جهاد حرب: لا نحتاج إلى دستور مؤقت بل إلى دستور دائم لدولة فلسطين بعد تجسيدها يُقره البرلمان القادم
د. فوزي علي السمهوري: تشكيل لجنة لصياغة الدستور خطوة مقبولة من حيث المبدأ لكن لماذا في هذا التوقيت؟
علي أبو حبلة: وجود دستور مكتوب إعلان إرادة وطنية ورسالة للعالم بأن الشعب الفلسطيني يمتلك مقومات الدولة
د. عبد المجيد سويلم: الرئيس يُجهز لقرار جديد في الأمم المتحدة للاعتراف بدولة قائمة على الأرض وليست معلقة في الهواء
د. حسن خريشة: أي دستور يجب أن يُعرَض على استفتاء شعبي أو يُقر من خلال مؤسسة تشريعية منتخبة
أُثير الجدل مجدداً بعد إصدار الرئيس محمود عباس، أول من أمس، مرسوماً أعلن فيه تشكيل لجنة لصياغة دستور مؤقت، وذلك في إطار "التحضير للذهاب للانتخابات العامة"، حيث جاء في نصه أنه "في إطار التحضير للذهاب إلى الانتخابات العامة (…) وفي إطار الاستعدادات للمؤتمر الدولي للسلام على مستوى القمة في سبتمبر/أيلول المقبل لتنفيذ حل الدولتين، أصدر رئيس دولة فلسطين محمود عباس مرسوماً رئاسياً بتشكيل لجنة صياغة الدستور المؤقت للانتقال من السلطة إلى الدولة".
وبحسب المرسوم، أصدر الرئيس قراراً بتسمية الدكتور محمد الحاج قاسم رئيساً للجنة، و17 عضواً، وإنشاء منصة إلكترونية لاستقبال الاقتراحات والتفاعل من أجل ضمان تواصل أوسع من جميع قطاعات وشرائح المجتمع الفلسطيني بالداخل والخارج من أجل "الوصول إلى أفضل دستور مؤقت يمثل الشعب الفلسطيني في هذه المرحلة الانتقالية الهامة".
واعتبر محللون تحدثوا لـ"ے" أنه بموجب هذا المرسوم "تعد اللجنة مرجعاً قانونياً لصياغة الدستور المؤقت، بما ينسجم مع وثيقة إعلان الاستقلال (1988) ومبادئ القانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية والمواثيق الدولية لحقوق الإنسان والاتفاقيات الدولية ذات الصلة".
وأشار بعض المحللين والكتّاب إلى رفضهم فكرة "الدستور المؤقت"، موضحين أن القانون الأساسي الحالي يتضمن مادة تتيح استمرار العمل به إلى حين اعتماد دستور دولة فلسطين. وبالتالي فإن أي صيغة جديدة أو لجنة جديدة لصياغة دستور في الوقت الراهن تعدّ انقلاباً على القانون الأساسي، منتقدين "إنشاء لجان حالياً في وقت توجد فيه لجنة دستور أُنشئت عام 1988، ثم أعيد تشكيلها برئاسة الدكتور نبيل شعث بقرار من المجلس المركزي عام 1999، وجرى تقديم عدة مسودات كان آخرها في أيار/ مايو 2005، قبل أن يتوقف العمل بها، وفي عام 2011 أعيد تشكيل اللجنة برئاسة سليم الزعنون ونائبه نبيل شعث وآخرين".
وفي الوقت ذاته، اعتبر محللون آخرون أن هذا القرار يمثل خطوة مفصلية في المسار السياسي الفلسطيني، ليست مجرد إجراء قانوني بل فعل سياسي واستراتيجي تتقاطع فيه أبعاد الشرعية الوطنية والواقع الداخلي والانشباك مع المعادلات الإقليمية والدولية، مشيرين إلى أن وجود دستور مكتوب هو إعلان إرادة وطنية ورسالة استراتيجية للعالم بأن الشعب الفلسطيني يمتلك مقومات الدولة ويستحق اعترافًا كاملًا بعضويته في الأمم المتحدة، غير أن نجاح هذه الخطوة يظل مرهونًا بمدى قدرتها على التحول إلى عقد اجتماعي جامع يضمن مشاركة جميع القوى الفلسطينية بعيدًا عن الإقصاء أو التفرد بالقرار.
انقلاب على القانون الأساسي
قال الكاتب والمحلل السياسي جهاد حرب: "إن الفلسطينيين، من حيث المبدأ، لا يحتاجون إلى دستور مؤقت، بل إلى دستور دولة فلسطين، وهذا الأمر يتم بعد إقامة الدولة أو تجسيدها. فالمجلس المنتخب، سواء سُمي المجلس التأسيسي أو برلمان دولة فلسطين، هو الذي يقر ويعتمد الدستور وفقاً لطبيعة هذا المجلس المنتخب من الشعب الفلسطيني".
وأضاف: "يُفترض أن يقوم هذا المجلس بوضع القانون الأساسي أو دستور دولة فلسطين، بحيث تتجسد اختيارات الشعب الفلسطيني فيه، لأنه يمثل العقد الاجتماعي للشعب الفلسطيني ويعكسه من خلال القواعد الدستورية المنصوص عليها".
وأشار إلى رفض فكرة "الدستور المؤقت"، موضحاً أن القانون الأساسي الحالي يتضمن مادة تتيح استمرار العمل به إلى حين اعتماد دستور دولة فلسطين. وبالتالي فإن أي صيغة جديدة أو لجنة جديدة لصياغة دستور في الوقت الراهن تعدّ انقلاباً على القانون الأساسي.
ولفت إلى أنه "تم تشكيل لجان اليوم في وقت توجد فيه لجنة دستور أُنشئت عام 1988، ثم أعيد تشكيلها برئاسة الدكتور نبيل شعث بقرار من المجلس المركزي عام 1999، وجرى تقديم عدة مسودات كان آخرها في أيار/ مايو 2005، قبل أن يتوقف العمل بها، وفي عام 2011 أعيد تشكيل اللجنة برئاسة سليم الزعنون ونائبه نبيل شعث وآخرين".
وأضاف حرب: اليوم الحديث عن لجنة جديدة دون تعديل على اللجنة السابقة، ما يُعد برأيي حرقاً للتجارب السابقة التي خاضها الشعب الفلسطيني في مسار صياغة دستور الدولة.
بدعة الدستور المؤقت
وأكد حرب أن "بدعة الدستور المؤقت لا ينبغي أن تمر، لأن المؤقت غالباً ما يتحول إلى دائم، كما حدث مع القانون الأساسي الذي وضع للمرحلة الانتقالية لمدة خمس سنوات، لكنه ما زال قائماً منذ ثلاثين عاماً، مترافقاً مع استمرار المرحلة الانتقالية".
وأوضح حرب "أن الفلسطينيين يتطلعون إلى الاستقرار والثبات عبر دستور دائم يُقره البرلمان القادم في اللحظة التاريخية التي يعبر فيها عن مواقف الشعب الفلسطيني واختياراته المستقبلية".
وأكد حرب أن "تجسيد الدولة يحتاج إلى قرار سياسي، لا إلى قرار قانوني أو دستوري، فوثيقة الاستقلال أُعلنت عام 1988، كما اتُخذت إجراءات منذ عام 2012 بعد ترفيع مكانة فلسطين إلى دولة مراقب في الأمم المتحدة. لذلك، فإن الأمر يتطلب قراراً سياسياً لتجسيد الدولة فعلياً، من خلال تغيير مسميات المؤسسات الفلسطينية وأدائها على الأرض، وليس عبر صياغة دستور مؤقت أو جديد في هذه المرحلة".
رسالة مهمة
وقال الكاتب والمحلل السياسي د. فوزي علي السمهوري: إن تشكيل لجنة لصياغة الدستور، من حيث المبدأ، خطوة مقبولة، لكن السؤال هو: ما الهدف من تشكيلها في هذا التوقيت؟ هل الهدف إرسال رسالة سياسية أراد الرئيس محمود عباس توجيهها إلى المجتمع الدولي، مفادها أن مؤسسات الدولة الفلسطينية ومقوماتها لا ينقصها شيء؟ مؤكداً أنها رسالة مهمة، خاصة مع اقتراب انعقاد الدورة العادية للجمعية العامة للأمم المتحدة، والتي يُفترض أن تتم خلالها مراجعة القرار (10/24) الصادر في أيلول الماضي، والذي منح الكيان الإسرائيلي مهلة عام لإنهاء احتلاله للأراضي الفلسطينية المحتلة، تنفيذاً لرأي محكمة العدل الدولية.
وأضاف السمهوري: إن هناك منذ السنوات الأولى لتوقيع اتفاق أوسلو لجنة قانونية كُلّفت بإعداد دستور للدولة الفلسطينية، وتمت الاستعانة بخبراء دوليين لصياغة مسودة دستور يمكن للجنة الحالية العودة إليها ودراستها وإجراء أي تعديلات لازمة.
وأوضح أن القانون الأساسي الفلسطيني، الذي نظّم عمل الحكومة في الأراضي المحتلة، اعتبر بمثابة دستور مؤقت إلى حين إنهاء الاحتلال، وكان من المفترض أن ينتهي الاحتلال بحلول أيار 1999.
مقومات الدولة ووثائقها قائمة بالفعل
وبرأي السمهوري، فإن مقومات الدولة الفلسطينية ووثائقها قائمة بالفعل: من إعلان الاستقلال الصادر عن المجلس الوطني عام 1988، إلى القانون الأساسي الفلسطيني، إلى اعتراف 149 دولة بدولة فلسطين والتعامل مع القيادة الفلسطينية بصفتها دولة تحت الاحتلال. والدليل على ذلك وجود السفارات، وزيارات الرئيس بصفته رئيس دولة فلسطين ورئيس منظمة التحرير الفلسطينية الممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني.
وأشار إلى أن "الحكومة الفلسطينية هي حكومة دولة فلسطين، لكنها تحت الاحتلال وليست مستقلة، ولذا تبذل الجهود على مختلف المستويات لحشد الرأي العام الدولي وإرغام الولايات المتحدة على وقف استخدام الفيتو بشكل تعسفي لمنع إقامة الدولة الفلسطينية أو لحماية إسرائيل من المساءلة على جرائمها، رغم وجود قرارات دولية واضحة تطالب بإنهاء الاحتلال وتمكين الشعب الفلسطيني من ممارسة حقه في الحرية والاستقلال وتقرير المصير".
كما لفت السمهوري إلى أن محكمة العدل الدولية أكدت بشكل قاطع عدم شرعية الاحتلال للأراضي الفلسطينية منذ عام 1967، واعتبرت المستوطنات غير قانونية، داعيةً إلى إزالة كافة التغييرات الجغرافية والديموغرافية التي فرضها الاحتلال. وهذا يعكس سياسة استراتيجية للاحتلال تهدف إلى التهجير والتطهير العرقي.
خطاب الرئيس عباس في الأمم المتحدة
وتابع قائلاً: إن ما طُرح حول إمكانية أن يتضمن خطاب الرئيس محمود عباس في الأمم المتحدة إعلان تحويل السلطة الوطنية إلى دولة، رغم أهميته الرمزية، لا يعد ضرورياً، لأن فلسطين قائمة كدولة معترف بها، وحدودها واضحة وفق قرارات مجلس الأمن (242) و(338) ورأي محكمة العدل الدولية عام 2004.
واعتبر السمهوري أن مثل هذا الطرح قد يستغله الاحتلال والولايات المتحدة للتشكيك بالدولة الفلسطينية القائمة، وفتح باب لإعادة النقاش أو التصويت على الاعتراف بها.
وشدّد على أن التحدي الحقيقي يكمن في إلزام الاحتلال بإنهاء احتلاله وتنفيذ القرارات الدولية، مذكراً بأن إسرائيل تصادر أموال المقاصة الفلسطينية وتواصل انتهاك اتفاق أوسلو والقرارات الدولية.
وأكد أن إسرائيل انقلبت على التزاماتها، وهي تتحمل المسؤولية الكاملة عن فشل الاتفاق رغم أنه أُدرج كوثيقة دولية برعاية الأمم المتحدة والدول الكبرى.
واعتبر السمهوري أن على القيادة الفلسطينية في المرحلة المقبلة أن تركز على مطلب واضح في الجمعية العامة للأمم المتحدة، وهو تعليق عضوية إسرائيل لأنها لم تلتزم بشروط العضوية المنصوص عليها في ميثاق الأمم المتحدة، من احترام قرارات الشرعية الدولية.
خطوة مفصلية في المسار السياسي
من جهته، أكد الكاتب والمحلل السياسي المحامي علي أبو حبلة أن تشكيل لجنة بمرسوم رئاسي لصياغة دستور لدولة فلسطين يمثل خطوة مفصلية في المسار السياسي الفلسطيني، فهي ليست مجرد إجراء قانوني بل فعل سياسي واستراتيجي تتقاطع فيه أبعاد الشرعية الوطنية والواقع الداخلي والانشباك مع المعادلات الإقليمية والدولية.
ويرى أن وجود دستور مكتوب هو إعلان إرادة وطنية ورسالة استراتيجية للعالم بأن الشعب الفلسطيني يمتلك مقومات الدولة ويستحق اعترافًا كاملًا بعضويته في الأمم المتحدة، غير أن نجاح هذه الخطوة يظل مرهونًا بمدى قدرتها على التحول إلى عقد اجتماعي جامع يضمن مشاركة جميع القوى الفلسطينية بعيدًا عن الإقصاء أو التفرد بالقرار.
وأشار المحامي أبو حبلة إلى أنه "من الناحيتين الوطنية والسياسية، يمكن للدستور أن يكون مدخلًا لتجاوز مرحلة السلطة الانتقالية المحدودة باتفاقيات أوسلو نحو مرحلة الدولة ذات السيادة، فهو يعزز الشرعية الوطنية ويضع إطارًا واضحًا لطبيعة النظام السياسي وتنظيم العلاقة بين السلطات، بما يحد من الفوضى السياسية ويعزز سيادة القانون".
إشكالات جدية في ظل الانقسام
وأكدأنه "في المقابل قد يتحول إلى مصدر أزمة إذا صيغ في ظل الانقسام القائم بين الضفة وغزة دون توافق وطني شامل، إذ لا معنى لدستور يُفرض من طرف واحد أو يغيب عنه المجلس التشريعي المنتخب".
وعلى الصعيدين القانوني والدستوري، قال أبو حبلة: إن صدور دستور بمرسوم رئاسي يثير إشكالات جدية حول مدى تمثيله للإرادة الشعبية، لافتاً إلى أن الدساتير في التجارب الدولية الناجحة كانت نتاج مسارات توافقية شاملة جمعت مختلف القوى المجتمعية والسياسية، وفي غياب مثل هذا التوافق، يفقد الدستور طابعه الجامع ويصبح أقرب إلى أداة سياسية ظرفية بدلًا من أن يكون وثيقة تأسيسية للدولة.
أداة دبلوماسية قوية لتعزيز مطلب الاعتراف بالدولة
أما على الصعيدين الدولي والإقليمي، فأوضح أبو حبلة أن الدستور الفلسطيني إذا تضمن مبادئ الديمقراطية وحقوق الإنسان يمكن أن يتحول إلى أداة دبلوماسية قوية لتعزيز مطلب الاعتراف بفلسطين كدولة، على غرار ما حدث في تجربة كوسوفو التي اعتمدت على دستورها لإقناع المجتمع الدولي بقدرتها على إدارة دولة حديثة رغم المعارضة الإقليمية والدولية.
وأشار إلى أنه "في تجربة جنوب أفريقيا، شكّل الدستور ثمرة مفاوضات أنهت نظام الفصل العنصري وتحول إلى أساس لإعادة بناء الدولة على قاعدة العدالة والمساواة، وهو ما يبرز أهمية التوافق الوطني كشرط مسبق لنجاح أي دستور".
وأكد أبو حبلة أن "إسرائيل بدورها تنظر بعين الريبة إلى أي خطوة تعزز مقومات الدولة الفلسطينية، وقد تسعى إلى تقويضها من خلال العقوبات المالية أو الإجراءات الأمنية، فيما تختلف مواقف دول الإقليم بين داعم يرى في الدستور عنصر استقرار، وآخر يعتبره تكريسًا لهيمنة طرف سياسي على حساب أطراف أُخرى".
وتابع: إن القوى الكبرى كالولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي ستراقب النص الدستوري بعناية للتأكد من التزامه بخطاب حل الدولتين والمعايير الديمقراطية، ما يعني أن اللجنة الدستورية الفلسطينية مطالبة بقدر كبير من الدقة والمرونة في صياغة نص يوازن بين الثوابت الوطنية والاعتبارات الدولية.
وقال: في الحالة الفلسطينية يمكن للدستور أن يكون ركيزة لمشروع الدولة وأداة مواجهة سياسية وقانونية مع الاحتلال، لكنه قد ينقلب إلى عبء إذا صيغ بمعزل عن التوافق الوطني والشراكة السياسية الحقيقية.
وخلص الكاتب أبو حبلة إلى أن "القيمة الاستراتيجية لتشكيل لجنة صياغة الدستور تكمن في قدرتها على تحويل هذه الوثيقة إلى رافعة وطنية تستوعب التعددية الفلسطينية وتؤسس لبناء الدولة، أو على العكس قد تنزلق لتصبح مصدرًا لانقسام جديد يعمق الأزمة". مشددا على ان التحدي الأكبر أمام القيادة الفلسطينية هو تحويل الدستور من أداة سياسية آنية إلى وثيقة تحرر وطني ودولة مستقبلية، تعزز الصمود الداخلي وتفتح أفقًا جديدًا للمشروع الفلسطيني في مواجهة الاحتلال على المستويات القانونية والسياسية والدبلوماسية.
الأمم المتحدة أمام استحقاق جديد
بدوره، يرى الكاتب والمحلل السياسي د. عبد المجيد سويلم أن الرئيس محمود عباس يُحضّر نفسه ويجهز لقرار جديد في الأمم المتحدة أثناء جلسات الجمعية العامة، وهذا الإعلان سيكون باعتبار أن الأراضي الفلسطينية المحتلة في الضفة وغزة والقدس هي أراضي الدولة الفلسطينية، وأن هذه الأراضي الآن تقع تحت الاحتلال.
وقال: إن هذا هو القرار الذي يُعتقد أنه سيتم الإعلان عنه في الجمعية العامة، وهو قرار جديد لأنه يهدف إلى تحويل سلسلة الاعترافات المتوقعة بالدولة الفلسطينية، من مجرد اعتراف بدولة معلقة في الهواء إلى اعترافٍ بدولةٍ قائمةٍ على الأرض، بحدودها وبولاياتها السياسية. وبالتالي تصبح الأمم المتحدة ومؤسسات القانون الدولي أمام استحقاق جديد، وهو أن هذه الأراضي ليست أراضي متنازعاً عليها، بل أراضي دولة فلسطينية معترف بها دولياً لكنها واقعة تحت الاحتلال".
وأكد سويلم أن "الأمر يتطلب أيضاً تأسيس المؤسسات الفلسطينية أو البدء بمسار بنائها لتكون قادرة على التعامل مع هذا الاستحقاق الجديد. ومن هنا تأتي أهمية لجنة صياغة الدستور في هذا السياق".
خطوة ضرورية وليست قفزة في الهواء
وقال: قد يُنظر إلى هذا المسار على أنه خطوة ضرورية وليست قفزة في الهواء، لكن ستترتب عليه ردود فعل أمريكية وإسرائيلية. لذلك، على السلطة الفلسطينية أن تستعد جيداً، لأن إسرائيل والولايات المتحدة لن تسمحا بأن تأخذ عملية الاعتراف بالدولة الفلسطينية هذا المنحى.
وأضاف: قد يتحملان إعلانات عامة بالاعتراف، لكنهما لن يقبلا باعتراف كامل بدولة قائمة على أراضٍ واقعة تحت الاحتلال.
ويرى سويلم أن "الخطة تقوم على استثمار الاعترافات الدولية المتزايدة لتجسيد واقع جديد، وهو أن الدولة الفلسطينية ليست مجرد فكرة، بل كيان قائم بحدوده وولايته السياسية، وإن كان تحت الاحتلال. وهذا قد يُغيّر الصورة ويعمّق الاعتراف الدولي، رغم التحديات والمحاذير، لأن إسرائيل قد تعتبر ذلك انقلاباً في الموقف الفلسطيني وتتخذ إجراءات مضادة، وربما تسبقها الولايات المتحدة".
معركة دبلوماسية وسياسية كبيرة
وأكد سويلم: إننا أمام معركة دبلوماسية وسياسية كبيرة، سيستثمر فيها اليمين الإسرائيلي، خصوصاً الفاشي منه، لمحاولة إنهاء وجود السلطة الفلسطينية، وهذا يتطلب من القيادة أن تتحصن بدعم عربي ودولي قبل التوجه إلى الأمم المتحدة.
ويرى سويلم أن "المطلوب ليس فقط لجنة صياغة دستور، بل عملية شاملة لإعادة بناء المؤسسات الفلسطينية كافة، بدءاً من المجلس الوطني والمجلس المركزي، مروراً باللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير ودوائرها ومؤسساتها، وانتهاء بإقرار آليات ديمقراطية واضحة مثل الانتخابات وتداول السلطة، بصرف النظر عن العوائق الإسرائيلية، فالعملية برمتها يجب أن تكون إعادة بناء شاملة للمؤسسات الفلسطينية كي تتمكن من الصمود أمام التحديات الكبيرة التي تمثلها المواقف الأمريكية والإسرائيلية".
رسائل سياسية موجهة للأمريكيين والأطراف الدولية
وقال د. حسن خريشة، نائب رئيس المجلس التشريعي الأسبق: كانت هناك لجنة الدستور الفلسطينية التي شُكلت بعد عام 1999، بقرار من المجلس المركزي، وضمت خبراء قانونيين بارزين مشهوداً لهم بالكفاءة، وقد عملت هذه اللجنة سنوات طويلة، وأنجزت مهمتها منذ وقت مبكر.
وأضاف: إن الحديث اليوم عن إعادة تشكيل لجنة جديدة يوحي إما بجهل بما تم إنجازه سابقًا، أو بوجود أهداف أخرى وراء ذلك، قد تكون رسائل سياسية موجهة للأمريكيين والأطراف الدولية مفادها أن السلطة الفلسطينية تسعى إلى تجسيد فكرة الدولة والتحضير للمرحلة المقبلة، وربما تقديم أوراق اعتماد في ظل الضغوط المتزايدة عليها.
وأضاف: إن الأسماء المطروحة لا تعكس تنوع الكفاءات على مستوى الوطن، بل تكرار للأشخاص أنفسهم في مختلف اللجان الرسمية.
وشدد خريشة على أن "أي دستور يجب أن يُعرَض على استفتاء شعبي أو يُقر من خلال مؤسسة تشريعية منتخبة، وهو ما لا يتوافر في الوقت الحالي".
وأضاف: إن صدور قرارات ومراسيم بهذا الشكل يشبه "القفز في الهواء"، خصوصًا في ظل الظروف الراهنة من حرب إبادة في غزة، وتوسع استيطاني متواصل ونهب للأرض في الضفة الغربية والقدس والأغوار.
وأكد خريشة أن "الأجواء الحالية لا تصلح للحديث عن صياغة دستور فلسطيني جديد، معتبراً أن القانون الأساسي القائم أقل من دستور ولكنه أسمى من القوانين العادية، وبالتالي فإن إعادة طرح ملف الدستور الآن لا مبرر له إلا في إطار رسائل سياسية موجهة للخارج بشأن دور السلطة في المستقبل.