تسببت قرارات هيئة الأوقاف المصرية برفع القيمة الإيجارية للأراضي الزراعية والمباني السكنية والتجارية التابعة لها في صدمة كبيرة لمئات الآلاف من المزارعين الفقراء، الذين يمتلك أغلبهم أقل من فدان، وللأهالي الذين بنوا مساكنهم وأقاموا متاجرهم ومشاريعهم الصغيرة على أراضي الوقف.
أكدت وزارة الأوقاف في بيان لها أن لجنة من خبراء الزراعة بالهيئة كشفت عن وجود خلل كبير في بعض العلاقات التعاقدية والقيم الإيجارية، مما أدى إلى إهدار مال الوقف، وأنه لزم التدخل لإعادة التوازن الشرعي والقانوني المطلوب. وأضافت الوزارة أن القرارات التصحيحية التي اتخذتها اللجنة مبنية على زيارات ومعاينات مستفيضة من لجنة مركزية وإقليمية بالهيئة.
يعتمد نظام الوقف الخيري والأهلي على تجميد الأصل، مثل الأرض والعقار، وتخصيص ريعه لغرض خيري واجتماعي محدد. وقد استخدم هذا النظام في العصرين المملوكي والعثماني لتشييد المدن والمساجد والمدارس والمستشفيات. وبعد عام 1952، تم إلغاء الوقف الأهلي وضم جميع الأصول لإدارة الدولة عبر هيئة الأوقاف، التي تعتبر أحد أضخم الأذرع الاقتصادية في مصر.
اشتكى أهالي قرى وعزب وكفور مصرية من قرار رفع هيئة الأوقاف للقيمة الإيجارية للأراضي التي بحوزتهم وحوزة أسرهم منذ عقود، والتابعة للأوقاف، بمقدار ثلاثة أضعاف مرة واحدة، من حوالي 15 ألف جنيه إلى 45 ألف جنيه دفعة واحدة. كما رفعت الأوقاف القيمة الإيجارية لأراضي البساتين لأكثر من ذلك بكثير، بالإضافة إلى رفع قيم إيجارات المنازل السكنية التي بناها الأهالي طيلة السنوات والعقود الماضية.
بينما يتراوح إيجار الفدان العادي غير المملوك للأوقاف بين 15 و17 ألف جنيه، تتخوف مئات الأسر المقيمة على أراضي الأوقاف منذ عشرات السنين، والتي تقوم بزراعة منطقة وقف "فايقة عزت" بمحافظة الشرقية، من أن تكون هذه القرارات بداية لخطة طردهم من أراضيهم ومنازلهم، بسبب عجزهم عن دفع تلك القيم الإيجارية.
أكد المهندس "سيد. ف" أن هذا القرار يمثل فرصة للدولة لطرد الأهالي من أراضي الوقف، وأنه لا يستطيع أحد من الفلاحين دفع هذه القيم، متسائلا عن نوع الزراعة التي يمكن أن تحقق هذا الربح بعد حساب تكلفة الحرث والحبوب والسماد والري بمياه جوفية لعدم وصول مياه الترع لأغلب الأراضي في الصيف.
يوضح أن أسعار إيجار أراضي الأوقاف شهدت ارتفاعا تاريخيا خلال عهد السيسي. فمنذ عام 2012، كانت قيمة الإيجار حوالي 600 جنيه للفدان، ثم زادت دفعة واحدة في 2014 إلى الضعف مسجلة 1200 جنيه في حوض فايقة عزت، ثم توالت الزيادات إلى 4 آلاف جنيه، وحتى وصلت العام الماضي إلى حوالي 14 ألف جنيه، لترفعها الأوقاف مجددا إلى حوالي 40 ألفا، مما يعني أنه قرار طرد لاستبدال الأهالي بغيرهم بعقود جديدة بقيم إيجارية جديدة.
يلفت إلى أن الأوقاف تقوم بتلك اللعبة منذ سنوات، حيث أنه حال وفاة المستفيد أو المؤجر لأراضيها، توقف التعاقد وتقوم بعمل عقد جديد للورثة بقيمة جديدة أعلى بكثير.
يقول الحاج "حمدي. ر": "أزرع قطعتين من أراضي الأوقاف بمساحة 12 و13 قيراطا، (فدان إيجاري)، أدفع بعد موسم القمح 7 آلاف جنيه إيجارا عن النصف الأول من العام و7 أخرى بعد موسم الأرز، وفي النهاية أعمل أنا وأبنائي وزوجتي بلا أجر طوال العام".
ويضيف: "كنا نعطي التجار المحصول ونحصل منه على التقاوي والأسمدة ولكن هذا العام رفض التجار شراء محصول الأرز لأن مخازنهم مملوءة به، وطالبونا بدفع ثمن تقاوي القمح، التي لا نملك مالا لشرائها"، متسائلا: "فكيف لنا أن ندفع قيمة إيجارية 3 أضعاف؟، وهل الحكومة سترفع سعر المحاصيل؟"، مؤكدا أنها "فقط سترفع الإيجار وثمن البذور والسماد والجاز"، مشيرا إلى أن "صفيحة الجاز أصبح ثمنها 400 جنيه لا تكفي ريتين للأرض الزراعية".
كشف أحد مسؤولي وزارة الأوقاف عن تغيير جذري في سياسة وتوجهات هيئة الأوقاف وتوجيهات الوزارة بهذا الشأن، قائلا: "التعامل منذ سنوات مع مشروعات وأراضي واستثمارات وأملاك الأوقاف يقوم على الاستثمار وتحقيق أكبر فائدة من الوقف، وكل مدير وإدارة ومديرية مطالبون بكشف حساب أرباح أكثر بكثير من عام لآخر، مع وجود الحوافز للموظفين".
ويوضح أن "الجديد في الأمر، أنه مال وقف بالفعل ولكنه للاستثمار وليس لله كما كان الاعتقاد والسياسات القديمة"، موضحا أن "هناك مصروفات كبيرة على الأوقاف منها الصرف على المساجد (بناء وإصلاح وفرش وفواتير خدمات كهرباء ومياه ورواتب)، ورواتب الموظفين بالوزارة والهيئة، إلى جانب خطة الاستثمار التي تحتاج أموالا ضخمة، وبينها مشروعات سكنية وزراعية واستصلاح أراض وتشجير أراضي صحراوية، وغيرها".
ويؤكد أن "من يحدد قيمة الإيجار هي لجان فنية تابعة للهيئة والأساس لديها هو التسعير وفقا للقيم الإيجارية السائدة في ذات منطقة الوقف"، مشيرا إلى أن "الفدان المقترح رفع إيجاره إلى 40 و45 ألف جنيه هذه هي قيمته الإيجارية في ذات المنطقة، ما ينطبق على قيمة إيجار المحلات والورش والمصانع الصغيرة وحتى البيوت السكنية التي يبنيها الأهالي"، مؤكدا على صحة معلومة "تنازل الأهالي عن بيوتهم التي بنوها حديثا للهيئة ودفع قيم إيجارية تزيد سنويا وفقا للمنطقة".
منذ وصول السيسي للحكم عام 2014، أصدر توجيهات واتخذ قرارات وغير قوانين الوقف، بما يخدم رؤيته لتحويل الوقف إلى مشروعات استثمارية تخدم الدولة المصرية أولا، وتساهم في خفض عجز الموازنة، وفق تصريح لرئيس الوزراء الأسبق شريف إسماعيل، ما تسبب في تفريغ مفهوم الوقف الأصلي، بكونه عملا خيريا.