُفترض أن تُنتجه سياسيًا وأمنيًا.

توقيت الغارة لم يكن بريئًا. ففي اللحظة التي كان فيها رئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو ضيفًا في مارالاغو، مثقلًا بأزمات غزة ولبنان والتوتر مع إيران، اختار البيت الأبيض تحويل بوصلة "الحزم" نحو فنزويلا، الدولة المنهكة والمعزولة. الرسالة كانت واضحة في شكلها، لكنها فارغة في مضمونها: استعراض قوة في ساحة هامشية، يُراد له أن يُقرأ كإنذار إستراتيجي لخصوم لا يشتركون مع فنزويلا في أي تشابه بنيوي أو سياسي.

هذه المقاربة تقوم على افتراض ساذج وخطير في آن واحد: أن الصدمة العسكرية تُترجم تلقائيًا إلى ردع، وأن الخصوم يغيرون سلوكهم حين يرون عرضًا للقوة. غير أن تاريخ العلاقات الدولية، خصوصًا مع إيران وحركات المقاومة المسلحة، يُظهر أن هذا المنطق معكوس تمامًا. فالقوة غير المؤطرة بإستراتيجية شاملة لا تُنتج خوفًا، بل تُنتج قناعة بضرورة التسلّح، والتصلّب، وتوسيع ساحات المواجهة غير المباشرة.

الخطأ الجوهري في "رسالة فنزويلا" هو الخلط المتعمد أو الجاهل بين ساحات لا تربطها سوى الرغبة الأميركية في الاستعراض. فنظام مادورو، مهما كانت طبيعته، هو نظام محاصر، ضعيف اقتصاديًا، ومحدود الخيارات. أما إيران، فهي دولة إقليمية عميقة الجذور، تمتلك شبكات نفوذ معقدة، وأدوات ردع غير متماثلة، وصبرًا إستراتيجيًا لا يقاس بمنطق الضربات الخاطفة. أما حماس، فهي حركة عقائدية لا تُدار حساباتها بمنطق التكلفة والفائدة الكلاسيكي، بل بمنطق الصمود والرمزية.

الرهان على أن ضربة في فنزويلا ستُربك طهران أو تُخضع غزة ليس فقط مضللًا، بل يكشف فقرًا تحليليًا في فهم طبيعة الردع. فالردع لا يُبنى بالعروض المسرحية، بل بالاتساق، والوضوح، والاستمرارية. وحين تكون الضربات انتقائية، سريعة، ومنفصلة عن مسار سياسي، فإنها تُفسَّر بوصفها علامة تردد لا حزم، وضعف إرادة لا فائض قوة. وبدل أن تردع الخصوم، تدفعهم إلى اختبار الخطوط الأميركية، لا احترامها.

في السياق الإسرائيلي، لا يبدو الرهان على دونالد ترمب بوصفه "رجل الضربات الجريئة" خيارًا اضطراريًا أو سوء تقدير عابر، بل جزءًا واعيًا من مقاربة إسرائيلية ترى في هذا النمط من استخدام القوة أداةً تخدم استراتيجيتها الهادفة إلى ترسيخ الهيمنة على الشرق الأوسط على المدى الطويل. فتل أبيب تدرك أن الضربات الأميركية الخاطفة، حتى حين تبدو منفصلة عن رؤية شاملة، تُعيد رسم ميزان الردع الإقليمي لمصلحتها، وتُضعف الخصوم عبر الاستنزاف وعدم اليقين. غير أن هذا الرهان، رغم انسجامه مع الطموحات الإسرائيلية، يبقى محفوفًا بالمخاطر.

أكثر من ذلك، يرى كثير من الخبراء أن هذه السياسة لا تردع إيران، بل تدفعها إلى استنتاج واحد لا لبس فيه: أن البقاء مرهون بتعظيم القدرة الردعية القصوى. أي أن منطق “الضربة الوقائية” لا يكبح الطموح النووي، بل يُسرّعه. فالأنظمة التي تشعر بأنها مستهدفة وجوديًا لا تتجه إلى التسويات، بل إلى التحصين، ثم – إن حصل – تفاوض من موقع قوة لا من موقع خوف.

أما في غزة، فإن التناقض الصارخ بين لغة التهديد التي يجسدها ترمب، ولغة "الاحتواء الإنساني" التي يعتمدها مبعوثوه، يكشف ارتباكًا بنيويًا في صنع القرار الأميركي. حماس لا تقرأ هذا التناقض كبادرة سلام، بل كفرصة للمناورة، وكسب الوقت، وإعادة ترتيب أوراقها تحت غطاء المسار التفاوضي.

الخطر الحقيقي في هذه السياسة لا يكمن في استخدام القوة، بل في استخدامها بلا تصور لما بعدها. التجربة أثبتت مرارًا أن إسقاط هدف أو تنفيذ غارة لا يُسقط منظومة، بل يعيد إنتاجها بصيغ أكثر تشددًا. من دون معالجة الجذور السياسية والاقتصادية للصراعات، تتحول القوة العسكرية إلى عبء إستراتيجي، يستهلك الهيبة الأميركية بدل أن يعززها.

في المحصلة، قد تمنح غارة فنزويلا ترمب صورة "الرئيس القوي" في الإعلام، وقد تُرضي حلفاء قلقين على المدى القصير، لكنها لا تبني ردعًا مستقرًا، ولا تفتح أفقًا لتسويات حقيقية. إنها سياسة إدارة أزمات بالصدمة لا حلّها، ومخاطبة للغرائز لا للعقول. وفي عالم تتشابك فيه الأزمات وتتعقد فيه موازين القوة، تبدو هذه المقامرة محكومة بالفشل، مهما بدت صاخبة في لحظتها.

دلالات

شارك برأيك

غارة فنزويلا: سياسة استعراض أم فشل إستراتيجي مُقنَّع؟

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.