أقلام وأراء

الثّلاثاء 17 فبراير 2026 10:52 صباحًا - بتوقيت القدس

فلسطين بين الحق الأصيل وتشريع الضمّ: حين تتحول القوة إلى قانون...!

ليس الصراع على فلسطين خلافاً حول تسمية جغرافية، بل هو نزاع عميق حول مصدر الشرعية: أهو حقٌّ أصيل متجذر في الأرض والهوية والتاريخ، أم حقٌّ يُنشأ بفعل القوة ويُكسى بثوبٍ تشريعي ولاهوتي؟

الفلسطيني الذي عاش أجداده في هذه البلاد قروناً متصلة يستمد شرعيته من وجود تاريخي واجتماعي ثابت، ومن حق تقرير المصير الذي أقرّته المواثيق الدولية.

في المقابل، نشأ المشروع الصهيوني في سياق أوروبي استعماري، وجمع بين القومية الحديثة وتوظيف السردية الدينية، وصولاً إلى قيام إسرائيل كأمر واقع سياسي.

تاريخياً، لم تكن فلسطين أرضاً بلا شعب. تعاقبت عليها حضارات متعددة، وبقي سكانها المحليون يشكلون نسيجها الحيّ.

صحيح أن بعض اليهود العرب عاشوا في فلسطين في فترات تاريخية، كما عاش فيها غيرهم، لكن الوجود الديني أو التاريخي لا يتحول تلقائياً إلى سيادة سياسية بعد انقطاع طويل، وإلا لانهارت قواعد الاستقرار الدولي المعاصر.

إن التاريخ يثبت التعدد والاستمرارية، ولا يمنح امتيازاً حصرياً لجماعة بعينها.

قانونياً، أكدت قرارات الأمم المتحدة مبدأ عدم جواز الاستيلاء على الأراضي بالقوة، وأقرت بحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره.

والضفة الغربية بما فيها القدس الشرقية، وكذلك قطاع غزة، تُعد أراضي محتلة منذ عام 1967 وفق القانون الدولي، وتخضع لأحكام اتفاقية جنيف الرابعة التي تقيّد سلطة الاحتلال وتمنعها من تغيير الوضع القانوني للإقليم أو ضمّه.

سلطة الاحتلال، بحكم تعريفها، مؤقتة ومحدودة، ولا تملك نقل الملكية أو فرض السيادة الدائمة.

في هذا السياق يأتي ما أقرّه الكنيست في 15 فبراير الجاري بشأن البدء بإجراءات تسوية وتسجيل أراضي الضفة الغربية باعتبارها "أراضي دولة" أو "أملاكاً حكومية إسرائيلية".

هذا القرار لا يُعد إجراءً إدارياً محايداً، بل خطوة سياسية ذات أبعاد قانونية خطيرة، تمهّد لتحويل الأرض من وضعية الاحتلال المؤقت إلى ضمٍّ فعلي مقنّع.

فتصنيف الأرض كملكية حكومية إسرائيلية يفترض السيادة، والسيادة لا تنشأ من الاحتلال.

إن تشريع الضمّ داخلياً لا يمنح شرعية دولية. فالقانون الوطني، مهما بلغت قوته داخل الدولة، لا يسمو على القواعد الآمرة في القانون الدولي.

وإذا كان المجتمع الدولي قد أرسى بعد الحرب العالمية الثانية قاعدة حظر اكتساب الأراضي بالقوة، فإن تجاوزها اليوم يفتح الباب لتآكل النظام القانوني الدولي برمّته.

وعليه، فإن أي قرار يتجاوز صلاحيات سلطة الأمر الواقع ويكرّس ضمّاً أحادياً يظل باطلاً من منظور الشرعية الدولية، حتى وإن نُفّذ على الأرض.

الخطورة في القرار لا تكمن فقط في أثره القانوني، بل في ما يحمله من دلالة سياسية: الانتقال من إدارة احتلال إلى تثبيت سيادة أحادية، بما يعني تقويض أي أفق لتسوية عادلة قائمة على الاعتراف المتبادل. فحين تتحول أرض الفلسطيني إلى "أرض دولة" بقرار برلماني إسرائيلي، يُعاد تعريف صاحب الأرض من مالكٍ أصيل إلى مقيمٍ تحت إدارة تدّعي الملكية.

هنا يتجسد جوهر الصراع بين حق طبيعي متجذر، وحق مفترض يستند إلى منطق السيطرة.

خلاصة القول:

إن جميع الإجراءات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية المحتلة — في الضفة الغربية بما فيها القدس الشرقية، وفي قطاع غزة — تبقى، من منظور القانون الدولي، إجراءات باطلة ولا يترتب عليها أثر قانوني يُعتد به.

فهي أراضٍ محتلة تمثل إقليم دولة فلسطين المحتلة، الدولة التي حظيت بصفة دولة مراقب غير عضو في الأمم المتحدة، واعترفت بها أكثر من 160 دولة حول العالم.

إن سيادة دولة فلسطين على هذه الأراضي سيادة قانونية قائمة، وإن كانت معطلة بفعل الاحتلال.

وعليه، فإن قرارات الضمّ، أو إعادة تصنيف الأراضي، أو فرض القوانين الإسرائيلية على الإقليم المحتل، لا تغيّر من الطبيعة القانونية لهذه الأراضي، ولا تنشئ حقاً سيادياً لإسرائيل عليها.

 الباطل لا يتحول إلى حق بمرور الزمن، والاحتلال لا ينقلب إلى سيادة بالتشريع.

 سيبقى الحق الفلسطيني ثابتاً، تؤيده قواعد الشرعية الدولية، ويعضده الاعتراف الدولي المتزايد بدولة فلسطين، إلى أن يُرفع الاحتلال وتُستعاد الأرض إلى أصحابها وفق مبادئ العدالة والقانون.

أقلام وأراء

الثّلاثاء 17 فبراير 2026 10:51 صباحًا - بتوقيت القدس

تطبيع الظلم… ولم تنتهِ حلول الأرض

ليس السؤال اليوم هل تعاني السلطة الفلسطينية أزمة مالية؟ فهذا بات معلومًا، مُكرَّرًا، ومُستهلكًا في الخطاب العام. السؤال الحقيقي، والأكثر خطورة ووجعًا هو: من يتحمّل أصلًا كلفة الاحتلال؟

وفق كل القوانين الدولية، وكل الأعراف الإنسانية، وكل السوابق التاريخية، فإن الدولة المحتلّة تتحمّل كامل المسؤولية عن السكان الواقعين تحت احتلالها: الصحة، التعليم، البنية التحتية، المياه، الكهرباء، الخدمات الأساسية، وحقوق الإنسان اليومية. هذا ليس رأيًا سياسيًا، ولا توصيفًا خطابيا، بل نصٌّ صريح في القانون الدولي الإنساني.

لكن في الحالة الفلسطينية، جرى ما لم يجرِ في أي احتلال آخر في العالم: الاحتلال انسحب من فاتورة المسؤولية… وبقي ممسكًا بكل أدوات السيطرة.


سلطة بلا سيادة… ومسؤوليات بلا صلاحيات


حين أُنشئت السلطة الفلسطينية، لم تُنشأ كدولة مستقلة، ولا حتى كإدارة ذات سيادة. أُنشئت كجسم إداري مؤقت، يعمل في ظل الاحتلال، وضمن اتفاقيات دولية، على أن يُموَّل عبر المنح والمساعدات الدولية، باعتبار أن الاحتلال ما زال قائمًا، وأن المسؤولية النهائية ما زالت عليه. لكن الذي حدث تدريجيًا، وشيئًا فشيئًا، وبهدوء شديد، تراجعت المساعدات، جفّ التمويل الخارجي، تحوّلت المنح إلى قروض، ثم تحوّل التمويل إلى ضرائب تُجبى من المواطن الواقع تحت الاحتلال.

وهنا بدأت الكارثة الأخلاقية والسياسية. أصبح المواطن الفلسطيني يدفع فاتورة الرواتب والنفقات التشغيلية، بدلًا عن المحتل.

اليوم، المواطن الفلسطيني يُطالَب بأن يدفع كأنه يعيش في دولة مستقلة مكتملة السيادة، بينما هو في الحقيقة يعيش تحت احتلال كامل، لا يسيطر على معابره، ولا على موارده، ولا على أرضه، ولا على اقتصاده، ولا حتى على قراره المالي.

ومن ذلك، يدفع ضريبة دخل، يدفع ضريبة قيمة مضافة، يدفع رسوم خدمات، ثمن الماء والكهرباء، أقساط التعليم، يدفع ثمن العلاج، ويُموِّل – بشكل مباشر أو غير مباشر – رواتب الموظفين والنفقات التشغيلية. النتيجة تحوّل الاحتلال إلى مشروع منخفض الكلفة، وتحوّل المواطن إلى مموِّل دائم لحالة قهره.


أخطر ما في الأزمة: تطبيع الظلم


الأخطر من العجز المالي، ليس تأخر الرواتب، ولا ارتفاع الديون، بل أن يصبح دفع ثمن الاحتلال أمرًا طبيعيًا، وأن يتحول السؤال من: لماذا لا يدفع الاحتلال؟ إلى: لماذا لا يتحمّل المواطن أكثر؟

هذا ليس فقط إنهاكًا اقتصاديًا، بل كسرٌ بطيء للإرادة المجتمع، وتآكل صامت في معنى الصمود، وتحويل تدريجي للقضية من قضية تحرر… إلى أزمة رواتب.

الأزمة المالية الفلسطينية لا يمكن، ولا يجب فصلها عن السياق القانوني للاحتلال. وأي معالجة لا تعيد التأكيد على مسؤولية الاحتلال القانونية، وعدم شرعية نقل الأعباء إلى السكان الواقعين تحت السيطرة، ستبقى معالجة ناقصة، بل ومضلِّلة. إعادة تصويب النقاش المالي الفلسطيني ليست مسألة محاسبية، بل ضرورة قانونية وسياسية،تحمي المواطن من تحمّل كلفة وضع لم يختره، ولم يكن مسؤولًا عن استمراره.

في خضم هذه الأزمة، يخرج من موقع المسؤولية من يصرّح، بأن “حلول الأرض انتهت”، وكأن ما نعيشه قدرٌ مالي لا فكاك منه، أو سقفٌ نهائي لا يمكن تجاوزه. حتى لو افترضنا حسن النية، وصدق الخطاب المالي، فإن الصدق وحده لا يصنع حلولًا، ولا يُعفي المنظومة من مسؤولية البحث عن بدائل وطنية. هنا يجب التمييز بوضوح لا لبس فيه، بين نفاد الحلولٍ لدى بعض صُنّاع القرار، وبين الادّعاء بأن حلول الأرض نفسها قد نفدت. فالأرض التي ما زالت تُنتج، والشعب الذي ما زال يعمل، والاقتصاد الذي ما زال حيًّا رغم القيود، لم تستنفد إمكانياتها. ما استُنفد هو منطق إدارة الأزمة بدل مواجهتها، ومنطق التكيّف مع الاختناق بدل كسره.


حلول الأرض لم تنتهِ… لكن الجرأة غابت


الحقيقة التي يجب أن تُقال دون مواربة: هناك العديد من المسارات الواقعية للخروج من الأزمة المالية الفلسطينية، لكنها تحتاج: قرارًا وطنيًا شجاعًا، رؤية استراتيجية طويلة المدى، واستعدادًا لتحمّل كلفة المواجهة السياسية لا ترحيلها للمواطن، وبناء استراتيجية وطنية لاستقلال الموارد الفلسطينية تدريجيًا. إعادة الاعتبار للاقتصاد الفلسطيني الإنتاجي بدل الارتهان للاستهلاك. تقليص التبعية القسرية لمنظومة الاحتلال الاقتصادية. استثمار الموارد المتاحة رغم القيود، لا الاستسلام لها. والأهم: إعادة تحميل الاحتلال تبعات خسائره القانونية والاقتصادية بدل دفعها من جيب المواطن.


إدارة دولة تحت احتلال… لا إدارة أزمة


المطلوب اليوم ليس إدارة أزمة رواتب، ولا تخفيض سقف التوقعات، ولا تعميم خطاب العجز، بل الانتقال إلى منطق: إدارة وطنية لشعب يعيش تحت الاحتلال.

إدارة تُصارح الناس، تُرتّب الأولويات، تحمي الفئات الأضعف، وتبني شراكة مجتمعية لا علاقة جباية. فالصمود لا يُبنى بالضرائب وحدها، بل بالعدالة، والثقة، والإحساس بأن المواطن ليس الحلقة الأسهل للكسر. لا يمكن لشعبٍ تحت الاحتلال، أن يُطالَب بتمويل احتلاله، ولا أن يُحمَّل فوق قهره قهرًا ماليًا دائمًا.

ليست المشكلة أن الأرض جفّت، ولا أن الحلول نفدت، ولا أن الشعب استُنزف بالكامل. المشكلة أن هناك من يريد إدارة واقع بلا أفق، بدل بناء أفق ولو كان صعبًا.

والحقيقة التي يجب أن تبقى حاضرة دائمًا: حلول الأرض لم تنتهِ… لكنها تحتاج من يملك الجرأة، والقرار الوطني، والاستعداد لوقف نقل كلفة الاحتلال إلى المواطن.

أقلام وأراء

الثّلاثاء 17 فبراير 2026 10:50 صباحًا - بتوقيت القدس

"جَمْر الكلام" الذي يضيء الشِعر

صدر كتاب جديد للمبدع وحيد تاجا، بعنوان"جمر الكلام"، ضمّ قرابة ثلاثين لقاء، مع عدد من الشعراء والنقاد الفلسطينيين، على اختلاف أجيالهم وتجاربهم، مقدّما حمولة متنوعة، ستساهم، بالضرورة، في فهم وإضاءة وتفكيك الشِعر الفلسطيني، عبر أعوامه الستين الأخيرة.

ومع أنّ الصديق تاجا افتتح كتابه بغير سؤال "ثقيل"، وأشار إلى خلاصات شبه نهائية، إلا أنه دعا القارئ إلى استخلاص الإجابة على تلك الأسئلة، وتبيان صحّة الاستخلاصات، من تضاعيف الإجابات التي قدّمها مَن حاورهم..مع أنّ المقابلات ليست على وتيرة واحدة. وعزاؤه أنه يريد أن يتتبّع الخطّ التاريخي "الكرنولوجي" للشِعر، ويُظْهر تحوّلاته..فكانت بعض "العيّنات"، على قلّتها، لا تعبّر، بالفعل، عن حقيقة وصفاء وامتلاء نهر الشِعر، الذي خاضه الشعراء المكرّسون بجدارة حاسمة.

إن الشِعر الفلسطيني قد تميّز بأنه ذو خلفيات ومرجعيات كثيرة، بسبب الشتات مرّة، وبسبب الأيديولوجية مرّة أخرى، وبسبب السياسة أيضاً. ولهذا فإنه ليس نسيجاً واحداً أو تجربة واحدة. فالتحديات المختلفة والقضايا المتعددة التي فرضت نفسها على هذا الشِعر، جعلت منه متعددَ الأشكال والأساليب والذروات. ويكاد لا يَجمَع بين هذا الشِعر سوى مقاربته للقضية الوطنية على تفاوت هذه المقاربة.

إن القصيـدة التي ولـدت في الأرض المحتلة بعـد احتلال العام (1967)، كانت بصورة أو بأخرى، قصيدة الجماعة وقصيدة المكان وقصيدة التحريض بشكلها المهم، وبهذا الصدد يمكن القول؛ إن الواقع كان يقدم نماذج مذهلة في عبقريتها وتعبيرها عن روح الجماعة، الأمر الذي جعل من القصيدة - بشكل عام، تظل أقل بهاءً وحضوراً من النموذج - بمعنى آخر، ليس هناك معادل موضوعي للحياة أبداً، الفن صورة مختصرة، فيها حذف كثير وفيها اقتصاد كثير وفيها تعمّد كثير. وفيما نقدم الحياة نفسها مرة واحدة بكامل التفاصيل مشعلة جميع الأحاسيس، فإن الفن يكتفي من كل ذلك البهاء بإطار واحد يحاول تجميع الصورة الأولى.

وبعد العام (1993أوسلو)، وما جرى من زعزعة المفاهيم وموت بعض القديم وميلاد جديد آخر، وتغيّر المزاج واللغة والمصطلح والمرجعيات، وما طرأ على المجتمع الفلسطيني من تغيرات بنيوية، فإن القصيدة الفلسطينية في الداخل- حيث طعمت بأصوات وتجارب جديدة عليها- واجهت قضايا ومسائل أخرى مختلفة، كان عليها أولاً أن تتوازن؛ بمعنى البحث عن لغة جديدة وآفاق جديدة ومرافئ للعودة إليها، وكان عليها أن تردّ، بشكل أو بآخر، على تحديات من نوع ثقافي لم تتعوّد عليه، كالعلاقة مع الآخر، والعلاقة مع السلطة، وكان عليها، أيضاً، أن تقارن نفسها بالتجارب العالمية التي ذهبت بعيداً بالتجربة الشعرية. بعد العام (1993) كان هناك مخاض على المستوى السياسي والاجتماعي، والشِعري، أيضا.

ما نريد أن نصل إليه، هو أن المقاربة النقدية بما تتضمن من عمليات تحليل وتفكيك وتقييم للشِعر الفلسطيني، وخاصة شعر الداخل (الضفة والقطاع والأرض المحتلة العام 1948)، يجب أن تكون نابعة من البيئة التي صدر منها هذا الإبداع الشِعري، بمعنى أن النقد يجب أن يستخدم ذات المصطلحات وذات المزاج وذات القضايا التي تناولها النص المقارَبْ.

وعليه فإن المقاربة النقدية لمثل هذا الأدب الخاص، المحكوم بالزمان والمكان والظرف التاريخي والحضاري، يجب أن تنبع من داخله، ومن شروطه، ومن نسقه العام.

إنّ المنهج الخاص، والخاص جداً، الذي نحاول الإمساك به أو الإشارة إلى ملامحه يتمثل في أبعاده الثلاثة: السيكولوجية، والتاريخية، والسوسيولوجية. هذه الأبعاد التي تضمّها روح الجماعة، حيث تسيطر هذه الروح طيلة الوقت على معظم النتاج الشعري الفلسطيني، وكأنّها كلمة السرّ في ذلك النتاج.

المنهج الخاص يعني فهم الظاهرة من الداخل وليس من الخارج. ولأنّ الإبداع الشِعري الفلسطيني في الأرض المحتلة، كان إلى هذه الدرجة خاصاً، ومختلفاً، كان لا بدّ للمنهج النقدي أو يكون، أيضاً، إلى ذلك الحدّ خاصّاً ومختلفاً. وأعتقد أن "الشهادات" التي قدّمها معظم الشعراء والنقاد في هذا الكتاب، تتماهى مع ما ذهبنا إليه، وتشفع له وتؤكّده.

فالمنجز الشِعري الفلسطيني، وخلال السنوات الأربعين الماضية، التي بدأت متفائلة وانتهت إلى نبرة التساؤل أو التشاؤم، كانت بحقّ خير دليل سوسيولوجي وتاريخي على التحوّلات العميقة التي أصابت البنى الفكرية والثقافية والسياسية في فلسطين والعالم العربي.

كان شكل القصيدة ولغتها وموسيقاها وصورتها الشعرية تعبيراً عن تغيّر تاريخي بالأساس. هذا التغيّر الذي خلق صورة شِعرية هي جزء من رؤية العالم الذي تغيّر، هذا ما حاولنا أن نتتبعه وأن نلمسه وأن نتذوقه.

 ستظلّ في بالنا مناهج النقد ولكن - بالدرجة نفسها- ينبغي أن تبقى عيوننا وقلوبنا على النصّ.

والآن؛ وبعد هذا العدوان على غزّة، وبعد ما أفرزته نظرية الرّعب الصهيونية من نتائج، وما آلت إليه الحال في قطاع غزّة..سنرى واقعا جديداً مخيفا وصادما، وسنقرأ نصوصا، وستُكتب أخرى، ستكون معجونة بالدماء والهباء، كما ستكون مطعّمة بالأساطير والحدّة والمفارقات والذهول..ما يجعلنا لا نتعجّل في إطلاق أيّ حُكمٍ نقدي، لأن ذلك استباقا للحقيقة، على رغم توفّر كمٍّ كافٍ من الشواهد الإبداعية، التي تمثّل إرهاصات لظاهرة جديدة في الأدب الفلسطيني،هي "أدب الحرب"..مع أنني كتبت عن "شعراء غزة،الآن".

وأُكرر؛ ما الذي يجعل من إبداعٍ ما..شِعراً؟ علماً أن النقّاد القدماء والمحدثين قد أشبعوا هذا السؤال أجوبةً، جعلت للشِعر تعريفات بعدد البشر! إضافةً إلى أنهم، قديماً، ميّزوا بين النَّظم والشِعر، على اعتبار أن الوزن الشعري لا يكفي وحده لأن يجعل من النّظم شِعراً، وعلى أساس أن ثمة عناصر لا بدّ إلاّ أن تتوفر في "البناء" حتى نشير أليه ب "الشِعر".

ومنذ عقود؛ تتباين الآراء حول قصيدة "النثر"، وتتقاطب ما بين معترف بها، بشروط صارمة، وما بين ناظرٍ إليها باعتبارها نصّاً أدبياً لم يرقَ إلى مجد الشِعر، لأنها لم تنهض على قوام التفعيلة وبحور الخليل، وكأن الموسيقى هي الشرط الأكبر والأساس لأن تكون هذه الكتابة شِعراً! وباعتقادي، فإن قصيدة "النثر" ما زالت تُكابد على طريق شرعنة ذاتها، ولم تتوصّل بعد إلى شاطئ يجمع شعث الآراء المتباعدة حولها، حتى وهي تعترف جميعها بهذا النوع من الكتابة، ذلك أن قصيدة النثر لا شكل نهائي لها، ولا حدود لها، حتى اللحظة، إذ نرى هذه القصيدة تتزيّا مرّة ب "الهايكو" أو"القصّ" أو "التدوير"..لتصل إلى "الكُتلة"، وتتكئ كثيراً على أشكال الإبداع الأخرى، وتقدّمه على اعتبار أنه قصيدة "حداثية"، لا يحقّ لناقدٍ أن ينال من شرعيتها، أو من حقّ الشاعر في أن يذهب عميقاً في "التجريب"، وكأنه سابق لعصره. مع أنّ الحداثة "موقف"، وليست "زمن".

إن ضرورة التجريب، والحرية المقترنة، أبدياً، مع الإبداع، تعني معرفة ووعي أدواتنا التي سنشكّل بها ملامح كتابتنا، ونبني عوالم إبداعنا، الذي يتغيّا سلامة كلّ خليةٍ ولونٍ وحرفٍ وإيقاعٍ واستطالة، في سياق الانسجام والتكامل..ما لم نتجرّأ على أُسس واجبة صارمة، هي أرض الكتابة، إلاّ إذا كنّا نقصد "دادائيّة" جديدة، قد لا نعرف دوافعها ومقاصدها، أو نقصد ترجمات يقوم البعض بتحويرها، ثمّ يتبنّاها باعتبارها نصّه الخاص!

وإن الموسيقى في الشِعر ليست إيقاعا فحسب، إنها روح الزمن الذي يصعد إلى المتن، ويعبّر عن اللحظة ويعرّفها. وللحديث بقيّة، إن لزم الأمر.

شكرا جميلا للمبدع الصديق وحيد تاجا على انشغاله بالأدب الفلسطيني، علما أنه سبق وأصدر كتابه المميز"الرواية الفلسطينية - حوارات نقدية"، ليكمل دائرة الضوء على مشهد الأدب، عبر مجترحيه من المبدعين الفلسطينيين. 

أقلام وأراء

الثّلاثاء 17 فبراير 2026 10:49 صباحًا - بتوقيت القدس

نحو ترسيخ ثقافة الكرامة..حين يصان الإنسان يقوى الوطن

د. سارة محمد الشماس: باحثة وكاتبة في التراث والعلوم التربوية


ليست قوة الأمم في علو أبراجها، ولا في اتساع اقتصادها، ولا في تضخم أرقامها المالية فحسب؛ بل في المكانة التي تمنحها للإنسان. فالمجتمع الذي يصون كرامة أفراده ويحفظ حقوقهم هو مجتمع متماسك في عمقه، ثابت في قيمه، وقادر على مواجهة التحديات بثقة. أما حين تنتهك الكرامة، فإن التصدع يبدأ من الداخل، حتى وإن بدا البناء من الخارج متينًا. فالكرامة ليست قيمة فردية فقط، بل هي الأساس الأخلاقي الذي يقوم عليه استقرار المجتمع ونهضته. وقد أكد الإعلان العالمي لحقوق الإنسان حقيقة إنسانية راسخة مفادها أن جميع الناس يولدون أحرارًا ومتساوين في الكرامة والحقوق، غير أن قوة هذا المبدأ لا تكمن في وجوده كنص قانوني، بل في تحوله إلى ثقافة يومية وممارسة واعية، تتجلى في أسلوب تعاملنا، وفي احترامنا للآخرين، وفي وعينا بأن لكل إنسان قيمة لا يجوز المساس بها.

تبدأ الكرامة من التربية، فهي ليست قرارًا يفرض، ولا مفهومًا يكتسب فجأة، بل قيمة تتشكل عبر سنوات من التنشئة الواعية. ففي الأسرة، يتعلم الطفل أول معاني الاحترام، حين ينصت إليه، وتحترم مشاعره، ويعامل بعدل وإنصاف. هذا الشعور يمنحه ثقة بنفسه، ويزرع في داخله وعيًا بقيمته الإنسانية. فالطفل الذي ينشأ في بيئة تحفظ كرامته يكبر وهو قادر على احترام الآخرين، ومدركًا أن الاحترام ليس ضعفًا، بل قوة أخلاقية تعكس نضج الإنسان ووعيه. أما حين يتربى الطفل على الإهانة أو التهميش، فإن ذلك يترك أثرًا عميقًا في شخصيته، ويؤثر في نظرته لنفسه وللعالم من حوله، مما يجعل التربية القائمة على الاحترام حجر الأساس في بناء مجتمع متوازن وقوي.

تأتي المدرسة لتكمل هذا الدور، وتبرز هنا أهمية مناهج الدراسات الاجتماعية بوصفها أداة لبناء الوعي، لا مجرد مادة للحفظ. فهي لا تقدم معلومات فقط، بل تغرس في الطالب معنى المواطنة، وتعرّفه بالحقوق والواجبات، وتزرع فيه قيم العدالة والمساواة. ومن خلال دراسة التاريخ والتجارب الإنسانية، يدرك الطالب أن انتهاك الكرامة ليس موقفًا عابرًا، بل قضية تمس استقرار المجتمعات بأكملها. كما أن الحوار داخل الصف، واحترام الرأي المختلف، يمثل تدريبًا عمليًا على الممارسة الحضارية، ويؤسس لإنسان واعٍ يؤمن بأن احترام الكرامة هو أساس التعايش والاستقرار.

حين تتحول الكرامة إلى ممارسة يومية، يظهر أثرها بوضوح في حياة الأفراد والمجتمع. فالطالب الذي يشعر بالاحترام يصبح أكثر ثقة ومشاركة، والموظف الذي تقدر جهوده يعمل بروح الانتماء، والمواطن الذي تصان كرامته يكون أكثر حرصًا على خدمة وطنه. وتتجلى هذه القيمة في تفاصيل بسيطة لكنها عميقة الدلالة، كاحترام الكبير، والاعتذار عند الخطأ، والتعامل مع الآخرين بلغة تقدير وإنسانية. فهذه السلوكيات اليومية، رغم بساطتها، تعكس مستوى وعي المجتمع ونضجه.

في زمن التواصل الرقمي، أصبحت الكرامة أكثر عرضة للاختبار، حيث يمكن لكلمة واحدة أن تنتشر بسرعة وتترك أثرًا عميقًا في نفس الإنسان. لذلك، لم يعد احترام الكرامة مقتصرًا على الواقع المباشر، بل أصبح ضرورة في الفضاء الرقمي أيضًا. فالحرية في التعبير لا تنفصل عن المسؤولية الأخلاقية، والكلمة التي نكتبها قد تكون سببًا في رفع معنويات إنسان أو جرحه. ولهذا، فإن الوعي بقيمة الكرامة يجب أن يبقى حاضرًا في كل أشكال التواصل، لأن الاحترام لا يتجزأ.

تعد الكرامة أساس الشعور بالانتماء، فعندما يشعر الإنسان أن حقوقه مصونة، يزداد ارتباطه بوطنه، ويكون أكثر استعدادًا للعطاء والمشاركة. فالكرامة تولد الثقة، والثقة تعزز التعاون، والتعاون يقود إلى التقدم والاستقرار. أما حين تهدر الكرامة، فإن الإحباط يتسلل إلى النفوس، ويضعف الانتماء، ويتراجع الشعور بالمسؤولية. لذلك، فإن الاستقرار الحقيقي لا يتحقق بالقوة وحدها، بل بالعدالة والاحترام، لأنهما يشكلان الأساس المتين لأي مجتمع مستقر.

إن ترسيخ ثقافة الكرامة مسؤولية مشتركة تبدأ من الأسرة، وتتعمق في المدرسة، وتتجلى في المجتمع، لكنها في جوهرها مسؤولية فردية. فكل كلمة نقولها، وكل موقف نتخذه، يعكس وعينا بقيمة الكرامة. واحترام الآخرين ليس خيارًا ثانويًا، بل هو انعكاس حقيقي لوعي الإنسان ونضجه.

فالكرامة ليست مفهومًا نظريًا، بل أسلوب حياة يتجلى في السلوك اليومي. وحين نحفظ للإنسان كرامته، فإننا لا نحمي فردًا فقط، بل نبني مجتمعًا أكثر تماسكًا، ووطنًا أكثر قوة، ومستقبلًا أكثر استقرارًا.

الكرامة أولًا.. بها يسمو الإنسان، وبها يقوى الوطن، وبها تبنى الحضارات التي تبقى راسخة مهما تغيرت الظروف.


أقلام وأراء

الثّلاثاء 17 فبراير 2026 10:48 صباحًا - بتوقيت القدس

تأثير العدوان على المشهدين الثقافي والحضاري في غزة

قد يبدو الحديث عن الثقافة والفن في زمن القصف والدمار وكأنه خيانة للواقع، أو ترفٌ لا يليق بظل المجازر والدم النازف. لكن، في خضم المجزرة التي يرتكبها الاحتلال الإسرائيلي بحق الفلسطينيين، ينهض سؤال أكثر جذرية: هل الحديث عن الثقافة أمر غير أخلاقي؟ أم أن التمسك بها هو من أشكال المقاومة القليلة التي لا يمكن قصفها؟

في كل نضال خاضته الشعوب من أجل البقاء، كانت الثقافة في صميم المعركة لا على هامشها. من جنوب أفريقيا، إلى الجزائر، إلى أميركا اللاتينية، وحتى في قلب أوروبا زمن الحرب، لم يتوقف الشعراء عن الكتابة، ولا الفنانون عن الرسم، ولا المسرحيون عن الوقوف على الخشبة، ذلك لإداكهم أن المعركة الحقيقية لا تُخاض فقط بالسلاح، بل في حقل المعنى، والمعنى هو جوهر الثقافة، فالثقافة ليست ترفًا، بل هي شرط من شروط الوجود، فحين يُقال إن الفن ترف، يُفترض ضمنًا أنه بعيد عن الجوع، والسياسة، والألم، والاحتلال. لكن الحقيقة أن الثقافة هي ما يُبقي الشعوب متماسكة حين تتكسر المدن؛ إنها البنية الرمزية التي تحفظ الذاكرة وتُعيد ترتيب الفوضى.


عدوان ممنهج على الذاكرة والبنية الثقافية

منذ نكبة 1948، استهدفت العصابات الصهيونية المنجز الحضاري والثقافي الفلسطيني، فمحَت الحواضر، وهدمت المكتبات، وطمست المعالم. ويكفي أن نعلم أن مدينة يافا، التي كانت عاصمة للثقافة العربية قبل الاحتلال، تعرضت لعملية محو ممنهجة شملت شوارعها ومكتباتها ومسارحها وإرثها الحضاري.

واليوم، في ظل المقتلة التي يعيشها قطاع غزة بفعل العدوان الإسرائيلي المتواصل، يتكرر المشهد نفسه لكن بأدوات أكثر تدميرًا. فالعدوان الأخير لم يضرب فقط البيوت، بل دمّر بنية ثقافية عريقة لطالما تميز بها هذا القطاع الصغير في الجغرافيا، الكبير في رمزيته وتاريخه.


أولاً: تدمير البنية التحتية الثقافية

تعرّضت مراكز ثقافية ومكتبات عامة ومسارح ومتاحف للقصف الكلي أو الجزئي. مراكز كانت تحتضن العروض والمواهب والذاكرة، سُويت بالأرض، أُغلقت مدارس الفنون والموسيقى، وتوقفت أنشطة ثقافية كانت تُعد متنفسًا وحاضنة لأجيال من المبدعين.


ثانياً: تقييد حرية التعبير

في زمن الحرب، تصبح حرية التعبير مهددة من جهات متعددة: الخوف من القصف، الرقابة الاجتماعية، والانهيار العام في بنية الحياة. كثير من الفنانين والكُتّاب باتوا عاجزين عن التعبير، بعضهم يمارس رقابة ذاتية خشية أن يُساء فهم عمله الفني. يقول أحد الرسامين في غزة:

"لا أستطيع رسم ما أشعر به، لأن اللوحة قد تُفسَّر كتهديد، أو تُستخدم ضدي".

ثالثاً: ضياع التراث المادي وغير المادي

تعرضت مواقع تاريخية في غزة لأضرار مباشرة منها بيت العَلَمي في حي الشجاعية، ومسجد السيدة رقية الذي يعود لمئات السنين، إذ إن القصف لم يميز بين الحجر والبشر، فطال المعالم التي تحفظ ذاكرة المكان.

أما التراث غير المادي، من حكايات وأغاني وأمثال ولهجات، فقد بدأ يتآكل، فقد أدى النزوح والخوف وغياب البيئة الداعمة، أدى إلى تراجع حضوره في الحياة اليومية. تقول الدكتورة نهى عطا الله، أستاذة التراث الشعبي: "في كل مرة تُقصف فيها غزة نخسر شيئاً من ذاكرتنا، ليس فقط البيوت بل الأغاني والقصص واللهجات والمناسبات".

رابعاً: مقاومة ثقافية رغم الدمار

ورغم كل هذا، لا تزال غزة تُبدع من قلب الرماد؛ الفنانون يرسمون على الجدران المهدّمة، الشعراء يكتبون في الظلام وناشطون يطلقون مبادرات مثل "فن على الحيطان" و"غزة تقرأ"، في محاولة لصون الهوية من وسط الأنقاض.

تقول الشاعرة إسراء حلس: "نحن لا نكتب شعراً فقط، نحن نكتب وجودنا. فالكلمة عندنا ليست ترفاً، بل أداة بقاء".

تُشير تقارير "اليونسكو" إلى أن أكثر من 50 منشأة ثقافية دُمّرت أو تضررت خلال العدوان الأخير، من بينها مركز رشاد الشوا، أحد أبرز مراكز الثقافة في القطاع. هذا ليس "أضرارًا جانبية"، بل استهداف ممنهج للذاكرة.


نحو دعم ثقافي وإنساني حقيقي

ورغم كل الخراب، لم يستطع الاحتلال أن يُطفئ نور الثقافة في غزة، ولا أن يصادر الحكاية. فهذه الأرض التي تنزف كل يوم، ما زالت تُنجِب شعراء، وتُقيم المعارض على الركام، وتُعيد رسم الذاكرة فوق الجدران المهدّمة.

الثقافة هنا ليست زينة، ولا رفاهية، بل فعل مقاومة يومي ولغة للبقاء نتمسك بها كي لا ننكسر، ونكتب كي لا نُمحى.

وفي ظل استمرار المجزرة، وعشرات آلاف الشهداء من أطفال ونساء وعُزّل، ومئات آلاف الجرحى والمشرّدين الذين سُلبت منهم بيوتهم ومساحاتهم الآمنة، بات واضحًا أن غزة لم تَعُد تصلح للعيش!  لكننا، رغم ذلك، نعيش. نُصرّ على أن نحيا، ليس فقط بالخبز والماء، بل بالمعنى.

ولأن الثقافة لا تُبنى على أنقاض القهر وحدها، بل تحتاج إلى رئة تتنفس منها، فإن الحاجة اليوم ملحّة أكثر من أي وقت مضى إلى:

- دعم حقيقي لإعادة تأهيل المراكز الثقافية، ليس كترف، بل كضرورة لإعادة بناء الإنسان.

- إطلاق برامج بالشراكة مع "اليونسكو"، "الألكسو"، وغيرها، لترميم ما تهدّم، وتدريب جيل جديد على الفنون والإبداع كوسيلة للشفاء من الندوب.

- حفظ التراث غير المادي، عبر مشاريع توثيق رقمية، حتى لا تتبدد وتتلاشى الحكايات في هواء الشتات.

- إنشاء منصات إلكترونية للفن والأدب الفلسطيني، كي يكون لمن تبقّى من كتّاب وشعراء ورسامين صوت يسمعه العالم، بعيدًا عن ويلات الحرب.

نحن بحاجة إلى أن تُدمج الثقافة في خطط الإغاثة، لا كإضافة، بل كجزء أساسي من ترميم ما هو أعمق من الحجر؛ ترميم الروح.

فحين تُقصف المكتبات والمراكز الثقافية، لا تُقصَف فقط المباني، بل تُستهدف الذاكرة، وحين يُسكت الفن، تُخنق الحكاية، وحين نكتب، نُنجو بأنفسنا من المحو.

العدوان على غزة لم يكن فقط على الناس، بل على المعنى، وعلى هذا المعنى بالذات، يجب أن نقاتل بالكلمة، بالصورة، باللحن، بكل ما فينا من حياة.

أقلام وأراء

الثّلاثاء 17 فبراير 2026 10:46 صباحًا - بتوقيت القدس

الانتخابات ليست تسوية اجتماعية بل قرار تنموي

في كلِّ دورةٍ انتخابيةٍ بلدية، لا تبدأ الحكاية يوم فتح صناديق الاقتراع، بل قبل ذلك بوقتٍ طويل. تبدأ في المجالس، في الأحاديث الجانبية، في همسات المقاهي، وفي لقاءات الوجهاء. هناك يتشكّل ما يُسمّى "التوافق"؛ كلمةٌ تبدو دافئة، توحي بالوحدة، وتَعِدُ بمستقبلٍ يُرسم بيدٍ واحدة.

في صورته المثالية، يكون التوافق عنوان نضجٍ جماعي. أن يجلس أبناء المجتمع حول طاولة واحدة، يختلفون في التفاصيل ويتفقون على الهدف، يضعون مصلحة البلد فوق كل اعتبار، ويختارون برنامجًا واضحًا يخدم الناس جميعًا؛ فذلك مشهدٌ صحيٌّ يبعث على الطمأنينة. هنا لا يكون التوافق صفقة، بل شراكة. لا يكون تحالف مصالح، بل تحالف مسؤولية. في هذه الصورة، تتجلى الديمقراطية في أبهى معانيها: تنافسٌ على الخدمة، لا على الغنيمة.

 لكن، وبكل صراحة، ليست كل التوافقات كذلك. فحين يتحول السؤال من "من الأكفأ لخدمة الناس؟" إلى "من يمثل من؟"، ينحرف المسار. حين تُختزل الطاولة في توزيع مقاعد، وتقسيم أدوار، وترتيب حصص، يصبح التوافق غطاءً لمعادلة نفوذ لا مشروعًا تنمويًا. قد يربح الجميع لحظة الإعلان، لكن الخسارة تبدأ مع أول قرارٍ يُتخذ بلا رؤية مشتركة. تتضارب المصالح، تتعثر المشاريع، ويكتشف المواطن أن ما سُمّي توافقًا لم يكن سوى هدنة مؤقتة بين أطراف متنافسة.

هنا تحديدًا تتضح الحقيقة: الانتخابات ليست تسوية اجتماعية بل قرار تنموي. ليست مناسبة لإرضاء هذا الطرف أو ذاك، ولا محطة لتثبيت توازنات عائلية أو فئوية، بل لحظة مفصلية يُرسم فيها مسار الخدمات والبنية التحتية وفرص العمل وجودة الحياة في البلد لسنوات قادمة.

إن أخطر ما في تحويل الانتخابات إلى تسوية اجتماعية أنه يُضعف معيار الكفاءة، ويجعل المنصب مكافأةً على القرب لا تكليفًا على القدرة. وعندما يُقدَّم الأقرب على الأكفأ، تُدفع فاتورة ذلك من وقت الناس واحتياجاتهم ومستقبل أبنائهم.

وفي المقابل، يبقى الانتخاب الحر قيمةً كبرى، لأنه يمنح الفرد حق الاختيار. غير أن هذا الحق يفقد معناه إن لم يُمارس بوعي. الديمقراطية ليست مجرد صوتٍ يُمنح، بل مسؤوليةٌ تُحمَل. هي وعيٌ بأن كل ورقة اقتراع تضع حجرًا في بناءٍ إما أن يكون متينًا أو هشًا.

ومن هنا، فإن مسؤولية الارتقاء بالمشهد لا تقع على الناخب وحده، بل على التنظيمات والمجموعات كافة. فإذا أردنا أن نساعد المجتمع على حسن الاختيار، فعلينا أن نحترم وعي الناس قبل أن نطلب أصواتهم. واحترام الناس يبدأ بتقديم الأقدر لا الأقرب، وصاحب الرؤية لا صاحب النفوذ، ومن يحمل مشروعًا واضحًا لا من يملك حضورًا اجتماعيًا فحسب. فالمجتمع يستحق أن يُعرض عليه برنامج، لا أن يُفرض عليه توازن.

نحن أمام خيارين واضحين: إما ثقافة الخدمة، حيث المنصب تكليف ومسؤولية، وإما ثقافة الحصص، حيث الموقع مكسب ونفوذ. وبينهما يتحدد شكل المجلس، بل ويتحدد مستوى حياتنا اليومية.

فلنجعل من الانتخابات محطة وعيٍ لا محطة مجاملة، ومن التوافق التزامًا حقيقيًا لا اتفاقًا عابرًا. فالمجالس القوية لا تُبنى بكثرة المتوافقين، بل بصدق الرؤية ووحدة الهدف. وصوت الناخب ليس ورقة عابرة، بل قرار تنموي يرسم ملامح الغد.

فلسطين

الثّلاثاء 17 فبراير 2026 10:45 صباحًا - بتوقيت القدس

فعاليات أكاديمية وثقافية لتعزيز التعاون العلمي والثقافي بين المغرب وفلسطين

نظم كرسي الدراسات المغربية بجامعة القدس، أمس، فعاليات أكاديمية وثقافية، بعنوان: "من الفضاء الأكاديمي إلى المشروع البحثي: الدبلوماسية الثقافية المغربية في خدمة القدس"، بمشاركة شخصيات أكاديمية، مغاربة وفلسطينيين.

واستهلت الفعاليات، التي احتضنتها جامعة القدس، بزيارة مقر كرسي الدراسات المغربية في كلية الهندسة، قبل تدشين رواق الكتاب المغربي، في مكتبة الجامعة، بحضور سفير المملكة المغربية لدى دولة فلسطين، عبد الرحيم مزيان، ورئيس الجامعة، الدكتور حنا النور، إلى جانب المدير المكلف بتسيير وكالة بيت مال القدس الشريف، محمد سالم الشرقاوي، ورئيسة الكرسي، الدكتورة صفاء ناصر الدين.

وشملت الفعاليات الأكاديمية والثقافية محاضرة وعرض أبحاث في موضوع الدبلوماسية الثقافية المغربية في خدمة القدس.

بهذه المناسبة، استعرض الشرقاوي في مداخلته الأدوار التي تضطلع بها وكالة بيت مال القدس الشريف في دعم صمود المقدسيين وتعزيز الهوية الحضارية للمدينة.

وأكد أن المملكة المغربية، بقيادة الملك محمد السادس بصفته رئيسًا لـلجنة القدس، توظف أدواتها الثقافية والتراثية والتعليمية لترســـيخ الحضور العربي والإسلامي في القدس، عبر مشاريع نوعية تســــتهدف مختلف الفئات المجتمعية.

وسلط الشرقاوي الضوء على نماذج عملية للدبلوماسية الثقافية المغربية، من بينها ترميم المعالم التاريخية، وتنظيم الأسابيع الثقافية المغربية، ودعم الحرف التقليدية، إضافة إلى البرامج التعليمية والمنح الدراسية، التي تسهم فعليًا في تمكين المجتمع المقدسي اقتصاديًا وثقافيًا، بما يعزز صموده في مواجهة التحديات.

من جانبه، أكد رئيس جامعة القدس، أهمية احتضان الجامعة للمبادرات الأكاديمية التي تعزز الشراكات الدولية وتدعم البحث العلمي في خدمة القدس، مشددا على أهمية توسيع دائرة التعاون الأكاديمي والإعلامي للتعريف بالرواية التاريخية والحضارية للمدينة المقدسة.

بدوره، استعرض سفير المملكة المغربية، معالم الدبلوماسية الثقافية المغربية، مؤكدًا أهمية القوة الناعمة في تعزيز الروابط التاريخية والإنسانية بين المغرب والقدس.

وأكد أن المملكة المغربية بقيادة الملك محمد السادس، رئيس لجنة القدس، تنظر إلى التعليم والبحث العلمي بوصفهما "ركيزة أساسية لحماية الهوية ودعم الاستقرار المجتمعي في القدس".

وقدم عضو اللجنة العلمية لكرسي الدراسات المغربية الدكتور محمد السمار، قراءة تحليلية لمفهوم الدبلوماسية الثقافية وأطرها النظرية، مؤكدًا أهمية تأطيرها ضمن مقاربات بحثية منهجية تعزز الإنتاج العلمي الرصين.

وأكد رئيس المجلس العلمي المحلي لعمالة عين الشق بالدار البيضاء، الأستاذ مصطفى فوزي، أن الحضور المغربي في القدس، بأوقافه العريقة وإرثه العلمي والصوفي، يشكل جزءًا من الهوية المغربية المتجذرة عبر التاريخ.

أما الدكتورة ناصر الدين، فقد أوضحت أن هذه الفعاليات تعكس انتقال كرسي الدراسات المغربية إلى مرحلة تعميق المشاريع البحثية وتوسيع مجالات التعاون العلمي، مشيرةً إلى أهمية ربط البحث الأكاديمي بالتطبيقات التقنية الحديثة، وإشراك الطلبة في مشاريع عملية تسهم في توثيق المعرفة وإتاحتها بصورة منظمة ومستدامة.

من حهته، قدم الأستاذ بشير بركات عرضا حول كتابه «خطط مقدسية»، تناول فيه أهمية التوثيق العمراني والثقافي للمدينة، أعقبه عرض للطالبة تقى عتيق حول مشروع رقمنة الكتاب وتحويله إلى منصة رقمية ضمن مشروعها البرمجي، في نموذج يعكس تكامل البحث الأكاديمي مع الحلول التقنية.

وشملت الندوة عرضاً لمختارات من ملخصات الباحثين المشاركين في النداء البحثي الثاني لكرسي الدراسات المغربية، ما أبرز تنوع المقاربات العلمية وأهميتها في تعميق الدراسات المرتبطة بتاريخ القدس وذاكرتها.

إثر ذلك، جرى تنصيب الدكتور زياد عياد عضواً في اللجنة العلمية، وهو أكاديمي في دائرة العلوم السياسية في جامعة القدس، وخريج جامعة الحسن الثاني في الدار البيضاء.

فلسطين

الثّلاثاء 17 فبراير 2026 10:28 صباحًا - بتوقيت القدس

تكتل عربي إسلامي يدين مصادرة الاحتلال لأراضي الضفة الغربية

أصدرت ثماني دول عربية وإسلامية، اليوم الثلاثاء، موقفاً موحداً أدان بشدة إقدام سلطات الاحتلال الإسرائيلي على تصنيف مساحات شاسعة في الضفة الغربية المحتلة كـ 'أراضي دولة'. وضم التحالف الدبلوماسي كلاً من السعودية، والأردن، والإمارات، وقطر، ومصر، وتركيا، وباكستان، وإندونيسيا، مؤكدين في بيان مشترك أن هذه الخطوة تهدف لفرض واقع إداري وقانوني جديد يسرع من عمليات الضم الفعلي.

وشددت الدول الموقعة على البيان على انعدام سيادة الاحتلال على الأراضي الفلسطينية، معتبرة أن هذه الممارسات تمثل محاولة لتهجير الشعب الفلسطيني وعرقلة أي جهود دولية لتحقيق الاستقرار في المنطقة. ويأتي هذا التحرك في وقت بدأت فيه سلطات الاحتلال، منذ منتصف فبراير الجاري، إجراءات غير مسبوقة لتسجيل أراضٍ في المنطقة (ج) -التي تمثل نحو 61% من الضفة- تحت بند 'أملاك غائبين' و'أراضي دولة'، في خطوة هي الأولى من نوعها منذ عام 1967.

من جانبه، دخلت الأمم المتحدة على خط الأزمة، حيث نقلت مصادر دولية إدانة الأمين العام أنطونيو غوتيريش لهذه الإجراءات، مؤكداً أن التوسع الاستيطاني في الضفة والقدس الشرقية يفتقر لأي شرعية قانونية. وحذرت تقارير سابقة من أن حكومة الاحتلال تسعى للمصادقة على مقترح يهدف لضم 15% من المنطقة (ج) بشكل تدريجي بحلول عام 2030، مستغلة ثغرات قانونية للسيطرة على الأراضي التي لا يملك أصحابها الفلسطينيون وثائق ملكية مسجلة رسمياً.

فلسطين

الثّلاثاء 17 فبراير 2026 10:27 صباحًا - بتوقيت القدس

تحذيرات من توظيف 'فزاعة الإخوان' لإعادة تشكيل القرار السياسي في بريطانيا

كشفت تطورات أخيرة داخل مؤسسات الدولة البريطانية عن مطالبات متزايدة برفض استخدام ما يوصف بـ'فزاعة الإخوان المسلمين' في الخطاب السياسي العام. وتأتي هذه التحذيرات في ظل محاولات لتوظيف روايات معينة تهدف لإعادة تشكيل اتجاهات صنع القرار في المملكة المتحدة، بما يخدم أجندات قوى خارجية تسعى لفرض رؤيتها الأمنية والسياسية.

وأكد الكاتب أندرياس كريغ، في تحليل معمق أن بريطانيا مطالبة بالتصدي لمحاولات إحياء صورة 'العدو الإسلاموي' بصيغة فضفاضة تستخدم كشماعة لمختلف المخاوف الاجتماعية والسياسية. واعتبر كريغ أن هذا التوجه يتجاوز النقاش التقليدي حول الإسلام السياسي، ليمس جوهر سلامة الديمقراطية الليبرالية وقدرتها على حماية فضائها العام من التدخلات الخارجية.

وبرزت مؤشرات هذا التوجه بشكل لافت مطلع شهر كانون الثاني/ يناير الماضي، حين اتخذت السلطات الإماراتية قراراً مفاجئاً باستبعاد الجامعات البريطانية من قائمة المؤسسات المعتمدة للدراسة. وجاء هذا الإجراء ليمثل ضغطاً مباشراً على العائلات والطلاب، وسط ادعاءات بوجود تأثيرات لجماعة الإخوان المسلمين داخل الحرم الجامعي في بريطانيا.

ونقلت مصادر أن التفسيرات الرسمية لهذا القرار تمحورت حول مخاوف من 'التطرف'، وهو ما وضع مئات الطلاب أمام واقع جديد يهدد مستقبلهم الأكاديمي والمهني. ويرى مراقبون أن هذه الخطوة تهدف للضغط على المؤسسات التعليمية البريطانية لتقييد حرية التعبير والنقاش التعددي الذي يميز بيئتها الأكاديمية.

وفي سياق متصل، أطلق نايجل فاراج، زعيم حزب 'ريفورم يو كيه'، تصريحات حذر فيها مما وصفه بـ'تغلغل الإسلاميين' في مفاصل الدولة والشرطة والمدارس. وتعكس هذه التصريحات، بحسب المحللين، تقاطعاً واضحاً بين خطاب اليمين المتطرف المحلي وسرديات يتم تصديرها من عواصم إقليمية تسعى لشيطنة أي حراك سياسي معارض.

وتشير المعطيات إلى أن ما يجري لا يستند إلى تهديد تنظيمي حقيقي أو متماسك، بل هو نتاج سردية سياسية أعيد إنتاجها بعناية بعد أحداث الربيع العربي. وقد تحولت هذه السردية تدريجياً إلى أداة في 'حرب معلومات' تستهدف المجتمعات الغربية عبر تغذية الاستقطاب الداخلي وتعزيز حضور القوى اليمينية المتطرفة.

ويرى الكاتب أن جماعة الإخوان المسلمين تعرضت خلال العقد الماضي لعملية تفكيك واسعة، خاصة بعد أحداث عام 2013 في مصر وما تبعها من حملات قمع دولية. وأوضح أن تصوير الحركة اليوم كشبكة عالمية منضبطة تدير الأحداث من خلف الستار هو ادعاء يتجاوز الواقع الفعلي للحركة التي تعاني من انقسامات حادة وتشتت تنظيمي.

وتستخدم أبوظبي وتل أبيب مصطلح 'الإخوان' كإطار تفسيري جاهز لإلصاق التهم بطيف واسع من المنتقدين، بمن في ذلك النشطاء العلمانيون المعارضون للتطبيع. ويهدف هذا التوسع في استخدام التسمية إلى تبرير سياسات الرقابة المشددة على المجتمع المدني والمساجد، سواء داخل المنطقة العربية أو في العواصم الغربية.

وعلى الصعيد الإقليمي، تُوظف هذه السردية لدعم تحالفات مع أنظمة وميليشيات في دول مثل ليبيا والسودان تحت شعار مواجهة الإسلاميين. كما يتم تصدير ذات الرواية لتفسير قضايا دولية كبرى، بدءاً من الحرب المستمرة في قطاع غزة وصولاً إلى الاحتجاجات الطلابية العارمة في الجامعات الأمريكية والأوروبية.

ولفت التحليل إلى وجود تقارب ملحوظ بين دوائر إماراتية وإسرائيلية وبعض قوى اليمين المتطرف في أوروبا، وهو ما تجلى في تقارير عن دعم مالي لأحزاب يمينية فرنسية. وتلعب منصات إعلامية مثل 'فيشغراد 24' دوراً محورياً في ترويج محتوى يدعم الاحتلال الإسرائيلي ويحذر في الوقت ذاته من 'التغلغل الإسلاموي' المزعوم.

وتحمل هذه الخطابات رسالة مشتركة مفادها أن الغرب يتعرض لحصار ثقافي وأمني يستوجب صعود 'الزعيم القوي' كحل وحيد لمواجهة هذه التحديات. ويندرج هذا النمط ضمن مفهوم 'تسليح السرديات'، حيث تُستخدم الروايات السياسية لتحفيز الجمهور على تبني خيارات تخدم مصالح الجهات التي تقف وراء صياغة هذا الخطاب.

ورغم أن المدافعين عن هذا التوجه يشيرون إلى انخراط بعض فروع الإخوان في العنف سابقاً، إلا أن كريغ يشدد على خطورة تعميم الاتهام ليشمل مجتمعات كاملة. فخلط الأمن بالخلاف السياسي المشروع يؤدي في نهاية المطاف إلى تقويض النقاش الديمقراطي الحر وتحويله إلى أداة بيد القوى السلطوية.

ودعا المقال إلى ضرورة إخضاع أي تمويل أجنبي لمراكز الأبحاث والأحزاب السياسية في بريطانيا لرقابة صارمة وشفافية كاملة. كما أكد على أهمية الفصل الواضح بين سياسات الأمن الداخلي الوطنية وبين 'نقاط الحديث' التي يروج لها شركاء خارجيون يسعون لتحقيق مكاسب جيوسياسية على حساب القيم البريطانية.

وفي الختام، شدد الكاتب على أن الدفاع عن الديمقراطية الليبرالية لا يمكن أن يُفوض لأطراف تخشى التعددية الثقافية والسياسية بطبيعتها. واعتبر أن استيراد 'فزاعة الإخوان' إلى الساحة البريطانية يمثل محاولة خطيرة لإعادة هندسة الوعي العام، مؤكداً أن حماية المؤسسات الديمقراطية هي مسؤولية وطنية لا تقبل المساومة.

عربي ودولي

الثّلاثاء 17 فبراير 2026 10:26 صباحًا - بتوقيت القدس

لبنان يودع محسن دلول: رحيل أحد أبرز وجوه السياسة ووزير الدفاع الأسبق

فقدت الساحة السياسية اللبنانية صباح اليوم الثلاثاء، أحد أبرز وجوهها التاريخية برحيل الوزير والنائب السابق محسن دلول، الذي وافته المنية عن عمر ناهز 93 عاماً. ويعد دلول من الشخصيات التي تركت بصمة واضحة في العمل العام، حيث ولد في بلدة علي النهري بالبقاع عام 1933، وبدأ مسيرته المهنية في قطاع التعليم قبل أن ينتقل إلى عالم الصحافة وينضم لنقابة المحررين.

انخرط الراحل في العمل الحزبي مبكراً بانضمامه إلى الحزب التقدمي الاشتراكي عام 1951، حيث نسج علاقة وثيقة واستثنائية مع مؤسس الحزب كمال جنبلاط. وعقب اغتيال جنبلاط الأب في عام 1977، استمر دلول في أداء دور محوري كمساعد لنجله وليد جنبلاط، مما ثبّت مكانته كأحد الفاعلين الأساسيين في الخارطة السياسية اللبنانية لعدة عقود.

على الصعيد البرلماني، مثل محسن دلول منطقة البقاع في مجلس النواب لسنوات طويلة، حيث انتخب نائباً لأول مرة عام 1991 عن دائرة بعلبك - الهرمل. وتوالت نجاحاته الانتخابية في دورات 1992 و1996 و2000، متنقلاً في تمثيله بين دوائر زحلة ومحافظة البقاع، مما عكس ثقلاً شعبياً وسياسياً واسعاً في تلك المناطق التي طالما طالب بإنصافها تنموياً.

تولى الراحل مسؤوليات وزارية جسيمة في مرحلة دقيقة من تاريخ لبنان الحديث، حيث شغل منصب وزير الزراعة في حكومات متتالية بين عامي 1989 و1992. وقد عمل خلال تلك الفترة تحت رئاسة كل من سليم الحص وعمر كرامي ورشيد الصلح، مساهماً في إدارة شؤون القطاع الزراعي في وقت كانت البلاد تحاول فيه النهوض من تداعيات الأزمات المتلاحقة.

تعتبر الحقبة التي تولى فيها دلول وزارة الدفاع الوطني بين عامي 1992 و1995 هي الأبرز في مسيرته السياسية، حيث جاء تعيينه ضمن أولى حكومات الرئيس الراحل رفيق الحريري. وشهدت هذه المرحلة ترتيبات أمنية وسياسية معقدة في أعقاب الحرب الأهلية، وكان دلول مطلعاً على أدق تفاصيل بناء الدولة وإعادة هيكلة المؤسسة العسكرية في ذلك التوقيت الحرج.

كان الوزير الراحل شاهداً حياً على كواليس الصراع السياسي الذي دار بين الرئيس رفيق الحريري والقيادة في دمشق، وامتلك مخزوناً واسعاً من الأسرار المتعلقة بتلك الحقبة. وقد وثق دلول شهادته التاريخية في مقابلات إعلامية مطولة، تحدث فيها عن مرافقته لرموز السياسة اللبنانية وتأثيرهم في صياغة مستقبل البلاد، خاصة في ظل التحولات الكبرى التي عصفت بلبنان.

يغادر محسن دلول المشهد تاركاً وراءه إرثاً من المواقف السياسية التي دافعت عن حقوق المناطق المحرومة، لاسيما البقاع وعكار، التي كان يرى أنها لم تنل نصيبها العادل من الرعاية الرسمية. وبوفاته، تطوى صفحة من تاريخ رجال الدولة الذين عاصروا مراحل التأسيس والحروب والنهوض، وظلوا فاعلين في توجيه البوصلة السياسية اللبنانية لسنوات طويلة.

فلسطين

الثّلاثاء 17 فبراير 2026 10:11 صباحًا - بتوقيت القدس

كينيث روث: القانون الدولي يواجه 'نقطة انهيار' في غزة والسودان والمحكمة الجنائية مكبلة

يرى الخبير القانوني الأمريكي كينيث روث أن القانون الدولي الإنساني لا يزال يمثل الأداة الضرورية الوحيدة لمعالجة الفظائع والانتهاكات الجسيمة في قطاع غزة والسودان وأوكرانيا. وأوضح روث، المدير السابق لمنظمة هيومن رايتس ووتش أن هذا القانون يواجه اليوم تحديات غير مسبوقة تهدد فاعليته في حماية المدنيين خلال النزاعات المسلحة.

واستند روث في تحليله إلى دراسة شاملة للنزاعات الحالية، مشيراً إلى أن القانون الإنساني وصل إلى 'نقطة انهيار حرجة' نتيجة تجاهل القوى الكبرى للمعايير الدولية. ومع ذلك، اعتبر أن ردود الفعل العالمية الواسعة تجاه استهداف المدنيين تؤكد أنه من السابق لأوانه إعلان موت هذا النظام القانوني العالمي.

وفيما يتعلق بالعدوان على قطاع غزة، أكد روث أن إسرائيل انتهكت بشكل صارخ اتفاقيات جنيف التي تعد الركيزة الأساسية للقانون الدولي. وأشار إلى أن جيش الاحتلال اعتمد سياسة القصف العشوائي للأحياء السكنية، واستهدف المدنيين بشكل مباشر، فضلاً عن استخدام التجويع كسلاح عبر الحرمان من الغذاء والضروريات.

وانتقد الخبير القانوني الشلل الذي أصاب مجلس الأمن الدولي نتيجة استخدام واشنطن لحق النقض 'الفيتو' لحماية إسرائيل من المساءلة. ورغم هذا التعطيل، لفت روث إلى أن الجمعية العامة للأمم المتحدة ومجلس حقوق الإنسان واصلا إصدار إدانات متكررة، وفعّلا آليات رصد أكدت وقوع إبادة جماعية.

وتطرق المقال إلى المسار القضائي الدولي، حيث تنظر محكمة العدل الدولية في اتهامات الإبادة الجماعية الموجهة ضد إسرائيل، مع مطالبة واضحة بإنهاء الاحتلال غير الشرعي. كما برزت تحركات المحكمة الجنائية الدولية التي وجهت اتهامات مباشرة لبنيامين نتنياهو ويوآف غالانت بارتكاب جرائم ضد الإنسانية.

وفي سياق الموقف الأمريكي، لاحظ روث تناقضاً حاداً، حيث استمرت واشنطن في تقديم الدعم العسكري المطلق لإسرائيل رغم توثيق الجرائم. واعتبر أن هذا السلوك جعل الولايات المتحدة تبدو كشريك في الفظائع المرتكبة، مما أضعف هيبة القانون الدولي الذي تدعي حمايته.

وعقد روث مقارنة بين رد الفعل الدولي تجاه غزة وتجاه الغزو الروسي لأوكرانيا، حيث واجهت موسكو عقوبات واسعة وملاحقات قضائية دولية. ورأى أن هذه الاستجابة، رغم عرقلة مجلس الأمن، تثبت أن المجتمع الدولي لا يقبل السلوكيات غير القانونية عندما تتوفر الإرادة السياسية.

أما في القارة الأفريقية، فقد سجل روث ضعفاً ملحوظاً في الاستجابة الدولية تجاه الحرب الأهلية الدامية في السودان والتدخلات العسكرية في شرق الكونغو الديمقراطية. واعتبر أن هذا التفاوت في التعامل مع الأزمات الإنسانية يغذي الشعور بازدواجية المعايير ويقوض شمولية القانون الدولي.

وحول دور المحكمة الجنائية الدولية، أكد الأستاذ في جامعة برينستون أنها الهيئة الأنسب لإنفاذ العدالة ومحاكمة مجرمي الحرب. لكنه حذر من المحاولات المستمرة لتقويضها، خاصة من قبل الإدارة الأمريكية التي فرضت عقوبات على مسؤولي المحكمة لثنيهم عن ملاحقة القادة الإسرائيليين.

وكشف روث عن أزمة داخلية تعيشها المحكمة الجنائية، حيث تعاني من فراغ في منصب المدعي العام الرئيسي منذ مايو 2025. ويأتي هذا التعطيل على خلفية تحقيقات مع المدعي كريم خان في مزاعم تحرش، وهو ما حال دون اتخاذ إجراءات حاسمة في ملفات غزة والسودان.

وأوضح المقال أن هذا الوضع المتردي منع المحكمة من توجيه اتهامات علنية بشأن حملات القصف العنيف في غزة أو التوسع الاستيطاني في الضفة الغربية. كما غابت الملاحقات القضائية عن مرتكبي الفظائع في السودان، مما منح الجناة شعوراً بالإفلات الدائم من العقاب.

وفي ختام تحليله، دعا كينيث روث الدول الأعضاء في المحكمة الجنائية الدولية، والبالغ عددها 125 دولة، إلى التحرك العاجل لتعيين مدعٍ عام دائم. وشدد على ضرورة توحيد الجهود الدولية للدفاع عن الضحايا وضمان إنفاذ القانون بشكل متسق بعيداً عن الحسابات السياسية الضيقة.

فلسطين

الثّلاثاء 17 فبراير 2026 10:11 صباحًا - بتوقيت القدس

نزيف الداخل الفلسطيني.. تصاعد قياسي في جرائم القتل واتهامات للاحتلال بالتقاعس الممنهج

تواجه المناطق الفلسطينية المحتلة عام 1948 تصعيداً خطيراً وغير مسبوق في وتيرة العنف والجريمة المنظمة، حيث باتت العصابات المسلحة تفرض سطوتها على البلدات العربية عبر الترهيب والابتزاز. وتغض مصادر أمنية إسرائيلية الطرف عن كبح جماح هذه المجموعات، مما أدى إلى تحول الشوارع العربية إلى ساحات لتصفية الحسابات الدامية.

وشهد صباح الاثنين 16 فبراير/شباط فصلاً جديداً من فصول هذا النزيف، حيث قُتل رجل وابنه في جريمة إطلاق نار مروعة بمدينة أم الفحم، بالتزامن مع وقوع جريمة أخرى في مدينة طمرة بالجليل أودت بحياة شخص ثالث. هذه الحوادث المتلاحقة تعكس حالة الانفلات الأمني التي تعيشها المجتمعات العربية في ظل غياب الرادع القانوني والأمني.

ووفقاً لبيانات الرصد الميداني، فقد ارتفعت حصيلة القتلى في المجتمع العربي منذ مطلع العام الجاري إلى 48 قتيلاً، من بينهم 22 ضحية سقطوا منذ بداية شهر فبراير الحالي فقط. وتشير الأرقام إلى أن شهر يناير الماضي سجل وحده 26 قتيلاً، مما يظهر تسارعاً مخيفاً في معدلات الجريمة مقارنة بالسنوات الماضية.

وبالمقارنة مع الفترة ذاتها من العام الماضي التي سجلت 34 قتيلاً، يظهر جلياً حجم التدهور الأمني الذي يعصف بالداخل الفلسطيني. وقد شملت قائمة الضحايا هذا العام نساءً وفتية في مقتبل العمر، بالإضافة إلى مواطن لقي حتفه برصاص الشرطة الإسرائيلية، مما يعمق جراح المجتمع المنهك.

وكان عام 2025 قد سجل حصيلة ثقيلة بلغت 252 قتيلاً، وهو ما اعتبره مراقبون مؤشراً على تحول الجريمة إلى أزمة بنيوية تهدد النسيج الاجتماعي الفلسطيني. ويرى خبراء أن هذه الأرقام ليست مجرد إحصائيات جنائية، بل هي نتيجة لسياسات متعمدة تهدف إلى إضعاف المجتمع من الداخل.

ومنذ تولي حكومة اليمين برئاسة بنيامين نتنياهو السلطة، قُتل أكثر من 800 فلسطيني برصاص عصابات الجريمة المنظمة في الداخل. وترافق ذلك مع تسجيل آلاف الإصابات الجسدية والنفسية، حيث تشير المعطيات إلى وجود أكثر من 500 طفل يتيم نتيجة هذه الجرائم التي لا تتوقف.

وتشير تقارير مركز أمان إلى وقوع أكثر من 75 ألف حادثة إطلاق نار خلال الفترة الماضية، وهو رقم يعكس حجم انتشار السلاح غير المرخص. ويتهم قادة المجتمع العربي مصادر أمنية بالتقاعس المتعمد عن جمع هذا السلاح أو ملاحقة الرؤوس المدبرة لشبكات الإجرام والابتزاز.

ويرى ناشطون وباحثون أن الجريمة المنظمة تحولت إلى أداة سياسية غير مباشرة لتفكيك المجتمع الفلسطيني وتقويض قدرته على التنظيم. إن انتشار الخوف وفقدان الأمن يدفع السكان نحو الانكفاء عن الحياة العامة، ويهدد بدفع البعض نحو الهجرة القسرية بحثاً عن الأمان المفقود في بلداتهم.

وفي هذا السياق، أكد الشيخ كامل ريان، رئيس مركز أمان أن تصعيد الحراك المجتمعي أصبح ضرورة ملحة لمواجهة هذا الواقع الأليم. وشدد ريان في تصريحات لمصادر صحفية على وجوب الانتقال من حالة الاحتجاج العفوي إلى العمل المنظم الذي يضع قضية الأمان الشخصي في صدارة الأجندة العامة.

ويعكف مركز أمان حالياً على إعداد خطة خماسية شاملة سيتم تقديمها للجنة المتابعة العليا واللجان القطرية لرؤساء السلطات المحلية. تهدف هذه الخطة إلى بناء أدوات حماية ذاتية وتعزيز التضامن المجتمعي، بعيداً عن الرهان على مؤسسات الاحتلال التي أثبتت فشلها أو تواطؤها.

وأظهر استطلاع رأي حديث أجري في فبراير الجاري أن 87% من المواطنين العرب لا يثقون بقدرة الشرطة الإسرائيلية على لجم الجريمة. وكشف الاستطلاع أن نصف المشاركين يشعرون بانعدام الأمان التام في أماكن سكنهم، بينما يخشى 68% منهم التجول ليلاً في أحيائهم.

كما عبر 73% من المستطلعين عن قلقهم البالغ من حوادث إطلاق النار العشوائي، وتوقع 83% منهم استمرار ارتفاع مستويات الجريمة في السنوات المقبلة. هذه النتائج تعكس أزمة ثقة عميقة وانهياراً في منظومة الأمان المجتمعي التي يجب أن توفرها السلطات المسؤولة.

من جانبه، حمّل الدكتور جمال زحالقة، رئيس لجنة المتابعة العليا، الحكومة الإسرائيلية المسؤولية الكاملة عن هذا الانفلات الأمني. وأوضح زحالقة أن عدم ردع المجرمين وترك شبكات الابتزاز والسوق السوداء تعمل بحرية هو قرار سياسي يهدف إلى إنهاك الفلسطينيين في الداخل.

وختم زحالقة بالقول إن أمن وكرامة المجتمع العربي حق أساسي لا يمكن المساومة عليه، داعياً إلى تصعيد الضغط الشعبي لتفكيك منظمات الإجرام. وأكد على ضرورة معالجة الجذور الاقتصادية والاجتماعية للأزمة عبر الاستثمار في قطاعات التعليم والتشغيل لدعم الشباب وحمايتهم من الانزلاق نحو الجريمة.

عربي ودولي

الثّلاثاء 17 فبراير 2026 9:56 صباحًا - بتوقيت القدس

في ذكرى الثورة الـ15.. ليبيا تواجه معضلة الانقسام المؤسساتي وسط دعوات للحل الانتخابي

تحل الذكرى الخامسة عشرة لانطلاق الثورة في ليبيا وسط مشهد سياسي معقد، حيث يرى مراقبون أن البلاد لا تزال تدفع أثماناً باهظة جراء حالة التشظي المؤسساتي. وأشار خبراء إلى أن الجمود السياسي الحالي يعيق أي تقدم حقيقي نحو الاستقرار، معتبرين أن العودة إلى إرادة الشعب عبر صناديق الاقتراع هي الوسيلة الوحيدة لتجاوز هذه المرحلة الانتقالية الطويلة.

ومنذ اندلاع الثورة الشعبية في السابع عشر من فبراير عام 2011، والتي أدت إلى الإطاحة بنظام العقيد معمر القذافي، شهدت البلاد تعاقب تسع حكومات مختلفة. هذا التغيير المستمر في السلطة التنفيذية لم يفلح في إنهاء الانقسام، بل أدى في كثير من الأحيان إلى ترسيخ سلطتين متوازيتين في شرق البلاد وغربها، مما أضعف المركز القانوني للدولة دولياً.

وتتوزع السيطرة الحالية بين حكومة الوحدة الوطنية برئاسة عبد الحميد الدبيبة المعترف بها دولياً في طرابلس، وبين الحكومة المكلفة من مجلس النواب برئاسة أسامة حماد في بنغازي. هذا الانقسام الإداري لم يقتصر على الجانب السياسي فحسب، بل امتد ليشمل المؤسسات السيادية والمالية، مما أدى إلى تشتت الجهود الرامية لإعادة الإعمار وتوحيد الميزانية العامة.

وفي هذا السياق، أكد المحلل السياسي محمد محفوظ أن المصالحة الوطنية يجب أن تُفهم في سياقها الصحيح، مفرقاً بين المصالحة الشعبية التي نجحت في فض نزاعات قبلية، وبين المصالحة السياسية المتعثرة. وأوضح محفوظ أن الأطراف المتصدرة للمشهد حالياً قد لا ترغب في مغادرة السلطة، مما يجعل من توحيد المؤسسات السيادية ضرورة قصوى تسبق أي عملية انتخابية.

من جانبه، لفت المحلل أحمد التهامي إلى أن الفاتورة الاقتصادية للانقسام أصبحت لا تُطاق بالنسبة للمواطن الليبي البسيط، حيث تراجعت قيمة الدينار بشكل ملحوظ. وأضاف أن ارتفاع تكاليف المعيشة هو نتاج مباشر لغياب سياسة نقدية موحدة، مشيراً إلى أن بعض النخب السياسية تستفيد من الوضع الراهن وتخشى أن تنهي المصالحة مكاسبها المادية.

وعلى صعيد التدخلات الخارجية، ذهب المحلل عز الدين عقيل إلى أن القوى الدولية، وتحديداً الولايات المتحدة وبريطانيا، تمارس هيمنة واسعة على الموارد النفطية الليبية. وحذر عقيل من أن استمرار هذا النفوذ الأجنبي يعمق الأزمة الداخلية ويحول دون وصول الليبيين إلى توافق وطني خالص بعيداً عن الإملاءات الخارجية التي تخدم مصالح دولية.

وتأتي هذه التحذيرات بالتزامن مع كشف وثائق أمريكية حديثة عن محاولات سابقة لابتزاز مسؤولين ليبيين والاستيلاء على أصول الدولة المجمدة في الخارج. وتتحدث التقارير عن تورط شبكات دولية في التخطيط للسيطرة على استثمارات ليبية تقدر بنحو 200 مليار دولار، وهي أموال موزعة بين ودائع وأسهم وعقارات في عدة دول أوروبية.

إن الصراع على الشرعية بين طرابلس وبنغازي أدى إلى شلل في تقديم الخدمات الأساسية في العديد من المناطق، خاصة في الجنوب الليبي الذي يعاني من تهميش مضاعف. ورغم الجهود التي تبذلها بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، إلا أن الفجوة بين الأطراف المتنازعة لا تزال واسعة، خاصة فيما يتعلق بالقوانين الانتخابية وشروط الترشح للرئاسة.

ويرى مراقبون أن الحل يكمن في مسار مصالحة حقيقي تقوده مؤسسات دولة موحدة، بعيداً عن التجاذبات التي تخيم على المشهد منذ سنوات. ويشدد هؤلاء على أن أي تأخير إضافي في إجراء الانتخابات سيزيد من مخاطر الانهيار الاقتصادي والاجتماعي، في ظل تزايد حالة الإحباط الشعبي من الوعود المتكررة بالاستقرار.

لقد أثبتت التجارب السابقة أن الحلول العسكرية أو الصفقات السياسية الفوقية لم تنجح في إنتاج استقرار دائم في ليبيا. وبدلاً من ذلك، يطالب الشارع الليبي بضمانات دولية ومحلية لإجراء انتخابات شفافة تنهي شرعية الأجسام السياسية الحالية التي تجاوزت مددها القانونية بسنوات، وتعيد الأمانة إلى الشعب لاختيار ممثليه.

وفي ظل هذا الانسداد، تبرز أهمية توحيد المؤسسة العسكرية كضمانة أساسية لحماية أي عملية ديمقراطية مستقبلية. فبدون جيش موحد يتبع سلطة مدنية منتخبة، ستظل التهديدات الأمنية قائمة، وستبقى المجموعات المسلحة لاعباً مؤثراً في توجيه القرار السياسي والسيطرة على المقدرات الاقتصادية للبلاد.

كما تبرز قضية الأموال المنهوبة والمجمدة كأحد أكبر التحديات التي تواجه أي حكومة مستقبلية، حيث تتطلب جهوداً قانونية ودبلوماسية جبارة لاستعادتها. ويرى خبراء أن هذه الأموال كفيلة بتحويل ليبيا إلى ورشة عمل كبرى لإعادة الإعمار إذا ما وُجهت بشكل صحيح بعيداً عن الفساد الإداري والمالي المستشري.

ختاماً، تبقى ذكرى الثورة الخامسة عشرة محطة للتأمل في المسار الذي سلكته البلاد، بين طموحات التغيير وواقع الانقسام المرير. إن التحدي الأكبر اليوم يكمن في تحويل هذه الذكرى إلى دافع لإنهاء المرحلة الانتقالية، والبدء في بناء دولة المؤسسات والقانون التي حلم بها الليبيون في فبراير 2011.

أفادت مصادر متابعة للشأن الليبي بأن الضغوط الدولية قد تزداد في الفترة المقبلة لدفع الأطراف نحو طاولة حوار جديدة. ومع ذلك، يبقى الرهان الحقيقي على مدى استجابة القوى المحلية لنداءات التوافق، وتغليب المصلحة الوطنية العليا على المصالح الفئوية والجهوية الضيقة التي عرقلت مسيرة الدولة لسنوات طويلة.

فلسطين

الثّلاثاء 17 فبراير 2026 9:26 صباحًا - بتوقيت القدس

تحذيرات أممية من تهجير قسري للفلسطينيين جراء توسيع السيطرة الإسرائيلية بالضفة

أعربت المتحدثة باسم مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، رافينا شامداساني، عن مخاوف عميقة إزاء توسيع سلطات الاحتلال الإسرائيلي نطاق سيطرتها في الضفة الغربية المحتلة. وأكدت شامداساني أن هذه التحركات تهدف بشكل مباشر إلى تسهيل عمليات التهجير القسري للفلسطينيين من أراضيهم عبر خلق بيئة طاردة للسكان.

وأوضحت المسؤولة الأممية في تصريحات صحفية أن قرار إسرائيل بتوسيع أنشطة الرقابة والسيطرة في المناطق التي تخضع إدارياً للسلطة الفلسطينية يثير تساؤلات قانونية وحقوقية جدية. وأشارت إلى أن هذه الإجراءات تفرض ضغوطاً متراكمة على المواطنين الفلسطينيين، مما يدفعهم للرحيل القسري غير المباشر دون الحاجة لأوامر طرد رسمية.

وحذرت شامداساني من أن الخطوات الإسرائيلية المتسارعة تعزز واقعاً يفضي إلى ضم غير قانوني للأراضي الفلسطينية، وهو ما يمثل انتهاكاً صارخاً لمبادئ القانون الدولي. واعتبرت أن هذه السياسات تهدف إلى تغيير الوضع القانوني والمدني في الضفة الغربية المحتلة لفرض سيادة إسرائيلية دائمة عليها.

وكان المجلس الوزاري الإسرائيلي المصغر للشؤون السياسية والأمنية 'الكابينت' قد أقر في الثامن من فبراير الجاري سلسلة قرارات تستهدف تغيير الواقع الميداني في الضفة. وتمنح هذه القرارات سلطات الاحتلال صلاحيات واسعة للرقابة والإنفاذ في المناطق المصنفة 'أ' و 'ب' التي كانت تتبع إدارياً للسلطة الفلسطينية.

وتتذرع سلطات الاحتلال في قراراتها الجديدة بملاحقة ما تصفه بمخالفات البناء غير المرخص وقضايا المياه وحماية المواقع الأثرية والبيئية. إلا أن هذه الذرائع تفتح الباب واسعاً أمام تنفيذ عمليات هدم ومصادرة واسعة النطاق لممتلكات الفلسطينيين في قلب مراكز المدن والقرى الخاضعة للسيطرة الفلسطينية.

وتأتي هذه التطورات لتنسف ما تبقى من تفاهمات اتفاقية 'أوسلو 2' الموقعة عام 1995، والتي قسمت الضفة إلى ثلاث مناطق إدارية وأمنية. فبينما كانت المنطقة 'أ' تخضع لسيطرة فلسطينية كاملة، أصبحت الآن مهددة بتوغل إداري وأمني إسرائيلي مباشر ينهي خصوصيتها القانونية.

وأكدت المتحدثة الأممية أن الضفة الغربية تعيش 'بيئة ضاغطة' للغاية تفاقمت حدتها منذ السابع من أكتوبر 2023 بالتزامن مع الحرب المستمرة على قطاع غزة. وأشارت إلى أن التضييق على الحيز المتاح للفلسطينيين للعيش والعمل كان نهجاً قائماً وتصاعد بشكل دراماتيكي خلال الأشهر الأخيرة.

ووثق مكتب حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة مقتل ما لا يقل عن 1052 فلسطينياً في الضفة الغربية، بما فيها القدس الشرقية، منذ بدء التصعيد الأخير. وأوضحت التقارير أن هؤلاء الضحايا سقطوا برصاص قوات الاحتلال أو خلال اعتداءات نفذها مستوطنون تصفهم المنظمة الدولية بأنهم غير قانونيين.

ورصدت المصادر الأممية أنماطاً متعددة من الانتهاكات المنهجية، شملت الاعتداء بالضرب المبرح واحتجاز الفلسطينيين تعسفياً في ظروف وصفتها باللاإنسانية. كما لفتت إلى تصاعد القيود المفروضة على حرية الحركة، مما أعاق وصول السكان إلى الغذاء والخدمات الصحية والتعليمية الأساسية.

وشددت شامداساني على أن هذه القيود تمنع المزارعين الفلسطينيين من الوصول إلى أراضيهم الزراعية وأماكن عملهم، مما يدمر البنية الاقتصادية والاجتماعية للمجتمعات المحلية. واعتبرت أن هذا الحصار الممنهج يندرج ضمن خطة أوسع لترسيخ واقع الضم غير القانوني على الأرض.

وفي تقييمها للوضع الحقوقي، أشارت المسؤولة الدولية إلى أن الأمم المتحدة تلاحظ منذ عقود وجود انتهاكات منهجية لحقوق الفلسطينيين. وأكدت أن المكتب وثق أشكالاً من التمييز المستمر التي قد ترقى في توصيفها القانوني إلى مستوى نظام الفصل العنصري 'أبارتهايد'.

وطالبت المتحدثة المجتمع الدولي بضرورة التدخل العاجل لوقف هذا النهج التصعيدي وإلزام إسرائيل باحترام مسؤولياتها كقوة احتلال بموجب القانون الدولي. ودعت إلى إيلاء اهتمام أكبر لما يجري في الضفة الغربية من عمليات تغيير ديموغرافي وقانوني متسارعة.

من جانبها، تشير المعطيات الفلسطينية الرسمية إلى أرقام أكثر مأساوية، حيث بلغ عدد الشهداء في الضفة منذ أكتوبر 2023 نحو 1112 شهيداً. كما سجلت الطواقم الطبية إصابة أكثر من 11 ألفاً و500 فلسطيني، في حين تجاوز عدد المعتقلين في سجون الاحتلال حاجز 21 ألف معتقل.

وخلصت شامداساني إلى أن تكثيف الاعتداءات الإسرائيلية، بما في ذلك القتل والاعتقال والتوسع الاستيطاني، يمهد الطريق لضم الضفة الغربية رسمياً. وحذرت من أن الصمت الدولي تجاه هذه الإجراءات سيؤدي إلى ترسيخ واقع غير قانوني يصعب التراجع عنه في المستقبل القريب.

عربي ودولي

الثّلاثاء 17 فبراير 2026 9:26 صباحًا - بتوقيت القدس

أستراليا توصد الأبواب أمام رعاياها في مخيمات سوريا: 'رتبوا أسرتكم بأنفسكم'

جدد رئيس الوزراء الأسترالي، أنتوني ألبانيزي، تأكيد موقف بلاده المتشدد حيال مواطنيها المحتجزين في المخيمات السورية، معلناً أن الحكومة لن تتخذ أي خطوات لاستعادة المشتبه بانتمائهم لتنظيم الدولة. وأوضح ألبانيزي أن كانبيرا تتبنى سياسة حازمة تقضي بعدم تقديم أي مساعدة لوجستية أو تسهيلات رسمية لضمان عودة هؤلاء الرعايا إلى الأراضي الأسترالية.

تأتي هذه التصريحات في أعقاب واقعة شهدت عودة 34 أسترالياً من النساء والأطفال إلى مخيم روج الذي تديره قوى كردية في شمال شرق سوريا، بعد وقت قصير من محاولة مغادرتهم. وأفادت مصادر ميدانية بأن فشل عملية المغادرة جاء نتيجة سوء تنسيق مع السلطات في دمشق، مما أجبر الحافلات التي كانت تقلهم على العودة أدراجها إلى المخيم الواقع في محافظة الحسكة.

وكانت إدارة المخيم قد شرعت في إجراءات تسليم 11 عائلة تضم 34 شخصاً يحملون الجنسية الأسترالية إلى وفد من ذويهم الذين وصلوا إلى المنطقة لاصطحابهم. وبحسب مسؤولي المخيم، فإن المجموعة نُقلت بالفعل عبر حافلات صغيرة باتجاه العاصمة دمشق، إلا أن غياب الترتيبات الأمنية والسياسية الكافية حال دون إتمام الرحلة.

وفي حديثه لهيئة الإذاعة العامة الأسترالية، استخدم ألبانيزي لغة قاسية لوصف الموقف، مستشهداً بمثل شعبي يقول 'رتب سريرك بنفسك فأنت من يرقد فيه'. وأشار إلى أن حكومته لا تشعر بأي تعاطف تجاه الأفراد الذين قرروا طواعية السفر والانضمام إلى تنظيمات تهدف إلى تقويض قيم المجتمع الأسترالي وتدمير نمط حياته المستقر.

ورغم اعتراف رئيس الوزراء بأن هذا القرار يلقي بظلاله الثقيلة على الأطفال الأبرياء المتواجدين في تلك المخيمات، إلا أنه أصر على حجب المساعدة الحكومية. وحذر ألبانيزي من أن أي مواطن ينجح في العودة بجهوده الخاصة سيخضع للمساءلة القانونية الصارمة، وسيواجه قوة القانون في حال ثبت تورطه في أي أنشطة إجرامية أو إرهابية.

وتشهد المنطقة حالة من عدم الاستقرار الأمني، خاصة بعد انسحاب قوات سوريا الديمقراطية 'قسد' من مخيم الهول الشهر الماضي إثر تصعيد عسكري مع القوات الحكومية. هذا الانسحاب أدى إلى خروج آلاف المحتجزين، بينهم آلاف الأجانب، إلى جهات غير معلومة، وسط غموض يلف ملابسات خروجهم والمخاطر الأمنية المترتبة على ذلك.

داخلياً، تثير قضية 'عائدو سوريا' انقساماً حاداً في الأوساط السياسية الأسترالية منذ سنوات، حيث تقود المعارضة المحافظة جبهة الرفض القاطع للعودة لدواعٍ تتعلق بالأمن القومي. ويرى المعارضون أن استعادة هؤلاء الأفراد قد تشكل تهديداً مباشراً للمجتمع، وهو ما يتماشى مع التوجه الحالي للحكومة العمالية برئاسة ألبانيزي.

في المقابل، تضغط منظمات حقوقية دولية مثل 'هيومن رايتس ووتش' و'سايف ذي تشيلدرن' على الحكومة للوفاء بالتزاماتها القانونية والأخلاقية تجاه مواطنيها، وخاصة الأطفال. وكانت منظمة 'سايف ذي تشيلدرن' قد رفعت دعوى قضائية في منتصف عام 2023، مطالبة الدولة بالتدخل لإنقاذ النساء والأطفال من الظروف المعيشية المأساوية داخل المخيمات.

ويبقى مصير العشرات من الأستراليين معلقاً في مخيم روج، في ظل غياب أي أفق ديبلوماسي لتسوية أوضاعهم بين الحكومة الأسترالية والسلطات السورية أو الإدارة الكردية. وتعكس هذه الأزمة تعقيدات الملف الإنساني الممزوج بالحسابات السياسية والأمنية التي ترفض فيها الدول الغربية استعادة مواطنيها المرتبطين بمناطق النزاع.

أقلام وأراء

الثّلاثاء 17 فبراير 2026 9:17 صباحًا - بتوقيت القدس

ضحكةٌ ساخرةٌ في وجه قتامةِ الواقع


جاء صديقنا وفي جعبته تقريرًا صحفيًا أعدّه للجريدة حول الواقع الاقتصادي في المدينة، وأحوال الناس مع اقتراب حلول شهر رمضان الفضيل، وسرعان ما بدأ يخبرنا عن خطوات وزارة الاقتصاد في مكافحة الأغذية الفاسدة والمنتهية الصلاحية، وطُرق تلاعب التجار المكتشفة حول تغيير تواريخ انتهاء البضائع، وسياسات الاحتكار، والتشريعات الموضوعة بهذا الخصوص، ومخزون المواد الغذائية في الأسواق، والارتفاع غير المفهوم في بعض الأصناف كاللحوم والدواجن، مرورًا بشكوى التجار من حالة الكساد غير المسبوقة رغم عدم ارتفاع أسعار بعض السلع، والعروض التي تقدمها المحلات التجارية التي أصبح اسمها"مول"، إلا أن الإقبال لا يزال ضعيفًا، وفي فورة انهماك صديقنا الصحفي وإسهابه في الشرح الذي وصل إلى حد أصحاب البسطات على الأرصفة، وعجز البلدية عن تنظيم سوق لهم، حتى صدمهُ صديق مشترك برأيه، كان منذ البداية يجلس مصغيًا، يحتسي قهوة ويراقب حركات الكلام في فم صديقنا الصحفي، وفجأة نطق ساخرًا: لا تصدق شكواهم، فالأوضاع جيدة جدًا، بل ممتازة، والأسعار في متناول الجميع، ولكنهم اعتادوا الشكوى. اكتب تقريرًا آخر وضع عنوانًا له: "واقع اقتصادي مزدهر على أبواب رمضان في الأراضي الفلسطينية". وقف صديقنا الصحفي مذهولًا مما ظن أنها رؤيا مختلفة لمشاهداته في الشارع والطريق والأسواق، ولولا أن صديقنا الساخر ضحك لظن الأمر جديًا، أو أنه يعمل لدى جهة أمنية أو سيادية، ويكون عندئذ قد وقع في الفخ، ثم أردف يقول: هي أضغاث أحلام، وربما هذه الأمنيات تتحقق ذات يوم، لتكتبها بقلمك قبل أن تحال إلى التقاعد. ضحكنا وانتهى اللقاء بيننا، ضحكة الساخرين في مواجهة قتامةِ الواقع.


فلسطين

الثّلاثاء 17 فبراير 2026 9:13 صباحًا - بتوقيت القدس

وزيرة الخارجية الفلسطينية تؤكد تمسك القيادة بوحدة الأرض ورفض سياسات الضم

أكدت وزيرة الخارجية الفلسطينية د. فارسـين أغابكيان شاهين أن الاستراتيجية الوطنية الفلسطينية تقوم على وحدة الأرض الفلسطينية وتثبيت الشعب الفلسطيني على أرضه في كل من قطاع غزة والضفة الغربية بما فيها القدس الشرقية، مشددة على أن القضية الفلسطينية هي “قضية حق” وليست رواية دينية كما تحاول إسرائيل تصويرها.

وأوضحت شاهين أن الجهد الدبلوماسي الفلسطيني يتركز على دحض الروايات الإسرائيلية التي توظف الدين لتبرير السيطرة على الأرض الفلسطينية المحتلة، مؤكدة أن السلطة الوطنية الفلسطينية تمثل حكومة دولة فلسطين المعترف بها دولياً من قبل أكثر من 160 دولة، وأنها جاءت استناداً إلى اتفاقات ومرجعيات دولية.

وشددت على أن القيادة الفلسطينية تعمل على تقوية السلطة الوطنية عبر إجراءات عملية على الأرض، مع تحميل إسرائيل، بصفتها القوة القائمة بالاحتلال، مسؤولياتها القانونية، ووقف سياسات الضم والتهجير التي تقوض فرص الاستقرار.

كما دعت وزيرة الخارجية المجتمع الدولي إلى تحمل مسؤولياته القانونية والسياسية في حماية القانون الدولي ودعم الاستقرار في الأراضي الفلسطينية، مؤكدة أن توحيد الحالة الفلسطينية يمثل مسؤولية وطنية جماعية لا تقع على عاتق جهة واحدة.

وأشارت إلى أن الرئيس الفلسطيني محمود عباس قدم رؤية واضحة لتوحيد الصف الفلسطيني ضمن إطار دولة واحدة وحكومة واحدة وسلطة قانون واحدة، داعية إلى تجاوز الانقسامات الحزبية والعمل ضمن مشروع وطني جامع يهدف إلى إنهاء الاحتلال.

وختمت شاهين تصريحاتها بالتأكيد على أن تحقيق شرق أوسط آمن ومستقر يتطلب إنهاء الاحتلال الإسرائيلي، معتبرة أن تمكين السلطة الوطنية الفلسطينية يشكل ضرورة للاستقرار، وأن البديل عن ذلك سيكون الفوضى.



أقلام وأراء

الثّلاثاء 17 فبراير 2026 9:11 صباحًا - بتوقيت القدس

اللي بكبّر حجرو..!!

د. ابراهيم ملحم

رئيس التحرير

أقل الكلام

تحت ضغط الدفع بالمزيد من البوارج وحاملات الطائرات، وتواصل التغريدات بالتحذير من سوء المآلات، إنْ رفضت طهران الانصياع لرغبة "الأخ الأكبر" بوقف برنامجها النووي، وتفكيك برنامجها الصاروخي، والتخلي عن أذرعها في المنطقة. تنعقد اليوم في جنيف مفاوضات ما سمي "الفرصة الأخيرة"، فيما تبدي طهران مقارباتٍ قد تبدو مقبولة لدى ترمب، الذي يرفع سقف المطالب ليحقق مطلبه الوحيد المتعلق بوقف التخصيب. 

لم يستطع عجوز الليكود تأليب صاحب الذات المتضخمة على إيران عبر عرضه خلال لقائه به في البيت الأبيض، الذي استغرق ثلاث ساعات، مواد تنطوي على إهانةٍ شخصية، فيما أغدق عليه بالمديح لاستمالته لقبول روايته، واستعجال توجيه الضربة المنتظرة. 

إعلان ترمب تحريك حاملة الطائرات "جيرالد فورد" إلى بحر العرب، التي سبقتها إليه "أبراهام لينكولن"، والتي هي جزء من "الديكور التفاوضي" الذي يتقنه صاحب الصفقات، يكشف أن الرجل لا يسعى لاستخدام قوته بقدر ما يرمي لترهيب عدوه ووضعه أمام الضغوط القصوى، ليقول في حال الاتفاق: نُصرت بالرعب.

احتمالات التوصل لاتفاق تومئ لها لهجة نتنياهو المخففة، التي جنحت لامتداح ما يقوم به ترمب، رغم معرفته أن تفكيك الصواريخ لن يكون ضمن الاتفاق المرتقب، فالذئب الذي راهن على الحسم العسكري يجد نفسه اليوم مضطرًا لمباركة اتفاقٍ لا يستجيب لنوازعه، خشية الاصطدام مع شريكه.

يبدو أن طهران التي تجيد حياكة السجاد ولظم خيوطه مستعدة لتقديم تنازلات إزاء التخصيب، مقابل الحصول على امتيازاتٍ ترفع العقوبات، لمعرفتها أن ترمب في النهاية تاجر يسعى لتحقيق أفضل الأسعار. وعليه، فإن ما ستنتهي إليه الحملة في المياه الدافئة لن يتجاوز ضربةً هي أقرب إلى مدفع رمضان، ولا تشبه صخب البوارج وأزيز الطائرات. 

يبحث ترمب اليوم في جنيف عن "صورة تاريخية" تُظهره كصانع سلام، بعد أن حشد للحرب، وانتصر فيها، دون أن يطلق رصاصة واحدة، وهو ما يفسر استعداده للتنازل عن مطلب "تفكيك الصواريخ" مقابل الفوز بمطلب "التخصيب".

منوعات

الثّلاثاء 17 فبراير 2026 9:07 صباحًا - بتوقيت القدس

مسي فرانكفورت ترسم ملامح عالم الغد...اختتام أضخم تجمع دولي لـ “أمبينت”، “كريسماس وورد”، و”كريتيف وورد” لعام 2026

اختتمت في فرانكفورت الألمانية فعاليات “الثلاثية الكبرى” للمعارض التجارية: Ambiente وChristmasworld وCreativeworld لعام 2026، والتي أقيمت بين 6 و10 فبراير بتنظيم من ميسي فرانكفورت (Messe Frankfurt). استقطبت المعارض آلاف الزوار والمستثمرين من مختلف أنحاء العالم، مؤكدة مكانة فرانكفورت كمركز عالمي لرصد اتجاهات الأسواق والتصميم والابتكار.

وفق البيانات الرسمية، شارك في المعارض أكثر من 4,636 عارضاً من جميع القارات، منهم 88% من الخارج، وزار المعارض نحو 140,000 زائر تجاري من أكثر من 170 دولة، بما فيها فلسطين.

تجارب فلسطينية في قلب المعرض

شارك الحاج كمال النتشة، تاجر أدوات منزلية من الخليل، في المعرض للمرة الثالثة، قائلاً:

"هذه زيارتي الثالثة لميسي فرانكفورت. جئتُ هذا العام ليس لعقد صفقات جديدة فقط، بل لبناء شبكة علاقات مع موردين من شرق آسيا وأوروبا. نجحنا في توقيع تفاهمات لاستيراد خطوط إنتاج صديقة للبيئة لأول مرة في السوق الفلسطيني".

بينما شارك المهندس سامر الاتيرة، مطور ديكور وهدايا من رام الله، للمرة الأولى، وقال:

"المعرض فاق توقعاتي. شاهدت تقنيات الإضاءة الذكية والمواد الجديدة، ووجدت نفسي أبرم اتفاقيات مبدئية لتوريد مستلزمات فنية غير مسبوقة في أسواقنا. التجربة أثبتت أن التاجر الفلسطيني يمتلك ذوقاً رفيعاً ويحتاج فقط للوصول إلى هذه المنصات العالمية".

أمبينت 2026: الابتكار والاستدامة في الضيافة

شكل Ambiente 2026 منصة عالمية لعرض أحدث الاتجاهات في السلع الاستهلاكية، أدوات المائدة، ديكور المنازل، ومنتجات الضيافة والخدمات الغذائية، مع تركيز كبير على المنتجات المستدامة. ركز المعرض على دمج الابتكار مع الاستدامة في مختلف القطاعات، حيث ظهرت تصاميم أدوات المائدة التي تجمع بين الأداء الرفيع والقيم البيئية، بينما كشفت أقسام الديكور المنزلي عن ألوان وتصاميم جديدة تعكس مزاج المستهلك المعاصر، إلى جانب حلول مبتكرة للتخزين والتنظيم. كما شهد قطاع الضيافة والخدمات الغذائية إقبالاً واسعاً من المشترين العالميين، حيث عرضت الشركات أحدث الحلول المخصصة للفنادق والمطاعم من أدوات تقديم وتجهيزات طاولات وأنظمة تقديم الطعام الذكية.

وقال ديفيد تشين، مصمم داخلي لمنتجعات سياحية:

"الابتكارات في أدوات المائدة للفنادق تعكس رغبة عالمية بتقديم تجربة فاخرة وصديقة للبيئة في الوقت نفسه".

كريسماس وورد: الإبهار بصرياً

شهد Christmasworld 2026 أبرز عروض الديكور الموسمي والاحتفالي العالمي، ضمن مساحة تزيد على 73,000 متر مربع، حيث جمع المعرض كبار الموردين والمصممين في مجال الزينة والإضاءة والمنتجات الموسمية. ركز المعرض على تصاميم جريئة تجمع بين المواد الدافئة والمعدنية، إلى جانب استخدام الضوء والانعكاسات اللونية لإضفاء أجواء عصرية، ودمج أشكال هندسية ومواد متينة مع لمسات كلاسيكية، مع الالتزام بالتصميم المستدام.

وأوضحت إلينا رودريغيز، مصممة إضاءة المدن:

"قدمنا تقنيات تعتمد على الذكاء الاصطناعي لتقليل استهلاك الطاقة بنسبة تصل إلى 40%، ولاحظنا اهتماماً كبيراً من البلديات الكبرى في أوروبا وآسيا."

كما قدم المعرض عروضاً متكاملة من الزينة التقليدية والإضاءة والمنتجات الموسمية القابلة لإعادة التدوير، وخلق منصات للتواصل التجاري بين الموردين والمشترين، ما جعل المعرض أكثر من مجرد مكان للعرض، بل منصة للتبادل التجاري والإبداعي.

كريتيف وورد: الإبداع بلا حدود

برز Creativeworld 2026 كمنصة عالمية للفنون اليدوية وموردي الخامات، مع تركيز على الابتكار والاستدامة والتنوع الإبداعي. شهد المعرض تكريم الفائزين بجائزة النبض الإبداعي 2026 لأفضل أدوات الرسم والأعمال اليدوية، كما سلط الضوء على تصميم الأقمشة والحرف النسيجية التي شهدت تطوراً كبيراً في خيوط وأقمشة جديدة، مع ورش عملية وتقنيات متقدمة في الصباغة، التطريز والحياكة، بالإضافة إلى مساحة للفنون الحضرية حيث تمكن الزوار من المشاركة في فعاليات Graffiti & Street Art. كما شكّل برنامج Creative Academy منصة تعليمية وجاذبة للزوار، مقدماً ورش عمل وجلسات تعليمية حول أحدث الاتجاهات والتقنيات في الحرف اليدوية والابتكار، مع تكريم أبرز المنتجات والأفكار التي تعكس توجهات السوق المستقبلية.

تحديات وفرص

كشف مؤشر الصناعة العالمي عن تباين في المزاج الاقتصادي، إلا أن المشاركين أبدوا مرونة وتفاؤلاً تجاه النصف الثاني من عام 2026، مؤكدين أهمية تبسيط الإجراءات الإدارية في التجارة البينية لتعزيز التعاون الدولي.

وفي كلمة ختامية، أكدت إدارة ميسي فرانكفورت أن النجاح الباهر لهذا العام يشكل قاعدة قوية للنسخة القادمة 2027، مشيرة إلى أن فرانكفورت ستظل دائماً “البوصلة” التي توجه دفة الاقتصاد العالمي في قطاع السلع الاستهلاكية.


تحليل

الثّلاثاء 17 فبراير 2026 9:06 صباحًا - بتوقيت القدس

غزة تختبر التحالف الغربي في ميونخ 2026

تحليل إخباري

بدت غزة في مؤتمر ميونخ للأمن لعام 2026 كملف سياسي وأخلاقي يطغى على كثير من النقاشات، حتى حين كان جدول الأعمال مزدحماً بأوكرانيا والصين والطاقة. ففي القاعات الرئيسية، وفي الأحاديث الجانبية، بدت الحرب في غزة كأنها اختبار مزدوج: اختبار لحدود النفوذ الأميركي على إسرائيل، واختبار لقدرة أوروبا على تحويل حساسيتها الإنسانية إلى سياسة ضاغطة. حاولت واشنطن ضبط النقاش ضمن فكرة "منع اتساع الحرب" وتخفيف التوتر الإقليمي، بينما دفع الأوروبيون باتجاه لغة أكثر صراحة حول الكلفة الإنسانية وضرورة وقف إطلاق نار طويل، وربط أي مرحلة لاحقة بأفق سياسي واضح.

هذا التوتر لم يأتِ من فراغ. فالحضور الأميركي في ميونخ كان كثيفاً ومتنوعاً، ضم مسؤولين من الإدارة وأعضاء من الكونغرس من الحزبين وقادة عسكريين ومسؤولين أمنيين وخبراء من مراكز بحثية ومسؤولين سابقين. لم تكن المشاركة بروتوكولية، بل بدت محاولة لإرسال رسائل متعددة في وقت واحد: طمأنة الحلفاء بأن الالتزام الأميركي بأمن أوروبا ما زال قائماً، ردع الخصوم وخصوصاً روسيا، وإظهار أن التحالفات الخارجية لا تزال جزءاً من "المصلحة الأميركية" رغم الاستقطاب الداخلي.

واتسم الخطاب الأميركي بثلاث ركائز: التأكيد على أن أوروبا شريك لا يمكن استبداله وأن أمنها جزء من الأمن القومي الأميركي، التحذير من أن التهديد الروسي لم يتراجع وأن أي تهاون في دعم أوكرانيا سيُنتج كلفة أعلى لاحقاً، ثم طرح مفهوم "الردع المتعدد" الذي يربط بين ساحات التوتر المختلفة بوصفها مسارح مترابطة سياسياً وعسكرياً. هذه الصياغة حاولت تقديم صورة قوة قادرة على إدارة ملفات متزامنة، لكنها أخفت أيضاً حقيقة أن إدارة الأزمات أصبحت هي البديل الأكثر حضوراً عن الحلول.

بالنسبة لأوكرانيا، ظهر المؤتمر كأنه منصة لإعادة شحن الدعم الغربي ومنع التعب السياسي. شددت الولايات المتحدة على أن دعم كييف ليس عملاً خيرياً بل استثمار في منع سابقة تغيير الحدود بالقوة. وفي الوقت نفسه، ضغطت واشنطن على الأوروبيين للانتقال من رد الفعل إلى بناء قدرة ردع مستدامة عبر تمويل طويل الأمد وتسريع إنتاج الذخائر. وكان واضحاً أن فجوة التصنيع العسكري في أوروبا، مقارنة بحجم الحرب وطولها، تحولت إلى نقطة ضعف إستراتيجية تفرض نفسها على كل نقاش.

ومن هنا انتقل الحديث إلى الناتو. ناقش الأميركيون مع الحلفاء رفع الجاهزية وزيادة الإنفاق الدفاعي وتوسيع مخزون الذخائر وتحسين سلاسل الإمداد، مع تحديث مفهوم الردع ليشمل الهجمات السيبرانية وحروب المعلومات والضغط الاقتصادي والابتزاز عبر الطاقة. الرسالة الأميركية الأساسية كانت أن أوروبا مطالبة بالتحول من "مستهلك للأمن" إلى "منتج للأمن"، ليس فقط عبر المال، بل عبر توسيع القاعدة الصناعية الدفاعية وتقليل الاعتماد على واشنطن في بعض القدرات التكتيكية.

لكن غزة ظلت الملف الذي يضغط على صورة الولايات المتحدة أكثر من غيره. فواشنطن وجدت نفسها بين الحفاظ على تحالفها التقليدي مع إسرائيل، وبين مواجهة انتقادات أوروبية ودولية بشأن الكلفة الإنسانية للحرب وغياب تصور سياسي لما بعد العمليات. حاول الخطاب الأميركي الموازنة بين "حق إسرائيل في الأمن" (وفق المعايير الأميركية) وضرورة حماية المدنيين، وبين منع اتساع الحرب وعدم فقدان النفوذ. غير أن هذا التوازن بدا هشاً، لأن كثيراً من الأوروبيين لم يعودوا يكتفون بتعهدات عامة، بل يريدون التزاماً أميركياً بخط سياسي واضح يخفف الانفجار الإقليمي ويعيد الاعتبار للمعايير القانونية.

وفي ملف إيران والبحر الأحمر، ركزت الولايات المتحدة على أن الردع لا يعني التصعيد المفتوح، بل "إدارة المخاطر" عبر ضربات محدودة وعقوبات وتحالفات بحرية وضغط دبلوماسي. بدا أن واشنطن تريد تثبيت معادلة: حماية الملاحة الدولية ومنع توسع الهجمات، دون فتح جبهة تستنزفها وهي تحاول الحفاظ على تركيزها الاستراتيجي الأكبر. وفي هذا السياق، لم يكن الشرق الأوسط ملفاً منفصلاً، بل جزءاً من شبكة أوسع تربط بين الردع والقدرة على توزيع الموارد.

ورغم أن مؤتمر ميونخ غربي الطابع، إلا أن الصين كانت حاضرة بقوة. ودفعت واشنطن لإبقاء بكين في قلب النقاش، معتبرة أن التحدي الصيني ليس عسكرياً فقط بل صناعي وتكنولوجي وتجاري. وحذرت من الاعتماد الأوروبي على سلاسل توريد حساسة مرتبطة بالصين، خاصة في أشباه الموصلات (Semi-conductors) والمعادن النادرة والبنية التحتية الرقمية. لكن الأوروبيين بدوا أقل حماساً لمعادلة الاصطفاف الكامل، لأن مصالحهم الاقتصادية مع الصين عميقة، لذلك ظل مفهوم "خفض المخاطر" الأوروبي أكثر براغماتية من المقاربة الأميركية.

وفي الطاقة والاقتصاد، قدمت الولايات المتحدة نفسها كداعم لتنويع مصادر الطاقة الأوروبية عبر الغاز الطبيعي المسال وشراكات الطاقة المتجددة. لكن بعض الأوروبيين أبدوا قلقاً من أن واشنطن تستفيد اقتصادياً من الأزمة بينما تتحمل أوروبا كلفة التضخم والركود. هذا التوتر لم يتفجر على المنصات، لكنه كان حاضراً في الكواليس، كإشارة إلى أن التحالف الغربي بات يدار أيضاً بمنطق توزيع الأرباح والخسائر.

وأثار وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو جدلاً واسعا حين تحدث بصيغة مباشرة عن ضرورة "استعادة الهيمنة الغربية" على النظام الدولي، محملاً الأوروبيين مسؤولية التحول من شركاء مترددين إلى رافعة سياسية واقتصادية وعسكرية للمشروع الغربي. هذا الطرح كشف تناقضاً بين لغة الشراكة ولغة القيادة الأحادية، وبين الحاجة إلى الحلفاء والرغبة في ضبطهم.

وزاد ارتباك الرسالة مع بروز خلاف أميركي–أميركي في المؤتمر، بين من يدعو إلى تشدد أكبر تجاه روسيا والصين، ومن يطالب بأولوية الداخل الأميركي وتقليل الالتزامات الخارجية. كما ظهر اختلاف بين مسؤولين حاليين وسابقين حول غزة وإيران، بين من يرى أن غياب الأفق السياسي يفرض ثمناً أخلاقياً واستراتيجياً، ومن يركز على منع اتساع الحرب وحماية المصالح المباشرة.

في المحصلة، بدا ميونخ 2026 اختباراً مزدوجاً: لصلابة التحالف عبر الأطلسي، ولقدرة واشنطن على طمأنة حلفائها في ظل استقطابها الداخلي. الولايات المتحدة حضرت لتقول إنها ما زالت القائد، لكنها في الوقت نفسه قالت لأوروبا إن زمن الاعتماد الكامل انتهى. وبين غزة وأوكرانيا والصين، ظهر غرب قائم لكنه أقل ثقة وأكثر توتراً، ومستقبل لن يُحسم بالشعارات بل بشراكة طويلة الأمد قابلة للقياس.


اسرائيليات

الثّلاثاء 17 فبراير 2026 8:56 صباحًا - بتوقيت القدس

تحليلات إسرائيلية لمفاوضات جنيف: طهران تناور لرفع العقوبات وكسب الوقت النووي

تتجه الأنظار الدولية نحو مدينة جنيف السويسرية التي تشهد انطلاق جولة جديدة من المباحثات المكثفة بين الولايات المتحدة وإيران. تأتي هذه الجولة في وقت حساس يشهد تباينات حادة في الرؤى بين مطالب طهران برفع العقوبات الاقتصادية، وإصرار واشنطن على فرض قيود صارمة على البرنامج النووي الإيراني.

وفي هذا السياق، أشار مئير بن شبات، الذي شغل سابقاً منصب رئيس مجلس الأمن القومي الإسرائيلي، إلى أن المحادثات المقررة يوم الثلاثاء تجري بوساطة من سلطنة عمان. وأوضح أن التصريحات الإيرانية الرسمية تشير إلى رغبة في حصر النقاش في الجوانب التقنية والقانونية المرتبطة بالملف النووي، مع التمسك بما تصفه طهران بحقها في التخصيب السلمي.

وتشير التقديرات إلى أن الوفد الإيراني المفاوض يضم نخبة من الخبراء الفنيين، مما يعكس رغبة طهران في إظهار جديتها الفنية للتوصل إلى حلول وسط. ومع ذلك، يرى مراقبون أن قضايا جوهرية مثل كمية المواد المخصبة وأعداد أجهزة الطرد المركزي لا تزال تمثل نقاط خلاف معقدة لم يتم حسمها بعد.

وتتوقع مصادر مطلعة أن تطرح إيران خطة عمل تتألف من ثلاث مراحل تهدف في جوهرها إلى كسب الوقت وتخفيف الضغوط الدولية. تشمل هذه الخطة خفض مستويات تخصيب اليورانيوم إلى نسب منخفضة، والسماح بعودة الرقابة اللصيقة من قبل الوكالة الدولية للطاقة الذرية، مقابل الحصول على حزمة إعفاءات اقتصادية شاملة.

وعلى المقلب الآخر، يبدو الموقف الأمريكي أكثر تشدداً، حيث تسعى إدارة واشنطن، عبر مبعوثيها يتكوف وكوشنر، إلى تحقيق تجميد كامل وشامل لعمليات التخصيب. وتهدف الاستراتيجية الأمريكية إلى تفكيك البنية التحتية النووية الإيرانية بشكل يضمن عدم قدرة طهران على امتلاك سلاح نووي في المستقبل المنظور.

وبالتزامن مع الحراك الدبلوماسي، لم تغب الرسائل العسكرية عن المشهد، حيث تواصل حاملة الطائرات الأمريكية 'جيرالد فورد' انتشارها في المنطقة. وفي المقابل، أطلق الحرس الثوري الإيراني مناورات بحرية في مضيق هرمز، تضمنت استخدام طائرات مسيرة وسفن سريعة، في خطوة فُسرت على أنها رسالة ردع مباشرة للقوى الغربية.

ويرى بن شبات أن هناك أربعة سيناريوهات محتملة لمستقبل هذه الأزمة، أولها الوصول إلى اتفاق شامل ينهي الطموحات النووية والبرامج الصاروخية الإيرانية. ورغم أن هذا السيناريو هو المفضل دولياً، إلا أن فرص تحقيقه تبدو ضئيلة نظراً لرفض طهران المساس بقدراتها الدفاعية وصواريخها الباليستية.

أما السيناريو الثاني، فيتمثل في اتفاق جزئي يركز فقط على الملف النووي، وهو ما تراه الأوساط الإسرائيلية خياراً إشكالياً وخطراً. فمن وجهة نظر تل أبيب، قد يوفر هذا الاتفاق تمويلاً ضخماً للنظام الإيراني دون تحييد قدراته الهجومية أو وقف أنشطة أذرعه في المنطقة.

ويبرز سيناريو فشل المحادثات كخيار ثالث قد يدفع بالرئيس ترامب نحو استخدام التهديد العسكري المباشر أو تشديد الضغوط لإسقاط النظام. هذا المسار يتطلب استعداداً لشن ضربات تستهدف مراكز القوة والمنشآت الحيوية الإيرانية، وهو ما قد يؤدي إلى تصعيد غير محسوب في الشرق الأوسط.

وفي الختام، يبقى احتمال استمرار الوضع الراهن قائماً، حيث تنتهي المفاوضات دون اتفاق مع تشديد العقوبات الاقتصادية. وفي هذه الحالة، تؤكد المصادر الإسرائيلية ضرورة الاستعداد لكافة الاحتمالات، بما في ذلك إمكانية تنفيذ عمل عسكري مستقل لحماية أمنها القومي في حال استمرت طهران في تطوير قدراتها النووية.

عربي ودولي

الثّلاثاء 17 فبراير 2026 8:56 صباحًا - بتوقيت القدس

تحالفات الشرق الجديدة: كيف أعادت الصين وروسيا رسم قواعد المواجهة بين واشنطن وطهران؟

دخلت المواجهة المحتدمة بشأن الملف الإيراني منطقة استراتيجية مجهولة، حيث لم يعد المشهد مقتصرًا على التجاذبات الدبلوماسية التقليدية، بل بات محكومًا بتدخل هادئ وحاسم من خصوم الولايات المتحدة الرئيسيين. ما كان يُعرف يوماً كمواجهة ثنائية بين واشنطن وطهران، تطور الآن إلى مباراة شطرنج ثلاثية الأبعاد، تنشر فيها الصين وروسيا قدرات عسكرية وتقنية متطورة تتحدى بشكل جوهري حرية الحركة الأمريكية التاريخية في منطقة الشرق الأوسط.

تظل المحركات الأساسية للسياسة الأمريكية ثابتة في جوهرها، حيث تملي المخاوف الأمنية الإسرائيلية، المدعومة بضغط دوائر انتخابية محلية مؤثرة، نهج واشنطن المتشدد. وتتمثل المطالب الأمريكية المقدمة لطهران في شروط صارمة تشمل الوقف الكامل لتخصيب اليورانيوم وتفكيك منظومة الصواريخ البالستية، وهي مطالب تراها طهران بمثابة شروط استسلام تهدف لتجريدها من مقومات سيادتها وأمنها القومي.

لقد طرأ تحول جذري على المشهد الاستراتيجي بعدما خلصت بكين وموسكو إلى أن بقاء إيران كلاعب مستقل يمثل مصلحة وطنية حيوية لهما لا يمكن التنازل عنها. فبالنسبة للصين، تعد إيران المرتكز الغربي لمبادرة 'الحزام والطريق' وبوابتها نحو أوروبا وأفريقيا، بينما تراها روسيا حاجزاً حاسماً ضد التمدد الغربي وشريكاً أساسياً في كسر الهيمنة الأمريكية المنفردة على مقدرات المنطقة.

تجسد هذا التحول ميدانياً بوصول أصول بحرية صينية متطورة إلى بحر عمان، شملت مدمرة وسفينة متخصصة في استخبارات الإشارات، تعمل كمنصات عملياتية لمراقبة تحركات البحرية الأمريكية على مدار الساعة. هذه السفن المدمجة بنظام 'بيدو' الصيني للملاحة، خلقت بنية استخباراتية تمد طهران بمعلومات فورية عن مسارات حاملات الطائرات وطرادات الصواريخ، مما أفقد البنتاغون عنصر المفاجأة الاستراتيجي.

على الجانب الآخر، برز الدور الروسي بشكل حاسم خلال الأزمات التقنية، حيث وصلت فرق فنية روسية إلى طهران في غضون 48 ساعة لإصلاح شبكات الاتصال الحيوية التي شلتها هجمات سيبرانية منسقة. هذا التدخل التقني السريع، إلى جانب رحلات الشحن العسكري المستمرة، يشير إلى التزام موسكو بتزويد إيران بأنظمة دفاع جوي وأجهزة اتصالات آمنة تعقد حسابات أي تدخل عسكري محتمل ضد المنشآت الإيرانية.

تجد الإدارة الأمريكية نفسها اليوم محاصرة بين ضغوط داخلية تطالب بتحرك ملموس، وبين حقائق عسكرية ميدانية تفرض التريث وإعادة التقييم. وقد عكست زيارة رئيس الوزراء الإسرائيلي الأخيرة للبيت الأبيض حجم القيود السياسية التي تشكل السياسة الأمريكية، في وقت بدأ فيه القادة العسكريون في واشنطن يستوعبون أن تكلفة أي مواجهة مباشرة قد ارتفعت بشكل غير مسبوق نتيجة الدعم الدولي لطهران.

تشير التقارير إلى أن إلغاء عملية عسكرية كانت مقررة في يناير الماضي لم يكن مجرد خداع استراتيجي، بل اعترافاً بتغير موازين القوى بعد رصد القدرات البحرية الصينية الجديدة. هذا التطور أجبر مخططو البنتاغون على إعادة النظر في الافتراضات القديمة بشأن الهيمنة المعلوماتية، حيث أصبح الخصم الآن مجهزاً بوعي ظرفي يضاهي ما تمتلكه القوات الأمريكية في المنطقة.

أما المسار الدبلوماسي الحالي، فيبدو وكأنه يتحرك تحت ذرائع واهية، حيث تصر واشنطن على استخدام العقوبات كأداة ضغط وعقاب في آن واحد، بينما ترهن طهران أي مرونة في التخصيب برفع كامل للقيود الاقتصادية. هذا الانسداد السياسي حول المفاوضات إلى ما يشبه المسرحية الموجهة للاستهلاك المحلي في كلا البلدين، دون وجود أفق حقيقي لاتفاق شامل ينهي حالة التوتر.

في نهاية المطاف، تستمر بنية الأمن الإقليمي في التطور نحو تكامل أعمق بين الأنظمة الإيرانية والصينية والروسية على المستويات العسكرية والاستخباراتية والاقتصادية. ولم يعد السؤال المطروح هو مدى قدرة واشنطن على إجبار إيران على التراجع، بل ما إذا كانت تمتلك الخيارات العسكرية والإرادة السياسية للعمل في بيئة دولية معقدة تضاءلت فيها احتمالات النجاح مقابل تصاعد هائل في التكاليف والمخاطر.

عربي ودولي

الثّلاثاء 17 فبراير 2026 8:56 صباحًا - بتوقيت القدس

ضغوط أمريكية مكثفة على بغداد لسحب ترشيح المالكي وتهديدات بعقوبات اقتصادية

تسيطر حالة من الغموض والارتباك على المشهد السياسي في العراق، في ظل تعثر التوافق الوطني على منصب رئيس الجمهورية والجدل المتصاعد حول ترشيح نوري المالكي لرئاسة الحكومة. وقد أفادت مصادر مطلعة بأن واشنطن وجهت تحذيرات شديدة اللهجة من تداعيات المضي في هذا الترشيح، معتبرة أن ذلك قد يؤثر بشكل مباشر على مستقبل العلاقات الثنائية بين البلدين.

وكشفت المصادر عن وصول رسالة أمريكية سرية إلى الأطراف الداعمة للمالكي، حددت يوم السادس عشر من فبراير الحالي كمهلة نهائية للاستجابة لمطلب سحب ترشيحه. وتضمنت الرسالة تلويحاً صريحاً بفرض عقوبات اقتصادية قاسية على العراق، تستهدف مؤسسات سيادية وحيوية في حال عدم الامتثال للمطالب الأمريكية بإنهاء دعم ترشح المالكي.

وتشمل قائمة العقوبات المحتملة التي لوحت بها إدارة الرئيس دونالد ترامب كلاً من البنك المركزي العراقي وشركة تسويق النفط الوطنية (سومو)، بالإضافة إلى الشخصيات المنضوية تحت لواء الإطار التنسيقي التي يثبت دعمها للمالكي. ويعكس هذا التصعيد رغبة واشنطن في ممارسة أقصى درجات الضغط لمنع عودة الوجوه السياسية التي تثير تحفظات أمريكية واسعة.

وفي محاولة لتدارك الموقف، باشرت حكومة تصريف الأعمال برئاسة محمد شياع السوداني اتصالات مكثفة مع الجانب الأمريكي بهدف احتواء الأزمة وتأجيل تنفيذ أي إجراءات عقابية. وذكرت مصادر أن السوداني يسعى للحصول على مهلة إضافية تمتد حتى نهاية الأسبوع الحالي، لإقناع القوى السياسية بضرورة انسحاب المالكي من السباق الحكومي وتجنب الصدام مع الإدارة الأمريكية.

يأتي هذا الحراك الأمريكي المتسارع ترجمة لتوجهات الرئيس ترامب الذي انتقد مراراً المسار السياسي الذي اتخذه نوري المالكي خلال سنوات حكمه السابقة. ويرى مراقبون أن واشنطن تسعى حالياً لفرض معادلة جديدة في العراق تضمن عدم عودة الشخصيات التي تعتبرها حليفة لخصومها أو مسؤولة عن تدهور الأوضاع في فترات سابقة.

فلسطين

الثّلاثاء 17 فبراير 2026 8:26 صباحًا - بتوقيت القدس

ترمب يطلق اجتماعات 'مجلس السلام': 5 مليارات دولار لإعمار غزة وقوة دولية لتثبيت الاستقرار

أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترمب عن عقد الاجتماع الأول لـ 'مجلس السلام' يوم الخميس المقبل، في خطوة تهدف إلى تفعيل رؤيته السياسية لقطاع غزة. وأكد ترمب أن الدول الأعضاء في المجلس تعهدت بتقديم مبالغ تتجاوز خمسة مليارات دولار لدعم العمليات الإنسانية ومشاريع إعادة الإعمار الضرورية في القطاع الذي دمرته الحرب. وتأتي هذه الخطوة بعد أسابيع من توقيع الميثاق التأسيسي للمجلس في منتدى دافوس السويسري، بمشاركة دولية واسعة شملت قوى إقليمية ومحورية.

ويشارك في الاجتماع المرتقب وفود رفيعة المستوى من أكثر من 20 دولة، من بينها السعودية وقطر ومصر وتركيا وإندونيسيا، بالإضافة إلى تمويل وتمثيل إسرائيلي يمثله وزير الخارجية جدعون ساعر. ويهدف الاجتماع إلى وضع اللمسات الأخيرة على آليات عمل 'قوة تحقيق الاستقرار' التي فوضتها الأمم المتحدة للعمل في غزة. وقد أبدى ترمب حماسة كبيرة لهذا المسار، معتبراً إياه بديلاً فعالاً للمسارات التقليدية التي لم تنجح في إنهاء الصراع طوال العقود الماضية.

وتشير التقارير إلى أن قوة الاستقرار الدولية (ISF) ستكون الركيزة الأمنية للخطة، حيث أعلنت إندونيسيا عن استعدادها للمساهمة بنحو 8000 جندي ضمن قوة قد يصل قوامها الإجمالي إلى 20 ألف فرد. وتهدف هذه القوة إلى ملء الفراغ الأمني وتدريب شرطة محلية فلسطينية، لضمان عدم عودة العمليات العسكرية. ومع ذلك، لا تزال شروط انتشار هذه القوات ومناطق عملياتها الدقيقة تخضع لمداولات مكثفة بين الدول المشاركة والإدارة الأمريكية.

من الناحية الهيكلية، يتمتع الرئيس الأمريكي بسلطات تنفيذية واسعة داخل المجلس، تشمل حق النقض على القرارات والقدرة على عزل الأعضاء، وفقاً لميثاق المنظمة. كما يفرض الميثاق شروطاً مالية صارمة للعضوية الدائمة، تصل إلى دفع مليار دولار لتمويل الأنشطة المختلفة. ويرى مراقبون أن هذه الهيكلية تعكس رغبة واشنطن في قيادة مسار دولي جديد يبتعد عن البيروقراطية المعهودة في المنظمات الدولية التقليدية مثل الأمم المتحدة.

وفي سياق متصل، عرض جاريد كوشنر، صهر الرئيس الأمريكي، رؤية اقتصادية طموحة لغزة المستقبلية، تضمنت صوراً تخيلية لناطحات سحاب ومنتجعات سياحية على شاطئ البحر. وأكد كوشنر أن تحويل غزة إلى وجهة استثمارية عالمية يتطلب ضخ استثمارات لا تقل عن 25 مليار دولار لتطوير البنية التحتية. لكنه شدد على أن هذا الازدهار الاقتصادي مرتبط بشكل عضوي بنزع سلاح حركة حماس وضمان بيئة أمنية مستقرة تجذب الشركات العالمية.

وعلى الصعيد الإداري، بدأت ملامح 'لجنة التكنوقراط الفلسطينية' بالظهور، حيث تم اختيار المهندس علي عبد الحميد شعث لرئاسة اللجنة المكونة من 15 خبيراً. وتتمثل مهمة هذه اللجنة في إدارة الخدمات العامة والبلدية اليومية لسكان القطاع تحت إشراف مباشر من مجلس السلام. وأكد شعث أن اللجنة ستركز على البعد الإنساني وتوفير المأوى الكريم، مشيراً إلى أن العمل سيبدأ تدريجياً في المناطق التي ينسحب منها الجيش الإسرائيلي.

وقد حظيت فكرة اللجنة الوطنية الانتقالية بدعم من الفصائل الفلسطينية، بما في ذلك حركة حماس، التي أبدت في بيان من القاهرة استعدادها لتسهيل مهام اللجنة. كما أعلنت الرئاسة الفلسطينية دعمها لهذا التوجه كجزء من ترتيبات المرحلة الانتقالية. ويهدف هذا التوافق إلى تجنب حدوث فوضى إدارية في القطاع وضمان وصول المساعدات الإنسانية وتوزيعها بشكل عادل عبر القنوات الدولية المعتمدة.

ورغم هذا الزخم، يواجه 'مجلس السلام' انتقادات حادة من الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، الذي حذر من محاولات استبدال دور مجلس الأمن الدولي. واعتبر غوتيريش أن مجلس الأمن هو الهيئة الوحيدة المخولة بموجب الميثاق الأممي بالتصرف في مسائل السلام والأمن العالمي. وأعرب عن قلقه من أن تؤدي هذه المبادرات إلى تهميش سيادة القانون الدولي واستبدالها بترتيبات سياسية تفتقر إلى الإجماع الشامل.

ومع ذلك، نجحت الإدارة الأمريكية في الحصول على تفويض من مجلس الأمن الدولي في نوفمبر الماضي، يمنح 'مجلس السلام' صلاحية العمل في غزة حتى عام 2027. وقد جاء هذا القرار بعد امتناع روسيا والصين عن التصويت، مما منح المجلس غطاءً قانونياً دولياً مؤقتاً. ويرى ترمب أن هذا التفويض يمثل اعترافاً دولياً بجدوى خطته، التي تهدف إلى تحويل غزة إلى منطقة خالية من 'التطرف' على حد وصفه.

وتتضمن خطة ترمب المكونة من عشرين بنداً عفواً مشروطاً عن عناصر الفصائل الذين يسلمون أسلحتهم أو يختارون المغادرة إلى دول أخرى. كما تنص الخطة على انسحاب تدريجي للجيش الإسرائيلي بالتزامن مع تسلم قوة الاستقرار الدولية لمهامها الأمنية. وتشدد الخطة على ضرورة تدمير كافة البنى التحتية العسكرية ومنع إعادة بنائها، مع وضع آلية رقابة مستقلة لضمان الالتزام بنزع السلاح بشكل دائم.

وفي الجانب الإنساني، تقضي الخطة بإدخال مساعدات كاملة فور قبول الاتفاق، تشمل إعادة تأهيل شبكات المياه والكهرباء والمستشفيات والمخابز. وسيتم توزيع هذه المساعدات عبر الأمم المتحدة ووكالات الإغاثة الدولية دون تدخل من الأطراف المتصارعة. كما سيتم فتح معبر رفح وفق آليات متفق عليها لضمان حرية حركة الأفراد والبضائع، مما يساهم في تخفيف الحصار المفروض على السكان منذ سنوات طويلة.

ويشمل الهيكل القيادي للمجلس شخصيات نافذة مثل توني بلير، وماركو روبيو، وستيف ويتكوف، الذين سيتولون الإشراف على تنفيذ بنود الخطة. وسيعمل نيكولاي ملادينوف كممثل أعلى لغزة، ليكون حلقة الوصل بين المجلس الدولي ولجنة التكنوقراط الفلسطينية على الأرض. ويهدف هذا التشكيل إلى دمج الخبرات السياسية والاقتصادية لضمان نجاح المرحلة الانتقالية وتحقيق الاستقرار المستدام.

وعلى الرغم من الرفض الإسرائيلي الرسمي لفكرة الدولة الفلسطينية، إلا أن خطة ترمب تلمح إلى إمكانية فتح مسار سياسي نحو تقرير المصير في المستقبل. وتربط الخطة هذا المسار بنجاح برنامج إصلاح السلطة الفلسطينية وتحقيق الأمن الكامل في غزة. وتأمل واشنطن أن يؤدي النجاح الاقتصادي والأمني المفترض في القطاع إلى تغيير القناعات لدى الطرفين والتمهيد لتعايش سلمي طويل الأمد.

ختاماً، يمثل اجتماع الخميس المقبل اختباراً حقيقياً لقدرة 'مجلس السلام' على تحويل الوعود المالية والخطط النظرية إلى واقع ملموس على الأرض. وبينما يترقب سكان غزة أي انفراجة تنهي معاناتهم، تظل التحديات الميدانية والسياسية قائمة، خاصة فيما يتعلق بآليات نزع السلاح وقبول القوى المحلية بالدور الأمني الدولي الجديد في القطاع.

أحدث الأخبار

الثّلاثاء 17 فبراير 2026 6:56 صباحًا - بتوقيت القدس

تصريحات أوباما حول الكائنات الفضائية: هل تستعد البشرية لمنعطف تاريخي؟

شهدت الأوساط السياسية والإعلامية الدولية حالة من الجدل الواسع عقب تصريحات أدلى بها الرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما، اعترف فيها بشكل صريح بوجود كائنات فضائية وأجسام طائرة مجهولة. واعتبر مراقبون أن هذا التصريح يمثل تحولاً جذرياً في لغة أوباما، التي انتقلت من التلميحات الغامضة خلال سنوات حكمه إلى الإقرار المباشر بحقيقة هذه الظواهر التي لا تزال تثير حيرة العلماء.

وأوضح أوباما في لقاء عبر بودكاست حديث أن التكنولوجيا التي تظهر بها هذه الأجسام في السماء تتجاوز الفهم البشري الحالي، حيث لا يمكن تفسير مسارات حركتها أو سرعاتها الفائقة. وأشار إلى أن هذه الظواهر ليست مجرد أوهام أو فانتازيا، بل هي واقع موثق عبر صور وتسجيلات رسمية لدى المؤسسات العسكرية الأمريكية، وهو ما يضع الملف في قلب النقاش السياسي الجاد.

وفي محاولة لتبديد بعض نظريات المؤامرة، نفى الرئيس الأسبق علمه بوجود أي كائنات محتجزة داخل 'القاعدة 51' الشهيرة أو في منشآت سرية تحت الأرض. ومع ذلك، ترك الباب موارباً أمام احتمالية وجود استراتيجيات أمنية معقدة تقوم على تجزئة المعلومات الحساسة، بحيث قد تُحجب بعض التفاصيل الدقيقة حتى عن القائد الأعلى للقوات المسلحة.

هذا التحول في الموقف الرسمي الأمريكي لم يبدأ مع أوباما فحسب، بل سبقته خطوات إجرائية منذ عام 2020 عندما أقر البنتاغون بوجود أجسام طائرة غير محددة الهوية في الأجواء الأمريكية. وقد انتقل الملف منذ ذلك الحين إلى أروقة الكونغرس، حيث تُعقد جلسات استماع دورية لمناقشة التهديدات المحتملة التي قد تشكلها هذه الأجسام على الأمن القومي.

وعلى الصعيد الدولي، أكدت مصادر استخباراتية فرنسية سابقة أن هذه الأجسام الطائرة لا تتبع لأي من القوى العظمى مثل روسيا أو الصين. وأوضحت هذه المصادر أن التكنولوجيا المرصودة خارقة للعادة، مما ينفي فرضية السباق التسلحي البشري ويؤكد وقوف قوى ذكية غير معلومة المصدر وراء هذه التحركات الجوية الغامضة.

وفي سياق متصل، يقود علماء من جامعة هارفارد مشاريع أكاديمية رصينة لدراسة هذه الظواهر بعيداً عن التكهنات الإعلامية، ومن أبرزها مشروع 'غاليليو'. ويهدف هذا المشروع إلى استخدام أدوات رصد متطورة لجمع بيانات علمية دقيقة حول الأجسام العابرة للمجال الجوي، مما يعكس اهتماماً مؤسساتياً متزايداً يتجاوز حدود الخيال العلمي.

ولا يقتصر الاهتمام على الجوانب التقنية والعسكرية، بل امتد ليشمل الأبعاد الفلسفية والدينية، حيث شكلت وكالة 'ناسا' لجنة لدراسة تأثير اكتشاف حياة خارج الأرض على المعتقدات البشرية. ويبدو أن هناك توجهاً عالمياً لتهيئة المجتمعات نفسياً وثقافياً لتقبل فكرة أن البشر ليسوا الوحيدين في هذا الكون الفسيح الذي يضم تريليونات المجرات.

وتشير التقارير إلى أن دولاً مثل الصين وروسيا والبرازيل واليابان قد أسست بالفعل لجانًا رسمية لمتابعة هذا الملف، مما يعكس إدراكاً دولياً بضرورة التعامل مع الظاهرة كواقع جيوسياسي وعلمي جديد. وفي المقابل، لا يزال العالم العربي بعيداً عن هذا النقاش، حيث تسود نظرة الاستخفاف أو اعتبار الموضوع مجرد مؤامرة إعلامية.

ويرى محللون أن تكثيف الإنتاج السينمائي والوثائقي حول لقاء الحضارات الفضائية في الآونة الأخيرة ليس محض صدفة، بل قد يكون جزءاً من عملية 'إفصاح تدريجي'. وتهدف هذه العملية إلى تقليل الصدمة الحضارية في حال تم الإعلان رسمياً عن تواصل مباشر مع كائنات من عوالم أخرى في العقود المقبلة.

إن اتساع رقعة الكون المرصود، الذي يضم مليارات النجوم والكواكب المشابهة للأرض، يجعل من فرضية وجود حياة وحيدة في كوكبنا أمراً يفتقر للمنطق العلمي لدى الكثيرين. وتأتي تصريحات أوباما الأخيرة لتعزز هذا التوجه، مشيرة إلى أن الأجيال القادمة قد تعيش في واقع يختلف تماماً عما عرفته البشرية طوال تاريخها المسجل.

فلسطين

الثّلاثاء 17 فبراير 2026 6:56 صباحًا - بتوقيت القدس

تسوية الأراضي في الضفة.. استراتيجية إسرائيلية لفرض السيادة وتقويض السلطة الفلسطينية

تواصل الحكومة الإسرائيلية تنفيذ مخططات متسارعة تهدف إلى تغيير الواقع القانوني والإداري في الضفة الغربية المحتلة، وذلك عبر إطلاق عملية شاملة لما يُسمى 'تسوية الأراضي'. وتسعى هذه الخطوة إلى فتح سجلات الملكية لأول مرة منذ عام 1967، مما يمهد الطريق لفرض سيطرة إسرائيلية محكمة تحت غطاء تنظيمي وإداري يهدف في جوهره إلى تهيئة البنية التحتية لضم تدريجي وغير معلن للأراضي الفلسطينية.

وقد اتخذ الكابينيت السياسي–الأمني الإسرائيلي هذا القرار بعيداً عن المؤسسات الحكومية الموسعة، مما يمنح المستوطنين ضوءاً أخضر لشراء الأراضي في الضفة الغربية دون الالتزام بالقيود القانونية الأردنية التي كانت سائدة. وتثير هذه التحركات مخاوف جدية من فتح الباب أمام عمليات تزييف أو صفقات مشبوهة، خاصة في ظل القوانين الفلسطينية التي تحظر بيع الأراضي للاحتلال، مما يضع المالكين الفلسطينيين تحت ضغوط اقتصادية وقانونية هائلة.

وتتضمن الخطة إعادة تفعيل دور 'أمين أملاك الدولة'، ليكون وسيطاً مباشراً في عمليات تسجيل الأراضي ونقل ملكيتها لصالح المؤسسات الاستيطانية، ومن بينها الصندوق القومي اليهودي. هذا التحول لا يعد إجراءً إدارياً بسيطاً، بل هو تدخل جوهري يهدف إلى تحويل مساحات شاسعة من الأراضي الخاصة والمشاع إلى 'أملاك دولة' وفقاً للتشريعات الإسرائيلية، مما يغير الصفة القانونية للأرض المحتلة بشكل جذري.

وفي موازاة ذلك، شرعت سلطات الاحتلال في تقليص صلاحيات السلطة الفلسطينية والبلديات المحلية في المناطق المصنفة (أ) و(ب)، عبر سحب ملفات التخطيط والبناء بذريعة حماية المواقع الأثرية والموارد المائية. وتعتبر هذه الإجراءات إخضاعاً غير مباشر لهذه المناطق للسيطرة الإسرائيلية، حيث يتم استخدام هذه الذرائع لوقف العمران الفلسطيني وهدم المنشآت، مما يفرغ اتفاقيات أوسلو من مضمونها المتبقي.

أما في مدينة الخليل، فقد برز تصعيد جديد يتمثل في نقل صلاحيات التخطيط والبناء في محيط الحرم الإبراهيمي والمناطق الاستيطانية إلى 'الإدارة المدنية' التابعة لجيش الاحتلال. ويعد هذا الإجراء تجاوزاً صريحاً لبروتوكول الخليل الموقع عام 1997، ويهدف إلى إجراء تغييرات أحادية الجانب في منطقة ذات حساسية دينية وسياسية عالية، مما يهدد بتفجير الأوضاع الميدانية وزيادة حالة التوتر.

كما بدأت الحكومة الإسرائيلية بمنح 'رموز بلدية' رسمية لبؤر استيطانية كانت تُصنف سابقاً بأنها غير قانونية حتى في العرف الإسرائيلي، لتصبح جزءاً من منظومة الحكم المحلي. وتتيح هذه الخطوة لتلك البؤر الحصول على ميزانيات وخدمات حكومية مباشرة، وهو ما يمثل انتقالاً من مرحلة إدارة الاستيطان العشوائي إلى مرحلة الدمج المؤسسي الكامل داخل بنية الدولة العبرية.

وتعكس تصريحات وزير المالية بتسلئيل سموتريتش الأهداف السياسية العميقة لهذه التحركات، حيث أكد بوضوح أن الغاية هي تعزيز الاستيطان في 'يهودا والسامرة' وإنهاء أي أثر لاتفاقيات أوسلو. وتكشف هذه المواقف عن نية مبيتة لإلغاء التزامات الاحتلال الدولية من طرف واحد، وفرض وقائع إدارية وقانونية تجعل من حل الدولتين أمراً مستحيلاً من الناحية العملية.

من وجهة نظر القانون الدولي، تضع هذه السياسات إسرائيل في مواجهة مباشرة مع ميثاق الأمم المتحدة واتفاقية جنيف الرابعة، التي تحظر إجراء تغييرات ديموغرافية أو قانونية دائمة في الأراضي المحتلة. ويؤكد خبراء قانونيون أن محاولات تسجيل الأراضي كأملاك دولة تفتقر إلى أي شرعية دولية، وتعتبر باطلة قانوناً مهما حاولت سلطات الاحتلال تغليفها بإجراءات إدارية أو قضائية داخلية.

أمام هذا الواقع، تبرز حاجة ملحة لتحرك دولي وإقليمي يتجاوز بيانات الإدانة التقليدية، خاصة من قبل الاتحاد الأوروبي والمؤسسات الأممية، لوضع قرارات محكمة العدل الدولية لعام 2025 موضع التنفيذ. إن مواجهة عملية 'إعادة الهندسة' القانونية للضفة الغربية تتطلب استراتيجية فلسطينية موحدة تعتمد على المسارات القانونية والدبلوماسية والشعبية لحماية ما تبقى من الأرض الفلسطينية من خطر المصادرة والتهويد.

أقلام وأراء

الثّلاثاء 17 فبراير 2026 6:38 صباحًا - بتوقيت القدس

مفاوضات حافة الهاوية: لعبة القوة والشرعية في الصراع الأمريكي الإيراني

 د. إبراهيم نعيرات

في المشهد السياسي الدولي، لا تبدأ الحروب بطلقة مفاجئة، بل بسردية دقيقة تُبنى بعناية داخل القاعات المغلقة. هنا، يجلس الوفدان الأمريكي والإيراني على طرفي طاولة طويلة، تتوسطها ملفات سميكة وابتسامات دبلوماسية محسوبة، بينما تتشكل خلف الأبواب خيوط القوة والشرعية التي ستحدد مسار الأحداث لاحقًا. الولايات المتحدة، بحشدها الجوي والبحري وتوسيع قواعدها العسكرية، وفتحها في الوقت نفسه باب التفاوض، لا تتحرك في اتجاهين متناقضين، بل في مسارين متوازيين: الأول يعرض القوة، والثاني يبني الشرعية للرأي العام وللمؤسسات بأن الدبلوماسية أُعطيت فرصة ثم استُنفدت.

حين ينهض رئيس الوفد الأمريكي معلنًا أن المفاوضات فشلت، تتلى الكلمات بعناية: الطرف الآخر تعنّت، تجاوز الخطوط الحمراء، ورفض الشروط الضرورية. لكن هذه اللحظة ليست مجرد حدث عارض، بل هي جزء من سيناريو تم ترتيبه بعناية. الولايات المتحدة تدرك مسبقًا أن إيران لن تقبل بالشروط المفروضة عليها، فالمفاوضات ليست في الحقيقة بهدف الوصول إلى اتفاق بل لتسليط الضوء على رفض إيران للضغوط الدولية. الهدف الأمريكي الأعمق في هذه المرحلة ليس فرض شروط على إيران، بل تسريع عملية تغيير النظام، وفتح المجال أمام توسيع الضغط العسكري والسياسي.

هذه اللحظة ليست وليدة ساعة الصفر، بل تراكم سنوات من الشكوك والاتهامات، خصوصًا حول الملف النووي الإيراني، حيث كل تقدم تقني في التخصيب يُقرأ في واشنطن كاقتراب من عتبة خطيرة، وكل عقوبة إضافية تُقرأ في طهران كحلقة جديدة في حرب اقتصادية مفتوحة. بين هذه القراءات تتسع فجوة الثقة، لكن إيران ليست طرفًا ساذجًا؛ فهي تدرك أن التفاوض يمكن أن يكون أداة استراتيجية بحد ذاته، يمنحها الوقت، يخفف الضغوط الدولية، ويبرزها كطرف مستعد للحوار حتى لو كانت احتمالات النجاح محدودة.

لكن، لا بد أن الولايات المتحدة وإسرائيل سستفيدان من الزخم الذي خلقته هذه الضغوط حتى الآن. إذ من خلال قبول إيران بالتفاوض، رغم أنها لم تُجبِه بتحدي صارم أمام الحشود الأمريكية والضغوط الإسرائيلية، تظهر إيران في صورة الطرف الذي اضطر للقبول، مما يعزز من موقف واشنطن وتل أبيب في الساحة الدولية. في هذه اللحظة، تكتسب الولايات المتحدة وإسرائيل القوة في تبرير موقفهما بأنهما قدما كل الفرص للتوصل إلى تسوية سلمية، لكن رفض إيران للاستجابة بشكل جدي سيُظهرها كطرف متعنّت، غير مستعد للقبول بالشروط.

ومن جانب اخر، فأن السمات الشخصية للرئيس الأمريكي دونالد ترامب أضافت بُعدًا جديدًا لهذه الأزمة. فلو كان رئيس أمريكا شخصًا آخر مثل الرؤساء السابقين، الذين اتبعوا سياسات أكثر تقليدية ودبلوماسية، لكانت إيران قد قرأت الرسالة بشكل مغاير تمامًا. ولربما اعتبرت إيران الحشود العسكرية الأمريكية بمثابة إعلان حرب مباشر، كما كانت ستتوقع رد فعل أكثر تقليدية من واشنطن في هذا السياق. ترامب، الذي أصبح معروفًا بتدخلاته غير التقليدية، مثلما حدث في فنزويلا، يؤثر على القراءة الإيرانية للوضع. إيران كانت تراقب بعناية شخصية ترامب وتاريخه، فبدلاً من رؤية الحشود العسكرية الأمريكية كتهديد مباشر لحرب وشيكة، رأت في ذلك مجرد مناورة إعلامية أو لعبة ضغط مؤقتة قد لا تتبعها خطوة عسكرية شاملة.  هذا الازدواج في الرسائل جعل من الصعب على إيران اتخاذ قرار حاسم، فهي لا تعرف إن كان ترامب جادًا في تصعيد الموقف أم أنه يواصل اتباع نهج سياسات فوضوية وغير متوقعة.

في الخلفية الإقليمية يظهر عنصر جديد في المعادلة: دور إسرائيل. بحسب التحليلات، قد يكون الدور الذي ستلعبه إسرائيل هو إشعال الشرارة الأولى — تنفيذ عمل محدود أو استفزاز محسوب ضد أهداف مرتبطة بإيران، ما يؤدي إلى رد مباشر من طهران. هذا الرد يصبح الذريعة المثالية للولايات المتحدة للتدخل لاحقًا، سواء عبر تعزيز الضغط العسكري أو القيام بعمليات محدودة، ويتيح لها أن تظهر بمظهر القوة المتدخلة دفاعيًا وليس معتدية. في هذه الحسابات، يبدو أن توزيع الأدوار بين واشنطن وتل أبيب ليس مجرد تنسيق عابر، بل تكتيك دقيق: إسرائيل تتحرك أولًا لتوليد الحدث، والولايات المتحدة تنتظر الفرصة لتقديم التدخل كخيار مبرر قانونيًا وسياسيًا أمام العالم.

لكن هذه الاستراتيجية تحمل مخاطرة كبيرة؛ فالخطوة الأولى لإسرائيل قد تتطور بسرعة خارج السيطرة، ورد إيران يمكن أن يتسع جغرافيًا، ويشمل أدوات الرد المباشر وغير المباشر عبر حلفائها الإقليميين. الولايات المتحدة، حتى لو كانت على اطلاع أو مشاركة جزئيًا في التخطيط، تتحمل الجزء الأكبر من العبء السياسي والدبلوماسي لاحقًا، خصوصًا إذا توسع الصراع أو طال أمده.

وبينما يبدو للمتابع الخارجي أن هناك توترًا واضحًا بين الولايات المتحدة وإسرائيل، يظهر هذا في الحقيقة كتوزيع للأدوار. أحدهما يظهر أكثر صرامة وعنفًا محتملًا، والآخر يحافظ على خيار التفاوض، لتنشأ معادلة ضغط مزدوجة: "اتفاق بشروطنا، أو سيناريو أسوأ." داخليًا، يسمح هذا لكل زعيم بمخاطبة قواعده الانتخابية، وخارجيًا يخلق حالة من عدم اليقين لدى إيران، فتصبح الرسائل متعددة الطبقات: لا يمكن الجزم إن كان الخلاف حقيقيًا أم مجرد مسرح سياسي محسوب.

بهذا الأسلوب، تتحول القاعة التي خرج منها الوفد الأمريكي على أنها لحظة فشل دبلوماسي إلى جزء من مسرحية أكبر: كل طرف يؤدي دوره في مسرحية الصراع، حيث تظهر إسرائيل كفاعل أول مستفز، وتظهر الولايات المتحدة كقوة متدخلة لحماية مصالحها وحلفائها، مع الحفاظ على مشروعية قرارها أمام المجتمع الدولي. وفي المقابل، إيران تحاول قراءة هذه الإشارات، تمارس ضبط النفس أحيانًا، وتحسب كل خطوة وفق مصالحها الاستراتيجية والاقتصادية والسياسية.

السياسة الدولية ليست مسرحًا بنص ثابت، بل لعبة شطرنج طويلة، تتحرك فيها الأطراف بحذر بين الحشد العسكري، الاستفزازات، والفرص الدبلوماسية. بين لحظة الانسحاب من القاعة، والرد الإيراني المتوقع، وبين الحشد في الخليج وخطط الضربات، تتحدد مجريات الصراع، وتصبح مسألة متى وأين ستُشعل الشرارة الكبرى مسألة احتمالات دقيقة أكثر من كونها قرارًا مسبقًا وحتميًا.

في النهاية، هذه اللحظة لا تُختصر في فشل مفاوضات أو انقسام في المواقف، بل في تفاعل متشابك بين استراتيجية القوة، حسابات الشرعية، توزيع الأدوار بين الحلفاء، وقراءة الخصم لكل خطوة. المشهد الرمادي بين التصعيد والتهدئة هو ما يحدد في النهاية مسار الصراع، وليس مجرد كلمات تُتلى على طاولة المفاوضات.

أقلام وأراء

الثّلاثاء 17 فبراير 2026 6:26 صباحًا - بتوقيت القدس

عدالة المجتمع الدولي في الميزان: من جزيرة إبستين إلى غزة

تتكشف يوماً بعد آخر فصول مروعة لما كان يحدث في ما يعرف بـ 'جزيرة الشيطان' التابعة لجيفري إبستين، حيث تشير التقارير إلى أن عدد الضحايا من الأطفال المختطفين والمغتصبين قد تجاوز 1500 طفل. هذه الجرائم التي وقعت في قلب المنظومة التي تروج للديمقراطية والحريات، طالت براءات لم تتجاوز أعمار بعضها التسع سنوات، وسط صمت قضائي يثير الريبة.

نقلت مصادر عن شهود عيان من الدائرة الضيقة لإبستين، بما في ذلك كبيرة الخدم والطباخة الرئيسية، تفاصيل تشيب لها الولدان عن دهاليز الموت ومطابخ بشرية وحفر كانت تستخدم للتخلص من الضحايا. هذه الشهادات لم تكن مجرد أقاويل، بل عززتها أدلة صوتية وصورية تضع رجالات مال وسياسة وفن وعسكر في دائرة الاتهام المباشر بتنفيذ جرائم وحشية.

وعلى الرغم من تهاطل الاعترافات من الطبيبة الخاصة والطيار الشخصي لإبستين حول أهوال لا تقتصر على الاعتداء الجنسي بل تمتد للقتل والتمثيل بالجثث وسرقة الأعضاء، إلا أن العدالة لا تزال غائبة. يبدو أن هذه الملفات الثقيلة تحولت إلى مجرد مادة إعلامية ووثائقيات للمشاهدة، دون وجود نية حقيقية لجر المتورطين إلى منصات التحقيق والمحاسبة.

هذا الغياب المتعمد للقضاء يطرح تساؤلات جوهرية حول انتقائية العدالة الدولية، خاصة عند مقارنتها بالسرعة التي بُنيت بها معتقلات غوانتانامو وأبو غريب. إن القوى التي تتقاعس اليوم عن محاسبة مجرمي 'جزيرة الشيطان' هي ذاتها التي هاجمت دولاً وأعدمت زعماءها بناءً على تقارير ثبت زيفها لاحقاً، مما يكشف زيف الشعارات الأخلاقية.

يستذكر العالم بمرارة كيف سيقت الذرائع لغزو العراق وتدمير حضارته وتشريد شعبه، حيث تسبب ذلك العدوان في مقتل أكثر من مليون إنسان تحت فرية امتلاك أسلحة دمار شامل. وبعد أن أُعدم الرئيس العراقي ودُمرت البلاد، خرجت ذات القوى لتعترف ببرود أن تلك الأسلحة لم تكن موجودة أصلاً، في استهتار واضح بدماء الشعوب.

ولا يتوقف الأمر عند التاريخ البعيد، بل يمتد للممارسات الحالية حيث يتم اختطاف رؤساء دول ومحاكمتهم وفق قوانين تفصلها القوى الكبرى على مقاس مصالحها. هذه الازدواجية تمنح الضوء الأخضر للاستمرار في العبث بمصائر الشعوب، طالما أن 'القاضي الدولي' يغمض عينيه عن جرائم النخب المقربة من دوائر صنع القرار العالمي.

وفي قطاع غزة، تتجلى هذه العدالة العرجاء في أبشع صورها، حيث تُباد الحياة بكل أشكالها من إنسان وحيوان وجماد دون رادع حقيقي. إن ما يحدث في فلسطين هو امتداد لذات العقلية التي تسمح بمرور جرائم إبستين دون عقاب، حيث تُنحر الأخلاق الإنسانية على مذبح المصالح السياسية والعسكرية الكبرى.

إن ملف إبستين يحتوي على كافة الأركان القانونية للجريمة، من متهمين معروفين بالأسماء والصفات، وأدلة مادية قاطعة، وشهود عيان مقربين، وآلاف الضحايا المكلومين. ومع ذلك، يظل القاضي هو العنصر الوحيد الغائب عن المشهد، مما يؤكد أن المنظومة القانونية الدولية صُممت لحماية الأقوياء واضطهاد الضعفاء فقط.

في نهاية المطاف، يبقى الإيمان بالديمقراطية والحريات التي تروج لها هذه القوى مجرد وهم يمنحهم تفويضاً لمزيد من الخراب في الأرض. فبينما تظل شهادات الطباخين والأطباء في جزيرة إبستين حبيسة الأدراج، تستمر آلة الحرب في حصد الأرواح في بقاع أخرى من العالم، بانتظار عدالة قد لا تأتي من الأرض بل من السماء.

تحليل

الثّلاثاء 17 فبراير 2026 5:26 صباحًا - بتوقيت القدس

غزة تختبر التحالف الغربي في ميونخ 2026

واشنطن – سعيد عريقات – 17/2/2026

تحليل إخباري

بدت غزة في مؤتمر ميونخ للأمن لعام 2026 كملف سياسي وأخلاقي يطغى على كثير من النقاشات، حتى حين كان جدول الأعمال مزدحماً بأوكرانيا والصين والطاقة. ففي القاعات الرئيسية، وفي الأحاديث الجانبية، بدت الحرب في غزة كأنها اختبار مزدوج: اختبار لحدود النفوذ الأميركي على إسرائيل، واختبار لقدرة أوروبا على تحويل حساسيتها الإنسانية إلى سياسة ضاغطة. حاولت واشنطن ضبط النقاش ضمن فكرة "منع اتساع الحرب" وتخفيف التوتر الإقليمي، بينما دفع الأوروبيون باتجاه لغة أكثر صراحة حول الكلفة الإنسانية وضرورة وقف إطلاق نار طويل، وربط أي مرحلة لاحقة بأفق سياسي واضح.

هذا التوتر لم يأتِ من فراغ. فالحضور الأميركي في ميونخ كان كثيفاً ومتنوعاً، ضم مسؤولين من الإدارة وأعضاء من الكونغرس من الحزبين وقادة عسكريين ومسؤولين أمنيين وخبراء من مراكز بحثية ومسؤولين سابقين. لم تكن المشاركة بروتوكولية، بل بدت محاولة لإرسال رسائل متعددة في وقت واحد: طمأنة الحلفاء بأن الالتزام الأميركي بأمن أوروبا ما زال قائماً، ردع الخصوم وخصوصاً روسيا، وإظهار أن التحالفات الخارجية لا تزال جزءاً من “المصلحة الأميركية” رغم الاستقطاب الداخلي.

واتسم الخطاب الأميركي بثلاث ركائز: التأكيد على أن أوروبا شريك لا يمكن استبداله وأن أمنها جزء من الأمن القومي الأميركي، التحذير من أن التهديد الروسي لم يتراجع وأن أي تهاون في دعم أوكرانيا سيُنتج كلفة أعلى لاحقاً، ثم طرح مفهوم "الردع المتعدد" الذي يربط بين ساحات التوتر المختلفة بوصفها مسارح مترابطة سياسياً وعسكرياً. هذه الصياغة حاولت تقديم صورة قوة قادرة على إدارة ملفات متزامنة، لكنها أخفت أيضاً حقيقة أن إدارة الأزمات أصبحت هي البديل الأكثر حضوراً عن الحلول.

بالنسبة لأوكرانيا، ظهر المؤتمر كأنه منصة لإعادة شحن الدعم الغربي ومنع التعب السياسي. شددت الولايات المتحدة على أن دعم كييف ليس عملاً خيرياً بل استثمار في منع سابقة تغيير الحدود بالقوة. وفي الوقت نفسه، ضغطت واشنطن على الأوروبيين للانتقال من رد الفعل إلى بناء قدرة ردع مستدامة عبر تمويل طويل الأمد وتسريع إنتاج الذخائر. وكان واضحاً أن فجوة التصنيع العسكري في أوروبا، مقارنة بحجم الحرب وطولها، تحولت إلى نقطة ضعف إستراتيجية تفرض نفسها على كل نقاش.

ومن هنا انتقل الحديث إلى الناتو. ناقش الأميركيون مع الحلفاء رفع الجاهزية وزيادة الإنفاق الدفاعي وتوسيع مخزون الذخائر وتحسين سلاسل الإمداد، مع تحديث مفهوم الردع ليشمل الهجمات السيبرانية وحروب المعلومات والضغط الاقتصادي والابتزاز عبر الطاقة. الرسالة الأميركية الأساسية كانت أن أوروبا مطالبة بالتحول من "مستهلك للأمن" إلى "منتج للأمن"، ليس فقط عبر المال، بل عبر توسيع القاعدة الصناعية الدفاعية وتقليل الاعتماد على واشنطن في بعض القدرات التكتيكية.

لكن غزة ظلت الملف الذي يضغط على صورة الولايات المتحدة أكثر من غيره. فواشنطن وجدت نفسها بين الحفاظ على تحالفها التقليدي مع إسرائيل، وبين مواجهة انتقادات أوروبية ودولية بشأن الكلفة الإنسانية للحرب وغياب تصور سياسي لما بعد العمليات. حاول الخطاب الأميركي الموازنة بين "حق إسرائيل في الأمن" (وفق المعايير الأميركية) وضرورة حماية المدنيين، وبين منع اتساع الحرب وعدم فقدان النفوذ. غير أن هذا التوازن بدا هشاً، لأن كثيراً من الأوروبيين لم يعودوا يكتفون بتعهدات عامة، بل يريدون التزاماً أميركياً بخط سياسي واضح يخفف الانفجار الإقليمي ويعيد الاعتبار للمعايير القانونية.

وفي ملف إيران والبحر الأحمر، ركزت الولايات المتحدة على أن الردع لا يعني التصعيد المفتوح، بل "إدارة المخاطر" عبر ضربات محدودة وعقوبات وتحالفات بحرية وضغط دبلوماسي. بدا أن واشنطن تريد تثبيت معادلة: حماية الملاحة الدولية ومنع توسع الهجمات، دون فتح جبهة تستنزفها وهي تحاول الحفاظ على تركيزها الاستراتيجي الأكبر. وفي هذا السياق، لم يكن الشرق الأوسط ملفاً منفصلاً، بل جزءاً من شبكة أوسع تربط بين الردع والقدرة على توزيع الموارد.

ورغم أن مؤتمر ميونخ غربي الطابع، إلا أن الصين كانت حاضرة بقوة. ودفعت واشنطن لإبقاء بكين في قلب النقاش، معتبرة أن التحدي الصيني ليس عسكرياً فقط بل صناعي وتكنولوجي وتجاري. وحذرت من الاعتماد الأوروبي على سلاسل توريد حساسة مرتبطة بالصين، خاصة في أشباه الموصلات (Semi-conductors) والمعادن النادرة والبنية التحتية الرقمية. لكن الأوروبيين بدوا أقل حماساً لمعادلة الاصطفاف الكامل، لأن مصالحهم الاقتصادية مع الصين عميقة، لذلك ظل مفهوم "خفض المخاطر" الأوروبي أكثر براغماتية من المقاربة الأميركية.

وفي الطاقة والاقتصاد، قدمت الولايات المتحدة نفسها كداعم لتنويع مصادر الطاقة الأوروبية عبر الغاز الطبيعي المسال وشراكات الطاقة المتجددة. لكن بعض الأوروبيين أبدوا قلقاً من أن واشنطن تستفيد اقتصادياً من الأزمة بينما تتحمل أوروبا كلفة التضخم والركود. هذا التوتر لم يتفجر على المنصات، لكنه كان حاضراً في الكواليس، كإشارة إلى أن التحالف الغربي بات يدار أيضاً بمنطق توزيع الأرباح والخسائر.

وأثار وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو جدلاً واسعا حين تحدث بصيغة مباشرة عن ضرورة "استعادة الهيمنة الغربية" على النظام الدولي، محملاً الأوروبيين مسؤولية التحول من شركاء مترددين إلى رافعة سياسية واقتصادية وعسكرية للمشروع الغربي. هذا الطرح كشف تناقضاً بين لغة الشراكة ولغة القيادة الأحادية، وبين الحاجة إلى الحلفاء والرغبة في ضبطهم.

وزاد ارتباك الرسالة مع بروز خلاف أميركي–أميركي في المؤتمر، بين من يدعو إلى تشدد أكبر تجاه روسيا والصين، ومن يطالب بأولوية الداخل الأميركي وتقليل الالتزامات الخارجية. كما ظهر اختلاف بين مسؤولين حاليين وسابقين حول غزة وإيران، بين من يرى أن غياب الأفق السياسي يفرض ثمناً أخلاقياً واستراتيجياً، ومن يركز على منع اتساع الحرب وحماية المصالح المباشرة.

في المحصلة، بدا ميونخ 2026 اختباراً مزدوجاً: لصلابة التحالف عبر الأطلسي، ولقدرة واشنطن على طمأنة حلفائها في ظل استقطابها الداخلي. الولايات المتحدة حضرت لتقول إنها ما زالت القائد، لكنها في الوقت نفسه قالت لأوروبا إن زمن الاعتماد الكامل انتهى. وبين غزة وأوكرانيا والصين، ظهر غرب قائم لكنه أقل ثقة وأكثر توتراً، ومستقبل لن يُحسم بالشعارات بل بشراكة طويلة الأمد قابلة للقياس.

فلسطين

الثّلاثاء 17 فبراير 2026 4:41 صباحًا - بتوقيت القدس

تقارير حقوقية تكشف تحول سجون الاحتلال إلى منصات إعدام للأسرى الفلسطينيين

تتصاعد التحذيرات الحقوقية الدولية من تحول مراكز الاحتجاز وسجون الاحتلال الإسرائيلي إلى ساحات للإعدام الممنهج بحق الأسرى الفلسطينيين. وأظهرت أحدث البيانات استشهاد نحو 115 أسيراً داخل هذه السجون في الفترة ما بين عامي 2023 و2025، في ظل غياب تام للإجراءات العقابية بحق المسؤولين عن هذه الانتهاكات.

وتشير المعطيات الصادرة عن جهات مراقبة إلى أن سلطات الاحتلال لم تتخذ إجراءات تأديبية إلا في عشر حالات فقط من إجمالي الوفيات المسجلة. والأخطر من ذلك هو تحويل قضية واحدة فقط للتحقيق الجنائي، مما يعكس تساهلاً مطلقاً من قبل مصلحة السجون مع السجانين المتورطين في قمع واضطهاد المعتقلين.

نقلت مصادر إعلامية عن مراقبين أن الواقع داخل السجون بات يمثل 'حصانة للقتلة'، حيث يُمنح السجانون الضوء الأخضر لممارسة التنكيل دون خوف من الملاحقة. وتؤكد التقارير أن هذا النهج أدى إلى تفاقم المأساة الإنسانية للأسرى الذين يواجهون ظروفاً اعتقالية تفتقر لأدنى المعايير الدولية.

وفي شهادة موثقة، كشفت مصادر عن حالة أسير فلسطيني في الأربعينيات من عمره، كان يتمتع بصحة جيدة لحظة اعتقاله خلال الحرب المستمرة. وبعد عام واحد فقط من الاحتجاز، فارق الحياة نتيجة تدهور صحي حاد أدى لفقدانه نحو نصف وزنه الطبيعي دون تقديم رعاية طبية مناسبة.

وأظهر الملف الطبي للأسير المتوفى، الذي حصلت عليه عائلته، أنه لم يُنقل إلى المستشفى إلا بعد وصول حالته إلى مرحلة ميؤوس منها. وأكد طبيب خبير فحص المواد نيابة عن اللجنة العامة لمناهضة التعذيب أن الوفاة كانت نتيجة مباشرة للحرمان من العلاج المعتمد والتقصير المتعمد.

وأوضح الفحص الطبي أن الأسير أُعيد إلى مركز الاحتجاز رغم تدهور حالته الصحية بدلاً من إبقائه تحت الرعاية المركزة. وخلص التقرير إلى أن إنقاذ حياته كان ممكناً لو تم تشخيص حالته وعلاجه وفقاً للمعايير الطبية المتعارف عليها، لكن الإهمال كان سيد الموقف.

وتتابع اللجنة العامة لمناهضة التعذيب هذه القضية ببالغ القلق، مطالبة بالكشف عن أسباب سوء التشخيص والتدهور الشديد الذي طرأ على صحة المعتقل. وتعتبر اللجنة أن ما حدث يمثل جريمة تقصير مشتركة بين طاقم السجن والطواقم الطبية في مراكز الاحتجاز والمستشفيات الإسرائيلية.

وتشير التقارير إلى أن قلة التحقيقات الجنائية المفتوحة تدل على وجود تستر ممنهج على الجرائم المرتكبة خلف القضبان. وتؤكد شهادات المحامين وتقارير تشريح الجثث أن المعتقلين يتعرضون لعنف جسدي شديد وإهمال طبي بالغ منذ اندلاع المواجهة الحالية في أكتوبر 2023.

وتأتي هذه الانتهاكات في إطار سياسة رسمية يتبناها وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير، والتي تشمل تقييد كميات الغذاء المقدمة للأسرى وحرمانهم من الأدوية. وتهدف هذه السياسة إلى تشديد الخناق على الفلسطينيين وتحويل السجون إلى أدوات انتقامية تتجاوز القوانين الدولية.

من جانبه، أكد نوعام غيلمان هوفستاتر، المسؤول في اللجنة العامة لمناهضة التعذيب أن غياب المساءلة يمنح حصانة فعلية للمحققين والسجانين. وأشار إلى أن مصلحة السجون تتعامل مع وفاة المعتقل الفلسطيني كخلفية تأديبية بسيطة لا تستوجب فتح تحقيقات جنائية معمقة.

ورغم المطالبات الحقوقية المتكررة بفتح تحقيقات جنائية في كل حالة وفاة، إلا أن سلطات الاحتلال ترفض تطبيق هذا المعيار على الفلسطينيين. ويظهر هذا التمييز الصارخ في التعامل مع أرواح المعتقلين، حيث تُغلق الملفات غالباً دون توجيه أي اتهامات حقيقية للمتورطين.

وفيما يتعلق بدور أجهزة الرقابة، كشفت المصادر عن ضعف شديد في أداء الجهات المنوط بها مراقبة سلوك السجانين والشاباك. فخلال العامين الماضيين، لم يُفتح سوى تحقيقين جنائيين فقط من أصل أكثر من مئتي شكوى قُدمت ضد ممارسات الاحتلال داخل مراكز التحقيق.

ويمتد هذا الفشل الرقابي إلى عقود سابقة، حيث لم يُفتح سوى ثلاثة تحقيقات جنائية فقط من أصل 1450 شكوى قُدمت ضد جهاز الشاباك في العشرين عاماً الماضية. وتثير هذه الأرقام تساؤلات كبرى حول مصير هذه التحقيقات وجدواها في ظل نظام قضائي يوفر الغطاء للانتهاكات.

ختاماً، يشدد الحقوقيون على أن الصمت الدولي تجاه هذه الجرائم يشجع الاحتلال على الاستمرار في سياسة 'القتل الصامت' للأسرى. وتظل سجون الاحتلال شاهدة على مأساة إنسانية كبرى، حيث يواجه آلاف الفلسطينيين خطر الموت نتيجة التعذيب والإهمال الممنهج بعيداً عن أعين الرقابة الدولية.