أقلام وأراء

الخميس 16 أبريل 2026 10:42 صباحًا - بتوقيت القدس

توظيف ظاهرة الانتحار في مصر: بين الأزمات الاجتماعية والمناورات السياسية

أثارت واقعة انتحار السيدة بسنت سليمان في بث مباشر صدمة واسعة في الشارع المصري، حيث كشفت الضحية قبل رحيلها عن معاناتها من نزاعات أسرية مريرة مع طليقها حول حضانة الأطفال والسكن. هذه الحادثة لم تكن مجرد مأساة إنسانية، بل تحولت سريعاً إلى مادة للتوظيف السياسي والإعلامي بعيداً عن الجذور الحقيقية للأزمة.

سارعت الأذرع الإعلامية والبرلمانية إلى اختزال ظاهرة الانتحار في قضايا الأحوال الشخصية، مقترحةً تشريعات تفرض مبالغ مالية ضخمة كنفقة للمطلقات. ويرى مراقبون أن هذه المقترحات، رغم بريقها الظاهري، تبتعد عن الواقع الاقتصادي المصري حيث لا يتناسب الحد الأدنى للأجور مع المبالغ المطروحة.

تكمن المعضلة الأساسية في مصر ليس في غياب النصوص القانونية، بل في آليات تنفيذها التي تعاني من ثغرات واسعة. ففي حالات كثيرة، تنجح الرشاوى والمحسوبية في تعطيل تنفيذ الأحكام القضائية، مما يجعل حقوق النساء والرجال على حد سواء تضيع في دهاليز البيروقراطية الأمنية.

دخلت المؤسسة الدينية على خط الأزمة بخطاب يهدف في جوهره إلى تبرئة السلطة من المسؤولية عن تدهور الأوضاع النفسية والاجتماعية. وبرزت تصريحات تحاول شرعنة أو تهوين فعل الانتحار عبر استدعاء نماذج تاريخية، بدلاً من التركيز على الواجب الأخلاقي للدولة في رعاية مواطنيها.

في المقابل، شهدت الساحة الدينية تصريحات غريبة لوزير أوقاف سابق، حاول فيها ربط ظاهرة الانتحار بخصوم سياسيين. هذا النوع من الخطاب يعكس رغبة في استغلال أي أزمة مجتمعية لتصفية حسابات سياسية، متجاهلاً الأسباب الاقتصادية والضغوط المعيشية الخانقة.

خلال أسبوع واحد، رصدت مصادر حالات انتحار متعددة لمواطنين في أماكن عامة، ارتبطت أغلبها بضائقة مالية وعجز عن توفير الاحتياجات الأساسية. هذه الحالات لم تحظَ بذات التغطية الإعلامية التي نالتها قضية بسنت، لأنها تضع السياسات الاقتصادية للدولة في مواجهة مباشرة مع النتائج.

يمتد اليأس ليصل إلى داخل السجون، حيث تتوارد أنباء عن محاولات انتحار بين المعتقلين نتيجة سوء المعاملة والتعذيب النفسي. حالة الشاب عمر محمد علي تعد نموذجاً صارخاً، حيث عبر في رسائل مسربة عن رغبته في إنهاء حياته بسبب ظروف احتجازه القاسية المرتبطة بخلفية والده السياسية.

تظهر المفارقة في تعامل السلطة مع القضايا الجنائية عندما يتعلق الأمر بذوي النفوذ، كما حدث في قضية نجل وزيرة مصرية متهم بالقتل في الخارج. فبينما يُترك المواطن البسيط لمواجهة مصيره، تُسخر إمكانيات الدولة للدفاع عن أبناء النخبة ومحاولة تخفيف العقوبات عنهم.

تاريخياً، لم تكن السلطة بعيدة عن التلاعب بملف الوفيات، حيث سُجلت في أحداث سياسية كبرى حالات قتل برصاص الأمن على أنها 'انتحار' في شهادات الوفاة الرسمية. هذا النهج يكرس انعدام الثقة في الروايات الرسمية التي تحاول دائماً إلقاء اللوم على الضحية أو الظروف الغامضة.

إن معالجة ظاهرة الانتحار تتطلب شفافية في الاعتراف بالأزمات الاقتصادية والاجتماعية التي تدفع المواطن نحو الحافة. الحل لا يبدأ من سن قوانين مجهزة مسبقاً، بل من إصلاح منظومة العدالة وضمان كرامة الإنسان في معيشته وحريته.

التجديد الفقهي في قضايا الأسرة يجب أن يكون نابعاً من احتياجات المجتمع الحقيقية، لا استجابة لإملاءات سياسية تهدف لتجميل صورة السلطة. فالتشريعات التي لا تراعي القدرة المالية للمواطنين ستؤدي حتماً إلى مزيد من التفسخ الأسري والنزاعات القانونية التي لا تنتهي.

يغيب عن الخطاب الرسمي الحديث عن دور الدولة في توفير الدعم النفسي والاجتماعي للفئات الهشة والمهمشة. فبدلاً من ملاحقة التجمعات السلمية في دقائق، كان الأولى بالأجهزة الأمنية والخدمية رصد الاستغاثات التي تطلق عبر منصات التواصل قبل فوات الأوان.

الانتحار في الدول التي تحترم مواطنيها يُعامل كأزمة وطنية تستوجب استقالة المسؤولين أو مراجعة السياسات العامة. أما في الحالة المصرية، فيبدو أن قيمة الإنسان تتراجع أمام الرغبة في الحفاظ على استقرار الصورة الذهنية للنظام الحاكم.

ختاماً، يظل الانتحار صرخة احتجاج صامتة ضد واقع مرير، ولن تنجح محاولات التوظيف السياسي في كتم هذه الصرخة ما لم تكن هناك إرادة حقيقية للإصلاح. إن من كان جزءاً من المشكلة بسياساته، لن يكون أبداً هو الحل ما لم يغير نهجه في التعامل مع حقوق وحياة مواطنيه.

دلالات

شارك برأيك

توظيف ظاهرة الانتحار في مصر: بين الأزمات الاجتماعية والمناورات السياسية

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.