تشهد إيران منذ الأحد الماضي احتجاجات على خلفية تردي الوضع المعيشي وتفاقم الأزمة الاقتصادية، انطلقت من بازار طهران الكبير عبر إضراب عدد من المحال التجارية عن العمل، ثم امتدت إلى مدن أخرى، فيما دخلت إسرائيل وأميركا على الخط عبر الإعلان عن دعم المتظاهرين وحثّهم على مواصلة الاحتجاج وتعزيز زخمه.
خلّفت الاحتجاجات حتى الآن ستة قتلى، أحدهم من قوات الباسيج الشعبية التابعة للحرس الثوري الإيراني في كوهدشت بمحافظة لرستان غربي إيران، وثلاثة محتجين في مدينة أزنا بالمحافظة أثناء الهجوم على مقر للشرطة، فضلًا عن محتجَّين اثنين في مدينة لُرغان في محافظة جهار محال بختياري وسط البلاد.
برزت خلال الاحتجاجات هتافات داعمة للملكية وزعيمها رضا بهلوي المقيم في الولايات المتحدة الأميركية. كما شهدت حتى الآن مشاركة محدودة من طلاب جامعات طهران، حيث نظموا تجمعات احتجاجية الثلاثاء الماضي، واعتُقل عدد منهم قبل أن يُفرَج عنهم لاحقًا، فيما عزل وزير العلوم والبحوث والتقنيات (التعليم العالي) الإيراني حسين سيمايي صرّاف، مسؤولي الأمن في ثلاث جامعات في محاولة لتهدئة الطلاب، علمًا أن الجامعات الإيرانية على أعتاب موسم الامتحانات الفصلية، حيث يتعطل الدوام الطلابي فيها، وهو ما من شأنه أن يؤثر سلبًا في انخراط الطلاب في الاحتجاجات.
في الأثناء، وفيما حاولت الحكومة الإيرانية الإصلاحية ورئيسها مسعود بزشكيان احتواء الأزمة عبر اعترافها بالحق في التظاهر والحوار مع ممثلي البازار والأسواق، لم تغب الأدبيات التقليدية في التعامل مع الاحتجاجات، ونعتها في وسائل إعلام محافظة وشخصيات محافظة بـ"الشغب"، فضلًا عن تحولها إلى أحداث عنف في بعض المدن، ومهاجمة مقار ومؤسسات حكومية وبنوك، ما خلّف ما لا يقل عن ستة قتلى ونحو 40 جريحًا حسب تقارير إعلامية، واعتقال العشرات، 20 منهم في مدينة لردغان وسبعة في مدينة كرمانشاه، بتهمة الصلة بجماعات معارضة في الخارج، لكن لا أرقام رسمية بعد عن عدد القتلى والجرحى والمعتقلين.
توعد المدعي العام الإيراني محمد موحدي آزاد، الأربعاء، بالتصدي لـ"حرف الاحتجاجات"، قائلًا إن "أي محاولة لتحويل الاحتجاجات الاقتصادية إلى أداة لزعزعة الأمن، أو تخريب الممتلكات العامة، أو تنفيذ سيناريوهات خارجية معدّة سلفًا، ستُواجَه حتمًا برد قانوني متناسب وحاسم".
إلى ذلك، حذّر علي حسنوند، المدعي العام لمحافظة لرستان غربي إيران، التي تشهد احتجاجات، اليوم الجمعة، من أن القضاء سيتعامل بحزم ومن دون أي تساهل مع من وصفهم بأنهم "مثيرو الشغب وكل من يمسّ بالأمن العام"، مؤكدًا أن "المشاركة في التجمعات غير القانونية وأعمال الإخلال بالنظام، والتخريب، والتحريض، أو التهديد، تُعدّ جرائم تستوجب الملاحقة القضائية". ودعا العائلات إلى منع أبنائها من الانخراط في هذه التجمعات.
يقول الكاتب الإيراني صلاح الدين خدّيو إن خريطة الاحتجاجات تعكس اندماج الضغوط الاقتصادية مع التحولات الطبقية، مضيفًا أنّه "لا يزال من المبكر التوصل إلى خلاصة نهائية بشأن تركيبة الاحتجاجات الجارية في إيران، من حيث الفئات الاجتماعية المشاركة فيها أو نطاقها الجغرافي"، معتبرًا أن الاحتجاجات ما تزال مستمرة، ما يجعل أي استنتاج قاطع سابقًا لأوانه.
وأوضح خدّيو أن النمط العام للمشاركة في الاحتجاجات الحالية يمكن فهمه باعتباره مزيجًا بين احتجاجات نوفمبر/ تشرين الثاني 2019 على خلفية رفع أسعار البنزين، وحراك "مهسا أميني" عام 2022 على خلفية موضوع الحجاب، مشيرًا إلى صعوبة بلورة نموذج سوسيولوجي دقيق يحدد بشكل قاطع طبيعة المشاركة، أو الفئات الاجتماعية، أو الخلفيات الطبقية للمعترضين. وأضاف أن احتجاجات مهسا أميني، التي توفيت بعد أيام من توقيفها في الشارع على خلفية عدم التقيد بقواعد الحجاب، وإن كان يُصنَّف في بداياته كحراك للطبقة الوسطى نظرًا لطبيعة مطالبه، وخصوصًا ما يتعلق بحرية اللباس وحقوق النساء والحريات العامة، إلا أنه حين اتسع جغرافيًّا وتحول إلى احتجاجات جماهيرية في بعض المدن، اكتسب طابعًا احتجاجيًّا أقرب إلى هبّة شعبية، مع ارتفاع ملحوظ في مستوى مشاركة الفئات الاجتماعية الأدنى وانخراط مناطق فقيرة.
وأشار خدّيو إلى أن احتجاجات عام 2019، التي اندلعت على خلفية رفع أسعار الوقود، كانت بدورها ذات جذور اقتصادية وعمّالية أعمق مقارنة بحركات احتجاجية سابقة، مثل أعوام 1999 (الطلابية) و2009 (الاحتجاج على نتائج الانتخابات الرئاسية)، معتبرًا أن المسار العام للاحتجاجات منذ عام 2009 يعكس تدهورًا تدريجيًا في البنية الاقتصادية للمجتمع الإيراني.
وأوضح خدّيو أن تفكك القدرة المالية للأسر، في ظل الأزمة الاقتصادية المستمرة، أدى إلى سقوط متدرج للطبقة الوسطى، حيث انزلقت شرائح واسعة من هذه الطبقة، وحتى من الشرائح الأعلى دخلًا، نحو الفئات الدنيا. ولفت إلى بروز ظاهرة اجتماعية جديدة يمكن تسميتها بـ"الطبقة الوسطى الفقيرة"، وهي فئة تضم أفرادًا يتمتعون بتعليم عالٍ، ويحملون ثقافة وقيم الطبقة الوسطى، وكانوا يتمتعون سابقًا بمستوى معيشة أفضل، لكنهم اليوم تراجعوا إلى أدنى السلم الاقتصادي. واعتبر المتحدث ذاته أن القاعدة الاجتماعية لكل من احتجاجات السنوات الماضية، والاحتجاجات الجارية حاليًا، يمكن تفسيرها بوصفها خليطًا من الطبقة الوسطى المتراجعة، والشرائح الفقيرة، مع فئات هجينة مثل "الطبقة الوسطى الفقيرة".
وبيّن الخبير الإيراني أن الفارق الجوهري بين الاحتجاجات الراهنة واحتجاجات عام 2022 يتمثل في أن المحرّك الأساسي للتظاهرات خلال الأيام الأخيرة هو التضخم وغلاء المعيشة والأزمة الاقتصادية، مؤكدًا أن يد الحكومة تبدو "مكبّلة بالكامل"، ولا يَظهر أنها قادرة على تقديم حلول سريعة ومقنعة لتهدئة الشارع.