هل الصين قادرة على تعويض النفط الفنزويلي؟
تبدو الصين قادرة على تعويض أي نقص محتمل في الإمدادات الفنزويلية عبر مصادرها العديدة، إذ تعتمد بشكل رئيسي على دول كبرى منتجة للنفط مثل روسيا والسعودية لتلبية احتياجاتها من الخام.
ووفقًا لبيانات إدارة معلومات الطاقة الأميركية، تستورد الصين النفط الخام من عشرات الدول، وتتصدر روسيا والسعودية والعراق وعُمان وماليزيا قائمة أكبر موردي النفط إلى الصين.
وارتفعت واردات الصين من روسيا في عام 2024 للعام الثالث على التوالي، لتسجل متوسطا بلغ 2.2 مليون برميل يوميا، بزيادة قدرها 1% مقارنة بعام 2023.
وجاءت السعودية في المرتبة الثانية بين أكبر مصدري النفط الخام إلى الصين عام 2024، رغم تراجع الواردات منها للعام الثالث على التوالي، إذ بلغ متوسطها نحو 1.6 مليون برميل يوميا، أي أقل بنحو 9% مقارنة بالعام السابق.
ما علاقة شركة شيفرون بالنفط الفنزويلي؟ وما اثر ذلك على الصين؟
قبل أن تفرض واشنطن عقوبات شاملة على شركة النفط الحكومية الفنزويلية (PDVSA) عام 2019 -بعد أن كانت قد قيّدت وصولها إلى الأسواق المالية الأميركية منذ عام 2017- كانت الولايات المتحدة أكبر مستورد للنفط الفنزويلي.
وفي وقت كانت فيه شركات أميركية، وعلى رأسها شيفرون، شريكا أساسيا في عمليات الإنتاج داخل فنزويلا، تراجع الإنتاج والصادرات بسرعة، بفعل تشديد العقوبات مما أفسح المجال لتحوّل التدفقات النفطية باتجاه آسيا، وفي مقدمتها الصين.
وتُظهر بيانات منظمة الدول المصدرة للبترول (أوبك) أن صادرات فنزويلا من النفط الخام هبطت إلى أقل من 500 ألف برميل يوميا في عام 2021، مواصلة مسار تراجع بدأ قبل العقوبات بسنوات.
وكان الإنتاج بلغ ذروته قرب مليوني برميل يوميا في عام 2015، قبل أن ينخفض بشكل مطرد نتيجة سوء الإدارة المزمن ونقص الاستثمارات، وفقا لمؤسسة البث الدولية الألمانية (دويتشه فيله).
وأسهم هذا التراجع، إلى جانب القيود الأميركية، في تعزيز اعتماد فنزويلا على السوق الصينية، مما منح بكين دورا أكبر في استيعاب الخام الفنزويلي، لكنه في الوقت نفسه جعل إمداداتها أكثر حساسية للتقلبات الجيوسياسية والعقوبات.
ولم يبدأ إنتاج النفط الفنزويلي في التعافي إلا اعتبارا من عام 2024، إذ ارتفعت الصادرات إلى نحو 655 ألف برميل يوميا في عام 2024، ثم صعدت إلى قرابة 921 ألف برميل يوميا في نوفمبر/تشرين الثاني من العام الجاري 2025، ويعود هذا الانتعاش بالدرجة الأولى إلى تغير الموقف الأميركي، وليس إلى الصين وفقًا لتقرير دويتشه فيله.
وفي أعقاب بدء الحرب الروسية لأوكرانية عام 2022، خففت واشنطن بعض القيود المفروضة على فنزويلا، ومنح مكتب مراقبة الأصول الأجنبية التابع لوزارة الخزانة الأميركية شركة شيفرون تراخيص خاصة لاستئناف تصدير النفط من مشاريعها المشتركة في فنزويلا.
وفي أكتوبر/تشرين الأول 2025، حصلت الشركة على ترخيص جديد يتيح لها مواصلة الإنتاج هناك. وفي هذا السياق، قال فرانسيسكو جيه مونالدي، المتخصص في سياسات الطاقة في معهد بيكر للسياسات العامة في تصريحات لدويتشه فيله، إن الفضل الأكبر في تعافي إنتاج النفط الفنزويلي يعود إلى شركة شيفرون، التي باتت تمثل نحو ربع إجمالي إنتاج البلاد.
وكان الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو رحب بحماس بتجديد التراخيص الأميركية، وقال في حديثه على قناة تيليسور الحكومية في يوليو/تموز الماضي: "تتواجد شركة شيفرون في فنزويلا منذ 102 عام، وآمل أن تعمل الشركة هنا لمئة عام أخرى من دون مشاكل"، وفقا للمصدر السابق.
وفي الوقت الذي تواصل فيه شيفرون توسيع حضورها في قطاع النفط الفنزويلي، يظلّ الدور الصيني محصورا في مشاريع أصغر نسبيا، وتشير تقارير إلى أن شركة "تشاينا كونكورد ريسورسز" شرعت في تطوير حقلين نفطيين باستثمارات تُقدر بنحو مليار دولار بهدف رفع الإنتاج إلى 60 ألف برميل يوميا بحلول نهاية عام 2026.
في المقابل، تشير بيانات مركز سياسات التنمية العالمية إلى أن المقرضين التنمويين المدعومين من الدولة في بكين، ومن بينهم بنك التنمية الصيني وبنك التصدير والاستيراد الصيني أوقفوا عمليا تقديم قروض جديدة لكاراكاس منذ عام 2016، مما يعكس حذر الصين المتزايد في تمويل قطاع الطاقة الفنزويلي رغم استمرار شراكات محدودة في مجال الاستثمار المباشر.
وفي المجمل، تكشف أزمة النفط الفنزويلية أن تأثيرها على الصين، رغم ضجيجه السياسي، يبقى محدودا على المدى القصير بفضل تنوّع مصادر الإمداد ومرونة السوق الصينية، لكنه يظل مؤشرا مهما على هشاشة سلاسل الطاقة العالمية أمام العقوبات والصراعات الجيوسياسية.
فبينما تستفيد بكين من النفط الرخيص نسبيا الذي تحصل عليه من دول مثل روسيا وإيران وفنزويلا فإنها تدرك في الوقت ذاته أن الاعتماد على نفط خاضع للتجاذبات الدولية يحمل مخاطر إستراتيجية طويلة الأمد، مما يدفعها إلى تسريع تنويع مورديها وتعزيز أمنها الطاقي، في عالم بات النفط فيه أداة نفوذ سياسي بقدر ما هو سلعة اقتصادية.