اقتصاد

الخميس 16 أبريل 2026 11:12 صباحًا - بتوقيت القدس

دبي: إغلاق فندق «برج العرب» لمدة عام ونصف لإجراء ترميمات شاملة وسط توترات إقليمية

أعلنت مجموعة «جميرا»، المالكة لفندق «برج العرب» في مدينة دبي، عن قرارها بإغلاق الصرح السياحي الشهير لمدة عام ونصف بشكل كامل. وأوضحت المجموعة أن هذا الإجراء يأتي بهدف إخضاع الفندق لعملية ترميم وصيانة شاملة هي الأولى من نوعها منذ افتتاحه الرسمي في عام 1999، حيث تسعى الإدارة لتحديث المرافق مع الحفاظ على الهوية المعمارية الفريدة للمبنى.

وفي سياق متصل، نقلت مصادر عن موظفين داخل الفندق أن قرار الإغلاق الطويل يرتبط بتراجع ملحوظ في الحركة السياحية داخل المنطقة، نتيجة التصعيد العسكري والتوترات القائمة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى. وقد أثرت هذه الظروف الجيوسياسية على تدفق الزوار الدوليين إلى الوجهات الفاخرة، مما دفع الإدارة لاستغلال هذه الفترة في تحسين التصميمات الداخلية.

ووجهت مجموعة جميرا رسائل رسمية إلى نزلائها عبر الموقع الإلكتروني للفندق، أكدت فيها توقف كافة الخدمات بما في ذلك المطاعم والمرافق الترفيهية طوال فترة الترميم. وعرضت المجموعة على الزوار خيارات بديلة للحجز في فنادق أخرى تابعة لها داخل دبي، مشددة على التزامها بمعايير الضيافة الفاخرة التي ميزت الفندق كعلامة فارقة في قطاع السياحة العالمي.

ومن المقرر أن يشرف المصمم الداخلي الفرنسي الشهير تريستان أور على مشروع التحديث الشامل، الذي يهدف إلى تجديد الأجنحة الفاخرة البالغ عددها نحو 200 جناح. ويشتهر الفندق، المصمم على شكل شراع سفينة تقليدية، بتصاميمه الباذخة التي تدمج الرخام النادر وأوراق الذهب وبلورات سواروفسكي، وهو ما يتطلب دقة عالية في عمليات الصيانة المقررة.

تزامن هذا القرار مع تقارير اقتصادية دولية كشفت عن تحولات في حركة رؤوس الأموال داخل الشرق الأوسط، حيث بدأ العديد من الأثرياء بنقل استثماراتهم نحو أسواق أوروبا وآسيا. ورغم الجاذبية الضريبية التي توفرها مدن مثل دبي وأبوظبي، إلا أن استمرار الصراعات الإقليمية أثار مخاوف المستثمرين بشأن الاستقرار طويل الأمد، مما انعكس بشكل مباشر على إشغال المنشآت السياحية الكبرى.

فلسطين

الخميس 16 أبريل 2026 11:12 صباحًا - بتوقيت القدس

نابلس: 80 آلية عسكرية تقتحم المنطقة الشرقية لتأمين اقتحام المستوطنين لمقام يوسف

اقتحمت قوات الاحتلال الإسرائيلي، فجر اليوم الخميس، المنطقة الشرقية من مدينة نابلس شمالي الضفة الغربية المحتلة، مستعينة بتعزيزات عسكرية ضخمة قدرت بنحو 80 آلية وجرافة عسكرية. وجاء هذا التحرك العسكري الواسع بهدف توفير الحماية لمجموعات من المستوطنين الذين يعتزمون اقتحام مقام يوسف لأداء طقوس تلمودية، في خطوة تتكرر باستمرار وتثير توترات ميدانية كبيرة.

وأفادت مصادر ميدانية بأن آليات الاحتلال انتشرت بشكل مكثف في الشوارع المحيطة بالمقام، حيث شرعت الجرافات العسكرية بإغلاق الطرق الرئيسية والفرعية بالسواتر الترابية لعزل المنطقة عن محيطها. وترافق ذلك مع اعتلاء قناصة الاحتلال لأسطح البنايات المرتفعة المطلة على المنطقة الشرقية، لتأمين مسارات تحرك المستوطنين ومنع وصول المواطنين الفلسطينيين إلى المكان.

وفي أعقاب الاقتحام، اندلعت مواجهات ميدانية وصفت بالعنيفة بين عشرات الشبان الفلسطينيين وقوات الاحتلال التي أطلقت وابلاً من الرصاص الحي وقنابل الغاز المسيل للدموع. وحاول الشبان التصدي للآليات المقتحمة بالحجارة والزجاجات الحارقة، في حين استمرت المواجهات لساعات متأخرة من الليل وسط أجواء من التوتر الشديد الذي خيم على أحياء نابلس الشرقية.

وتشير التقارير إلى أن قوات الاحتلال مارست سياسة الترهيب الممنهج بحق سكان المنازل القريبة من مقام يوسف، حيث تم إجبار بعض العائلات على إخلاء منازلهم تحت تهديد السلاح. وتأتي هذه الإجراءات القمعية كجزء من بروتوكول أمني يفرضه الجيش لتأمين المستوطنين، مما يتسبب في حالة من الذعر بين الأطفال والنساء وتخريب لممتلكات المواطنين الخاصة.

ويتمسك المستوطنون بمزاعم تاريخية حول المقام، مدعين أنه يضم رفات النبي يوسف عليه السلام، وهي ادعاءات تنفيها الدراسات التاريخية والأثرية التي تؤكد أن الموقع هو أثر إسلامي مسجل كوقف. ويرى الفلسطينيون في هذه الاقتحامات المتكررة محاولة لفرض واقع استيطاني جديد وتكريس السيطرة الإسرائيلية على المواقع الدينية والتراثية في قلب المدن الفلسطينية.

ومنذ انتفاضة الأقصى عام 2000، يقع مقام يوسف رسمياً تحت سيادة السلطة الفلسطينية، إلا أن جيش الاحتلال يواصل انتهاك هذه السيادة عبر تنظيم اقتحامات ليلية دورية. وتعتبر هذه العمليات العسكرية خرقاً للاتفاقيات الموقعة، حيث يتم تحويل المنطقة في كل مرة إلى ثكنة عسكرية مغلقة تتوقف فيها مظاهر الحياة الطبيعية وتتعطل حركة السير والعمل.

وتؤكد القوى الوطنية والإسلامية في نابلس أن استمرار هذه الاقتحامات لن يغير من هوية المدينة، مشددة على أن المقاومة الشعبية ستتواصل للتصدي لمشاريع التهويد. وتتزامن هذه الأحداث مع تصاعد وتيرة المداهمات والاعتقالات التي تنفذها قوات الاحتلال في مختلف مدن الضفة الغربية، مما ينذر بانفجار الأوضاع الميدانية بشكل أوسع في ظل غياب أي أفق سياسي.

فلسطين

الخميس 16 أبريل 2026 10:57 صباحًا - بتوقيت القدس

الزراعة في غزة تصارع الانهيار: تدمير 60% من الأراضي وشح حاد في البذور

يمر القطاع الزراعي في قطاع غزة بمنعطف تاريخي خطير يهدد بانهياره الكامل، جراء القيود المشددة التي تمنع وصول البذور والمواد الإنتاجية الأساسية. وقد أدى التدمير الواسع الذي طال الأراضي الزراعية خلال العمليات العسكرية المستمرة إلى تقليص القدرات الإنتاجية المحلية بشكل غير مسبوق، مما يضع الأمن الغذائي للسكان في مهب الريح.

وتشير المعطيات الميدانية إلى أن سيطرة الاحتلال على أكثر من 60% من مساحة القطاع قد أدت إلى انحسار الرقعة الزراعية المتبقية في مناطق ضيقة ومكتظة. هذه المساحات المحدودة لم تعد مخصصة للزراعة فحسب، بل باتت تستخدم لإقامة مخيمات النازحين، مما خلق صراعاً مريراً بين الحاجة للمأوى والحاجة لتأمين الغذاء.

وفي جولة ميدانية، رصدت مصادر واقع المشاتل المتبقية، حيث يتفقد المزارع مصطفى الأسطل ما تبقى من أشتال الخضراوات في مشتله الصغير بجهود مضنية. ويعد هذا المشتل واحداً من عشرة مشاتل فقط لا تزال تقاوم البقاء، بعد أن تسببت الحرب في تدمير أكثر من مئة مشتل كانت تمثل العمود الفقري للإنتاج الزراعي في المنطقة.

ويعبر المزارعون عن مخاوف حقيقية من توقف العمل بالكامل في حال استمرار منع إدخال المواد الخام والأسمدة اللازمة. وحذر الأسطل من أن غياب أبسط مقومات العمل الزراعي سيؤدي حتماً إلى إغلاق المنشآت الزراعية القليلة الصامدة، مما يعني فقدان المصدر الوحيد المتبقي لشتلات الخضراوات في الأسواق المحلية.

من جانبه، يجسد المزارع سامي الفالوجي مأساة المزارع الفلسطيني، حيث يضطر لتقسيم أرضه المتبقية بين خيمة نزوحه ومحصوله الزراعي المتواضع. وأكد الفالوجي أن العامين الأخيرين كانا الأقسى على الإطلاق، حيث تزامنت عمليات تدمير شبكات الري مع منع إدخال قطع الغيار والمعدات اللازمة لإصلاح ما دمره القصف.

وتدعم تقارير منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة (الفاو) هذه الشهادات، مؤكدة أن أكثر من 60% من الأراضي الزراعية في غزة قد خرجت عن الخدمة تماماً. كما لفتت المنظمة الدولية إلى أن نصف الآبار الزراعية في القطاع قد تعرضت للتدمير أو العطل، مما تسبب في أزمة مياه حادة أدت إلى جفاف مساحات واسعة من المحاصيل.

وتبرز معضلة 'الخط الأصفر' الذي يفرضه الاحتلال كأحد أبرز العوائق أمام استعادة النشاط الزراعي، حيث يستقطع مساحات شاسعة من الأراضي الأكثر خصوبة. هذا الواقع المرير جعل المزارعين في مواجهة مباشرة مع سياسات الخنق الاقتصادي، وسط غياب أي أفق قريب لرفع القيود عن مدخلات الإنتاج الزراعي الضرورية.

أقلام وأراء

الخميس 16 أبريل 2026 10:42 صباحًا - بتوقيت القدس

توظيف ظاهرة الانتحار في مصر: بين الأزمات الاجتماعية والمناورات السياسية

أثارت واقعة انتحار السيدة بسنت سليمان في بث مباشر صدمة واسعة في الشارع المصري، حيث كشفت الضحية قبل رحيلها عن معاناتها من نزاعات أسرية مريرة مع طليقها حول حضانة الأطفال والسكن. هذه الحادثة لم تكن مجرد مأساة إنسانية، بل تحولت سريعاً إلى مادة للتوظيف السياسي والإعلامي بعيداً عن الجذور الحقيقية للأزمة.

سارعت الأذرع الإعلامية والبرلمانية إلى اختزال ظاهرة الانتحار في قضايا الأحوال الشخصية، مقترحةً تشريعات تفرض مبالغ مالية ضخمة كنفقة للمطلقات. ويرى مراقبون أن هذه المقترحات، رغم بريقها الظاهري، تبتعد عن الواقع الاقتصادي المصري حيث لا يتناسب الحد الأدنى للأجور مع المبالغ المطروحة.

تكمن المعضلة الأساسية في مصر ليس في غياب النصوص القانونية، بل في آليات تنفيذها التي تعاني من ثغرات واسعة. ففي حالات كثيرة، تنجح الرشاوى والمحسوبية في تعطيل تنفيذ الأحكام القضائية، مما يجعل حقوق النساء والرجال على حد سواء تضيع في دهاليز البيروقراطية الأمنية.

دخلت المؤسسة الدينية على خط الأزمة بخطاب يهدف في جوهره إلى تبرئة السلطة من المسؤولية عن تدهور الأوضاع النفسية والاجتماعية. وبرزت تصريحات تحاول شرعنة أو تهوين فعل الانتحار عبر استدعاء نماذج تاريخية، بدلاً من التركيز على الواجب الأخلاقي للدولة في رعاية مواطنيها.

في المقابل، شهدت الساحة الدينية تصريحات غريبة لوزير أوقاف سابق، حاول فيها ربط ظاهرة الانتحار بخصوم سياسيين. هذا النوع من الخطاب يعكس رغبة في استغلال أي أزمة مجتمعية لتصفية حسابات سياسية، متجاهلاً الأسباب الاقتصادية والضغوط المعيشية الخانقة.

خلال أسبوع واحد، رصدت مصادر حالات انتحار متعددة لمواطنين في أماكن عامة، ارتبطت أغلبها بضائقة مالية وعجز عن توفير الاحتياجات الأساسية. هذه الحالات لم تحظَ بذات التغطية الإعلامية التي نالتها قضية بسنت، لأنها تضع السياسات الاقتصادية للدولة في مواجهة مباشرة مع النتائج.

يمتد اليأس ليصل إلى داخل السجون، حيث تتوارد أنباء عن محاولات انتحار بين المعتقلين نتيجة سوء المعاملة والتعذيب النفسي. حالة الشاب عمر محمد علي تعد نموذجاً صارخاً، حيث عبر في رسائل مسربة عن رغبته في إنهاء حياته بسبب ظروف احتجازه القاسية المرتبطة بخلفية والده السياسية.

تظهر المفارقة في تعامل السلطة مع القضايا الجنائية عندما يتعلق الأمر بذوي النفوذ، كما حدث في قضية نجل وزيرة مصرية متهم بالقتل في الخارج. فبينما يُترك المواطن البسيط لمواجهة مصيره، تُسخر إمكانيات الدولة للدفاع عن أبناء النخبة ومحاولة تخفيف العقوبات عنهم.

تاريخياً، لم تكن السلطة بعيدة عن التلاعب بملف الوفيات، حيث سُجلت في أحداث سياسية كبرى حالات قتل برصاص الأمن على أنها 'انتحار' في شهادات الوفاة الرسمية. هذا النهج يكرس انعدام الثقة في الروايات الرسمية التي تحاول دائماً إلقاء اللوم على الضحية أو الظروف الغامضة.

إن معالجة ظاهرة الانتحار تتطلب شفافية في الاعتراف بالأزمات الاقتصادية والاجتماعية التي تدفع المواطن نحو الحافة. الحل لا يبدأ من سن قوانين مجهزة مسبقاً، بل من إصلاح منظومة العدالة وضمان كرامة الإنسان في معيشته وحريته.

التجديد الفقهي في قضايا الأسرة يجب أن يكون نابعاً من احتياجات المجتمع الحقيقية، لا استجابة لإملاءات سياسية تهدف لتجميل صورة السلطة. فالتشريعات التي لا تراعي القدرة المالية للمواطنين ستؤدي حتماً إلى مزيد من التفسخ الأسري والنزاعات القانونية التي لا تنتهي.

يغيب عن الخطاب الرسمي الحديث عن دور الدولة في توفير الدعم النفسي والاجتماعي للفئات الهشة والمهمشة. فبدلاً من ملاحقة التجمعات السلمية في دقائق، كان الأولى بالأجهزة الأمنية والخدمية رصد الاستغاثات التي تطلق عبر منصات التواصل قبل فوات الأوان.

الانتحار في الدول التي تحترم مواطنيها يُعامل كأزمة وطنية تستوجب استقالة المسؤولين أو مراجعة السياسات العامة. أما في الحالة المصرية، فيبدو أن قيمة الإنسان تتراجع أمام الرغبة في الحفاظ على استقرار الصورة الذهنية للنظام الحاكم.

ختاماً، يظل الانتحار صرخة احتجاج صامتة ضد واقع مرير، ولن تنجح محاولات التوظيف السياسي في كتم هذه الصرخة ما لم تكن هناك إرادة حقيقية للإصلاح. إن من كان جزءاً من المشكلة بسياساته، لن يكون أبداً هو الحل ما لم يغير نهجه في التعامل مع حقوق وحياة مواطنيه.

فلسطين

الخميس 16 أبريل 2026 10:42 صباحًا - بتوقيت القدس

في يوم الأسير الفلسطيني: الأحمد يحذّر من تصعيد خطير في سياسات الاحتلال بحق الأسرى داخل السجون

صرّح عزام الأحمد بأن شعبنا الفلسطيني يُحيي في السابع عشر من نيسان من كل عام يوم الأسير الفلسطيني، وفاءً لتضحيات الآلاف من الأسرى في سجون الاحتلال، وتأكيدًا على عدالة قضيتهم وحقهم في الحرية. وأوضح أن اختيار هذا التاريخ جاء تخليدًا لذكرى إطلاق سراح أول أسير فلسطيني، محمود بكر حجازي، ليبقى هذا اليوم رمزًا لنضال الحركة الأسيرة.

وقال الأحمد إن 9670 أسيرًا فلسطينيًا يقبعون في سجون الاحتلال، بينهم 120 أسيرًا من أصحاب الأحكام المؤبدة، و370 طفلًا، و85 أسيرة، و3432 معتقلًا إداريًا دون لوائح اتهام، ويواجهون أوضاعًا إنسانية بالغة القسوة في ظل القمع اليومي، والتنكيل، والإهمال الطبي المتعمد، والعزل الانفرادي والتجويع ما يمثل انتهاكًا صارخًا لكافة القوانين والمواثيق الدولية، وعلى رأسها اتفاقيات جنيف.

وأشار إلى أن أكثر من 600 أسير يعانون أوضاعًا صحية صعبة، بينهم أسرى مصابون بأمراض مزمنة وخطيرة، في ظل استمرار سياسات ما وصفها بـ"الإعدام البطيء" داخل السجون، وهو ما يشكل انتهاكًا صارخًا للقانون الدولي الإنساني.

وحذر الأحمد من المخططات التي يقودها وزير الأمن القومي الإسرائيلي المتطرف إيتمار بن غفير، والتي تهدف إلى تشديد الإجراءات القمعية بحق الأسرى وتقويض ما تبقى من حقوقهم، في إطار سياسات ممنهجة تستهدف كسر إرادتهم والنيل من صمودهم.

وأشار الأحمد إلى أن إقرار الكنيست الإسرائيلي لما يُسمى بقانون إعدام الأسرى الفلسطينيين يندرج ضمن هذا النهج التصعيدي الخطير في التعامل مع الأسرى، ويعكس انتهاكًا جسيمًا لقواعد القانون الدولي الإنساني، واستمرارًا في سنّ تشريعات تستهدف حياة الأسرى وحقوقهم الأساسية في تحدٍ واضح للقيم الإنسانية.

وأكد أن قضية الأسرى ستبقى في صلب أولويات القيادة الفلسطينية، ولن يكون هناك سلام عادل أو استقرار دون الإفراج الكامل عن جميع الأسرى، باعتبار حريتهم حقًا مشروعًا وجزءًا لا يتجزأ من مسيرة شعبنا نحو إنهاء الاحتلال وتحقيق الاستقلال.

ودعا الأحمد المجتمع الدولي، بما في ذلك الأمم المتحدة، إلى تحمل مسؤولياته القانونية والإنسانية، والتحرك العاجل للضغط على الاحتلال لوقف انتهاكاته بحق الأسرى، وضمان تطبيق اتفاقيات جنيف وتوفير الحماية الدولية لهم.

وختم تصريحه بالتأكيد على أن يوم الأسير الفلسطيني سيبقى مناسبة وطنية لتجديد العهد للأسرى، وأن تضحياتهم لن تذهب سدى، وأن إرادتهم ستنتصر، وأن حريتهم تمثل الطريق نحو الحرية الشاملة وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس.

أقلام وأراء

الخميس 16 أبريل 2026 10:14 صباحًا - بتوقيت القدس

غزة: حين تصبح الحياة نفسها هدفاً



لم تعد غزة "حالة سيريالية" بوصفها استعارة أدبية، بل واقعاً يتجاوز المجاز إلى تفكك كامل في منطق الحياة اليومية. حين يصبح القصف أمراً اعتيادياً وإيقاعاً ثابتاً، والشهداء رقماً يتكرر بلا انقطاع، والمكان المكتظ بالحياة هدفاً مشروعاً، فنحن لا نكون أمام حرب بالمعنى التقليدي، بل أمام استمرار لحرب إبادة صامتة بلا زخم إعلامي، وعملية إعادة تشكيل قسرية للواقع: واقع يُنتج الخوف كحالة دائمة، ويُفرغ الزمن من معناه، ويُعيد تعريف ما هو طبيعي.

في هذا الواقع، لا يعود الادعاء باستهداف “مطلوبين” أو ما يُسمّى بـ”القنبلة الزمنية"، تفسيراً، بل غطاءً. فحين تُقصف البيوت والأسواق والمقاهي والبسطات، ونقاط البيع، وأماكن المولدات، والبركسات التجارية، أي قلب الحياة اليومية، فإن تعريف “الهدف” نفسه يتسع ليشمل كل ما هو حيّ ومتحرك. لم يعد الأمر يتعلق بخطأ عسكري أو بما يسميه الاحتلال “أضرارًا جانبية”، بل بنمط ثابت: الضرب داخل الكثافة البشرية، حيث تستمر الحياة رغم الحصار، وكأن هذه الاستمرارية ذاتها أصبحت تهمة.

هنا تحديداً يتكشف التناقض الفجّ بين الرواية والواقع. في العلن، حديث متكرر عن “تحسين الوضع الإنساني” وإدخال المساعدات. وعلى الأرض، أرقام تُفكك هذا الادعاء: منذ وقف إطلاق النار، نحو 760 شهيدًا، 99% منهم من المدنيين؛ أكثر من 2,100 جريح، الغالبية الساحقة منهم أيضًا مدنيون؛ واعتقالات تُنفذ من داخل الأحياء السكنية، بعيدًا عن أي خطوط تماس مزعومة. هذه ليست مؤشرات عرضية، بل بنية متكاملة من الاستهداف.

الأمر لا يتوقف عند القتل والإصابة، بل يمتد إلى إدارة الحياة نفسها. معبر رفح، الذي يفترض أن يكون شرياناً إنسانياً، يعمل بنسبة لا تتجاوز 7% من طاقته المتفق عليها. شاحنات المساعدات تدخل بنسبة 37% فقط، فيما الوقود العصب الحيوي لأي بقاء، لا يتجاوز 14% من الكمية المفترضة. المتوسط اليومي للشاحنات (227) يبدو رقماً تقنياً، لكنه في الحقيقة يعادل فجوة يومية هائلة بين ما يجب أن يكون وما هو قائم فعلياً.

هذه الفجوة ليست خللاً أو عارضاً إدارياً، بل سياسة ممنهجة ضمن بنية الحصار والعقاب الجماعي. فحين لا تُدخل المعدات الثقيلة لرفع الأنقاض، تبقى الجثامين تحت الركام. وحين لا تُدخل المستلزمات الطبية، يتحول الجرح إلى مسار مفتوح نحو الموت. وحين لا تُشغّل الكهرباء، تصبح كل تفاصيل الحياة، من الماء إلى العلاج، معلقة على حافة الانهيار. بهذا المعنى، لا تكون المساعدات استجابة إنسانية، بل أداة ضبط: ما يكفي لإبقاء الحياة ممكنة بالحد الأدنى، دون أن تكون قابلة للاستقرار.

وحين تُترك الأمراض والأوبئة لتنتشر، مع منع إدخال الأدوية والمبيدات اللازمة لمكافحة الحشرات والقوارض، فإن ذلك لا يكون نتيجة عجز، بل امتدادًا لسياسة قديمة-جديدة: إدارة الإهلاك البطيء بوسائل متعددة.

وفي السياق ذاته، فإن كل ما تقوم به دولة الاحتلال، تحت عنوان استمرار السيطرة الأمنية، واستهداف أفراد أو قادة في حركة حماس ممن يُتهمون بالمشاركة في السابع من أكتوبر يأتي بوصفه امتداداً  لهذه الحرب، لا خروجاً  عنها. فهي سياسة تصفية مستمرة، تندرج ضمن ما يُعرف في العقيدة الأمنية والعسكرية الإسرائيلية بـ”جزّ العشب”، أي إعادة إنتاج العنف بشكل دوري لضبط الواقع، لا إنهائه. وفي كل مرة، يدفع الفلسطينيون الثمن: ما يُسمّى محلياً “خسائر حرب”، بينما يُعاد تسميتهم إسرائيلياً “أضرارًا جانبية”، رغم أنهم بالآلاف.

وعندما تُمنع اللجنة الوطنية لإدارة غزة من الدخول إلى القطاع لممارسة عملها، وفي الوقت الذي يطرح فيه نيكولاي ميلادينوف، رئيس المجلس التنفيذي للسلام، خططًاً تربط نزع السلاح قبل التزام إسرائيل بتنفيذ تعهداتها، فإن ذلك لا يعكس تعثراً  في التنفيذ، بل سياسة متعمدة لتعطيل حياة الفلسطينيين.

الأشد قسوة في هذا المشهد ليس فقط حجم الخسارة، بل ما يخلقه من وعي جديد. حين يصبح عدد مرافقي المرضى أكبر من المرضى أنفسهم، فنحن أمام مجتمع يُعاد تنظيمه حول الألم. وحين يقول الناس إنهم “ينتظرون الأسوأ”، فهذه ليست مبالغة، بل تعبير دقيق عن أفق مغلق، حيث لا يعود المستقبل وعدًا، بل تهديداً مؤجلاً.

ومع ذلك، تستمر الحياة: بيع وشراء، حركة، محاولات يومية للنجاة. هذه الاستمرارية ليست دليلاً على التعافي، بل على الإكراه. الناس لا يعيشون لأن الظروف تسمح، بل لأنهم مجبرون على الاستمرار داخل بيئة لا تُحتمل. وهنا تكمن المفارقة القاسية: الحياة في غزة لم تعد نقيض الموت، بل شكله المؤجل.
ما يحدث في غزة ليس فقط تدميراً مادياً، بل إعادة تعريف مقصودة لشروط البقاء نفسها.

ما يجري ليس مجرد حرب مستمرة، بل نظام متكامل لإدارة الحافة: حافة الموت، وحافة الانهيار، والاحتمال. بين خطاب يتحدث عن الإنسانية، وواقع يُنتج العكس تماماً، تتكشف الحقيقة الأوضح: المشكلة ليست في نقص المساعدات فقط، بل في البنية التي تجعل من الحياة نفسها هدفًا.

ولهذا، فإن أي حديث عن “تحسين إنساني” بزيادة عشرة أو عشرين شاحنة، لا يبدأ بوقف هذا النمط، وفتح المعابر فعلياً، وضمان تدفق المساعدات والوقود بما يتناسب مع حجم الكارثة، ليس سوى إعادة إنتاج للوهم—وهم إدارة الأزمة بدل إنهائها.زفي غزة اليوم، لم يعد السؤال كم عدد الشهداء، بل: كيف أصبح الموت هو المعيار، والحياة استثناءً يحتاج إلى تبرير؟

أقلام وأراء

الخميس 16 أبريل 2026 10:14 صباحًا - بتوقيت القدس

حين تُغسل الكرامة في شاحنة الزبالة


لم تكن شاحنة النفايات التي حاصرها جنود الاحتلال مجرد وسيلة نقل، بل كانت "مختبراً أخلاقياً" كشف للعالم حجم السقوط الإنساني. حين يتسلل العمال الفلسطينيون بين الركام والقاذورات، لا بحثاً عن توارٍ أمني، بل هرباً من "مقصلة الجوع" التي تترصد أطفالهم، فنحن لا نتحدث هنا عن فقر مدقع، بل عن جريمة صياغة الموت بدم بارد.
مرآة الركام: حين تكشف القمامة زيف العالم
في ذلك المشهد السريالي، لم تكن النفايات هي القذارة الحقيقية؛ بل كانت المرآة التي عكست وجه نظام استعماري يتلذذ بوضع الإنسان بين خيارين: الموت جوعاً أو العيش مُذلاًلكن المفارقة التي يجهلها السجان، أن الفلسطيني حين يختار الزحف في القاع ليبقى شامخاً في كبريائه، فإنه لا ينحدر، بل يعيد تعريف الطهارة؛ فالمكان الذي يطعم طفلاً جائعاً بشرف، هو أطهر من قصور الصمت ومنصات الخطابة الزائفة.من "خزان" كنفاني إلى "شاحنة" اليوم
نستحضر هنا صرخة غسان كنفاني الخالدة: "لماذا لم يدقوا جدران الخزان؟".
* في الأمس: كان الموت صامتاً في جوف الخزان، وكان السؤال لوماً للضحية التي استسلمت للاختناق.
* اليوم: الفلسطيني يدق جدران الجوع، والاحتلال، والصمت العالمي بكل ما أوتي من وجع. هو لم يعد يكتفي بالدق، بل اخترق الجدران بجسده المنهك، معلناً أن "الجوع الوجودي" الذي تحدث عنه  هامسون هو ترف فردي أمام "الجوع الممنهج" الذي يُمارس كأداة إبادة جماعية.
الجوع كفعل مقاومة
الاحتلال لا يريد الأرض فحسب، بل يريد إنساناً "مُدجناً" تُحركه حاجته لغريزة البقاء. لكن مشهد العمال داخل الشاحنة أثبت فشل هذه الهندسة؛ فالإنسان الذي يطوع القاذورات لتكون جسراً للحياة، هو إنسان كسر معادلة السيطرة. هو لم يمد يده استجداءً، بل مدّ جسده صموداً.
الإدانة من القاع إلى القمة
إن السهم في هذه المأساة لا ينطلق نحو الاحتلال وحده، بل يرتد ليصيب:
1.    المجتمع الدولي: الذي يشاهد المأساة ببرود "المتفرج" ويحول الجريمة إلى إحصائية.
2.    الصمت العربي: وهو الوجه الأكثر إيلاماً؛ حيث الرفاهية والقصور الفارهة تقف على نقيض صارخ مع أطفال يبحثون عن الحياة بين الأنقاض، في حالة من "التطبيع النفسي" مع الفاجعة.
واخيراً
لقد أعادت فلسطين صياغة القيم؛ فحين تصبح النفايات ملاذاً لكرامة السعي، وتصبح الأنظمة الفارهة مرادفاً للصمت المخزي، ندرك أن البوصلة الأخلاقية للبشرية قد تحطمت.
السؤال اليوم ليس: "لماذا لم يدقوا الجدران؟"
السؤال هو: أي جدران بقيت لم تُدق، في عالم فقد القدرة على السماع.

أقلام وأراء

الخميس 16 أبريل 2026 10:12 صباحًا - بتوقيت القدس

ترمب .. إذ يميل كل الميل!

د. ابراهيم ملحم

رئيس التحرير

أقل الكلام


إلى طاولة المفاوضات يميل للعودة خلال يومين كما صرح، وإلى الميدان "يميل كل الميل"؛ وفق ما تشير إليه تحركات مشاة البحرية وحاملات الطائرات التي تتدافع إلى المياه الدافئة، وسط نُذُر عودة المواجهة في حال تعثرت المفاوضات المخادعة في إسلام آباد.
 لا أحد يمكنه توقع النقلة التالية للرجل الغامض، الذي لا يوجد له "كتالوج" يمكن الاسترشاد به لتوقع سلوكه، ولا نزواته وكلماته الجارحة، التي طالت حتى "البابا" بما يمثله من هيبةٍ وقداسة.
خلال أيام، تنتهي مهلة الهدنة التي منحها ترمب لإيران، لعله يأخذ منها بالمفاوضات ما لم يستطعه بالغارات، التي طالت ما استطاع إليه سبيلاً في الهضبة الفارسية الشاسعة.
يغامر من يصدق هذا الرجل المتقلب بقرب انتهاء الحرب؛ ففي سيرة "صاحب الذات المتضخمة" الكثير من خصال الغدر ونقض الوعود، والانقلاب على التصريحات وعلى الحلفاء متى يشاء.
إن وقف إطلاق النار لم يكن سوى استجابة "المضطر" لانتقاداتٍ داخليةٍ طالت هيبة الدولة، وبسبب قرب نفاد رصيد "الأيام الستين" التي يمنحها له القانون لخوض الحرب دون إذنٍ مسبقٍ من المشرعين.
ورغم ما أصاب العالم من مغارم، كانت مغانم ترمب أكثر، جنى منها أرباحاً طائلة من التلاعب بالبورصات وارتفاع أسعار النفط التي تضغط على الأعصاب العارية للمستهلكين. فبعد أن حاصر حصار المضيق، دعا الدول التي تتضور عطشاً للسولار والبنزين إلى شراء النفط منه بأسعاره الصاعدة. فمصائب الأمم عند ترمب فوائد، وضرائب، وفرص استثمارية لشركاته لإصلاح ما دمرته الحرب في إيران وفي الدول المجاورة، بمشاريع تتجاوز مئات مليارات الدولارات. إنها السياسة حين تُدار بعقلية التاجر؛ فما تهدمه صواريخ المقامر تبنيه فواتير المقاول.

أقلام وأراء

الخميس 16 أبريل 2026 10:12 صباحًا - بتوقيت القدس

ماذا سيغيّر مؤتمر حركة فتح الثامن القادم؟

على أعتاب المؤتمر الثامن لحركة فتح، لا يقف السؤال عند حدود التوقع، بل يتجاوزها إلى مستوى المسؤولية: ماذا ستفعلون بهذه اللحظة؟ فالمؤتمر، في سياق الانقسام، وتراجع الثقة، وتصاعد التحديات، لم يعد مناسبة تنظيمية، بل لحظة فاصلة بين مسارين: استعادة الدور أو استمرار التآكل.
أنتم، أعضاء المؤتمر، لا تجتمعون لانتخاب قيادة فحسب، بل لتحديد ما إذا كانت فتح ستبقى حركة تحرر وطني حية، أم تتحول تدريجيًا إلى إطار تقليدي فاقد للمبادرة. وهذه ليست مبالغة، بل قراءة لواقع يزداد تعقيدًا في قطاع غزة والضفة الغربية، حيث تتآكل الثقة، وتُختبر الشرعيات، وتُملأ الفراغات بقوى أخرى أكثر حضورًا ميدانيًا.
أول ما ينبغي أن يتغيّر هو الوضوح. لقد دفعت الحركة ثمن التردد وتعدد الرسائل. المطلوب اليوم ليس خطابًا توفيقيًا، بل تعريف صريح للدور: هل أنتم بصدد إعادة بناء حركة تقود مشروعًا وطنيًا تحرريًا، أم إدارة واقع سياسي قائم؟ هذا الحسم هو نقطة البداية، لأن ما بعده—من سياسات وخيارات—سيتحدد على أساسه.
ثانيًا، لا يمكن لأي تغيير أن يحدث دون مراجعة شجاعة. ليست مراجعة شكلية تُكتب في التقارير، بل مراجعة تعترف بالأخطاء، وتحدد مكامن الخلل، وتضع معايير واضحة للمساءلة. إن تجديد القيادات ليس شعارًا، بل ضرورة حيوية. ضخ دماء جديدة، وإفساح المجال للكفاءات، وربط الموقع بالأداء لا بالولاء—كلها شروط لاستعادة الحيوية. فالحركات التي لا تُجدّد نفسها، يُجدّدها الواقع خارج إرادتها.
ثالثًا، إن إعادة الاعتبار للمؤسسة داخل فتح لم تعد خيارًا. غياب العمل المؤسسي، وتغليب مراكز النفوذ، أضعف القرار وأربك الأداء. أنتم أمام فرصة لإعادة بناء نظام داخلي قائم على الشفافية، وتوزيع الصلاحيات، والمساءلة. فالقوة التنظيمية لا تُقاس بعدد الأعضاء، بل بقدرتها على إنتاج قرار رشيد وتنفيذه.
أما سياسيًا، فإن التحدي الأكبر هو الخروج برؤية قابلة للتنفيذ. لا يكفي التمسك بالثوابت، بل يجب تحويلها إلى سياسات واضحة: ما هو أفق العملية السياسية في ظل انسدادها؟ كيف تُدار العلاقة مع الاحتلال؟ ما هي أدوات النضال الممكنة اليوم؟ وكيف يمكن إعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني على أسس ديمقراطية جامعة؟ إن الغموض في هذه الأسئلة لم يعد مقبولًا، لأن كلفته تُدفع يوميًا على الأرض.
وفي هذا السياق، تبقى العلاقة مع حركة حماس اختبارًا حقيقيًا لجدية التغيير. إن استمرار الانقسام لم يعد مجرد خلاف، بل خطر وجودي يهدد المشروع الوطني برمته. والمطلوب منكم ليس إدارة الانقسام، بل امتلاك شجاعة إنهائه، عبر مقاربة جديدة تتجاوز الحسابات الفصائلية الضيقة.
ولا يقل أهمية عن ذلك، استعادة البعد الشعبي للحركة. فتح لم تكن يومًا نخبة مغلقة، بل كانت تعبيرًا عن نبض الناس. إن اتساع الفجوة بين القاعدة والقيادة، إن لم يُعالج، سيقوّض أي محاولة للإصلاح. المطلوب هو العودة إلى الميدان، إلى الناس، إلى قضاياهم اليومية، وإعادة بناء الثقة بالفعل لا بالخطاب.
كما أن المرحلة تفرض إعادة تعريف أدوات النضال. فالمواجهة لم تعد عسكرية فقط، بل سياسية، وقانونية، وإعلامية. تفعيل المقاومة الشعبية، والانخراط الفاعل في المحافل الدولية، واستخدام أدوات القانون الدولي—كلها مسارات يجب أن تُدار بعقل استراتيجي، لا بردود فعل آنية.
أيها الأعضاء، إن أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن يمر المؤتمر دون أن يترك أثرًا. أن يُعاد إنتاج الوجوه ذاتها، والآليات ذاتها، والخطابات ذاتها. حينها، لن يكون المؤتمر محطة إنقاذ، بل حلقة إضافية في مسار التراجع.
لكن الفرصة ما زالت قائمة. بين أيديكم إمكانية حقيقية لإعادة تعريف فتح، لا كشعار تاريخي، بل كقوة فاعلة قادرة على المبادرة والتجديد. إن القرار الذي ستتخذونه—صراحةً أو ضمنًا—لن يحدد فقط شكل الحركة، بل موقعها في مستقبل القضية الفلسطينية.
السؤال الذي يجب أن يرافقكم في كل جلسة ليس: من يفوز؟ بل: هل ستخرج فتح من هذا المؤتمر أقوى مما دخلته؟
فإن كان الجواب نعم، فقد بدأ التغيير.
وإن كان غير ذلك، فإن التأجيل لن يكون إلا على حساب التاريخ.
عشتم وعاشت فتح وعاشت فلسطين.


أقلام وأراء

الخميس 16 أبريل 2026 10:11 صباحًا - بتوقيت القدس

نهاية الأسطورة الأمريكية… ترمب ونتنياهو ومآلات ضياع البوصلة

لم تعد صورة الولايات المتحدة، كما رسختها لعقود طويلة في الوعي العالمي، تلك القوة التي لا تُقهر، ولا ذلك الفاعل الذي يمسك بخيوط النظام الدولي دون منازع. فقد جاءت سنوات دونالد ترمب لتكشف عن تصدعات عميقة في هذه “الأسطورة”، ليس فقط على مستوى السياسة الخارجية، بل في الداخل الأمريكي ذاته، حيث الانقسام الحاد وتآكل الثقة بالمؤسسات، وصعود خطاب شعبوي أعاد تعريف الدور الأمريكي بصورة أقرب إلى الانكفاء منها إلى الهيمنة.
حاول ترمب أن يعيد تشكيل العالم وفق منطق الصفقات لا التحالفات، والقوة الاقتصادية لا القيم. غير أن هذه المقاربة، التي بدت حاسمة في ظاهرها، أضعفت مكانة واشنطن وأفقدتها الكثير من رصيدها الأخلاقي، خاصة في القضية الفلسطينية، حيث بدا الانحياز الأمريكي لإسرائيل فاقعًا وغير قابل للتبرير.
في المقابل، أعاد بنيامين نتنياهو إنتاج خطاب أكثر تطرفًا، قائمًا على أوهام “تغيير الشرق الأوسط” بالقوة، والسعي نحو حلم “إسرائيل الكبرى”، مستندًا إلى دعم أمريكي غير مسبوق. لكن هذا المشروع سرعان ما اصطدم بواقع أكثر تعقيدًا، حيث أثبتت المنطقة أنها عصية على إعادة الهندسة وفق الإرادة الإسرائيلية.
لقد كشفت الحرب الأخيرة والتوترات مع إيران حدود القوة الأمريكية والإسرائيلية معًا. فمحاولات فرض الإرادة بالقوة لم تحقق الحسم، بل أدت إلى استنزاف متبادل وتآكل الردع، وارتفاع كلفة المغامرة السياسية والعسكرية. كما بدأ المزاج الدولي، وحتى داخل الولايات المتحدة، يميل إلى مراجعة هذه السياسات، مع تزايد الانتقادات لنهج ترمب والتشكيك في جدوى الصراعات المفتوحة.
ومن اللافت في هذا السياق أن معظم حلفاء الولايات المتحدة الغربيين لم يواكبوا دونالد ترمب في سياساته التصعيدية، سواء تجاه إيران أو في دعمه غير المحدود لسياسات بنيامين نتنياهو. بل إن مسافة سياسية آخذة في الاتساع ظهرت بوضوح، تعكس تباينًا في الرؤى، وحرصًا أوروبيًا على تجنب الانزلاق إلى مواجهات مفتوحة، خاصة في ظل الانتقادات الواسعة لما جرى في قطاع غزة.
وفي هذا السياق، تكتسب الانتخابات الإسرائيلية القادمة أهمية خاصة، إذ ستشكل اختبارًا لمستقبل بنيامين نتنياهو السياسي، في ظل تراجع شعبيته وتصاعد الانتقادات لأدائه. كما أن الانتخابات النصفية للكونغرس الأمريكي ستكون محطة مفصلية في تحديد مستقبل دونالد ترمب، بل وقد تفتح الباب أمام سيناريوهات سياسية معقدة، من بينها احتمالات العزل أو الملاحقة السياسية، إذا ما جاءت نتائجها على نحو يعكس رفضًا واسعًا لسياساته.
ومن أبرز ملامح المرحلة القادمة أن أي تهدئة مع إيران ستفتح الباب أمام تحولات إقليمية واسعة، حيث يتجه المزاج العام نحو خفض التوتر، بما قد يمهد لمصالحة إيرانية–خليجية تعيد ترتيب أولويات المنطقة، وتضعف منطق الاستقطاب الذي ساد خلال السنوات الماضية.
وفي المقابل، يبدو أن مسار التطبيع مع إسرائيل مرشح للتراجع، في ظل الكلفة السياسية والأخلاقية التي كشفتها الأحداث، خاصة مع استمرار العدوان على الشعب الفلسطيني. كما أن العديد من الدول قد تجد نفسها مضطرة لإعادة حساباتها استجابة لضغوط داخلية وشعبية متزايدة.
وفي هذا المشهد المتحرك، برز دور كل من مصر وقطر وتركيا، وبالأخص القيادة المصرية، في إدارة مسار المفاوضات بين حركة حماس وإسرائيل، حيث أسهمت هذه الجهود في كبح محاولات فرض الشروط الإسرائيلية، وقطع الطريق أمام تغولها السياسي والعسكري. كما دعمت القاهرة مقاربات عملية، من بينها الدفع نحو تشكيل لجنة تكنوقراط لإدارة المرحلة الانتقالية، وتسريع جهود إعادة الإعمار، مع التأكيد على الحفاظ على مكانة السلطة الفلسطينية ودورها في ترتيبات “اليوم التالي”، رغم التعثر الذي تسببه التعنت الإسرائيلي وغياب الرؤية الواضحة لدى حكومة بنيامين نتنياهو.
أما الموقف المصري، فقد برز كذلك بوصفه نموذجًا للتوازن، حيث لعبت القاهرة دورًا مهمًا في مواجهة مخططات التهجير القسري، وحافظت على ثوابت القضية الفلسطينية، مع تبني سياسة متزنة تجاه التصعيد مع إيران، بعيدًا عن منطق الانجرار إلى الصراعات.
وفي سياق هذه التحولات، تبدو واشنطن أمام مراجعة ضرورية لسياساتها في المنطقة. فسياسة الانحياز المفرط والارتباط شبه العضوي بإسرائيل، كحليف استراتيجي تحكمه المصالح لا الأعباء، مرشحة للتغيير نحو مقاربات أكثر توازنًا. وقد تسعى الولايات المتحدة، في مرحلة ما بعد دونالد ترمب، إلى إعادة ترتيب علاقاتها في الشرق الأوسط بعيدًا عن الأجندة الإسرائيلية وضغوطات اللوبيات الصهيونية المتطرفة.
إن ما نشهده اليوم ليس مجرد تراجع في سياسات أو شخصيات، بل تحول أعمق في موازين القوة، حيث لم تعد “الأسطورة الأمريكية” كما كانت، ولا أوهام “إسرائيل الكبرى” قادرة على الصمود أمام حقائق الواقع.
وكما قالوا: حين تفقد القوة قدرتها على الإقناع، وتستبدل الحكمة بالغلبة، تبدأ رحلة التراجع… وتكتب نهاية الأساطير بصمت، لا بضجيج القوة.

أقلام وأراء

الخميس 16 أبريل 2026 10:10 صباحًا - بتوقيت القدس

"مجلس السلام" يواجه تحديات تعيق تنفيذ خطة ترامب لإنهاء الحرب في غزة ...؟


مر أكثر من  ثلاثة شهور على تشكيل مجلس السلام الخاص بإنهاء الحرب علي غزة  وتحقيق السلام والذي كان قد  أعلن عن تشكيله أواخر يناير من العام الحالي في (مؤتمر دافوس بسويسرا) ووجهت  حينها دعوات للعديد من دول العالم لانضمام الى هذا المجلس مرفقة بشرط دفع مساهمة مالية تقدر بمليار دولار لكل دولة عضو بالمجلس مع إعفاء اسرائيل الكامل واعلنت  أكثر من ١٦ دولة الاشتراك في هذا المجلس   وتم فتح حساب بنكي باسم المجلس لدى البنك الدولي بالتالي أصبح للمجلس ميزانيته الخاصة ،وقبل ذلك بحوالي شهرين أعلن عن تشكيل( اللجنة الوطنية لإدارة القطاع )والتي  ستتولى استلام الحكم من حركة حماس  ,وتم في أكتوبر الماضي تشكيل( المجلس التنفيذي لمجلس السلام) وتم تعيين السيد( نيكولاي ميلادنوف) رئيسا  للجنة التنفيذية ومندوبا ساميا لمجلس السلام في غزة وبالتالي اكتمل الهيكل الاداري للمجلس إلا أن الواضح حتى الآن أن المجلس لم يعقد اي جلسة لبحث مسار تطبيق خطة الرئيس ترامب في غزة .

 اليوم في ظل انشغال إدارة ترامب بالحرب على إيران وعدم الاهتمام باستكمال تنفيذ خطة ترامب لإنهاء الحرب في غزة بات هناك العديد من التحديات التي تواجه مجلس السلام ومدى قدرته على تحقيق السلام في غزة  ، التحدي الأول الذي واجه مجلس السلام هو تشكيل قوة الاستقرار الدولي  التي ستنتشر في القطاع وتحل محل قوات الاحتلال الاسرائيلي  التي ستنسحب الي الخط الفاصل بين القطاع واسرائيل  لأن هناك تدخل اسرائيلي مباشر  سمحت به إدارة ترامب في تشكيل هذه القوة وبالتالي مهامها الرئيسية والمحددة ولعل النقطة التي أعاقت تشكيل هذه القوة هو ترويج اسرائيل أن  هذه القوة بالأساس  هي لنزع سلاح الفصائل الفلسطينية في القطاع وهذا ما لم توافق عليه كثير من الدول التي أعلنت أنها مستعدة لارسال قوات لغزة في إطار قوة الاستقرار الدولي لكن ليس علي اساس المواجهة مع الفلسطينيين والقيام بأدوار ليس من اختصاصها  بالإضافة لفيتو اسرائيلي علي مشاركة بعض الدول التي ستشارك بالقوة كتركيا  التي اعترضت اسرائيل علي مشاركتها في قوة الاستقرار الدولي بحجة أنها مقربة من حماس  وبالتالي عزفت بعض الدول عن المشاركة في هذه القوة مما أفقدها قوة الدفع واستكمال تشكيلها  باتجاه  بدء انتشارها في القطاع وتوليها مهامها  انطلاقا من  تحديد أماكن الموضع والسيطرة  بهدف   انتشارها في جميع مناطق القطاع  .
أن تحدي عدم القدرة علي تشكيل قوة الاستقرار الدولي وإرسالها الي القطاع هو تحدي يجعل كل  مهام مجلس السلام مهام مستحيلة أو مؤجلة  فلا يمكن (للجنة الوطنية لإدارة غزة) ان تصل القطاع وتتسلم  الحكم من حركة حماس  ما لم تحل هذه القوة مكان قوات الاحتلال التي من المفترض أن تنسحب من الخط الاصفر الذي بات يشكل تهديد نوعي وكبير للسكان في غزة من خلال  الاستيلاء علي اكثر من ٥٥%من مساحة القطاع والخطير أن قوات الاحتلال تحرك هذا الخط باتجاه الغرب كل فترة وتقيم حاليا  أكثر من ٣٥ موقع  عسكري علي طول الخط وغالبا ما تستخدم هذه المواقع لإطلاق النار والقذائف تجاه مخيمات النزوح والمناطق المأهولة  بالسكان في إصرار اسرائيلي لعدم الالتزام بالوقف التام النار .
منذ فترة وخلال الحرب الأمريكية الاسرائيلية الإيرانية في الشرق الأوسط  يبدو أن انشغال إدارة ترامب في هذه الحرب رافقه تجميد مؤقت لتنفيذ الخطة الخاصة بغزة وبالتالي تطبيق بنود المرحلة الثانية ، ميلادنوف بدأ منذ فترة حراك في القاهرة بوساطة مصرية للتحدث مع حركة حماس لمحاولة إيجاد حل  عملي لموضوع سلاح الفصائل الذي تعتبر اسرائيل تسليمه شرط أساسي لقبول اسرائيل الانسحاب من الخط الاصفر والسماح بوصول قوة الاستقرار الدولي وتولي اللجنة الوطنية لإدارة القطاع وما يرافقه من انتشار شرطي فلسطيني لتحقيق الأمن والاستقرار الداخلي . لقاءات ميلادنيوف والمخابرات المصرية مع قيادات حماس والفصائل الفلسطينية  في القاهرة حققت تقدم معين في موضوع تطبيق بنود المرحلة الثانية من الخطة وتم طرح دمج موظفي حماس المدنيين في  المؤسسات المدنية وبعض من أفراد الشرطه مقابل نزع سلاح حماس وإعادة إعمار القطاع إلا أن هناك معضلة جديدة ظهرت كتحدي أمام مجلس السلام واللجنة التي ستدير القطاع وهو المليشيات التي شكلتها اسرائيل في القطاع وتزودها بالمال والسلاح باعتبار وجودها لا يحقق  مبدأ السلطة الواحدة والقانون الواحد والسلاح الواحد وبالتالي يجب أن يتم تفكيكها . يبدو ان ميلادينوف وحدة لا يستطع حل هذه القضية دون تدخل مباشر من إدارة ترامب ومستشاريه الذين يتوجب عليهم إقناع اسرائيل الكف عن وضع معيقات وصناعة  تحديات أمام مجلس السلام واهمها تفكيك هذه المليشيات و السماح للجنة الوطنية بتسلم الحكم في القطاع .مؤخرا رفضت اللجنة الوطنية لإدارة القطاع الدخول الي غزة في ظل وجود هذه المليشيات وهذا يهدد عمليا بقاء هذه اللجنة التي هددت بتقديم استقالتها لمجلس السلام إن لم يتم تسهيل عملها في القطاع وتسلمها الحكم بشكل يضمن مبدأ السلطة الواحدة والقانون الواحد والسلاح الواحد .أن التحديات التي تعيق عمل مجلس السلام واستكمال تطبيق خطة الرئس ترامب تهدد بالمجمل الخطة و تهدد حقيقة بقاء مجلس السلام والهياكل التابعة له ليس أكثر من هياكل علي ورق وبالتالي تفرض اسرائيل حلول الأمر الواقع  ببقاء سيطرتها لفترة طويلة تمتد لسنوات علي اكثر من نصف القطاع وتعيق بذلك إعادة إعمار وتعافيه وتعيق ترسيخ وجود سلطة واحدة وسلاح واحد وقانون واحد  لتكرس في ذات الوقت  حكم القطاع من قبل تلك المليشيات التي شكلتها باعتبار أن لها السيطرة علي القطاع في اليوم التالي للحرب   . اذا أدركت إدارة الرئيس ترامب خطورة هذه التحديات علي مجمل خطة الرئيس ترامب لانهاء الحرب علي غزة بما يعزز مصداقية  هذه الادراة لأداء  أدوار مشابه في الشرق الأوسط وبالتالي يصبح لديها القدرة علي تنفيذ خطط تحقق السلام بعيدا عن تدخلات اسرائيل وهذا يعني انه يجب ان تبقي مفاتيح الدفع بالخطة انطلاقا من تطبيق بنود المرحلة الثانية بالتدريج  في يدها بما يساهم في تخفيف المعاناة و المأساة علي المواطنين الفلسطينيين فإن هذا سيمكن الإدارة الأمريكية من النجاح في العديد من الأدوار بالشرق الأوسط وقد يتحقق السلام الشامل في حال عملت علي وقف تخريب اسرائيل  لهذه الخطة وتقويضها   لأن اسرائيل في الحقيقة بات لا يعنيها سوي بقاء جبهات الحروب في الشرق الأوسط مفتوحة ولا يعنيها إنهاء الحروب علي الاقل في الوقت الراهن الي حين انتخابات الكنيست 2026. الحقيقة أن إدارة ترامب الان لا يمكن اعفائها من مسؤوليتها أمام تسهيل تطبيق بنود المرحلة الثانية ولا يمكن إستثنائها من ممارسة الضغط المطلوب علي اسرائيل  لتتوقف عن إعاقة تنفيذ بنود الخطة وتهيئ لمجلس السلام كافة العوامل والإجراءات لتحقيق سلام واستقرار دائمين في قطاع غزة  علي اساس مبدأ وحيد لا غيره وهو القانون الواحد والسلطة الواحدة والسلاح الواحد .
[email protected]


أقلام وأراء

الخميس 16 أبريل 2026 10:09 صباحًا - بتوقيت القدس

"منابرُ الخير" في مرمى الاستهداف… واعتقالُ الشيخ حاتم البكري شاهدٌ على همجيةٍ لا تخفى

في لحظةٍ بدا فيها المشهدُ أكثر قسوةً من الكلمات، امتدّت يدُ الاحتلال لتطال شخصيةً دينيةً عُرفت بين الناس بالوقار والعطاء، لا بالسلاح ولا بالصخب. لم يكن اعتقالُ الشيخ حاتم البكري حدثاً عابراً في سجلّ الأخبار، بل كان رسالةً واضحةً تُجسّد حجم الهمجية التي تستهدف الرموز المجتمعية والدينية، وتضيق على كل يدٍ امتدّت لتخفيف وجع يتيم أو مساعدة محتاج.
لقد جاء اقتحام الجمعية الإسلامية في مدينة الخليل واعتقال الشيخ البكري في سياقٍ يوحي بسياسةٍ ممنهجة، تُمعن في التضييق على المؤسسات الخيرية، وتُصوّب نحو الشخصيات التي تحمل ثقة الناس، وتؤدي رسالتها في خدمة المجتمع بصمتٍ وإخلاص. فحين يُستهدف رجلُ دينٍ عرفه الناس حاضراً في الميدان، قريباً من الفقراء، ساهراً على شؤون الأيتام، فإن المسألة تتجاوز شخصاً بعينه، لتطال قيم الرحمة والتكافل التي يقوم عليها المجتمع.
الشيخ حاتم البكري لم يكن مجرد اسمٍ في موقعٍ رسمي، بل كان وجهاً مألوفاً في شوارع الخليل، ورمزاً دينياً واجتماعياً ارتبط اسمه بالعطاء والاستقامة. ومن هنا، فإن استهدافه لا يمكن قراءته إلا بوصفه اعتداءً على المكانة الدينية، ومحاولةً للنيل من الشخصيات التي تشكّل مرجعيةً أخلاقيةً وروحيةً لأبناء المدينة.
إن هذا الاعتقال الجائر يفضح عقليةً لا ترى في العمل الخيري سوى تهديد، ولا في العمل الوطني سوى جرمٍ يستحق العقاب. وهو في الوقت ذاته يكشف عن خشيةٍ حقيقيةٍ من حضور الشخصيات التي تحظى بثقة الناس، وتملك القدرة على التأثير في مجتمعها، والمساهمة في صناعة الوعي وتعزيز صمود المدينة.
ورغم قسوة المشهد، فإن التجارب علمتنا أن غياب أصحاب المقام الرفيع والكفاءة الوطنية لا يُطفئ أثرهم، بل يزيد حضورهم في وجدان الناس. فالشيخ حاتم هو عنوانٌ لمكانةٍ علميةٍ ودينية، ودليلٌ على ثقة المجتمع بمن يحمل العلم والرسالة. وأمثال هؤلاء، إذا اعتُقلوا بسبب مواقفهم أو عطائهم، يتحولون في ذاكرة الناس إلى رموزٍ للصمود، وعناوينَ للثبات، وشواهدَ حيّة على أن الكلمة الصادقة قد تُقيَّد زمناً، لكنها لا تُهزم.
ستبقى الخليل وفيةً لرجالها، تعرف قدرهم، وتحفظ أسماءهم في ذاكرة المكان، لأن المدن التي تُنجب أصحاب الرسالة لا تنسى فضلهم، ولا تتخلى عنهم في ساعات الشدة.
ومن هنا، فإن الواجب الإنساني والأخلاقي يفرض مناشدة المنظمات الحقوقية الدولية، والهيئات المعنية بحماية حقوق الإنسان، للتحرك العاجل من أجل الإفراج عن الشيخ حاتم البكري، ووقف سياسة التنكيل والاستهداف التي تطال الشخصيات الدينية والعلمية في فلسطين. فصون الكرامة الإنسانية، وحماية الرموز المجتمعية، ليس شأناً محلياً فحسب، بل مسؤولية دولية تتطلب موقفاً واضحاً وإجراءً حازماً.

أقلام وأراء

الخميس 16 أبريل 2026 10:08 صباحًا - بتوقيت القدس

مؤتمر "فتح" الثامن .. هل نعيد تعريف الصراع ونؤكد على الهوية أم نعيد إنتاج الوهم؟


في هذه اللحظة المفصلية، يأتي انعقاد المؤتمر العام الثامن لحركة التحرير الوطني الفلسطيني "فتح"، ليس كاستحقاق تنظيمي فحسب، بل كاختبار وطني سياسي عميق لقدرتنا على إعادة تعريف معركتنا الوطنية في ظل طبيعة الصراع القائمة، وفي مواجهة أخطر مرحلة تمر بها القضية الفلسطينية منذ عقود.
فما نواجهه اليوم لم يعد مجرد احتلال عسكري تقليدي يمكن إنهاؤه عبر مسارات تفاوضية غائبة عملياً، بل مشروع استيطاني إحلالي متكامل، يقوم على نفي وجود شعبنا الفلسطيني، وإعادة تشكيل الجغرافيا والديموغرافيا بما يقطع الطريق على أي إمكانية حقيقية لتجسيد الدولة الفلسطينية المستقلة. فالاستيطان يتسارع ويتسع، والضم يتكرّس، والفصل والتقسيم الجغرافي الملون يزداد تعقيدا، في سياق واضح يهدف إلى فرض واقع نهائي يعيد إنتاج الاحتلال بصيغ جديدة كما وفرض الوصاية التي تنتزع حق شعبنا بتقرير المصير.
وفي هذا السياق، لا بد من إعادة تعريف طبيعة الصراع بوصفه صراعا بين مشروعين متناقضين لا يمكن التوفيق بينهما:
الأول، مشروع استيطاني إحلالي صهيوني، يقوم على نفي وجود الشعب الفلسطيني وإحلال مجتمع استعماري مكانه.
الثاني، مشروع وطني تحرري فلسطيني، يستند إلى حق شعبنا في الوجود وتقرير المصير والعودة، وبناء دولته المستقلة ذات السيادة والديمقراطية واسقاط المشروع الاستعماري في فلسطين.
إن فهم الصراع بهذه الصيغة يحرّر الوعي السياسي من أوهام الحلول الجزئية، ويعيد توجيه البوصلة نحو إدارة صراع طويل الأمد، لا يُختزل في مسار تفاوضي ترفضه إسرائيل أساساً بعد ان استغلته لتمرير مشاريعها، بل يقوم على مراكمة عناصر القوة الوطنية في مواجهة مشروع إحلالي مستمر يسعى لتنفيذ رؤية “إسرائيل الكبرى".
ومن هنا، تبرز جدلية الدولة الفلسطينية في ظل المعطيات القائمة، فهل ما زال هدف إقامة الدولة على حدود الرابع من حزيران ١٩٦٧ قابلًا للتحقق؟ أم أننا أمام واقع يجري فيه تفكيك هذا الإمكان بشكل منهجي؟
هذا السؤال لا يمس الثوابت، بل يتعلق بآليات تحقيقها. فالدولة ستبقى هدفا وطنيا جامعا يستند الى جوهر القرار الأممي ١٨١، لكن التحدي الحقيقي يكمن في كيفية الانتقال من ذلك القرار وسلسلة الاعتراف السياسي بالدولة التي ابتدأت مع اعلان وثيقة الاستقلال، إلى الترجمة والتجسيد الفعلي في ظل اختلال عميق في موازين القوى والوقائع على الارض التي تجري بدعم أمريكي وبصمت جزء من المجتمع الدولي الذي لم يرتقي لمسوؤلية محاسبة إسرائيل او لم يتجرأ عليها، بل يمارس ازدواجية المعايير حول نصوص القانون الدولي وميثاق هيئة الأمم المتحدة.
وهنا، لا يمكن قراءة هذا الواقع بمعزل عن التحولات الإقليمية والدولية، حيث تتقاطع مشاريع "الشرق الأوسط الجديد" مع مساعٍ لإعادة تشكيل الإقليم بما يضمن تفوق إسرائيل وهيمنتها، في ظل صراعات مفتوحة وضغوط متزايدة تهدف إلى إعادة هندسة المنطقة.
غير أن قراءة هذه التحولات يجب أن تنطلق من المصلحة الوطنية الفلسطينية، لا من الاصطفاف مع أي محور. فالتجارب لا تُستنسخ، لكنها تُقرأ، وما تثبته صراعات المنطقة هو أن الحسم لم يعد سريعاً كما كان، بل بات صراعا طويل الأمد قائما على الصمود والاستنزاف ومراكمة مصادر القوة.
الا ان السؤال الأخطر لا يتعلق فقط بطبيعة الصراع، بل بنا نحن:
ما هي "فتح" اليوم؟ هل ما زالت حركة تحرر وطني تقود مشروعا كفاحيا؟ أم إطارا سياسيا يدير سلطة تحت الاحتلال دون سلطة كما وصفها يوماً الأخ الرئيس؟ أم مزيجا غير محسوم بين الاثنين؟
هذه ليست أسئلة اتهامية، بل أسئلة وجودية وهوياتية. لأن الغموض في تعريف الذات يعكس بالضرورة غموضا في تحديد الاتجاه.
لقد نجحت "فتح" حين كانت واضحة في هويتها كحركة تحرر، أما اليوم، فإن هذا الوضوح يتآكل لصالح ازدواج بين خطاب تحرري وممارسة مقيدة باعتبارات السلطة والتزاماتها الدولية التي قيدتنا بجزء منها دون الوصول الى إنهاء الاحتلال. وهذا الازدواج لم يعد ممكنا الاستمرار فيه دون كلفة سياسية وتنظيمية متزايدة.
وينطبق الأمر ذاته هنا على أدوات الصراع، فلم تعد بندقية الأمس وحدها كافية، كما لم تعد المفاوضات وحدها مجدية في حال وجودها. نحن أمام تعددية في الأدوات تتمثل في مقاومة شعبية منظمة ومتصاعدة باستحضار تجربة الانتفاضة الكبرى، فعل سياسي ودبلوماسي مقاوم، مسار قانوني دون تراجع امام المحاكم الدولية، معركة وعي ورواية ومقاطعة وتضامن دولي متصاعد. لكن المشكلة ليست في تعدد الأدوات، بل في غياب الاستراتيجية التي توحدها.
فهل نمتلك اليوم تصوراً متكاملاً لإدارة الصراع ؟ أم أننا نتحرك بردود الفعل؟
إن أخطر ما يواجه أي حركة تحرر ليس قلة الإمكانيات، بل غياب الرؤية والإرادة السياسية وتنظيم تكامل الادوات.
من هنا، فإن المؤتمر الثامن لا يمكن أن يكون مجرد استحقاق تنظيمي، بل يجب أن يكون لحظة مراجعة نقدية حقيقية، تعيد تعريف المشروع الوطني، وتحدد هوية "فتح"، وتبني استراتيجية قادرة على الفعل، لا الاكتفاء بإدارة التراجع او المراوحة في نفس المكان.
وهنا نحن أمام مفترق طرق، إما إعادة إنتاج الواقع القائم تحت مسمى "الواقعية السياسية"، أو الانطلاق نحو إعادة بناء مشروع تحرري "بعقلانية ثورية" قادر على مواجهة طبيعة وحقيقة الصراع دون خطأ الانزلاق بالتكيف معه.
ففي لحظات التحول الكبرى، لا يكون الانتظار أو التردد موقفا محايداً، بل شكلًا من أشكال الخسارة المؤجلة.
إن إعادة تعريف معركتنا الوطنية لم تعد مسألة تحتمل وجهات النظر، بل ضرورة وطنية واجبة امام رفض التحالف الأمريكي الإسرائيلي الاستعماري لأي حلول سياسية تنهي هذا الصراع التاريخي. أما إن لم نَفعل، فإن كلفة الانتظار قد تكون أكبر من أن تُحتمل.

* عضو المجلس الاستشاري لحركة فتح

أقلام وأراء

الخميس 16 أبريل 2026 10:07 صباحًا - بتوقيت القدس

غزة حلم التهدئة


بين قصف وآخر، تراوح التهدئة مكانها في غزة، فلا اللجنة الإدارية عادت لتباشر أعمالها وتبدأ بتنفيذ الوعود التي قطعتها على نفسها، ولا مجلس السلام المزعوم أوقف عمليات القصف والقتل ودفع بالجهود المطلوبة منه، بل إن وتيرة القصف تتصاعد بين يوم وآخر، ولو أن الصورة غابت بفعل تداعيات الحروب في المنطقة، وباتت غزة غائبة عن عين الإعلام العربي والدولي، إلا أن المشاهد التي ينقلها الناس بعيون غزية تثبت أن الواقع لا يزال على حاله، وأن الناس في ضيق شديد وانعدام تام لكل ظروف الحياة، ونقص في الطعام والشراب، وكل الوعود التي خرج بها مجلس السلام بقيت حتى اليوم مجرد حبر على ورق.
الواقع المأساوي في غزة يفرض على العالم سرعة التحرك العاجل، وأن لا تبقى حالة التقاعس سمة مسيطرة على المشهد، وحالة من حالات الترك والتجاهل، فواقع غزة هذه الأيام أصبح أصعب من ذي قبل، وإن سياسة التلكؤ تثقل كاهل الناس، الذين ينتظرون انفراجة عاجلة نحو عودة الحياة ولو بشكل تدريجي، وألا يبقى الواقع كما هو متروك للنسيان الآثم، في ظل ما يحدث ووسط الركام والخراب، وفقدان الاحتياجات الضرورية لكي يبقى الناس على قيد الحياة.
ما يحدث على مستوى الإقليم أبعد صورة غزة بكل معاناتها وآلامها، وحضرت صور أخرى مكانها عبر الفضاء المفتوح في الفضائيات، إلا أنه مع مرور الأيام بات الأمر وكأنه سياسة متفق عليها، بأن تترك مصائر الناس للهباء، وهم في الخيام ومراكز النزوح، وأن تبتعد الصورة لتدخل غزة بكل أشكال معاناتها طي النسيان، كجزء من حرب الإبادة والتهجير، وإلا فلماذا هذا التباطؤ في البدء بعمليات إعادة الحياة وتأمين الحد الأدنى من متطلبات العيش واحتواء المعاناة والتخفيف من وقع المأساة.
ما يرصده الناس في غزة بعيونهم، وما نراه من خلالهم عبر الشاشات المهتمة، يعكس حقيقة الواقع الذي يزداد مرارة أكثر من أي وقت مضى، فمقومات العيش لا تزال شبه معدومة، وسط شح تام في الدواء والغذاء، وبالكاد الناس في غزة باقون على قيد الحياة، وهم يترقبون بقلق شديد، فهل تعود وتتجدد الحرب؟ أم تدخل  اللجنة الإدارة وتباشر العمل لتحسين ظروف العيش.

أقلام وأراء

الخميس 16 أبريل 2026 10:06 صباحًا - بتوقيت القدس

في التفاوض اللبناني– الإسرائيلي المباشر

إيران في جولة المفاوضات التي جرت مع الإدارة الأمريكية في إسلام آباد العاصمة الباكستينية، يوم الأحد الماضي، كانت متمسكة بمطلب أن تكون التسوية المفترضة تشمل بقية جبهات الصراع، وعلى الأخص الجبهة اللبنانية، التي شاركت في الحرب في الثاني من آذار، في عملية استباقية كرد على عدوان كبير وواسع كانت تخطط له إسرائيل على حزب الله اللبناني، حسب تصريحات قادتها العسكريين والأمنيين والسياسيين، وكذلك أتت تلك العملية في إطار الثأر لارتقاء المرشد الأعلى علي خامينائي في العدوان الأمريكي- الإسرائيلي على إيران في الثامن والعشرين من شباط الماضي.
 إيران في جولة المفاوضات تلك، تمسكت بربط التسوية المفترضة بتعميمها على ساحات المواجهة في المنطقة وخصوصاً في لبنان، وهو ما بدا أن التفاوض المباشر اللبناني الإسرائيلي الذي استضافته واشنطن كان موجهاً ضده.
 هكذا شهدت واشنطن انعقاد اللقاء الأول المباشر منذ 43 سنة بين لبنان وإسرائيل، في توقيت غير مفهوم لبنانياً وإسرائيلياً، لبنانياً يتم اللقاء على قاعدة تجريم المقاومة التي تحقق البطولات جنوباً في مواجهة الاحتلال، وإسرائيلياً يأتي في ظل إخفاقات عسكرية وسياسية يعاني منها التحالف الحاكم، وقد علق معارضون لرئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو على صورة التفاوض المباشر اللبناني الإسرائيلي بالقول، لقد تم تقديم حبل نجاة لبنيامين نتنياهو الذي كان يحتاج لصورة إنجاز يواجه به الرأي العام الناقم على نتائج الحرب مع إيران وحزب الله، بعدما اكتشف أكاذيب نتنياهو عن زوال تهديد إيران وزوال تهديد حزب الله، ورأى أن التهديد قد عاد أعظم مما كان عليه من الجهتين، فجاءت صورة التفاوض المباشر مع السلطة اللبنانية ورقة قوة يقدّمها للرأي العام إثباتاً على نجاح رهاناته، وهذا ما حرص السفير الإسرائيلي في واشنطن على تظهيره بعد اللقاء الذي جمعه بسفيرة لبنان برعاية وزير الخارجية الأميركية، مع بيان مشترك إنشائي، فقال إن اللقاء أسس للتعاون بين الحكومتين، على قاعدة التفاهم على تحرير لبنان من حزب الله، مشدداً على أن لا وقف لإطلاق النار سوف يسبق خطوات التفاوض المباشر الذي بدأ للتوّ، بينما اكتفت السفيرة اللبنانية في واشنطن بالقول إن اللقاء كان جيداً، وأنها أكدت على وقف إطلاق النار، لكن هذه المرة من دون القول إن وقف النار هو شرط مسبق للمشاركة في أي جلسة تفاوض، بعدما كان البيان المشترك الذي صدر عن وزارة الخارجية الأميركية قد أشار إلى انطلاق التفاوض المباشر في مكان وزمان يحدّدان لاحقاً.
 لم يحصل لبنان على وقف النار ولا على وعد بوقف النار، وحصلت إسرائيل بالمقابل على الصورة، وحصلت واشنطن على ما يكفي لسحب مطلب إيران بوقف النار في لبنان كبند تفاوضيّ، وبقي المكسب الوحيد للبنان ما تحقق من وقف الاعتداءات على بيروت والضاحية الجنوبية الذي انتزعته إيران قبل الذهاب إلى مفاوضات إسلام آباد.
  هناك مأثور شعبي يقول"التكرار يُعلم الشطار"، ولكن يبدو بأن هؤلاء ليسوا بشطار ولا يتعلمون من التجارب، بحيث يبدو أن ما جرى في مسار التفاوض غير قابل للتفسير عقلياً، لأن ثلاث تجارب واضحة كان يجب أن تكون كافية ليفهم لبنان الرسمي أنه لن يحصل من أميركا على شيء، والتجربة الأولى هي ما جرى مع لبنان منذ اتفاق وقف إطلاق النار في 27 -11- 24 الذي صاغته واشنطن وكفلته ولم تلزم إسرائيل بتنفيذ حرف منه، فما الذي طمأن لبنان الرسمي أن الاتفاق الذي سيتمّ إن تم، سوف ينفذ بخلاف الاتفاق الذي لم ينفذ طالما الوعد ذاته وصاحب الوعد هو ذاته؟ والتجربة الثانية هي تجربة سورية التي تفاوض من سنة دون نتيجة رغم تقديمها هدايا ثمينة لإسرائيل أهمها إخراج المقاومة وقطع خط إمدادها وتجاهل الانسحاب من الجولان المحتل والاكتفاء بطلب الانسحاب من الأراضي التي تم احتلالها قبل أقل من سنة ونصف، ورغم ما يفترض أنه دعم أميركي وعربي وإسلامي أقوى بكثير مما يحلم به لبنان لم تصل سورية إلى اتفاق ولا إلى وعود بوقف الاعتداءات وتحقيق الانسحاب.
 والتجربة الثالثة مماثلة لبنانياً وهي تجربة الرئيس السابق أمين الجميل صاحب اتفاق 17 أيار الذي كتب في مذكراته أن أميركا تهرب عندما تطالبها بوعدها وأن إسرائيل لا تنسحب من أرض قامت باحتلالها.
 لعل ما جرى ويجري على ساحة التفاوض اللبناني الإسرائيلي برعاية أميركية يستعيد ما جرى على المسار الفلسطيني الإسرائيلي الذي أدى إلى اتفاق أوسلو، حيث أعطت القيادة الفلسطينية سلاحها الأهم وهو التخلي عن المقاومة ومنح الاعتراف بـ”دولة" الاحتلال، بينما ذهبت إسرائيل تمضي في تنفيذ أجندتها وكان موضوعها زيادة الاستيطان. وفي المسار اللبناني ألقت الحكومة اللبنانية آخر ورقة قوة بيدها وهي صورة التفاوض المباشر وبعدما حصلت إسرائيل على الصورة سوف تواصل ما تريده وهو قضم المزيد من الأراضي اللبنانية وكما قرّرت إسرائيل في وقت مناسب إن على أجهزة الأمن الفلسطينية التنسيق معها لملاحقة المقاومة وإلا قطعت التنسيق سوف تقول إسرائيل للحكومة اللبنانية الشيء نفسه وإلا انتهى مسار التفاوض.
  في جولة المفاوضات التي جرت أمس في واشنطن برعاية أمريكية وبمشاركة سفيرة لبنان والسفير الإسرائيلي في واشنطن، صدرت عن السفير الإسرائيليّ في واشنطن مواقف حادّة عكست سقفًا مرتفعًا تجاه لبنان، حيث قال إنّ إسرائيل «متّفقةٌ مع الجانب اللّبنانيّ على تحرير لبنان من قوّات احتلالٍ إيرانيّةٍ هي حزب الله»، مضيفًا أنّ الجانب الإسرائيليّ أبلغ الوفد اللّبنانيّ أنّ "أمن المدنيّين ليس موضوعَ تفاوض". كما اعتبر أنّ "حزب الله في أضعف حالاته، وحكومة لبنان لم تستجب لموقفه الرّافض للتّفاوض".
  بالتّوازي، نقلت «قناة كان» العبريّة أنّ اجتماعًا لـ»الكابينيت» سيُعقد عند السّاعة الثّامنة من مساء أمس، وسط ترقّبٍ لنتائج المشاورات السّياسيّة والعسكريّة الإسرائيلية بشأن الجبهة مع لبنان.
 كما ذكرت «القناة 12» الإسرائيليّة أنّ الولايات المتّحدة ولبنان طلبا من إسرائيل وقفَ إطلاق نارٍ أو تهدئةً مؤقّتةً بهدف تقديم ذلك على أنّه إنجازٌ سياسيّ. ونقلت القناة نفسها، عن مصادر، أنّ الجيش الإسرائيليّ يريد استمرار إطلاق النّار في لبنان رغم المفاوضات الجارية في واشنطن، وأنّه ماضٍ في تعميق ضرباته ضدّ حزب الله، خشيةَ تعرّضه لضغطٍ أميركيّ يفرض وقفها.
 وأعلن وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش، أنّه لن يقوم أحد بتفكيك حزب الله نيابة عنا لكن اتفاق السلام بيننا وبين لبنان سيمنحنا الشرعية.
 لم يحصل لبنان على وقف النار ولا على وعد بوقف النار، وحصلت إسرائيل بالمقابل على الصورة، وحصلت واشنطن على ما يكفي لسحب مطلب إيران بوقف النار في لبنان كبند تفاوضيّ، وبقي المكسب الوحيد للبنان ما تحقق من وقف الاعتداءات على بيروت والضاحية الجنوبية الذي انتزعته إيران قبل الذهاب إلى مفاوضات إسلام آباد.

أقلام وأراء

الخميس 16 أبريل 2026 10:05 صباحًا - بتوقيت القدس

يا عارنا… عن شاحنة النفايات المضغوطة بالعمال!

 شاءت الظروف أن أكون حاضراً في مفاصل صعبة من مسارنا الفلسطيني المثقل، وربما كنتُ شاهداً مثقلاً بالعجز في كثير من الأحيان، عاجزاً عن أن أكون نافعاً أو قادراً على تخفيف بعضٍ من أوجاع الذين كان لي شرف معايشتهم والجلوس بين أيديهم.
عايشتُ، مثلًا، وكنت هناك أثناء مجزرة الحرم الإبراهيمي، وأمضيت أيامًا على أبواب مخيم جنين خلال اجتياحه عام 2002. وكنت شاهدًا على الاجتياحات الدورية للمخيمات، وحاضرًا أثناء تدمير مخيم نهر البارد في لبنان، وتدمير مخيم اليرموك في سوريا، والحملات الدموية المتتالية على غزة، وغيرها من المفاصل الموجعة عبر زمنٍ امتد لأكثر من اثنين وثلاثين عامًا عملت خلالها مع "الأونروا".
وبعد كل مفصل، وكل زيارة، وكل فاجعة، كنت أعود إلى بيتي في جبل الزيتون، خارج أسوار البلدة القديمة للقدس، وأمنح نفسي مساحة أبكي فيها على ما رأته العين وما اختبرته الروح… مساحة أختلي بها خوفًا من أن يفضح ما يعتمل في صدري من خوف وضعف وتشاؤم وخواء وحزن عميق أمام ابنتي، فأنقل إليها قلقي وانكساري، وأهزّ صورة والدها الذي طالما حدّثها عن قوة اللاجئين الفلسطينيين وعزيمتهم وصبرهم. كنت أخشى أن تربط اهتزازي بذاكرتها عن المخيم، وعن اللاجئ، وعن عظمة هذا الشعب المنهك.
لماذا أكتب كل هذا؟
أحيانًا، يحدث أمر ما… خبرٌ بعينه وسط زحمة الأخبار -وقد لا يكون الأقسى مما رأيت أو الأشد مما عشت- لكنه يصفعك فجأة. يشلّك. يكسرك دفعة واحدة. يفجّر كل ما يختزن في صدرك من غضب، وعجز، وقنوط، وحزن عارم، ويزرع فيك شكاً قاسياً بقناعاتك، ورغبة في الهروب، في التيه بلا وجهة ولا هدف. حدث هذا معي، كما مع غيري، مرات كثيرة عبر السنين، خصوصاً منذ السابع من أكتوبر.
صورة اليوم -وهي تُظهر شبانًا ورجالًا فلسطينيين مكدسين داخل حاوية قمامة، يحاولون التسلل إلى داخل فلسطين التاريخية ليضعوا خبزًا على موائد أبنائهم- صورة تصفعك. تخلَّ بتوازنك. وتكسر شيئًا عميقاً في داخلك.
كرامتهم، هم، ناصعة؛ ويزيدها رفعة وسموا سعيهم الشريف إلى لقمة العيش.
أما كرامتنا نحن، فهي المستباحة، المهانة. نحن الذين تعب أهلنا في تعليمنا وتثقيفنا -أو ما سمّيناه "تثقيفًا"- لنخرج إلى العالم مدافعين عن هؤلاء الرجال، ناقلين لنضالهم، ومراكِمين لإنجازات سياسية ونضالية وفكرية تليق بتضحيات شعبنا. لكننا، نحن -سياسيين، وفصائل، ومفكرين، وصحفيين، ولجاناً ومجتمعاً مدنياً ومؤسسات وأطراً وما شاكل- خذلناهم.
لم نحقق إنجازًا يليق بألمهم أو بصبرهم. دخلنا في اتفاقيات معطوبة، ووقّعنا معاهدات مشوّهة، وصنعنا واقعًا مختلًا، مفصومًا، وتصالحنا مع مفارقاته وأمسى عادياً جداً أن يتجاور فيه احتلال ودولة! والمخيم مع الكوفي شوب، وتختبئ فيه كرامة الرجال داخل حاوية قمامة، تمرّ بمحاذاتها سيارات فارهة، متباهيةً بغباء، على طرق مهترئة، بين حاجز عسكري وبوابة صفراء.
لا أبكي عليهم… لأنهم أكرم مني وأعز.
أبكي على واقعٍ تُقرع فيه الكؤوس بدل أن تُقرع جدران الخزان. أبكي على الأوهام، وعلى الانتصارات الدونكيشوتية التي نسجناها لأنفسنا.
أبكي اليوم لأنني خذلت/ لأنكم خذلتم هؤلاء الرجال، ولأن نظراتهم -وهم يُنزَلون من الشاحنة إلى الاعتقال- عرّتني، وعرّتكم، وكشفت هشاشتنا جميعًا.


فلسطين

الخميس 16 أبريل 2026 10:05 صباحًا - بتوقيت القدس

ميعاد أبو الرب تتحدث عن قصة الصورة التي اجتاحت الإعلام الغربي وأغضبت تل أبيب

- الجدل الذي رافق نشر الصورة يعد "تحولاً نوعياً" في طريقة تناول الإعلام الغربي للقضية الفلسطينية
- انتشار الصورة محطة كشفت قدرة الصورة الواحدة على تحريك الرأي العام العالمي
- لا يكفي أن تُروى القصة بل يجب أن تُدعّم بالدليل فالقانون لا يقوم على السرد بل على ما يمكن إثباته
- الصورة نجحت في إيصال واقع الفلسطينيين الذين لا يملكون شيئاً أمام عنجهية المستوطنين وجيش الاحتلال

رام الله - خاص بـ "القدس"-


 لم تكن المحامية الشابة ميعاد جمال أبو الرب من بلدة قباطية جنوب جنين، وهي ضمن عملها بهيئة مقاومة الجدار والاستيطان لمساندة الأهالي ضمن فعالية ميدانية في منطقة سوبا ببلدة إذنا غرب الخليل، تعلم أن صورتها التي التقطها المصور الصحفي الإيطالي بيترو ماستروزو قبل نحو ستة أشهر خلال فعالية لقطف الزيتون مجرد توثيق لحدث محلي، بل تحولت إلى مادة إعلامية عالمية تصدرت غلاف مجلة L'Espresso الإيطالية، لتفتح لاحقاً نقاشاً واسعاً امتد من أوروبا إلى الولايات المتحدة حول الرواية الفلسطينية وما يجري على الأرض، ولتعيد تسليط الضوء على مشهد الصراع في فلسطين من زاوية إنسانية وسياسية في آن واحد.

 عمل ميداني صار عالمياً

في صباح يوم 12 أكتوبر/ تشرين الأول 2025، كانت المحامية ميعاد أبو الرب تشارك في فعالية لقطف الزيتون ضمن أنشطة "دعم وصمود" تنظمها هيئة مقاومة الجدار والاستيطان في أراضٍ مهددة بالمصادرة في منطقة سوبا في بلدة إذنا، إذ لم تكن الفعالية حدثاً استثنائياً في سياق عملها، بل جزءاً من نشاط متكرر يهدف إلى تمكين المزارعين الفلسطينيين من الوصول إلى أراضيهم في ظل قيود وصعوبات ميدانية متواصلة من قبل جيش الاحتلال الإسرائيلي والمستوطنين.
تقول أبو الرب في حديث مع "القدس"، "إن هذه الأنشطة تنظم في أكثر من محافظة، وتشمل مرافقة المزارعين إلى أراضيهم، والمساعدة في قطف الزيتون في مناطق غالباً ما تواجه فيها طواقم الهيئة تضييقات أو احتكاكات مع الجيش الإسرائيلي أو المستوطنين".
لكن ما لم يكن متوقعاً، وفق روايتها، أن تتحول لحظة ميدانية بسيطة إلى صورة ستنتقل لاحقاً إلى الإعلام الأوروبي، وتحديداً إلى غلاف صحيفة L'Espresso الإيطالية، وتنشر في الثاني عشر من الشهر الجاري، لتصبح محور جدل سياسي وإعلامي واسع.

لحظة استفزازية

توضح أبو الرب أن الصورة التُقطت خلال وجودها في أرض لمساندة الأهالي بقطاف ثمار الزيتون في بلدة إذنا، دون أن تكون على علم مباشر بالكاميرا أو بزاوية التصوير، مشيرة إلى أن المصور الذي التقطها كان على الأغلب صحفياً أجنبياً، وتبين لاحقاً أنه إيطالي.
وتقول أبو الرب: "كانت اللحظات صعبة، حيث كان المشهد مليئاً بالتحديات، في ظل وجود عدد من المستوطنين المسلحين، وبعضهم يرتدي زي جيش الاحتلال الإسرائيلي، وكانوا يستفزوننا ويسخرون منا، وأوضحت الصورة جزءًا مما جرى".
وتشير أبو الرب إلى أن الفعالية في بلدة إذنا، رغم طابعها السلمي، واجهت في لحظات معينة تصعيداً ميدانياً، حيث تحدثت عن وجود مستوطنين مسلحين بلباس عسكري، وعن محاولات استفزاز واعتداءات لفظية وجسدية. وتشير أبو الرب إلى أن أحد كبار السن من المشاركين تعرض للدفع، وحاولت تقديم المساعدة له في الميدان.

ردود فعل غير متوقعة

بعد انتشار الصورة، كما تروي ميعاد، تصاعدت ردود الفعل بشكل غير متوقع، فقد تحولت خلال وقت قصير إلى مادة تداولتها وسائل إعلام أوروبية متعددة، ووصفت بأنها تعكس مشهداً إنسانياً من الصراع في الأراضي الفلسطينية.
غير أن هذا الانتشار، بحسب أبو الرب، لم يمر دون ردود فعل مضادة، إذ أشارت إلى أن السفير الإسرائيلي في روما اعتبر الصورة "مضللة" واتهمها بأنها جزء من دعاية إعلامية لا تعكس الواقع، بل ذهب في بعض التصريحات إلى التشكيك في صحتها واعتبارها "مفبركة أو مدعومة بالذكاء الاصطناعي".
هذا الجدل دفع، وفق روايتها، الصحفي الذي التقط الصورة إلى نشر فيديو ميداني يوثق اللحظة نفسها، في محاولة لتأكيد أن المشهد حقيقي وليس مفبركاً، وهو ما ساهم في إعادة تأجيج النقاش الإعلامي حول الواقعة.

انتشار واسع

لكن ما تعتبره أبو الرب الأهم لم يكن الجدل التقني حول الصورة أو الفيديو، بل حجم التفاعل الدولي الذي أعقب ذلك.
تقول أبو الرب: "إن الصورة انتقلت من صحيفة إلى أخرى، وتصدرت صفحات في إيطاليا وألمانيا وفرنسا وبريطانيا، ووصلت لاحقاً إلى الإعلام الأميركي، لتتحول إلى مادة نقاش حول طبيعة ما يجري في الضفة الغربية، خاصة في المناطق المصنفة (ج) في الضفة الغربية".
وتشير أبو الرب إلى أن السفيرة الفلسطينية في إيطاليا منى أبو عمارة تواصلت معها شخصياً وأبلغتها بأن الصورة أثارت تفاعلاً واسعاً وتعاطفاً في الأوساط الإعلامية الأوروبية، وأنها ساهمت في فتح نقاش جديد حول الرواية الفلسطينية في الإعلام الغربي.
وتلفت أبو الرب إلى أن الجدل الذي رافق نشر الصورة دفع بعض الأطراف إلى اعتباره "تحولاً نوعياً" في طريقة تناول الإعلام الغربي للقضية الفلسطينية، حيث لم تعد القضية تُناقش فقط من زاوية سياسية تقليدية، بل من خلال صور ميدانية تعكس تفاصيل الحياة اليومية في مناطق الاحتكاك.
وتؤكد أبو الرب أن هذا الانتشار الإعلامي يسلط الضوء على معاناة الفلسطينيين، معتبرة أن أي صورة أو مادة إعلامية تساعد في إيصال هذا الواقع إلى الرأي العام الدولي هي خطوة مهمة في سياق العمل الحقوقي والقانوني.
وترى أبو الرب أن انتشار الصورة لم يكن مجرد حدث إعلامي عابر، بل محطة كشفت عن قدرة الصورة الواحدة على تحريك الرأي العام العالمي، وإعادة طرح القضية الفلسطينية في الإعلام الغربي من زاوية أكثر قرباً للإنسان.
وبحسب أبو الرب، فإن ما حدث قد يكون بداية لتحول أوسع في الاهتمام الدولي، لكنه في الوقت ذاته لا يلغي حجم المعاناة اليومية التي يعيشها الفلسطينيون على الأرض، والتي تبقى أكبر بكثير مما يمكن أن تنقله أي صورة.
باب واسع نحو الانتهاكات الميدانية

وتؤكد ميعاد أبو الرب أن هذه التغطية لم تكن مجرد اهتمام بصري بل فتحت باباً واسعاً للحديث عن الانتهاكات الميدانية التي يتعرض لها الفلسطينيون خلال محاولاتهم الوصول إلى أراضيهم، مشيرة إلى أن ما جرى في تلك الفعالية لم يكن معزولاً عن سياق أوسع من الاحتكاكات والاستفزازات والاعتداءات اليومية التي ينفذها جيش الاحتلال الإسرائيلي والمستوطنون.
وتؤكد أبو الرب تعرضها شخصياً لمضايقات واعتداءات قبل ذلك بكثير، مستعيدة مشهداً آخر من تجربتها الميدانية، حين كانت حاملاً في شهرها السابع قبل نحو عامين وتعرضت الفعالية التي شاركت بها، لإطلاق قنابل غاز سام مسيل للدموع أدت إلى نقلها إلى المستشفى لعدة ساعات، معتبرة أن ذلك يعكس طبيعة المخاطر التي تواجهها الطواقم العاملة في هذا المجال.
وتصر أبو الرب على أن الفعاليات تبقى سلمية بالكامل، وهدفها الأساسي هو دعم المزارعين الفلسطينيين وتمكينهم من الوصول إلى أراضيهم، في ظل سياسات الاحتلال والمستوطنين التي تمنعهم أحياناً من الوصول إلى حقولهم، أو تعرض أشجار الزيتون للتخريب والقطع.
وتقول أبو الرب: "إن الصورة التي انتشرت عالمياً لم تكن سوى جزء صغير جداً من واقع أوسع وأكثر تعقيداً"، مؤكدة أن ما يُنشر في الإعلام لا يعكس دائماً حجم المعاناة اليومية التي يعيشها السكان في تلك المناطق، لكن هذه الصورة جاءت لتعزز طبيعية ما يجري من انتهاكات.

الصورة مهمة في المعركة القانونية

تستشهد ميعاد بصورتها التي التقطها مصور إيطالي، مؤكدة أن إسرائيل حاولت تكذيبها، لكن جاء الصحفي بفيديو يعزز الرواية.
تشدد أبو الرب على أن التوثيق، بالصورة والفيديو، أصبح أداة حاسمة في مواجهة محاولات التشكيك، وبالنسبة لها، فإن تكامل الأدلة هو ما يمنح الحقيقة قوتها، ويجعل إنكارها أمراً أكثر صعوبة.
لكن ما يتجاوز الجدل حول الصور، هو الهدف الأوسع الذي تسعى إليه، حيث تؤكد ميعاد أن ما يعنيها ليس شخصها، بل قدرة أي مادة موثقة على تحريك المجتمع الدولي، سواء عبر الإعلام أو المحاكم أو المنابر القانونية، قائلة: "نحن بحاجة إلى تسليط الضوء على معاناة شعبنا"، مشيرة إلى أن كل قصة أو مجزرة تحتاج إلى توثيق، ليصبح بالإمكان نقلها إلى العالم بلغة يفهمها.
وتستحضر في حديثها أهمية الصورة في المحافل الدولية، حيث كانت في أكثر من مناسبة كافية لنقل معاناة شعب بأكمله.
أما الصورة التي التقطها مصور إيطالي لها في بلدة إذنا، برأيها، قد تحمل هذا الأثر، إذا ما نجحت في إيصال واقع الفلسطينيين الذين لا يملكون شيئاً أمام عنجهية المستوطنين وجيش الاحتلال الإسرائيلي.
وتقول أبو الرب بلهجة حازمة: "فعالياتنا كانت سلمية، لم نحمل سلاحاً، لكننا كنا دائماً الطرف الذي يتعرض للهجوم، ثم يحاولون إدانتنا، لذا فإن معركة القانون والصورة والتوثيق هو الطريق الهام الذي نمتلكه نحو كشف الحقيقة".

أحداث يومية تتحول لملفات قانونية

بمكتبها في رام الله بالدائرة القانونية التابعة لهيئة مقاومة الجدار والاستيطان تجلس المحامية ميعاد أبو الرب، حيث تتابع الحكايات اليومية للمواطنين وتتحول قصصهم مع اعتداءات المستوطنين إلى ملفات قانونية، توثق المعاناة في أوراق وإثباتات.
بالنسبة لميعاد، لا يكفي أن تُروى القصة، بل يجب أن تُدعّم بالدليل، فالقانون، كما تقول، لا يقوم على السرد بل على ما يمكن إثباته.
تشرح أبو الرب أن عملها لا يقتصر على تقديم المواطنين المعتدى عليهم رواية، بل على بناء ملف متكامل من الأدلة.

تصاعد وتيرة الاعتداءات

في مكتبها بالدائرة القانونية، تتابع المحامية ميعاد أبو الرب عملها وسط تصاعد يومي في حجم القضايا، وتقول: "إن وتيرة العمل تزداد مع مرور الأيام، نتيجة تزايد الهجمات والتوسع الاستيطاني، ما ينعكس مباشرة على عدد الملفات التي تصل إلى الهيئة".
تصف المحامية ميعاد أبو الرب واقعاً حجمه كبير جداً من الانتهاكات المتصاعدة، حيث تشير إلى أن اعتداءات المستوطنين تجري تحت حماية جيش الاحتلال وبوجود السلاح الدائم مع أولئك المستوطنين، كما تمتد هذه الاعتداءات من سرقة الأغنام إلى حرق المنازل والبركسات والخيام.
وتوضح أبو الرب أن حجم المعاناة يظهر يومياً من خلال تدفق المواطنين إلى الهيئة، حاملين قصصهم وما يتعرضون له في التجمعات، وفي مواجهة ذلك، تعتمد الهيئة على دائرة التوثيق لرصد هذه الانتهاكات، وتحويلها إلى أدلة تحفظ رواية الضحايا وتدعم مسار المتابعة القانونية.

متابعة متواصلة

تشرح أن طبيعة عملهم تبدأ باستقبال أصحاب الأراضي المهددة بالمصادرة، أو أولئك الذين تلقوا إخطارات هدم لمنازلهم أو منشآتهم، ثم يتولى الفريق القانوني استلام الملف، وتجهيز الأوراق، والتدقيق في النواقص، تمهيداً لتحويله إلى مسار قانوني واضح.
ضمن هذا المسار، وفق أبو الرب، تعتمد الهيئة على شبكة من المحامين الحاصلين على مزاولة إسرائيلية، حيث يتم تحويل الملفات إليهم لمتابعتها أمام الجهات الإسرائيلية المختصة. وتؤكد أبو الرب أن العمل لا يتوقف عند تحويل الملف، بل يشمل متابعة مستمرة مع المحامين لضمان السير في الإجراءات، في محاولة لحماية ما يمكن حمايته للمواطنين وممتلكاتهم.

الهيئة.. الواجهة الأولى للمواطنين

تؤكد المحامية ميعاد أبو الرب أن هيئة مقاومة الجدار والاستيطان تشكل الواجهة الأولى للمواطنين الذين يتعرضون لمختلف أشكال الاعتداء من المستوطنين، حيث يبقى بابها مفتوحاً لاستقبالهم وتقديم الدعم.
وتوضح ميعاد أبو الرب أن دور الهيئة لا يقتصر على المتابعة القانونية فقط، بل يمتد إلى تنظيم حملات مساندة، أبرزها خلال مواسم قطف الزيتون.
وتشير ميعاد إلى أن الدعم يشمل مساعدات عينية ومادية تهدف إلى تعزيز صمود المواطنين في أراضيهم، من خلال توفير وحدات سكنية متنقلة، ومرافق أساسية، إضافة إلى تعويضات عن الخيام والممتلكات التي يتم إحراقها، وحتى تقديم أغنام وأشجار، في محاولة لتثبيتهم في أرضهم رغم الانتهاكات.

المحامية الصلبة

تتحدث ميعاد أبو الرب عن محطة مبكرة في حياتها، حين أنهت مرحلة الثانوية العامة ووقفت أمام خيارين شكّلا بالنسبة لها طريق المستقبل: الصحافة أو المحاماة، فهما خياران لم يكونا مجرد تخصصين دراسيين، بل وسيلتين لمحاولة فهم الواقع الفلسطيني ونقله إلى العالم.
وتقول أبو الرب: "إن هذا القرار ارتبط بوعي تشكّل لديها منذ الصغر، في ظل أحداث مؤثرة ظلت حاضرة في ذاكرتها، مثل قصة محمد الدرة وغيرها من المشاهد التي رافقت جيلها في سنواته الأولى، ما جعلها تشعر بحاجة دائمة إلى إيصال الحقيقة كما هي".
منذ طفولتها كانت ميعاد تلاحظ حجم الانتهاكات التي يتعرض لها الفلسطينيون وكذلك التجربة التي عاشها والدها أسيراً في سجون الاحتلال الإسرائيلي ومن ثم الإفراج عنه وأصبح عضواً في المجلس التشريعي، الأمر الذي ولّد لديها رغبة قوية في أن تكون جزءاً من عملية توثيق هذا الواقع ونقله للآخرين، وكأنها تبحث عن وسيلة "تكشف ما يحدث للعالم"، معتبرة أن المحاماة منحتها فرصة للدفاع عن هذا الهدف من زاوية قانونية وإنسانية في آن واحد.

الأم المحبة لوطنها وأسرتها

لم يكن سياق ما جرى مع الشابة ميعاد أبو الرب منفصلاً عن واقع عاشته وتعيشه في تفاصيل حياتها، حيث تؤكد أبو الرب أن عملها في الدائرة القانونية بهيئة مقاومة الجدار والاستيطان، إضافة إلى دوائر التوثيق والدعم والصمود، يجعلها على تماس مباشر مع هذه الوقائع، حيث تعمل الهيئة على توثيق الانتهاكات ودعم صمود السكان في المناطق المهددة بالمصادرة.
والمحامية ميعاد جمال أبو الرب متزوجة وهي أم لأربعة أطفال (رزق 7 سنوات، جاد 6 سنوات، والتوأم قيس وسما عمرهما سنة ونصف)، وتعود أصولها إلى بلدة قباطية جنوب جنين وتعمل وتسكن في مدينة رام الله، كما أن والدها الأسير المحرر والقيادي في حركة فتح، جمال أبو الرب من بلدة قباطية جنوب جنين، أمضى ما يقارب 24 عاماً في سجون الاحتلال على فترات متقطعة، وهو ما تعتبره ميعاد جزءاً مما عاشته في سياق شخصي وعائلي ينعكس على وعيها وانخراطها في هذا العمل.

تحديات كبيرة يهونها الإصرار

لا يقتصر عمل ميعاد داخل مقر الهيئة فقط، بل إنها تتابع عملها من المنزل، وبين مكالمات العمل وضجيج المقابلات، تحاول المحامية ميعاد أبو الرب أن تلتقط أنفاسها، فيما يعلو بكاء طفليها التوأم من حولها، وتبتسم وهي تقول إن السؤال الأكثر تكراراً في يومها كان: كيف توفقين بين عملك وأمومتك لأربعة أطفال؟ سؤال يبدو بسيطاً، لكنه يختصر يوميات مزدحمة بالتحديات، بين متابعة طفليها التوأم وتدريس بقية أطفالها، ومتطلبات البيت، وضغط العمل، تبدو المعادلة معقدة، لكنها بالنسبة لها ممكنة.
تعترف أبو الرب بأن السر لا يكمن في تنظيم الوقت فقط، بل في الدافع الداخلي الذي يمنحها القوة، قائلة: "أطفالي هم الحافز"، مستحضرة نشأتها التي ارتبطت بالأرض كقيمة وجودية، وكذلك ضمن قناعة راسخة بأن فقدان الأرض يعني فقدان المعنى والوجود.
هذا الوعي تحاول ميعاد أن تنقله إلى أطفالها، الذين كانوا في البداية يخافون عليها من الذهاب إلى الفعاليات، خاصة أنها تخرج أحياناً في أيام لا تُعد ضمن دوامها الرسمي، وكانوا يسألونها بقلق عن وجود جيش الاحتلال والمستوطنين، وعن المخاطر التي قد تواجهها، لكنها تلاحظ اليوم تحولاً واضحاً في موقفهم؛ فقد استبدلوا الخوف برغبة في المشاركة، قائلين إنهم يريدون مرافقتها والدفاع عن وطنهم، بل إنهم سعيدون حينما يشاهدون صورها ومقاطع الفيديو التي تظهر عملها ضمن طواقم الهيئة، ولم يكن ذلك مجرد موقف عابر، بل لحظة شعرت فيها ميعاد أنها تكبر في عيونهم.
تختم حديثها بنبرة هادئة: "هذا الشعور يمنحني دافعاً إضافياً للاستمرار، ليس فقط كأم، بل كإنسانة ترى في عملها رسالة، خاصة حين تتعامل يومياً مع قصص مؤلمة تجعلني أكثر تمسكاً بما أفعل".

فلسطين

الخميس 16 أبريل 2026 9:59 صباحًا - بتوقيت القدس

بدعم من وكالة الإمارات للمساعدات الدولية .. تعزيز قدرات المستشفى الإماراتي العائم بالعريش بكوادر طبية إندونيسية

عزّز المستشفى الإماراتي العائم في مدينة العريش، ضمن عملية "الفارس الشهم 3"، كوادره الطبية بانضمام دفعة جديدة من الفريق الطبي الإندونيسي، في خطوة تجسد تصاعد الجهود الطبية والإنسانية لدولة الإمارات لدعم الأشقاء الفلسطينيين القادمين من قطاع غزة، وتوفير رعاية صحية متكاملة ضمن منظومة علاجية متقدمة تسهم  في تخفيف معاناتهم ورفع جاهزية الخدمات المقدمة لهم.

انخرط الفريق الطبي الإندونيسي في أداء مهامه إلى جانب الكوادر الطبية والإدارية الإماراتية العاملة في المستشفى،  في خطوة تسهم في الارتقاء بمستوى الخدمات العلاجية المقدمة للمرضى، ورفع جاهزية الطواقم الصحية، وتعزيز القدرة على التعامل مع مختلف الحالات المرضية والإصابات التي يتعامل معها المستشفى على مدار الساعة.

ويجسد انضمام هذه الدفعة الجديدة عمق التعاون الإنساني والطبي بين دولة الإمارات العربية المتحدة وجمهورية إندونيسيا، ويعكس متانة الشراكة بين البلدين في دعم القضايا الإنسانية، انطلاقاً من قيم راسخة تقوم على التضامن والتكافل وتقديم العون للمحتاجين.

ويمثل المستشفى الإماراتي العائم في العريش إحدى أبرز المبادرات الطبية والإنسانية التي أطلقتها دولة الإمارات ضمن عملية "الفارس الشهم 3"، إذ يواصل أداء دوره في تقديم خدمات علاجية متكاملة للمرضى الفلسطينيين القادمين من قطاع غزة، عبر منظومة متقدمة تضم كوادر طبية وإدارية متعددة التخصصات، وتشمل الفحوصات والتشخيص والعلاج والعمليات الجراحية والرعاية اللاحقة، في تجسيد واضح لإلتزام إماراتي راسخ بمواصلة دعم الفلسطينيين والتخفيف من معاناتهم.

أقلام وأراء

الخميس 16 أبريل 2026 9:58 صباحًا - بتوقيت القدس

حصار إسرائيل بين الخيارات: قوة تتصاعد… وصراع يستنزفها

في كل مرة يتصاعد فيها التوتر في الشرق الأوسط، تعود أسئلة الهوية والهجرة إلى الواجهة—لا بوصفها نقاشًا نظريًا، بل كواقع يومي يطال الأفراد ويعكس تحولات أعمق في السياسة. وفي قلب هذا المشهد تقف إسرائيل، الدولة التي قامت على فكرة جمع الشتات، لكنها تجد نفسها اليوم أمام مفارقة متزايدة: ليست الوجهة الحتمية لكل يهود العالم، وليست أيضًا بمنأى عن التحولات التي تعيد تعريف معنى الانتماء ذاته.

خلال السنوات الأخيرة، عززت حكومات يقودها بنيامين نتنياهو خطابًا يضع إسرائيل في موقع “الملاذ الأخير” لليهود. يستند هذا الطرح إلى وقائع حقيقية، منها تصاعد حوادث معاداة السامية في بعض الدول الغربية، خاصة في أعقاب أزمات كبرى مثل حرب غزة 2023. لكن الإشكالية لا تكمن في وجود هذه الظواهر، بل في كيفية توظيفها: حين يُقدَّم العالم الخارجي باعتباره بيئة متزايدة الخطر، تصبح الهجرة إلى إسرائيل خيارًا يبدو أكثر إلحاحًا، لا بالضرورة نتيجة قناعة حرة، بل تحت ضغط سياق مُعاد تأطيره.

مع ذلك، لا تعكس هذه الرواية كامل الصورة. ففي مدن مثل نيويورك وباريس ولندن، يعيش ملايين اليهود الذين يرون في أوطانهم استقرارًا راسخًا، ويرفض كثيرون اختزال هويتهم في مشروع قومي واحد. بالنسبة لهم، لا تُختزل اليهودية في دولة، ولا تُفهم بالضرورة من خلال سياسات الحكومة الإسرائيلية. هذا التباين يعكس تحولًا أوسع: الهوية لم تعد أحادية أو مرتبطة بمركز واحد، بل أصبحت متعددة وموزعة عبر تجارب وسياقات مختلفة.

في المقابل، تبرز مفارقة أكثر تعقيدًا: فكلما تصاعدت العمليات العسكرية أو السياسات المتشددة، تزايدت الانتقادات الدولية، وأحيانًا—وبشكل مقلق—تزايدت أيضًا حوادث العداء لليهود. وهكذا يجد يهود الخارج أنفسهم في موقع إشكالي، متأثرين بسياسات لا يشاركون في صنعها، ومعرّضين لردود فعل لا يستطيعون التحكم بها. لا توجد أدلة حاسمة على أن هذا الترابط مقصود، لكن نتائجه، حين تحدث، تصبح جزءًا من خطاب سياسي يعيد إنتاج نفسه.

في هذا السياق، يتجلى “حصار الخيارات” داخل إسرائيل نفسها. فبعد عقود كان فيها الحديث يدور حول تسوية نهائية، يتقدم اليوم نهج مختلف يقوم على “إدارة الصراع”. لم يعد الهدف حلًا شاملًا بقدر ما أصبح احتواءً مستمرًا: تقليل المخاطر، ضبط الإيقاع، وتجنب القرارات الكبرى التي قد تفرض تحولات جذرية.

تقدم حرب غزة 2023 مثالًا واضحًا على هذا التحول. فالجولات العسكرية المتكررة لم تفتح أفقًا سياسيًا جديدًا، بل أعادت إنتاج نمط مألوف: تصعيد واسع، يعقبه تدخل لضبط الوضع، ثم عودة إلى حالة من اللا حسم. ومع كل دورة، تتسع المسافة بين الواقع القائم وإمكانية الوصول إلى حل نهائي.

ولم يعد هذا النمط محصورًا في غزة. فقد امتد إلى الإطار الإقليمي، خاصة مع المواجهات غير المباشرة والمباشرة مع إيران، حيث تُستخدم القوة دون أن تفرض نهاية سياسية واضحة. هذا التمدد يعمّق الإحساس بأن الصراع لم يعد مرحلة انتقالية نحو حل، بل أصبح بنية قائمة بذاتها.

في الضفة الغربية، يأخذ هذا التحول شكلًا تراكميًا هادئًا لكنه عميق الأثر. فالتوسع الاستيطاني وإعادة تشكيل الجغرافيا والواقع الإداري يفرضان وقائع جديدة دون إعلان رسمي عن بديل سياسي. ومع مرور الوقت، تجعل هذه التغييرات أي تسوية مستقبلية أكثر تعقيدًا، وأقل قابلية للتطبيق وفق النماذج التي طُرحت سابقًا.

أما دبلوماسيًا، فلا يزال حل الدولتين حاضرًا في الخطاب الدولي، لكنه يفتقر إلى الزخم الفعلي. وبدلًا من مفاوضات حاسمة، يسود نمط من التأجيل وإدارة الأزمة، حيث تُعالج القضايا بشكل جزئي دون الوصول إلى إطار شامل.

في ظل هذه المعادلة، يتجسد “حصار إسرائيل بين الخيارات” بوضوح. فهي تعزز حضورها على الأرض وتملك تفوقًا عسكريًا، لكنها في الوقت ذاته تنخرط في نمط صراع طويل يفرض عليها كلفة متراكمة. فبينما يتحمل الفلسطينيون العبء الأكبر والمباشر—بشريًا وماديًا—يتشكل على الجانب الإسرائيلي نوع مختلف من الاستنزاف: سياسي ودبلوماسي، مع تزايد الانتقادات الدولية؛ وصوري، مع تآكل صورتها في الرأي العام العالمي؛ واستراتيجي، مع غياب أفق حاسم ينهي التهديد بدل إدارته.

بهذا المعنى، لا يبدو الصراع مجرد استنزاف لطرف واحد، بل معادلة غير متكافئة: طرف يُستنزف بقسوة في الحاضر، وآخر يُستنزف ببطء على المدى الطويل. وهذه المعادلة، رغم اختلالها، تعمّق المأزق بدل أن تحلّه.

فبعد هذا الصعود الدراماتيكي لإسرائيل—عسكريًا وإقليميًا—يبدو أنها تدخل مرحلة مختلفة: ليس بالضرورة “نزولًا” حادًا، بل انتقالًا إلى وضع تتزايد فيه كلفة هذا الصعود نفسه. فالتفوق الذي تعزز عبر جولات مثل حرب غزة 2023 لم يُترجم إلى حسم سياسي، بل رافقه ضغط متصاعد—دوليًا وداخليًا—يجعل الحفاظ على هذا المستوى من القوة أكثر تعقيدًا. بهذا المعنى، لا يتراجع الصعود بقدر ما يواجه حدوده، حيث تبدأ القوة، بدل أن تفتح أفقًا للحل، في إنتاج قيود جديدة تعيد تشكيل الخيارات وتدفع نحو مراجعة المسار.

هذا التباين بين من يملك القوة ومن يملك السردية يعمّق المأزق. فالتسوية لم تنجح، والقوة لم تحسم، وإدارة الصراع لم تُنهِه. ومع مرور الوقت، تتحول هذه المسارات إلى حالة من الاستنزاف المتبادل، تفقد معها القدرة على إنتاج مخرج واضح.

بين مسار اتفاقيات أوسلو، الذي سعى إلى حل نهائي، والمسار الحالي الذي يقوم على إدارة مفتوحة للصراع، لا يعود الواقع إلى نقطة البداية، بل يتشكل من جديد. وبهذا المعنى، لا تبدو العودة إلى أي صيغة سابقة ممكنة كما كانت.

ورغم أن العودة إلى مسار التسويات قد لا تبدو خيارًا مفضلًا في اللحظة الراهنة، فإنها قد تصبح، مع مرور الوقت، الخيار الأكثر واقعية ضمن هذا الحصار. ليس لأن جميع البدائل قد استُنفدت بالكامل، بل لأن كلفة الاستمرار قد تتجاوز كلفة التغيير. عندها، قد لا تأتي التسوية بوصفها خيارًا مثاليًا أو طوعيًا، بل كاستجابة لضغط متراكم يعيد ترتيب الأولويات ويفرض إعادة النظر في المسار القائم.

هكذا، لا يتجه الصراع نحو نهاية حاسمة، بل يستمر كعملية طويلة من التكيف وإعادة التشكل. وفي غياب حل نهائي، يبقى الاحتمال الأرجح هو استمرار هذا النمط: صراع يُدار أكثر مما يُحل، إلى أن تفرض التحولات المتراكمة شروطًا جديدة تعيد تعريف ما يبدو ممكنًا.



عربي ودولي

الخميس 16 أبريل 2026 9:42 صباحًا - بتوقيت القدس

تحركات دبلوماسية مكثفة بين طهران وبيروت لإنهاء الصراع ووساطة باكستانية تفتح آمال التهدئة

تصاعدت مؤشرات التفاؤل في الأوساط السياسية الدولية اليوم الخميس، مع بروز تحركات دبلوماسية مكثفة تشير إلى احتمال اقتراب المواجهات العسكرية في الشرق الأوسط من نهايتها. وتأتي هذه التطورات في ظل وجود وسيط باكستاني رفيع المستوى في العاصمة الإيرانية طهران، تزامناً مع إبداء إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب رغبة واضحة في التوصل إلى اتفاقات استراتيجية تضمن استقرار الممرات المائية الحيوية.

وفي السياق الميداني، كشفت مصادر مطلعة أن الحكومة الإسرائيلية عقدت اجتماعاً موسعاً لمناقشة مقترحات تتعلق بوقف إطلاق النار على الجبهة اللبنانية. ويأتي هذا التحرك بعد مرور أكثر من ستة أسابيع على اندلاع المواجهات العنيفة مع حزب الله، وسط ضغوط دولية متزايدة لإنهاء العمليات العسكرية والعودة إلى طاولة المفاوضات.

من جانبها، نقلت تقارير صحفية عن مسؤولين لبنانيين توقعاتهم بإمكانية الإعلان الوشيك عن هدنة مرتقبة بين الطرفين. وأكد الرئيس الأمريكي دونالد ترمب أن جولة من المحادثات اللبنانية الإسرائيلية من المقرر أن تنطلق اليوم الخميس، مما يعزز فرضية الانتقال من التصعيد العسكري إلى المسار السياسي الدبلوماسي.

وأوضحت مصادر أمريكية أن واشنطن، رغم عدم مطالبتها رسمياً بوقف إطلاق النار في مراحل سابقة، إلا أنها ترحب بقوة بأي خطوة تؤدي إلى تهدئة شاملة كجزء من رؤية أوسع لاتفاق سلام في المنطقة. وتفتح هذه التصريحات الباب أمام تساؤلات جوهرية حول طبيعة المرحلة المقبلة وإمكانية فتح قنوات اتصال مباشرة بين قيادات الدول المعنية بالصراع.

وأفادت مصادر ميدانية في بيروت بأن الطروحات الأمريكية الحالية تأتي في توقيت حساس للغاية، حيث يعاني الداخل اللبناني من انقسامات حادة تجاه فكرة التفاوض المباشر مع الجانب الإسرائيلي. وتتزامن هذه التباينات السياسية مع استمرار العمليات الميدانية التي تزيد من تعقيد المشهد الدبلوماسي الساعي لاحتواء الأزمة.

وأشارت المصادر إلى أن الحديث عن اتصالات رفيعة المستوى يعيد إلى الأذهان تحركات سابقة قام بها مبعوثون دوليون إلى القصر الرئاسي اللبناني. وكان الهدف من تلك التحركات استكشاف سبل الخروج من المأزق الراهن، حيث ساد اعتقاد بأن التواصل المباشر بين الرئاسة اللبنانية والبيت الأبيض قد يضع حداً للتدهور الأمني.

وعلى صعيد الوساطة الإقليمية، وصل قائد الجيش الباكستاني عاصم منير إلى طهران في زيارة رسمية تهدف إلى لعب دور محوري في تقريب وجهات النظر ومنع انفجار الصراع بشكل أوسع. وتأتي هذه الخطوة بعد أيام من انتهاء جولة مفاوضات سابقة في باكستان بين مسؤولين أمريكيين وإيرانيين دون التوصل إلى نتائج ملموسة.

وفي واشنطن، أعربت المتحدثة باسم البيت الأبيض كارولاين ليفيت عن تفاؤل حذر بشأن إمكانية التوصل إلى اتفاق نهائي، واصفة الجهود الباكستانية بأنها مثمرة ومستمرة. ونفت ليفيت الأنباء التي تحدثت عن طلب أمريكي رسمي لتمديد وقف إطلاق النار القائم، مؤكدة أن التركيز ينصب حالياً على بناء تفاهمات مستدامة.

ورغم عدم تأكيد مواعيد جديدة للمحادثات المباشرة، إلا أن التوقعات تشير إلى إمكانية استئنافها في باكستان خلال الأيام القليلة المقبلة. وقد انعكس هذا الجو من التفاؤل السياسي بشكل إيجابي وسريع على أسواق الأسهم العالمية التي شهدت تعافياً ملحوظاً مدفوعاً بآمال وقف القتال وتراجع حدة التوترات الجيوسياسية.

وفي سياق الضغوط الاقتصادية، توقع وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت تراجعاً كبيراً في مشتريات الصين من النفط الإيراني نتيجة الإجراءات الأمريكية الصارمة. وأوضح بيسنت أن واشنطن تعمل على عرقلة وصول الناقلات إلى الموانئ الإيرانية، مما يضيق الخناق المالي على طهران ويدفعها نحو تقديم تنازلات في الملف النووي والإقليمي.

وحذرت وزارة الخزانة الأمريكية مؤسسات مالية صينية من مغبة التعامل مع الأصول الإيرانية، مهددة بفرض عقوبات ثانوية قاسية. وتعد هذه الخطوة جزءاً من استراتيجية الضغط الأقصى التي تنتهجها الإدارة الأمريكية لتقويض الموارد المالية التي تغذي الأنشطة العسكرية الإيرانية في المنطقة، خاصة وأن الصين كانت تستوعب الجزء الأكبر من الصادرات النفطية.

وكشف الرئيس ترمب عن تواصله المباشر مع الرئيس الصيني شي جين بينغ، حيث طالبه بوقف تزويد إيران بالأسلحة والمعدات العسكرية. ورغم النفي الصيني لهذه الاتهامات، إلا أن ترمب أبدى ثقته في تعاون بكين، مشيراً إلى أن الجانب الصيني يدرك أهمية استقرار الملاحة في مضيق هرمز وتأثيره المباشر على الاقتصاد العالمي.

وأكد ترمب عبر منصات التواصل الاجتماعي أن جهوده لفتح مضيق هرمز بشكل دائم تصب في مصلحة المجتمع الدولي بأسره وليس الولايات المتحدة فحسب. وأضاف أن التفاهمات مع القوى الكبرى تسير في اتجاه إيجابي، متوقعاً لقاءات قريبة تكرس هذه التفاهمات وتحولها إلى واقع ملموس ينهي حالة عدم الاستقرار.

يبقى الترقب سيد الموقف بانتظار ما ستسفر عنه الساعات القادمة من نتائج للمحادثات المرتقبة، ومدى قدرة الوساطة الباكستانية على جسر الهوة بين طهران وواشنطن. وتظل العيون شاخصة نحو الحدود اللبنانية الإسرائيلية، حيث يمثل وقف إطلاق النار هناك الاختبار الحقيقي لمدى جدية الأطراف في إنهاء أمد الحرب.

أحدث الأخبار

الخميس 16 أبريل 2026 9:42 صباحًا - بتوقيت القدس

لغز اختفاء مسيرة أمريكية متطورة فوق مضيق هرمز عقب هدنة واشنطن وطهران

كشفت مصادر إعلامية وتقنية عن تفاصيل حادثة غامضة تمثلت في اختفاء طائرة مسيرة أمريكية متطورة من طراز 'Grumman MQ-4C Triton' أثناء تنفيذها مهمة استطلاع فوق مضيق هرمز. ووقعت الحادثة في التاسع من أبريل الجاري، تزامناً مع أجواء التهدئة التي أعقبت اتفاق هدنة بين الولايات المتحدة وإيران، مما أثار تساؤلات حول طبيعة الخلل الذي أصاب واحدة من أغلى الطائرات المسيرة في العالم.

بدأت رحلة المسيرة التي تحمل رقم التسجيل 169804 من قاعدة سيغونيلا الجوية البحرية الواقعة في جزيرة صقلية الإيطالية عند منتصف الليل بالتوقيت العالمي. وتعتبر هذه القاعدة مركزاً حيوياً للأسطول السادس الأمريكي وقوات حلف شمال الأطلسي 'الناتو'، حيث يتمركز فيها نحو 7000 جندي لدعم العمليات العسكرية في حوض المتوسط وشمال أفريقيا والشرق الأوسط.

استغرقت الطائرة نحو ست ساعات للوصول إلى منطقة العمليات في الخليج العربي، حيث باشرت مهامها الاستطلاعية المعتادة فوق مضيق هرمز. واستمرت عملية التحليق لمدة ثلاث ساعات قبل أن يطرأ تطور مفاجئ عند الساعة 09:57 بالتوقيت العالمي، حين بدأت الطائرة بإرسال إشارات استغاثة عبر الرمز الدولي '7700' الذي يشير إلى وجود حالة طارئة خطيرة.

أظهرت بيانات التتبع الملاحي أن المسيرة عانت من هبوط حاد ومفاجئ في الارتفاع، حيث هوت من 52,200 قدم إلى نحو 8,664 قدم فقط في غضون دقائق معدودة. هذا السلوك الملاحي المضطرب انتهى باختفاء الطائرة تماماً عن شاشات الرادار وأنظمة التتبع عند الساعة 10:12 بالتوقيت العالمي، وذلك في منطقة قريبة جداً من المجال الجوي الإيراني.

ويُعد الرمز '7700' الذي استخدمته الطائرة بروتوكولاً عالمياً للإبلاغ عن أعطال فنية جسيمة أو حرائق أو حالات طارئة تستوجب منح الطائرة أولوية قصوى في التعامل من قبل مراقبي الحركة الجوية. وفي حالة هذه المسيرة، فإن انحرافها عن مسارها المخطط له نحو الأجواء الإيرانية زاد من تعقيد الموقف وغموض المصير الذي آلت إليه.

وبحسب سجلات موقع 'AIRNAV RADAR'، فإن هذه الطائرة تحديداً كانت قد نفذت 15 مهمة مراقبة قبالة السواحل الإيرانية منذ أواخر فبراير الماضي. وتركزت معظم طلعاتها الجوية في محيط جزيرة خرج الإيرانية، إلا أن رحلتها الأخيرة شهدت تمديداً لمسار التحليق فوق مضيق هرمز قبل وقوع الحادثة التي أخرجتها من الخدمة.

تعتبر طائرة 'MQ-4C Triton' من الأصول الجوية الاستراتيجية للجيش الأمريكي، حيث صُممت لمهام الاستخبارات والمراقبة البحرية بعيدة المدى. وتتميز بقدرتها على البقاء في الجو لأكثر من 24 ساعة متواصلة، مع توفير تغطية رادارية وبصرية شاملة بزاوية 360 درجة، مما يجعلها أداة لا غنى عنها في مراقبة الممرات المائية الحساسة.

تصل تكلفة المسيرة الواحدة من هذا الطراز إلى قرابة 243 مليون دولار، وهو ما يفسر قرار الجيش الأمريكي بتقليص خطط إنتاجها من 70 طائرة إلى 27 فقط ضمن ميزانية عام 2024. وتضم الطائرة منظومات استشعار فائقة الدقة تشمل كاميرات كهروبصرية ورادارات بحث متطورة قادرة على نقل البيانات الحية إلى مراكز القيادة والوحدات البحرية.

أشارت مصادر فنية تابعت مسار الرحلة إلى أن اختفاء الطائرة في هذا التوقيت بالذات يحمل دلالات هامة، خاصة وأنه جاء بعد يومين فقط من إعلان الهدنة بين واشنطن وطهران. ورجحت التحليلات الأولية أن تكون الطائرة قد تعرضت لخلل فني تقني أو حادث عرضي أدى إلى فقدان السيطرة عليها وسقوطها في مياه الخليج أو في منطقة غير مأهولة.

حتى اللحظة، لم يصدر أي تعليق رسمي من وزارة الدفاع الأمريكية 'البنتاغون' يوضح ملابسات الحادثة أو يؤكد تحطم الطائرة، كما التزمت السلطات الإيرانية الصمت حيال الواقعة. ويبقى لغز اختفاء 'تريتون' معلقاً بين فرضيات العطل الفني أو التدخل الخارجي، في ظل الحساسية العالية التي تشهدها منطقة مضيق هرمز.

تستمر المصادر الملاحية في مراقبة أي نشاط قد يشير إلى عمليات بحث أو استرداد لحطام الطائرة في المنطقة التي شهدت آخر ظهور لها. ومع غياب المعلومات الرسمية، تظل التكهنات مفتوحة حول ما إذا كانت الأيام المقبلة ستكشف عن مصير هذه المسيرة التي تعد واحدة من أكثر الأسلحة الأمريكية تطوراً وسرية في المنطقة.

عربي ودولي

الخميس 16 أبريل 2026 9:42 صباحًا - بتوقيت القدس

مجزرة مدرسية تهز تركيا: مقتل 9 أشخاص برصاص طالب في قهرمان مرعش

استيقظت ولاية قهرمان مرعش جنوب شرق تركيا على فاجعة دموية، بعدما أقدم طالب في المرحلة الإعدادية على فتح النار داخل مدرسته، مما أسفر عن سقوط عدد كبير من الضحايا. وأفادت مصادر رسمية بأن الهجوم تسبب في مقتل تسعة أشخاص وإصابة ثلاثة عشر آخرين بجروح متفاوتة الخطورة، مما أثار حالة من الذعر الشديد في الأوساط التعليمية والعائلية بالمنطقة.

وفي تفاصيل الحادثة الأليمة، أوضح وزير الداخلية التركي مصطفى تشيفتشي خلال مؤتمر صحفي أن المنفذ هو طالب في الصف الثامن يبلغ من العمر 14 عاماً فقط. وقد تمكن الفتى من إدخال أسلحة جلبها من منزله إلى داخل الحرم المدرسي، حيث اقتحم فصلين دراسيين وبدأ بإطلاق الرصاص بشكل عشوائي ومباشر تجاه المتواجدين.

وبحسب البيانات الطبية والميدانية، فإن قائمة الضحايا شملت ثمانية طلاب ومعلماً واحداً فارقوا الحياة متأثرين بإصاباتهم القاتلة. كما استقبلت المستشفيات المحلية ثلاثة عشر جريحاً، لا يزال ستة منهم تحت المراقبة المشددة في غرف العناية المركزة، بينما وصفت المصادر الطبية حالة ثلاثة من المصابين بأنها حرجة للغاية.

وتعد هذه الواقعة هي الثانية من نوعها التي تشهدها البلاد في غضون أربع وعشرين ساعة فقط، مما يرفع منسوب القلق حول أمن المؤسسات التعليمية. وكان يوم أمس قد شهد هجوماً مماثلاً في مدرسة تقنية بولاية أورفا، أسفر عن إصابة ستة عشر شخصاً وانتهى بانتحار الطالب المهاجم فور ارتكابه الجريمة.

من جانبه، شدد وزير الداخلية على أن التحقيقات الأولية تؤكد أن الهجوم هو تصرف فردي معزول ولا صلة له بأي تنظيمات أو أهداف إرهابية. وأشار الوزير إلى أن السلطات تتابع الموقف عن كثب لتقديم الدعم النفسي والاجتماعي للطلاب والناجين من هذه المجزرة التي هزت الرأي العام التركي.

وعلى خلفية هذا التدهور الأمني في المدارس، قررت السلطات التركية تمديد تعليق الدراسة في المنطقة المتضررة لمدة يومين إضافيين، بعد أن كانت قد توقفت بالأمس بسبب حادثة أورفا. وتأتي هذه الخطوة في محاولة لاحتواء الصدمة ومراجعة الإجراءات الأمنية المتبعة في المدارس لمنع تكرار مثل هذه الحوادث المأساوية.

فلسطين

الخميس 16 أبريل 2026 9:12 صباحًا - بتوقيت القدس

مأساة المفقودين في غزة: قصص أطفال غيبهم الإخفاء القسري وركام الحرب

تتصاعد مأساة العائلات الفلسطينية في قطاع غزة مع استمرار الحرب، حيث برزت قضية المفقودين كواحدة من أكثر الملفات إيلاماً وتعقيداً. فمنذ أغسطس 2025، لا يزال مصير الطفل أحمد أبو عواد مجهولاً بعد خروجه للبحث عن طعام لعائلته الجائعة قرب محور موراغ جنوب القطاع، لينضم إلى قائمة طويلة من الأطفال الذين انقطعت أخبارهم تماماً.

تعيش والدة أحمد، سوسن الرقب، حالة من الترقب المرير، حيث طرقت أبواب كافة المؤسسات الحقوقية والدولية دون جدوى. وتوضح الأم المكلومة أنها سألت الأسرى المحررين من سجون الاحتلال لعلها تجد طرف خيط يوصلها إلى نجلها البالغ من العمر 15 عاماً، لكن دون الوصول إلى معلومة تؤكد ما إذا كان أسيراً أم شهيداً.

وفي سياق متصل، تبرز قصة عائلة بلور التي فقدت طفلين في ظروف غامضة بحي تل الهوا جنوب غرب مدينة غزة. بدأت الحكاية باختفاء الطفل أشرف البالغ من العمر 14 عاماً في نوفمبر 2023 أثناء خروجه لشراء احتياجات منزلية، قبل أن تفرض قوات الاحتلال حصاراً مشدداً على المنطقة وتمنع الوصول إليه.

المأساة تضاعفت حين خرج شقيقه الأكبر عدنان، البالغ من العمر 23 عاماً، للبحث عنه بعد ورود أنباء غير مؤكدة عن مشاهدته في منطقة قريبة. ومنذ ذلك الحين، اختفى عدنان هو الآخر، لتجد العائلة نفسها أمام فقدين متتاليين حولا حياتهم إلى رحلة بحث لا تنتهي بين ركام المنازل وسجلات المعتقلين.

أما في مخيم النصيرات، فيروي أيمن صالح تفاصيل اختفاء نجله محمود خلال عملية برية لجيش الاحتلال في ديسمبر 2023. يقول الأب إن العائلة رفضت مغادرة المنزل في البداية أملاً في عودة محمود الذي خرج لمكان قريب، لكن القصف العنيف أجبرهم على النزوح قسراً دون معرفة مصير طفلهم.

ويصف الأب حالة الضياع التي تعيشها الأسرة، حيث بحثوا في غرف العناية المركزة وثلاجات الموتى بكافة مستشفيات القطاع دون أثر. وقد أدى هذا الفقد المفاجئ إلى تدهور الحالة الصحية للأم التي فقدت القدرة على النطق من شدة الصدمة والحزن على طفلها المفقود.

من جانبها، أكدت ندى نبيل، مديرة المركز الفلسطيني للمفقودين والمخفيين قسراً أن الأرقام المتداولة حول المفقودين تظل تقديرية نظراً لصعوبة التوثيق الميداني. وأوضحت أن العدد الإجمالي يتراوح بين 7 إلى 8 آلاف مفقود، يتوزعون بين من هم تحت الأنقاض ومن تعرضوا للاختطاف أو الإخفاء القسري.

وتشير التقديرات الحقوقية إلى أن نحو 2900 طفل فلسطيني مدرجون حالياً ضمن قوائم المفقودين في غزة. ومن بين هؤلاء، يُعتقد أن 2700 طفل لا يزالون تحت ركام المنازل المدمرة، بينما يُخشى أن يكون نحو 200 طفل قد قُتلوا في الطرقات أو تم اعتقالهم في سجون سرية تابعة للاحتلال.

وتواجه الجهات المختصة تحديات هائلة في توثيق هذه الحالات، خاصة في المناطق التي يسيطر عليها الجيش الإسرائيلي وتمنع الطواقم الطبية من دخولها. وتؤكد مصادر حقوقية أن انسحاب القوات من بعض المناطق هو السبيل الوحيد للكشف عن مصير مئات العائلات التي يُعتقد أنها أبيدت بالكامل تحت الأنقاض.

وفي إحصائية حديثة صادرة عن وزارة التنمية الاجتماعية، تبين أن عدد الشهداء من الأطفال قد تجاوز 21 ألفاً و510 شهداء منذ اندلاع الحرب. هذه الأرقام الصادمة تعكس حجم الاستهداف المباشر للطفولة في قطاع غزة، وتحول القطاع إلى مكان يفتقر لأدنى مقومات الأمان للأجيال الناشئة.

كما كشفت البيانات عن واقع اجتماعي كارثي، حيث ارتفع عدد الأيتام في القطاع إلى أكثر من 64 ألف طفل. ومن بين هؤلاء، فقد نحو 55 ألف طفل والديهم أو أحدهما خلال الحرب الأخيرة، مما يضع عبئاً ثقيلاً على المؤسسات الإغاثية والاجتماعية المنهكة أصلاً بفعل الحصار.

وتشير الأرقام إلى أن هناك 34,772 طفلاً فقدوا أمهاتهم، بينما يعيش أكثر من 61 ألف طفل يتيم الأب. والأكثر قسوة في هذه الإحصائيات هو وجود 824 طفلاً يمثلون الناجين الوحيدين من عائلاتهم، حيث فقدوا جميع أفراد أسرهم في غارات جوية استهدفت منازلهم بشكل مباشر.

وتستمر السلطات الإسرائيلية في سياسة التعتيم الممنهج بشأن أسماء المعتقلين لديها من قطاع غزة، مما يعزز فرضية الإخفاء القسري. وتطالب المنظمات الدولية بضرورة الضغط على الاحتلال للكشف عن مصير المحتجزين والسماح للصليب الأحمر بزيارتهم والاطمئنان على أوضاعهم الصحية والقانونية.

يبقى ملف المفقودين جرحاً نازفاً في خاصرة المجتمع الغزي، حيث لا تقتصر المعاناة على الفقد بل تمتد إلى لوعة عدم اليقين. وتناشد العائلات الفلسطينية المجتمع الدولي بالتدخل العاجل لإنهاء هذه المأساة وتوفير المعدات اللازمة لانتشال الجثامين من تحت الأنقاض ومعرفة مصير أبنائهم المغيبين.

عربي ودولي

الخميس 16 أبريل 2026 9:12 صباحًا - بتوقيت القدس

مقترح إيراني لتأمين الملاحة عبر الجانب العماني من مضيق هرمز

أفادت مصادر مطلعة بأن القيادة الإيرانية تدرس مقترحاً يقضي بالسماح للسفن التجارية وناقلات الطاقة بالإبحار بحرية عبر المياه الإقليمية التابعة لسلطنة عمان في مضيق هرمز. ويهدف هذا التحرك إلى ضمان سلامة الملاحة وعدم تعرض السفن لأي هجمات عسكرية، وذلك في إطار حزمة مقترحات قدمتها طهران خلال مفاوضاتها الجارية مع الولايات المتحدة الأمريكية.

وتسعى هذه المفاوضات إلى صياغة اتفاق شامل يضمن عدم استئناف العمليات القتالية بعد انتهاء فترة الهدنة الحالية. ويأتي هذا المقترح كخطوة لتهدئة المخاوف الدولية من استمرار تعطل إمدادات الطاقة، حيث تسببت المواجهات الأخيرة في أزمة هي الأكبر من نوعها عالمياً، نتيجة القيود التي فرضتها إيران على حركة المرور في هذا الممر المائي الاستراتيجي.

ويكتسب مضيق هرمز أهمية جيوسياسية واقتصادية فائقة، إذ يتدفق من خلاله نحو 20% من إجمالي استهلاك النفط والغاز الطبيعي المسال في العالم. ويرى مراقبون أن التنازل الإيراني المحتمل بشأن الملاحة في الجانب العماني قد يمثل انفراجة في ملف تأمين سلاسل التوريد العالمية التي تضررت بشدة جراء الحرب.

فلسطين

الخميس 16 أبريل 2026 8:42 صباحًا - بتوقيت القدس

الاحتلال يشن حملة تهديدات ضد مرشحي الانتخابات المحلية في الضفة الغربية

صعّدت قوات الاحتلال الإسرائيلي من إجراءاتها القمعية تزامناً مع انطلاق مرحلة الدعاية الانتخابية للمرشحين في الهيئات المحلية بالضفة الغربية. وشملت هذه الإجراءات اقتحام عدة قرى وبلدات فلسطينية، حيث وجهت تهديدات مباشرة للمرشحين بالاعتقال في حال استمرارهم في العملية الانتخابية أو التوجه لصناديق الاقتراع.

وفي بلدة بلعا الواقعة شرق مدينة طولكرم، داهمت قوات الاحتلال منازل عدد من الشخصيات المترشحة ضمن القوائم المحلية، وعمدت إلى ترهيب عائلاتهم. واعتبر مراقبون أن هذه الممارسات تمثل اعتداءً سافراً على الحقوق السياسية المكفولة للفلسطينيين، وتهدف إلى حرمانهم من اختيار ممثليهم في المجالس البلدية والقروية.

ومن بين المستهدفين، برز اسم المرشح بلال جيتاوي الذي اقتحم جيش الاحتلال منزله واحتجزه لساعات طويلة برفقة مرشحين آخرين من البلدة. وخضع جيتاوي لتحقيق ميداني تخلله تهديدات صريحة بالاعتقال الفعلي إذا ما استمر في مساره الانتخابي، في محاولة لثنيه عن ممارسة حقه السياسي.

وأفاد جيتاوي في تصريحات صحفية بأن ضباط الاحتلال حذروه من الحصول على أي دعم من جمهور حركة المقاومة الإسلامية 'حماس' في البلدة. وأكد المرشح أنه يخوض الانتخابات ضمن قائمة مستقلة تماماً ولا تحمل أي مرجعيات سياسية حزبية في برنامجها الانتخابي، مما يكشف زيف الادعاءات الإسرائيلية.

وتشهد بلدة بلعا منافسة بين ثلاث قوائم انتخابية تسعى لإدارة شؤون البلدية وخدمة المواطنين، إلا أن الاقتحامات الأخيرة خلقت حالة من التوتر الشديد. ومن المقرر أن تُجرى هذه الانتخابات في الخامس والعشرين من شهر أبريل/ نيسان الحالي، وسط تحديات أمنية يفرضها وجود الاحتلال.

من جانبه، استنكر رئيس بلدية بلعا، محمد سليمان، التدخلات الإسرائيلية المستمرة في الشأن الداخلي الفلسطيني، واصفاً إياها بالأمر المستهجن والمرفوض. وأشار سليمان إلى أن هذه التحركات تهدف بالدرجة الأولى إلى زعزعة الاستقرار الداخلي وبث بذور الفتنة بين أبناء الشعب الواحد.

وشدد سليمان على الإصرار الفلسطيني على إتمام العملية الانتخابية رغم كل المعيقات والتهديدات التي يطلقها قادة جيش الاحتلال. وأوضح أن التوجه إلى صناديق الاقتراع هو قرار وطني لن يتم التراجع عنه، مؤكداً أن إرادة الناخبين أقوى من سياسات الترهيب الميدانية.

ولا تقتصر هذه الانتهاكات على بلدة بلعا فحسب، بل امتدت لتشمل مدناً وبلدات أخرى في مختلف محافظات الضفة الغربية التي تشهد حراكاً انتخابياً. وتتعرض القوائم المستقلة لملاحقات مكثفة، حيث يهدد الاحتلال الناخبين أنفسهم بالاعتقال في حال قرروا المشاركة في التصويت.

وتضع هذه الممارسات الإسرائيلية مبادئ الديمقراطية وحقوق الإنسان على المحك، حيث يسعى الاحتلال لتعطيل أي مسار يؤدي إلى تمكين الفلسطينيين من إدارة شؤونهم. ويثير هذا التضييق تساؤلات جدية حول مستقبل أي انتخابات تشريعية أو رئاسية عامة في ظل استمرار السيطرة العسكرية الإسرائيلية.

تحليل

الخميس 16 أبريل 2026 8:15 صباحًا - بتوقيت القدس

أربعون سيناتوراً ديمقراطياً من أصل 47 يصوّتون لصالح حظر السلاح عن إسرائيل



واشنطن – سعيد عريقات – 16/4/2026


في مؤشر لافت على تحوّل متسارع داخل الحزب الديمقراطي، رفض مجلس الشيوخ الأميركي مشروعين كانا يهدفان إلى وقف مبيعات أسلحة لإسرائيل، غير أنّ عملية التصويت كشفت عن اصطفاف غير مسبوق؛ إذ انضمّت غالبية الديمقراطيين إلى صف الأقلية المعارضة للصفقات، في خطوة تعكس إعادة تقييم متنامية للعلاقة مع إسرائيل في أوساط الحزب.


فقد صوّت أربعون سيناتوراً ديمقراطياً من أصل 47 لصالح قرار يقضي بعرقلة صفقة جرافات بقيمة 295 مليون دولار، وهي معدات قال السيناتور بيرني ساندرز إنها تُستخدم في هدم المنازل في الضفة الغربية وقطاع غزة ولبنان. في المقابل، عارض 59 سيناتوراً—غالبيتهم من الجمهوريين—هذا التوجه، ما أدى إلى إسقاط القرار.


كما أيد ستة وثلاثون ديمقراطياً مشروعاً ثانياً لوقف صفقة قنابل تزن ألف رطل، تُقدّر قيمتها بنحو 152 مليون دولار، أشار ساندرز إلى أنها ستُستخدم في العمليات العسكرية في غزة ولبنان. غير أن 63 سيناتوراً صوّتوا ضد المشروع، ما حال دون تمريره.


ورغم فشل هذه المبادرات، فإن دلالاتها السياسية بدت أعمق من نتائجها التشريعية؛ إذ إن عدد الديمقراطيين الذين انضموا إلى ساندرز تضاعف أكثر من مرة مقارنة بمحاولات مماثلة في عامي 2024 و2025، في ظل تصاعد العمليات العسكرية الإسرائيلية واتساع رقعة الانتقادات داخل القاعدة الحزبية، التي باتت تنظر إلى الموقف من إسرائيل بوصفه اختباراً حقيقياً لالتزام السياسيين بقضايا حقوق الإنسان.


وفي السياق ذاته، عبّر السيناتور الديمقراطي عن ولاية فرجينيا، تيم كاين، في مقابلة مع  CNN  مساء الأربعاء، عن "حالة ضجر وإحباط متزايدة" داخل صفوف الديمقراطيين، إزاء ما وصفه بالتصرفات العدوانية الإسرائيلية بحق المدنيين الفلسطينيين واللبنانيين. وأشار إلى أن هذا الشعور لم يعد مقتصراً على النشطاء، بل بات يتردد صداه داخل المؤسسات التشريعية، مع تزايد الدعوات لإعادة النظر في شروط الدعم العسكري الأميركي.


يعكس هذا التحول داخل الحزب الديمقراطي تغيراً بنيوياً في المزاج السياسي الأميركي، حيث لم يعد الدعم لإسرائيل يحظى بالإجماع التقليدي الذي ميّز العقود الماضية. فصعود جيل جديد من الناخبين، إلى جانب تنامي تأثير الحركات التقدمية، أسهما في إعادة تعريف أولويات السياسة الخارجية، وربطها بمعايير حقوق الإنسان والمساءلة. كما أن التغطية الإعلامية المتزايدة لمعاناة المدنيين في مناطق النزاع لعبت دوراً محورياً في تشكيل رأي عام أكثر نقداً، ما دفع المشرعين إلى تبني مواقف أكثر حذراً تجاه الدعم العسكري غير المشروط.


ويكتسب هذا التبدل أهمية إضافية في سياق الاستقطاب الحزبي الحاد في الولايات المتحدة، إذ باتت قضية إسرائيل جزءاً من الانقسام الداخلي بين الجمهوريين والديمقراطيين. ففي حين يواصل الجمهوريون دعمهم التقليدي القوي لتل أبيب، يظهر داخل الحزب الديمقراطي تيار متنامٍ يدعو إلى إعادة صياغة العلاقة على أسس جديدة، تتضمن قيوداً واضحة على استخدام المساعدات العسكرية. هذا الانقسام لا يعكس فقط اختلافاً في الرؤى السياسية، بل يشير أيضاً إلى تغير أعمق في القيم التي تحكم توجهات القاعدة الانتخابية لكل حزب.


يشار إلى أن استطلاع  لمعهد "بيو" للاستطلاع الذي نشر الأسبوع الماضي يظهر أن أغلبية بين صفوف الجمهوريين دون سن أل40  ينظرون نظرة سلبية لإسرائيل. 


على المدى البعيد، قد يترتب على هذا التحول تداعيات استراتيجية تتجاوز حدود النقاش الداخلي، لتطال طبيعة التحالف الأميركي–الإسرائيلي نفسه. فاستمرار تنامي الأصوات المنتقدة داخل الكونغرس قد يفضي إلى فرض شروط أكثر صرامة على صفقات السلاح، أو حتى إعادة تقييم شاملة لأشكال الدعم العسكري. كما أن هذا الاتجاه قد يشجع حلفاء دوليين آخرين على تبني مواقف أكثر استقلالية تجاه إسرائيل، ما يعكس بداية مرحلة جديدة تتسم بتعدد مراكز التأثير في صياغة السياسات الدولية المرتبطة بالنزاع في الشرق الأوسط.

تحليل

الخميس 16 أبريل 2026 8:13 صباحًا - بتوقيت القدس

واشنطن تُدير التصعيد الإسرائيلي على لبنان بإطار تفاوضي، ومقاربة أميركية منحازة لإسرائيل

واشنطن – سعيد عريقات-16/4/2024

تحليل إخباري

تمضي الولايات المتحدة في مسار دبلوماسي دقيق لإدارة التصعيد الإسرائيلي على لبنان، مفضّلةً تجنّب الدفع نحو وقفٍ فوري لإطلاق النار، في مقابل العمل على بلورة إطار تفاوضي مستدام يتيح للطرفين الانخراط في حوار مباشر. هذا النهج، الذي كُشف عنه خلال إحاطة خلفية أعقبت اجتماعاً رفيع المستوى في وزارة الخارجية، يعكس مقاربة تقوم على "إدارة التعقيد" بدلاً من فرض حلول جاهزة، في نزاع تتشابك فيه الحسابات الإقليمية والداخلية على نحو بالغ الحساسية.


وبحسب مسؤولين رفيعي المستوى ، حرصت واشنطن على توضيح نقطة محورية: لم تُطرح خلال المحادثات أي مطالبة أميركية بوقف إطلاق النار، خلافاً لما راج في الأوساط الإعلامية. و"يعزى هذا الموقف إلى قراءة واقعية للميدان، حيث تتواصل الأعمال القتالية، فيما يتمسّك كل طرف بشروطه"؛ فالحكومة اللبنانية تدعو إلى وقف فوري للعمليات العسكرية، بينما ترى إسرائيل أن تعليق عملياتها غير ممكن في ظل استمرار إطلاق الصواريخ، والتي يُقال إن بعضها تزامن حتى مع انعقاد الاجتماع. وفق مسؤولين أميركيين.


في هذا السياق، يقرّ المسؤولون الأميركيون بازدواجية الضغوط: من جهة، القلق العميق إزاء الكلفة الإنسانية، ولا سيما موجات النزوح الواسعة داخل لبنان؛ ومن جهة أخرى، التأكيد المستمر على حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها. وبناءً عليه، ترى واشنطن أن فرض وقف إطلاق نار من الخارج، من دون قبول متبادل، لن يكون قابلاً للاستمرار، بل قد يتحوّل إلى هدنة هشة سرعان ما تنهار تحت وطأة الوقائع الميدانية.


بدلاً من ذلك، تركّز الاستراتيجية الأميركية على إنشاء "إطار تفاوضي" لا "تسوية فورية". وقد وُصف الاجتماع الأخير، الذي استغرق وقتاً أطول من المقرر، بأنه "خطوة أولى بنّاءة"، ليس فقط من حيث المضمون، بل أيضاً من حيث الرمزية، إذ يُعدّ من أوائل اللقاءات بهذا المستوى بين الجانبين منذ أوائل التسعينيات. وبحسب المشاركين، اتسمت الأجواء بقدر من الإيجابية الحذرة، حيث عرض كل طرف هواجسه، وبدأت ملامح مسارات محتملة بالتشكّل، من دون أن تترجم إلى مقترحات ملموسة حتى الآن.


وتؤكد واشنطن أن دورها يظل محصوراً في "بناء الثقة" لا فرض الإملاءات. فالإدارة الأميركية، رغم نفوذها، تعترف بحدود قدرتها على توجيه مسار النزاع، في ظل وجود فاعلين دوليين وغير دوليين. ومن هنا، تسعى إلى إبقاء قنوات الاتصال مفتوحة، وتهيئة بيئة تفاوضية تسمح بتراكم تدريجي للثقة، بدلاً من القفز إلى نتائج غير مضمونة.


غير أن العقبة الأبرز تبقى في موقع "حزب الله"، الذي يُعدّ لاعباً مركزياً في الميدان، لكنه لا يحظى باعتراف أميركي كشريك تفاوضي شرعي. وتصرّ واشنطن على أن أي اتفاق مستدام يجب أن يكون بين دولتين: إسرائيل ولبنان، مع تعزيز موقع الدولة اللبنانية كممثل وحيد. هذا الموقف يفسّر أيضاً التحفّظ الأميركي على أي قنوات تفاوض موازية قد تنشأ بين إسرائيل والحزب، لما قد تحمله من تداعيات على سيادة لبنان وعلى فرص الاستقرار الطويل الأمد.


وفي الخلفية، تحضر إيران كعامل مؤثر في الحسابات الأميركية. إذ ترى واشنطن أن تقليص نفوذ طهران في لبنان شرط أساسي لأي تسوية مستدامة، وتسعى في الوقت ذاته إلى "فصل المسارات" بين هذا الملف ومحادثاتها الأوسع مع إيران بشأن القضايا النووية والإقليمية. وتؤكد الإدارة الأميركية أن السماح لإيران بتحديد مآلات الوضع اللبناني سيكون عاملاً مفاقماً للأزمة، لا مدخلاً لحلها.


ولا تقتصر المقاربة الأميركية على البعد الأمني، بل تمتد إلى الاقتصاد بوصفه ركيزة للاستقرار. إذ تطرح واشنطن إصلاحات في القطاع المصرفي، وتحسين بيئة الاستثمار، وتعزيز الشفافية المالية كعناصر داعمة لقدرة الدولة اللبنانية على بسط سلطتها. وتُقارب هذه العلاقة بوصفها معضلة “الدجاجة والبيضة”: فلا استقرار أمنياً بلا تعافٍ اقتصادي، ولا اقتصاد متماسك في ظل انعدام الأمن.


ورغم النبرة الحذرة المتفائلة التي رافقت المحادثات، يدرك المسؤولون الأميركيون أن الطريق لا يزال طويلاً ومليئاً بالتحديات. فالميدان متقلّب، والفجوات بين الأطراف كبيرة، فيما تتقاطع مسارات دبلوماسية متعددة، بعضها معلن وبعضها الآخر يجري بعيداً عن الأضواء. كما تبقى التقارير عن احتمال التوصل إلى هدنة قصيرة الأمد غير مؤكدة، في ظل محدودية الاطلاع على مجمل القنوات التفاوضية.


ومع ذلك، تشير واشنطن إلى أن أي خفض في مستوى العنف يُعدّ خطوة مرحّباً بها، شرط ألا يأتي على حساب المسار التفاوضي الأوسع. فوقف القتال، وإن كان هدفاً إنسانياً ملحّاً، لا يُغني عن الحاجة إلى إطار سياسي يعالج جذور النزاع ويمنع تجدّده.

 في المحصلة، تعكس المقاربة الأميركية إدراكاً عميقاً بأن الصراع بين إسرائيل ولبنان لا يحتمل حلولاً سريعة أو وصفات جاهزة. غير أن هذا النهج يواجه انتقادات متزايدة، ترى فيه انحيازاً بنيوياً لإسرائيل، يتجلّى في الامتناع عن الضغط الجدي لوقف العمليات العسكرية، رغم كلفتها الإنسانية المرتفعة، لا سيما في الجنوب اللبناني.


ويذهب منتقدون إلى أن واشنطن، عبر تركيزها على "إدارة الصراع" بدلاً من إنهائه، تمنح إسرائيل هامشاً زمنياً وعسكرياً أوسع لمواصلة عملياتها، فيما تُبقي لبنان في موقع المتلقي للضغوط. ويُنظر إلى هذا التوازن المختل على أنه يعكس أولوية أميركية ثابتة تتمثل في حماية المصالح الإسرائيلية، حتى على حساب الاستقرار الإقليمي.


كما يُثير استبعاد "حزب الله" من أي مسار تفاوضي رسمي تساؤلات حول واقعية المقاربة الأميركية، إذ يصعب تصور تسوية مستدامة من دون إشراك الفاعل الأساسي على الأرض. ويرى بعض المحللين أن هذا الاستبعاد لا يهدف فقط إلى تعزيز الدولة اللبنانية، بل أيضاً إلى إعادة تشكيل موازين القوى الداخلية بما يحدّ من نفوذ خصوم واشنطن، في إطار سياسة أقرب إلى "فرّق تسد".


أما على المستوى الإقليمي، فإن محاولة فصل المسار اللبناني عن التوترات مع إيران تبدو، في نظر منتقدين، مقاربة انتقائية، تتجاهل الترابط البنيوي بين ساحات الصراع. ويُخشى أن يؤدي هذا الفصل إلى معالجات جزئية لا تصمد طويلاً، في ظل استمرار العوامل التي تغذي التوتر.


في ضوء ذلك، يبدو أن الرهان الأميركي على "قوة العملية" بدلاً من "سرعة النتائج" قد يواجه اختباراً صعباً، ليس فقط في قدرته على تحقيق اختراق دبلوماسي، بل أيضاً في مدى قدرته على إقناع الأطراف الإقليمية بأن واشنطن تلعب دور الوسيط النزيه، لا الطرف المنحاز.

اسرائيليات

الخميس 16 أبريل 2026 8:12 صباحًا - بتوقيت القدس

عقيدة 'الحرب الدائمة': كيف توظف القيادة الإسرائيلية 'الخطر الوجودي' لتبرير جبهات القتال المفتوحة؟

شهدت إسرائيل هذا الأسبوع إحياء ذكرى الكارثة النازية عبر سلسلة من المراسيم التقليدية، التي طغت عليها خطابات القيادات السياسية والعسكرية الساعية لربط الإبادة الجماعية النازية برواية 'الخطر الوجودي' المعاصر. وحاولت النخبة الحاكمة تصدير استنتاج مفاده أن استمرار الوجود اليهودي مرهون بامتلاك القوة المفرطة، معتبرين أن الضعف التاريخي هو ما سمح بوقوع المحرقة، بينما يتولى الجيش الحالي مهمة منع تكرارها.

وتعكس هذه السردية توجهاً لدى صناع القرار في تل أبيب يقضي بأن منع الويلات يتطلب ما هو أبعد من النصر العسكري التقليدي، وصولاً إلى هدف 'صفر تهديدات' عبر اقتلاع الخصوم نهائياً. ويرى مراقبون أن الأهداف التي وضعها بنيامين نتنياهو في هذه الحرب متعددة الجبهات هي مآرب غير قابلة للتحقق الفعلي، لكنها تعمل كغطاء سياسي لتبرير استمرار العمليات العسكرية دون سقف زمني.

لقد أثبتت التجربة الميدانية أن شعارات مثل 'النصر المطلق' أو 'إسقاط النظام' هي غايات عسيرة المنال وتكاد تكون مستحيلة في ظل التعقيدات الإقليمية الراهنة. ومع ذلك، يصر نتنياهو على السير في طريق الحرب اللانهائية، مروجاً لفكرة أن الغايات ستتحقق إما عبر الضغط العسكري المكثف أو من خلال فرض شروط دبلوماسية قاسية تعجز الأطراف الأخرى عن تلبيتها.

وفي خطابه الأخير، استخدم نتنياهو فظائع الماضي كمبرر لشرعنة العمليات العسكرية الحالية، موجهاً رسائل حادة للمجتمع الدولي وخاصة أوروبا. وزعم نتنياهو أن إسرائيل تدافع عن الحضارة الغربية في وجه ما وصفه بـ 'الأنظمة الشريرة'، محاولاً استغلال عقدة الذنب الأوروبية لانتزاع دعم غير مشروط لسياساته التوسعية والعدوانية في المنطقة.

من جانبه، تبنى رئيس أركان الجيش الإسرائيلي، إيال زامير، توجهاً هجومياً صرفاً غابت عنه مبررات الدفاع التقليدية، واصفاً المواجهة الحالية بأنها معركة مصيرية. واعتبر زامير أن الجيش يخوض حرباً لإزالة تهديدات وجودية برزت بوضوح بعد أحداث السابع من أكتوبر، وهو ما يفتح الباب أمام قتال مستمر لا يتوقف إلا بزوال 'الخطر المتخيل' لدى المؤسسة الأمنية.

وتشير التحليلات إلى أن المؤسسة الأمنية الإسرائيلية وسعت هوامش تحركها لتشمل مواجهة الأخطار المحتملة وحتى 'ظل الخطر'، في محاولة لمنع تكرار أي اختراق أمني مستقبلي. هذا النمط من التفكير العسكري يفرض حالة طوارئ دائمة تكبت أي نقاش داخلي حول البدائل السياسية أو التسويات السلمية، ويجعل من الحرب الخيار الوحيد المتاح على الطاولة.

ولم يبتعد رئيس الموساد، دافيد بارنيع، عن هذا السياق، حيث أعاد طرح هدف 'إسقاط النظام الإيراني' كضرورة حتمية لأمن إسرائيل الوجودي. وأكد بارنيع أن مهام الموساد في التخريب والتجسس ستستمر حتى بعد أي تسويات محتملة، مشدداً على أن الجهاز لن يقف متفرجاً أمام ما وصفه بـ 'التهديد الوجودي الإضافي' المنطلق من طهران.

وعلى صعيد الرأي العام الداخلي، تظهر استطلاعات الرأي اندفاعاً مجتمعياً نحو خيارات التصعيد العسكري، حيث تؤيد الغالبية الساحقة استمرار الحرب على جبهات غزة ولبنان. وتكشف الأرقام أن أكثر من 80% من الإسرائيليين يدعمون العمليات العسكرية في لبنان حتى نزع سلاح حزب الله، مما يمنح القيادة السياسية تفويضاً شعبياً لمواصلة الانفلات الحربي.

ويبدو أن نتنياهو يستثمر هذا المزاج الشعبي لتعزيز موقعه السياسي المتذبذب، محاولاً ترجمة الدعم للحرب إلى رصيد انتخابي لحزبه 'الليكود'. ورغم أن هذا الدعم لم يترجم بالكامل في استطلاعات الرأي الحزبية، إلا أن الاستمرار في العدوان يظل الورقة الرابحة التي يراهن عليها نتنياهو لإقناع الناخب الإسرائيلي بقدرته على القيادة.

في الختام، يسيطر خطاب الحرب الشاملة على المشهد الإسرائيلي، مع اختفاء شبه كامل لأي حديث عن السلام أو الحلول الدبلوماسية المستدامة. وحتى في ظل وجود مفاوضات بوساطات دولية، تظل القناعة السائدة في تل أبيب هي أن هذه المسارات لن تحقق الأهداف المنشودة، مما يبقي المنطقة في دوامة من القتال المستمر والجبهات المفتوحة.

عربي ودولي

الخميس 16 أبريل 2026 7:42 صباحًا - بتوقيت القدس

ترمب يكشف عن محادثات مباشرة بين لبنان وإسرائيل برعاية أمريكية

كشف الرئيس الأمريكي دونالد ترمب عن تطور دبلوماسي لافت يتمثل في عقد محادثات رسمية بين الجانبين الإسرائيلي واللبناني خلال اليوم الخميس. وأوضح ترمب عبر منصته الخاصة 'تروث سوشيال' أن الإدارة الأمريكية تسعى من خلال هذه الخطوة إلى إيجاد مساحة من الهدوء والاستقرار بين الطرفين، مشيراً إلى أن انقطاع التواصل المباشر بين قيادتي البلدين استمر لفترة طويلة جداً.

ولم تتضمن تصريحات الرئيس الأمريكي تفاصيل محددة حول هوية الشخصيات التي ستشارك في هذه المحادثات، وما إذا كان التواصل سيتم بشكل مباشر بين رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو والرئيس اللبناني جوزيف عون. وتأتي هذه التحركات في ظل رغبة واشنطن في تقريب وجهات النظر وتجاوز العقبات التاريخية التي منعت التواصل الرسمي المباشر لسنوات طويلة.

وتأتي هذه الأنباء عقب لقاء تمهيدي وصف بالتاريخي عُقد في العاصمة واشنطن يوم الثلاثاء الماضي، حيث اجتمعت سفيرة لبنان لدى الولايات المتحدة ندى حمادة معوض مع السفير الإسرائيلي يحئيل ليتر. ويعد هذا الاجتماع الأول من نوعه الذي يجمع دبلوماسيين بهذا المستوى من البلدين منذ عقود، مما يعكس تحولاً جوهرياً في مسار العلاقات الدبلوماسية بوساطة أمريكية مكثفة.

واستمرت المباحثات التمهيدية لأكثر من ساعتين، وجرت تحت إشراف مباشر من وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، وبمشاركة السفير الأمريكي لدى بيروت ميشال عيسى. وقد ركز الاجتماع على كسر الجمود الدبلوماسي ووضع الأسس الأولية التي تتيح للطرفين الجلوس على طاولة المفاوضات لمناقشة القضايا العالقة والملفات الأمنية والحدودية المشتركة.

وفي خلاف اللقاء الموسع، توصل الطرفان اللبناني والإسرائيلي إلى اتفاق مبدئي يقضي بإطلاق جولة من المفاوضات المباشرة برعاية الولايات المتحدة. وتهدف هذه الجهود، بحسب مصادر مطلعة، إلى خفض التصعيد الميداني وفتح قنوات اتصال دائمة تضمن عدم انزلاق المنطقة نحو مواجهات أوسع، في ظل المتغيرات السياسية المتسارعة التي تشهدها المنطقة.

فلسطين

الخميس 16 أبريل 2026 7:13 صباحًا - بتوقيت القدس

بعد عقود من التهميش.. الأكراد السوريون يشرعون في إجراءات نيل الجنسية بموجب مرسوم رئاسي

شهدت مدينة القامشلي ومدن أخرى في شمال شرق سوريا تدفقاً كبيراً للمواطنين الأكراد نحو مراكز التسجيل الحكومية، في خطوة تاريخية تهدف إلى إنهاء عقود من الحرمان من الجنسية السورية. واكتظت الصالات المخصصة في الملاعب والمباني العامة بطوابير طويلة من المتقدمين الذين يحملون وثائقهم القديمة وصورهم الشخصية، بانتظار تسوية أوضاعهم القانونية.

تأتي هذه التحركات الميدانية تنفيذاً للمرسوم التشريعي الذي أصدره الرئيس السوري أحمد الشرع في شهر كانون الثاني/ يناير الماضي، والذي قضى بمنح الجنسية السورية للمواطنين من أصول كردية المقيمين في البلاد. ويشمل القرار فئة 'مكتومي القيد' الذين عاشوا لعقود دون أي أوراق ثبوتية رسمية، مما حرمهم من أبسط حقوق المواطنة والخدمات الأساسية.

عبر فراس أحمد، أحد المتقدمين في مدينة القامشلي، عن حجم المعاناة السابقة واصفاً العيش بلا جنسية بأنه 'موت سريري'، حيث لم يكن بمقدوره تسجيل أطفاله أو تثبيت ملكية منزله. وأوضح أحمد أن عائلته توارثت هذا الوضع منذ جده الذي لم يحصل على الجنسية، مما جعلهم يعيشون على هامش الدولة والمجتمع دون اعتراف قانوني.

المراكز التي افتتحتها وزارة الداخلية السورية لم تقتصر على المناطق ذات الأغلبية الكردية، بل امتدت لتشمل محافظات حلب ودير الزور والرقة وصولاً إلى العاصمة دمشق. وتعمل الكوادر الحكومية على معالجة البيانات إلكترونياً، حيث تظهر عبارة 'تمت بنجاح' على الشاشات لتعلن بداية عهد جديد لهؤلاء المواطنين بعد سنوات طويلة من الانتظار.

إلى جانب منح الجنسية، تضمن المرسوم الرئاسي إصلاحات حقوقية واسعة شملت الاعتراف باللغة الكردية كلغة وطنية في البلاد، وإقرار الحقوق الثقافية واللغوية للمكون الكردي. وتعتبر هذه الخطوات جزءاً من استحقاقات سياسية أوسع أعقبت مناوشات عسكرية انتهت باتفاق شامل لدمج مؤسسات الإدارة الذاتية في هيكلية الدولة السورية.

أفادت مصادر ميدانية بأن الاتفاق الموقع في أواخر يناير الماضي بدأ يترجم فعلياً على الأرض من خلال دخول قوات الأمن إلى مدينتي الحسكة والقامشلي وتسلم إدارة المرافق الحيوية مثل المطار. كما برزت ملامح الشراكة السياسية بتعيين القيادي العسكري الكردي سيبان حمو في منصب معاون وزير الدفاع لشؤون المنطقة الشرقية خلال شهر مارس الجاري.

تروي غالية كلش، وهي أم لخمسة أطفال، معاناتها مع الحرمان من التعليم والسفر، حيث لم يتمكن أبناؤها من إكمال دراستهم بسبب غياب الهوية الرسمية. وأشارت إلى أن العائلة كانت تعيش في قلق دائم لعدم قدرتها على التنقل بحرية أو تسجيل ممتلكاتها، وهو ما يأملون أن ينتهي مع استلام الهوية السورية الجديدة.

تعود جذور هذه القضية إلى إحصاء عام 1962 المثير للجدل في محافظة الحسكة، والذي أدى في ذلك الوقت إلى سحب الجنسية من نحو 20% من الأكراد السوريين. ومنذ ذلك الحين، واجه المكون الكردي، الذي يمثل جزءاً أساسياً من النسيج السوري، سياسات تهميش أثرت على ممارستهم لتقاليدهم واحتفالاتهم القومية مثل عيد النوروز.

تشير تقديرات شبكة ضحايا انعدام الجنسية في الحسكة إلى أن عدد مكتومي القيد يبلغ حالياً نحو 150 ألف شخص داخل سوريا. ويؤكد الناشطون الحقوقيون أن هذا الرقم يعكس حجم المأساة الإنسانية التي استمرت لأكثر من ستة عقود، معربين عن أملهم في أن تشمل التسهيلات المقيمين خارج البلاد أيضاً.

طالب علي موسى، عضو شبكة ضحايا انعدام الجنسية، السلطات السورية بضرورة إبداء مرونة أكبر في تطبيق القرار ليشمل اللاجئين في الدول الأوروبية. وأوضح أن الكثير من الأكراد السوريين في الخارج يخشون العودة بسبب القيود الأمنية أو ظروف الحرب الإقليمية التي أدت إلى إغلاق معظم المطارات والمنافذ الحدودية.

من جانبه، أكد عبد الله العبد الله، مسؤول شؤون الأحوال المدنية أن مراكز التسجيل ستبقى مفتوحة لمدة شهر كامل، مع إمكانية تمديد هذه الفترة لاستيعاب كافة الطلبات. واعتبر العبد الله أن اكتساب الجنسية هو 'أهم تعويض' يمكن أن تقدمه الدولة لهؤلاء المواطنين بعد سنوات طويلة من الحرمان والضياع القانوني.

داخل أروقة مراكز التسجيل، يتحدث محمد أيو عن الإحباط الذي رافقه طوال حياته بسبب حرمانه من الشهادة الجامعية رغم تفوقه في المرحلة الثانوية. ويقول أيو إن 'مكتوم القيد' كان يُعامل كغريب في وطنه، حيث كان يحتاج لـ 'ورقة أمنية' لمجرد الإقامة في فندق بدمشق أو الحصول على رخصة قيادة.

الحرمان لم يتوقف عند التعليم والعمل، بل امتد ليشمل الحقوق السياسية الأساسية مثل الترشح والانتخاب، مما جعل الأكراد السوريين مغيبين تماماً عن مراكز صنع القرار. ويرى المتقدمون اليوم أن الحصول على الهوية ليس مجرد ورقة، بل هو استعادة للكرامة والاعتراف بالوجود الذي سُلب منهم منذ عقود.

تأتي هذه التطورات في ظل ظروف إقليمية معقدة، حيث تسعى الحكومة السورية إلى تعزيز الجبهة الداخلية وإنهاء الملفات العالقة مع المكونات العرقية. ويراقب المجتمع الدولي والمنظمات الحقوقية بانتظام مدى جدية وسرعة تنفيذ هذه الإجراءات، لضمان حصول كافة المستحقين على حقوقهم دون عوائق بيروقراطية أو أمنية.