فلسطين

الجمعة 27 فبراير 2026 6:33 مساءً - بتوقيت القدس

تصعيد استيطاني في نابلس: إحراق منازل واعتداءات دامية تطال متضامنين أجانب

صعّد المستوطنون الإسرائيليون من وتيرة اعتداءاتهم الممنهجة في الضفة الغربية المحتلة، حيث شهدت قرية جالود جنوب مدينة نابلس هجوماً عنيفاً اليوم الجمعة. وأقدمت مجموعات من المستوطنين على إضرام النيران في منازل وممتلكات المواطنين، مما أدى إلى اندلاع مواجهات مباشرة مع الأهالي الذين حاولوا التصدي لهذا العدوان والدفاع عن وجودهم.

وأفادت مصادر محلية بأن الهجوم أسفر عن احتراق مخزن ومركبة بشكل كامل، بالإضافة إلى تضرر خمسة منازل سكنية نتيجة رشقها بالحجارة والمواد الحارقة، حيث تعرض أحد هذه المنازل لحريق جزئي. وتزامن هذا الاعتداء مع انتشار مكثف لآليات جيش الاحتلال على مداخل القرية، مما وفر غطاءً أمنياً للمستوطنين المعتدين.

وفي تطور خطير بقرية قصرة، أُصيب متضامنان أجنبيان بجروح متفاوتة إثر تعرضهما لهجوم غادر من قبل المستوطنين في منطقة رأس العين. وأكدت طواقم الهلال الأحمر أنها قدمت الإسعافات لمتضامن يبلغ من العمر خمسين عاماً ومتضامنة في السبعين من عمرها، بعد تعرضهما للضرب المبرح.

وأوضحت المصادر أن المستوطنين نصبوا كميناً محكماً للمتضامنين الدوليين الذين كانوا يتواجدون في المنطقة لتوثيق انتهاكات الاحتلال المستمرة. واستخدم المعتدون أدوات حديدية وحجارة في هجومهم، مما أدى لوقوع إصابات مباشرة في صفوف المتضامنين الذين يحاولون تسليط الضوء على معاناة الفلسطينيين.

وفي سياق متصل، واصلت قوات الاحتلال الإسرائيلي لليوم الرابع على التوالي عمليات الاقتحام الواسعة لقرية اللبن الشرقية جنوب نابلس. وعمد جنود الاحتلال إلى التنكيل بالمواطنين الفلسطينيين عقب خروجهم من أداء صلاة الجمعة، في خطوة تهدف إلى تضييق الخناق على سكان القرية.

وشملت الإجراءات القمعية في اللبن الشرقية احتجاز عدد من الشبان وإخضاعهم لتحقيقات ميدانية مهينة وتفتيش جسدي دقيق. كما نصب جيش الاحتلال حاجزاً عسكرياً في قلب القرية، مما أدى إلى شلل تام في حركة المرور ومنع المواطنين من التنقل بحرية بين أحيائهم.

ولم تقتصر الاعتداءات على محافظة نابلس، بل امتدت لتطال الأغوار الشمالية، حيث هاجم مستوطنون قرية خربة الحمة تحت حماية عسكرية مشددة. وشرع المعتدون في تهديد العائلات الفلسطينية والاعتداء عليهم جسدياً ولفظياً، في محاولة لتهجيرهم قسرياً من أراضيهم الرعوية.

وخلال الاقتحام في الأغوار، نفذت قوات الاحتلال حملة اعتقالات طالت شقيقين من سكان القرية، في وقت تشهد فيه المنطقة تصاعداً يومياً في الانتهاكات. وتستهدف هذه الهجمات بشكل خاص رعاة الأغنام عبر منعهم من الوصول إلى المراعي وسرقة مواشيهم أو قتلها بدم بارد.

وتأتي هذه الموجة من العنف في إطار تصعيد شامل يشهده الجيش الإسرائيلي والمستوطنون في عموم الضفة الغربية منذ الثامن من أكتوبر 2023. وتتنوع أشكال هذا التصعيد بين القتل المباشر، والاعتقالات التعسفية، وتدمير البنية التحتية، وتوسيع البؤر الاستيطانية على حساب أراضي المواطنين.

وتشير الإحصائيات الميدانية إلى أن هذه الاعتداءات المستمرة أسفرت عن استشهاد ما لا يقل عن 1117 فلسطينياً وإصابة نحو 11 ألفاً و500 آخرين بجروح مختلفة. كما بلغت حصيلة الاعتقالات في صفوف الفلسطينيين منذ بدء الحرب قرابة 22 ألف حالة، مما يعكس حجم الهجمة الشرسة التي تتعرض لها الضفة.

أقلام وأراء

الجمعة 27 فبراير 2026 6:03 مساءً - بتوقيت القدس

لماذا يخشى العرب سيناريو إسقاط النظام في إيران؟ قراءة في التداعيات الجيوسياسية

تتصاعد في الآونة الأخيرة نبرة القرع على طبول الحرب في منطقة الشرق الأوسط، مع وصول التعزيزات العسكرية الأمريكية قبالة السواحل الإيرانية إلى مستويات غير مسبوقة من الجاهزية. ويبدو أن الهوة بين واشنطن وطهران تتسع بشكل يجعل من الحلول الدبلوماسية خياراً بعيد المنال، في ظل تمسك كل طرف بمواقفه المتصلبة تجاه الملفات العالقة.

يرى مراقبون أن المفاوض الأمريكي بات أكثر تشدداً في طلب التنازلات، معتبراً أن أي مرونة في الوقت الراهن قد تُفسر على أنها تراجع مجاني أمام الخصم. وفي المقابل، يجد النظام الإيراني نفسه في زاوية ضيقة لم يختبرها منذ عقود، حيث تتعرض شرعيته الداخلية وضغوطه الخارجية لاختبارات قاسية قد تعصف باستقراره.

إن استحضار تجربة غزو العراق يلقي بظلاله القاتمة على المشهد الحالي، حيث أثبتت الوقائع أن الحروب ليست مجرد نزهة عسكرية مهما اختل ميزان القوى. فقد أدى سقوط النظام العراقي سابقاً إلى إعادة تشكيل المجال الإقليمي بطريقة أنتجت كوارث جيوسياسية، ودفعت شعوب المنطقة أثماناً باهظة من أمنها واستقرارها.

لا تلوح في الأفق بوادر حقيقية لتقدم في المفاوضات، إذ لا تستطيع الولايات المتحدة التراجع دون تحقيق مكاسب توازي حجم حشودها العسكرية. وبالمثل، يرفض النظام الإيراني تقديم تنازلات جوهرية في ملفات الصواريخ البالستية والبرنامج النووي، كونها تمثل ركائز أساسية لبقائه واستمرارية مشروعه السياسي.

يثور تساؤل جوهري في الأوساط العربية حول شكل المنطقة في اليوم التالي لسقوط النظام الإيراني، وما إذا كانت المعادلات الجديدة ستخدم الاستقرار أم ستزيد من حدة الفوضى. فرغم الانتقادات الواسعة لسياسات طهران الإقليمية وتدخلاتها في الشؤون العربية، إلا أن الانهيار الشامل للنظام قد يفتح أبواب الجحيم على الجميع.

تذهب التحليلات إلى أن النظام الإيراني، الذي يمتلك بنية مؤسساتية وأمنية متجذرة، لن يسقط بسهولة دون خوض معركة استنزاف طويلة الأمد. وفي حال شعوره بالخطر الوجودي، قد يلجأ لسياسة انتقامية تستهدف دول الجوار والمصالح الحيوية في المنطقة، خاصة مع صعوبة الوصول المباشر للأهداف الأمريكية المحصنة.

إن التهديد بإغلاق الممرات المائية الحيوية، مثل مضيق هرمز وباب المندب، يمثل كابوساً اقتصادياً للدول العربية التي تعتمد على هذه المسارات لتصدير طاقتها. ومن المرجح أن تستخدم طهران أذرعها في المنطقة لتنفيذ هذه التهديدات، مما يضع التجارة العالمية والأمن القومي العربي في عين العاصفة.

ثمة مخاوف جدية من أن يؤدي إسقاط النظام إلى تفكيك الدولة الإيرانية وتحويلها إلى كانتونات متصارعة، وهو سيناريو قد يمتد أثره ليشمل دولاً أخرى في الإقليم. هذا التفتيت الجيوسياسي سيخلق حالة من الفراغ الأمني التي لن يستفيد منها سوى القوى الطامعة في الهيمنة على مقدرات الشرق الأوسط.

يتزامن الحديث عن الحرب مع بروز طموحات إسرائيلية معلنة لتوسيع نفوذها الإقليمي، مستغلة حالة الضعف والتمزق التي قد تصيب جيرانها. ويرى خبراء أن إضعاف القوى الإقليمية الكبرى يمهد الطريق لتنفيذ مشاريع استيطانية وتوسعية تتجاوز الحدود الجغرافية الحالية لفلسطين المحتلة.

حتى في حال نشوء نظام إيراني جديد، فإن التوقعات تشير إلى أنه قد يكون صنيعة قوى دولية، مما يجعله أداة في يد المحاور الخارجية بدلاً من أن يكون جاراً مستقراً. وهناك خشية من تشكيل تحالفات جديدة تضم إيران 'ما بعد الملالي' مع قوى مثل الهند، مما يضع العالم العربي بين فكي كماشة استراتيجية.

إن إعادة إنتاج دورة الحروب والاستنزاف في المنطقة لن تؤدي إلا إلى مزيد من تبديد الثروات وضياع مستقبل الأجيال القادمة. فالتنافس الصفري بين القوى الإقليمية أثبت فشله في تحقيق الأمن، بل ساهم في تعميق الانقسامات الطائفية والسياسية التي نهشت جسد الأمة العربية.

تفرض الحسابات السياسية الباردة على العواصم العربية ضرورة التحرك لمنع الانزلاق نحو مواجهة عسكرية شاملة لا تُعرف نتائجها. فالهدف يجب أن يكون الحفاظ على كيان الدولة ومنع الفوضى، مع العمل على تعديل سلوك النظام الإيراني عبر القنوات الدبلوماسية والضغوط المدروسة.

إن أي تغيير يفرضه الخارج بالقوة العسكرية غالباً ما ينتهي بنتائج عكسية، كما أظهرت التجارب السابقة في المنطقة العربية ومحيطها. لذا، فإن المصلحة العربية تقتضي تجنب الانجرار خلف مشاريع قد تبدو في ظاهرها خلاصاً من عدو، لكنها في باطنها تحمل بذور دمار شامل.

في الختام، يبقى الرهان على وعي الشعوب والأنظمة العربية بضرورة حماية أمنها الجماعي بعيداً عن الاستقطابات الدولية الحادة. فالحرب على إيران، إذا ما وقعت، لن تكون مجرد حدث عابر، بل ستكون زلزالاً سيعيد رسم خريطة المنطقة بطريقة قد لا تخدم المصالح العربية لعقود طويلة.

عربي ودولي

الجمعة 27 فبراير 2026 6:03 مساءً - بتوقيت القدس

نذر مواجهة شاملة: لماذا تعود إثيوبيا وإريتريا إلى حافة الحرب؟

عادت طبول الحرب لتقرع من جديد في منطقة القرن الأفريقي، حيث تشهد العلاقات بين إثيوبيا وإريتريا تصعيداً عسكرياً ودبلوماسياً غير مسبوق. وأفادت مصادر بأن أديس أبابا حشدت تعزيزات عسكرية ضخمة تشمل أرتالاً من المدفعية الثقيلة على حدود إقليم تيغراي الشمالي، في خطوة تعكس جدية التهديدات المتبادلة.

هذا التصعيد الميداني تزامن مع إجراءات صارمة اتخذتها السلطات الإثيوبية، شملت تعليق الرحلات الجوية المتجهة إلى الإقليم المضطرب منذ مطلع العام الجاري. كما فرضت قيوداً مشددة على التغطية الإعلامية، حيث تم منع مراسلي الوكالات الدولية من الوصول إلى مناطق التماس، مما يفرض تعتيماً على التحركات العسكرية الجارية.

وفي تحول لافت في الخطاب السياسي، طالبت الحكومة الإثيوبية جارتها إريتريا بسحب قواتها فوراً من الأراضي التي تسيطر عليها، ووقف أي شكل من أشكال التعاون مع الجماعات المتمردة. ويمثل هذا المطلب نقطة تحول جوهرية، خاصة وأن أسمرة كانت الحليف الأبرز لأديس أبابا في حربها السابقة ضد جبهة تحرير تيغراي.

وتشير التقارير إلى أن التحالف الذي تشكل بين عامي 2020 و2022 قد انهار تماماً، ليحل محله تقارب مفاجئ وغير معلن بين إريتريا وقادة التيغراي. ويبدو أن هذا التقارب يهدف إلى كبح طموحات رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد، الذي يسعى لتعزيز سيطرته المركزية وتأمين موطئ قدم على البحر الأحمر.

الجذور التاريخية لهذا الصراع تمتد إلى عقود من الزمن، وتحديداً منذ حقبة الإمبراطور هيلا سيلاسي الذي ضم إريتريا قسراً في الستينيات. ورغم التحالف المؤقت الذي أسقط نظام 'الدرغ' العسكري في التسعينيات، إلا أن الخلافات الحدودية سرعان ما فجرت حرباً شاملة عام 1998 حصدت أرواح الآلاف.

وتعتبر قضية المنفذ البحري 'عقدة جيوسياسية' بالنسبة لإثيوبيا، التي باتت أكبر دولة حبيسة في العالم من حيث عدد السكان بعد استقلال إريتريا عام 1993. ويصف آبي أحمد هذا الوضع بـ'السجن الجغرافي'، مؤكداً أن الوصول إلى البحر الأحمر يمثل قضية وجودية لا يمكن التنازل عنها لتأمين مستقبل البلاد الاقتصادي.

حالياً، تعتمد إثيوبيا بشكل شبه كامل على ميناء جيبوتي لتسيير تجارتها الخارجية، وهو ما يكلف الخزينة العامة مبالغ طائلة كرسوم عبور. وترى القيادة الإثيوبية أن هذه التكاليف المرتفعة تشكل عائقاً بنيوياً أمام طموحاتها التنموية، مما يدفعها للبحث عن بدائل حتى لو تطلب الأمر مواجهة عسكرية.

ولا ينفصل التوتر الحالي عن سياق الحرب الأهلية الدائرة في السودان، حيث اصطفت القوى الإقليمية في محاور متنافسة تزيد من تعقيد المشهد. وتواجه إثيوبيا اتهامات بدعم قوات الدعم السريع واستضافة قواعد لوجستية لها، وهو ما أثار غضب الحكومة السودانية في بورتسودان وحلفائها الإقليميين.

في المقابل، عززت إريتريا من تحالفها مع الجيش السوداني، حيث توفر التدريب للميليشيات الموالية له وتمنح طائراته الحربية ملاذاً آمناً في قواعدها. هذا المحور يجد دعماً مباشراً من القاهرة، التي تسعى لتطويق النفوذ الإثيوبي المتصاعد في المنطقة، خاصة في ظل الخلاف المستمر حول سد النهضة.

ويرى مراقبون أن التحركات المصرية في القرن الأفريقي تهدف إلى بناء حائط صد استراتيجي يضغط على أديس أبابا في ملف مياه النيل. ويأتي هذا التنسيق العسكري مع أسمرة والخرطوم كجزء من رؤية أوسع لإعادة توازن القوى في منطقة تعاني أصلاً من هشاشة أمنية وتدخلات دولية متعددة.

وعلى صعيد القوى الدولية والإقليمية، تبرز ملامح تنافس مكتوم بين الإمارات من جهة، وتركيا وقطر والسعودية من جهة أخرى. فبينما تدعم أبوظبي التوجهات الإثيوبية في بعض الملفات، تنسق القوى الأخرى جهودها تدريجياً مع مصر لضمان استقرار الملاحة في البحر الأحمر ومنع انفراد طرف واحد بالقرار.

إن شبح الحرب الذي يخيم على المنطقة يهدد بتكرار مآسي النزاعات السابقة التي خلفت مئات آلاف القتلى وملايين النازحين. فإقليم تيغراي، الذي لم يتعافَ بعد من آثار الحرب الأخيرة، يجد نفسه مجدداً في قلب عاصفة قد تقتلع ما تبقى من استقرار في الدولة الإثيوبية المنهكة اقتصادياً.

ويبقى السؤال حول مدى قدرة الوساطات الدولية على نزع فتيل الأزمة قبل فوات الأوان، خاصة في ظل تصلب المواقف بين آبي أحمد وأسياس أفورقي. فكلا الزعيمين يرى في التصعيد الحالي وسيلة لتعزيز شرعيته الداخلية وتثبيت نفوذه الإقليمي، بغض النظر عن الكلفة الإنسانية الباهظة.

ختاماً، فإن القرن الأفريقي يقف اليوم أمام مفترق طرق خطير، حيث تتداخل فيه النزاعات الحدودية مع الأطماع الاقتصادية والصراعات بالوكالة. وإذا لم يتم احتواء التوتر بين أديس أبابا وأسمرة، فإن المنطقة قد تنزلق إلى صراع إقليمي واسع النطاق تتجاوز آثاره حدود القارة الأفريقية لتصل إلى ممرات التجارة العالمية.

اسرائيليات

الجمعة 27 فبراير 2026 6:03 مساءً - بتوقيت القدس

قلق في تل أبيب من توجه سعودي لاستبعاد إسرائيل من مسارات كابلات البيانات العالمية

تتصاعد المخاوف في الأوساط الإسرائيلية من تحولات استراتيجية في خارطة البنية التحتية الرقمية بالشرق الأوسط، حيث تُعد كابلات الاتصالات البحرية العمود الفقري للاقتصاد الرقمي العالمي. وتمر حالياً أكثر من 95% من حركة البيانات العابرة للقارات عبر هذه الكابلات المادية، مما يمنح الدول التي تستضيف نقاط الإنزال نفوذاً سياسياً وعوائد اقتصادية ضخمة.

وأفادت مصادر بأن السنوات الأخيرة شهدت تدشين أنظمة كابلات متطورة غيرت مسارات تدفق المعلومات بين أوروبا ودول الخليج والهند. ويبرز نظام 'بلو-رامان' المملوك لشركة جوجل كأحد أهم هذه المشاريع، حيث يربط القارة الأوروبية بإسرائيل عبر المتوسط، ثم يمتد جنوباً نحو السعودية وصولاً إلى الهند، مشكلاً مساراً حيوياً يتجاوز الاعتماد الكلي على المرور عبر الأراضي المصرية.

وتسعى إسرائيل من خلال هذه المشاريع إلى تعزيز موقعها كحلقة وصل لا غنى عنها في المنظومة الإقليمية، خاصة مع التخطيط لمشروع 'سنتوريون'. هذا النظام يهدف إلى ربط الهند والخليج بالبحر المتوسط عبر تل أبيب، مما يساهم في توزيع المخاطر التشغيلية وزيادة سعة نقل البيانات بين آسيا وأوروبا بشكل غير مسبوق.

إلا أن التوجهات السعودية الأخيرة أثارت قلقاً واسعاً، حيث تدرس الرياض بجدية مساراً بديلاً يمر عبر الأراضي السورية بدلاً من إسرائيل. هذا التحول، في حال تنفيذه، سيعني استبعاد تل أبيب من 'ممر البيانات' الاستراتيجي، وهو ما يطرح تساؤلات حول الدوافع السياسية والأمنية الكامنة وراء هذا القرار السيادي السعودي.

ويرى مراقبون أن الرغبة السعودية في السيطرة هي المحرك الأول لهذا التوجه، إذ تسعى الرياض لتجنب التبعية التقنية لأي جهة إقليمية أخرى. فكلما تعزز موقع إسرائيل كمركز عبور للبيانات، ازدادت احتمالية تحولها إلى طرف مؤثر في أمن المعلومات الخليجي، وهو ما تفضل السعودية تجنبه عبر بناء بنية تحتية مستقلة.

ويرتبط السبب الثاني للتغيير المحتمل بالتوقيت السياسي الراهن والتوترات المتزايدة بين تل أبيب والرياض بشأن ملفات إقليمية متعددة. هذا المناخ يدفع نحو تقليل الاحتكاك في مجالات البنية التحتية الحساسة، والبحث عن بدائل قد تشمل التقارب مع تركيا من خلال نفوذها في الشمال السوري لتأمين مسارات بديلة.

وعلى الرغم من الجدوى السياسية، يثير المسار السوري تساؤلات تقنية وتشغيلية معقدة نظراً لعدم استقرار البيئة الأمنية هناك مقارنة بالمسارات الحالية. ومع ذلك، يبدو أن الحافز الاستراتيجي لدى السعودية يتفوق على العقبات الفنية في محاولة لرسم خارطة رقمية جديدة لا تمر بالضرورة عبر الموانئ الإسرائيلية.

في المقابل، تعول إسرائيل على شراكتها الاستراتيجية مع اليونان وقبرص في شرق المتوسط لمواجهة هذه التحولات. وقد تعمق هذا التعاون في مجالات الطاقة والأمن، حيث جرى الحديث عن إنشاء قوة عسكرية مشتركة تهدف لحماية البنية التحتية البحرية وضمان استقرار تدفق البيانات والطاقة في المنطقة.

وتشير مصادر إلى أن إسرائيل مطالبة باستثمار علاقاتها مع أثينا لمنع تغيير مسار الكابلات، معتبرة أن نجاح المسار السوري سيمثل انتصاراً تجارياً لتركيا. فالمنافسة الحالية لا تقتصر على أسلاك تحت الماء، بل هي صراع محموم على من يمتلك مفاتيح التدفق الرقمي في الشرق الأوسط خلال العقود المقبلة.

إن فقدان إسرائيل لمركزيتها في هذه المشاريع يعني تراجع دورها من 'دولة يمر عبرها العالم' إلى مجرد 'دولة متصلة بالعالم'. وفي عصر يعتمد كلياً على الذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية، فإن سرعة تدفق المعلومات تترجم مباشرة إلى نفوذ سياسي وقوة اقتصادية لا يمكن الاستغناء عنها.

وتؤكد التقارير أن مشروع ممر البيانات من الشرق إلى المتوسط (EMC)، الذي يجمع السعودية واليونان، يمثل ساحة اختبار حقيقية لهذه التوازنات. فإذا نجحت الرياض في فرض مسار يتجاوز تل أبيب، فإن ذلك سيعيد تشكيل التحالفات الجيوسياسية في المنطقة بناءً على المصالح الرقمية المشتركة.

ويحذر خبراء إسرائيليون من أن التباطؤ في التحرك الدبلوماسي قد يؤدي إلى خسارة استراتيجية طويلة الأمد، حيث أن قرارات تمديد الكابلات تُحدد مسارات الترابط لعقود. ولا تقتصر الخسارة على العوائد المالية المباشرة، بل تمتد لتشمل فقدان أدوات ضغط أمنية وتقنية هامة في مواجهة القوى الإقليمية.

ويبقى التساؤل قائماً حول قدرة تل أبيب على تقديم إغراءات تقنية أو أمنية تثني الأطراف الإقليمية عن البحث عن بدائل. فالصراع الرقمي بات لا يقل أهمية عن الصراعات العسكرية التقليدية، حيث تمثل البيانات 'النفط الجديد' الذي تسعى كل دولة للسيطرة على أنابيب نقله.

ختاماً، يمثل التوجه السعودي رسالة واضحة حول أولويات السياسة الخارجية الجديدة التي تضع الاستقلال الاستراتيجي فوق الاعتبارات التجارية البحتة. ومع استمرار التطور التقني، ستظل منطقة شرق المتوسط ساحة للتنافس بين مشاريع كبرى تسعى لرسم حدود العالم الرقمي الجديد.

تحليل

الجمعة 27 فبراير 2026 6:02 مساءً - بتوقيت القدس

زيارة روبيو إلى إسرائيل: محاولة أميركية لرسم ملامح مرحلة ما بعد غزة وسط بيئة إقليمية مضطربة

واشنطن —سعيد عريقات – 27/2/2026

تحليل إخباري

تعكس الزيارة المرتقبة لوزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو  إلى إسرائيل في الفترة من 2 إلى 3 آذار 2026 محاولة أميركية لإعادة ضبط مسار السياسة الإقليمية في الشرق الأوسط، في ظل استمرار تداعيات حرب غزة وتصاعد المخاوف من اتساع رقعة التوترات الإقليمية.

ووفق وزارة الخارجية الأميركية، سيبحث روبيو مع المسؤولين الإسرائيليين جملة من الملفات، أبرزها النفوذ الإقليمي لإيران، والتوترات على الحدود الشمالية مع لبنان، إضافة إلى الجهود الجارية لتنفيذ خطة السلام المؤلفة من 20 نقطة التي طرحها الرئيس دونالد ترمب لقطاع غزة  ورغم تقديم الزيارة في إطار دبلوماسي روتيني، فإن توقيتها يكشف عن مرحلة انتقالية حساسة في الاستراتيجية الأميركية تجاه المنطقة.


من إدارة الحرب إلى هندسة المرحلة السياسية


بعد ما يقارب عامين على الحرب التي غيّرت التوازنات السياسية والأمنية في الشرق الأوسط، تبدو واشنطن وكأنها تنتقل من مرحلة احتواء الأزمة إلى محاولة صياغة ترتيبات طويلة الأمد لمرحلة ما بعد النزاع. وتأتي زيارة روبيو في سياق هذا التحول، حيث تسعى الإدارة الأميركية إلى بلورة تصور عملي لإدارة غزة سياسياً وأمنياً بعد الحرب.


وتقوم خطة السلام الأميركية، التي لم تُكشف تفاصيلها كاملة بعد، على ربط إعادة الإعمار بإجراءات أمنية جديدة وترتيبات حكم مختلفة تهدف — بحسب المسؤولين الأميركيين — إلى منع عودة القطاع إلى دوامات المواجهة العسكرية المتكررة.


غير أن هذا النهج يعكس إشكالية قديمة في الدبلوماسية الأميركية: فإعادة الإعمار تحتاج إلى شرعية سياسية، بينما تظل الشرعية نفسها رهينة قضايا سيادية وأمنية لم يُحسم الخلاف حولها بعد. لذلك، يرى مراقبون أن مهمة روبيو لا تستهدف تحقيق اختراق دبلوماسي فوري بقدر ما تهدف إلى توحيد الرؤية الأميركية ـ الإسرائيلية حول ما يمكن اعتباره مساراً واقعياً للمرحلة المقبلة.


إيران ومعادلة الردع الإقليمي


من المتوقع أن يحتل الدور الإقليمي لإيران موقعاً مركزياً في المحادثات. إذ ترى واشنطن أن دعم طهران لحلفائها في المنطقة يمثل عاملاً أساسياً في استمرار عدم الاستقرار، بينما تعتبر إسرائيل الوجود الإيراني قرب حدودها التهديد الاستراتيجي الأبرز على المدى الطويل.


وعليه، تحمل زيارة روبيو بعداً مزدوجاً: تأكيد الالتزام الأميركي بأمن إسرائيل، وفي الوقت نفسه محاولة ضبط معادلة الردع لمنع انزلاق المنطقة إلى مواجهة أوسع. فالتحدي الأساسي أمام واشنطن يتمثل في ردع التصعيد دون الوصول إلى مواجهة مباشرة شاملة.


وتبرز خطورة هذا التوازن في ظل التوترات المتزايدة على الحدود اللبنانية ـ الإسرائيلية، حيث تثير الاشتباكات المتقطعة مخاوف من تحول نزاع محدود إلى صراع متعدد الجبهات. وفي هذا السياق، تبدو الدبلوماسية الأميركية أقرب إلى إدارة المخاطر منها إلى حل جذور الصراع.


وتكشف زيارة روبيو عن تحول أعمق في التفكير الاستراتيجي الأميركي. فبدلاً من السعي إلى تسوية شاملة — كما كان الحال في مراحل سابقة من الدبلوماسية الأميركية — تميل واشنطن اليوم إلى نهج تدريجي يقوم على تثبيت الاستقرار أولاً، عبر الردع والتعاون الإقليمي وإعادة الإعمار الاقتصادي.


هذا النهج يعكس دروساً تراكمت من إخفاقات سابقة، حيث أثبتت المبادرات الكبرى أنها غالباً ما تصطدم بوقائع سياسية لا يمكن تجاوزها عبر الاتفاقات النظرية وحدها. غير أن المقاربة التدريجية تحمل بدورها مخاطر واضحة، إذ قد تتحول إلى إدارة دائمة للأزمة بدلاً من حلها.


فإعادة إعمار غزة، من دون أفق سياسي مقنع للفلسطينيين، قد تخلق استقراراً هشاً لا يعالج الأسباب العميقة للصراع. كما أن تعدد الوسطاء الدوليين والإقليميين اليوم يقلّص قدرة الولايات المتحدة على احتكار دور الوسيط الرئيسي كما كان في العقود الماضية.


اختبار النفوذ الأميركي


تمثل الزيارة أيضاً اختباراً لحجم النفوذ الأميركي الفعلي في التأثير على القرارات الإسرائيلية، خصوصاً في ظل تعقيدات السياسة الداخلية لدى الطرفين. ففي السابق، كانت الشراكة الاستراتيجية الوثيقة كافية لتحويل التنسيق الدبلوماسي إلى تغييرات سياسية ملموسة، أما اليوم فباتت هذه القدرة أكثر تقييداً بعوامل داخلية وإقليمية متشابكة.


ومن المرجح أن يُقاس نجاح الزيارة ليس بإعلانات كبرى، بل بقدرتها على منع التدهور: احتواء التصعيد على الجبهة الشمالية، والحفاظ على التنسيق الأمني، وإبقاء مسار إعادة إعمار غزة قائماً بانتظار ظروف سياسية أكثر نضجاً.


في المحصلة، تعكس زيارة روبيو تحولاً في طبيعة الدور الأميركي في الشرق الأوسط — من صانع تسويات كبرى إلى مدير توازنات معقدة. وبينما تسعى واشنطن إلى البقاء لاعباً لا غنى عنه في المنطقة، يبقى السؤال مفتوحاً حول ما إذا كانت سياسة إدارة الأزمات قادرة فعلاً على إنتاج استقرار دائم، أم أنها تؤجل فقط انفجارات مستقبلية محتملة.

فلسطين

الجمعة 27 فبراير 2026 6:00 مساءً - بتوقيت القدس

استطلاع غالوب: تعاطف الأميركيين مع الفلسطينيين يتقدم على تعاطفهم مع إسرائيل

واشنطن – سعيد عريقات – 27/2/2026

كشف استطلاع جديد أجرته شركة غالوب (Gallup)، إحدى أبرز مؤسسات قياس الرأي العام في الولايات المتحدة، عن تحوّل تاريخي في اتجاهات الأميركيين تجاه الصراع الفلسطيني–الإسرائيلي، إذ أظهرت نتائجه أن الأميركيين باتوا يميلون، للمرة الأولى منذ بدء القياسات المنتظمة عام 2001، إلى التعاطف مع الفلسطينيين أكثر من الإسرائيليين، في مؤشر يعكس تغيراً تدريجياً عميقاً في المزاج السياسي والاجتماعي الأميركي.

وبحسب الاستطلاع الذي نشر الجمعة، قال 41% من الأميركيين إنهم يتعاطفون أكثر مع الفلسطينيين، مقابل 36% أعربوا عن تعاطف أكبر مع الإسرائيليين. ورغم أن الفارق لا يحمل دلالة إحصائية قاطعة، فإنه يمثل انعطافة واضحة مقارنة بعام 2025، حين تمتع الإسرائيليون بتقدم مريح بلغ 46% مقابل 33%.

وتكمن أهمية هذه النتائج في أنها تنهي نمطاً استمر أكثر من عقدين، احتفظ خلاله الإسرائيليون بتفوق ثابت في نسب التعاطف داخل الولايات المتحدة، حيث سجلوا منذ عام 2001 وحتى 2018 تقدماً متوسطه 43 نقطة مئوية. إلا أن الفجوة بدأت بالتقلص تدريجياً منذ عام 2019، أي قبل اندلاع حرب غزة الأخيرة، ما يشير إلى أن التحول الراهن ليس وليد حدث واحد، بل نتيجة تغيرات تراكمية في الرأي العام الأميركي.

ولا يزال جزء من الأميركيين يتبنى موقفاً حيادياً؛ إذ قال 4% إنهم يتعاطفون مع الطرفين بالتساوي، و9% لا يتعاطفون مع أي منهما، فيما أبدى 10% عدم امتلاكهم رأياً محدداً.

ما بعد حرب غزة وتأثير وقف إطلاق النار

يأتي الاستطلاع بعد عام حافل بالتطورات السياسية والعسكرية، أبرزها اتفاق وقف إطلاق النار الذي دخل حيز التنفيذ في أكتوبر/تشرين الأول 2025 بوساطة أميركية. وشملت المرحلة الأولى تبادل رهائن إسرائيليين بمعتقلين فلسطينيين، بينما تركز المرحلة الحالية على إعادة إعمار قطاع غزة وترتيبات أمنية طويلة الأمد، وسط اتهامات متبادلة بانتهاك الهدنة.

ورغم أن الحروب غالباً ما تعزز التعاطف الأميركي التقليدي مع إسرائيل، فإن نتائج الاستطلاع تشير إلى أن الحرب الأخيرة ربما سرعت اتجاهاً كان قائماً بالفعل، بدلاً من أن تخلقه من الصفر.

المستقلون يقودون التحول السياسي

البيانات التفصيلية تكشف أن الناخبين المستقلين كانوا العامل الحاسم في هذا التحول. فقد قال 41% منهم إنهم يتعاطفون أكثر مع الفلسطينيين مقابل 30% مع الإسرائيليين، في تحول لافت مقارنة بالسنوات السابقة التي رجحت كفة إسرائيل بينهم.

أما الديمقراطيون، فقد رسخوا تحولهم الذي بدأ منذ عام 2023، إذ أعرب 65% منهم عن تعاطف أكبر مع الفلسطينيين مقابل 17% فقط مع الإسرائيليين، ما يعكس تغيراً أيديولوجياً داخل القاعدة الحزبية، خاصة بين التيارات التقدمية والشباب.

في المقابل، لا يزال الجمهوريون أكثر دعماً لإسرائيل، حيث أعرب 70% منهم عن تعاطفهم مع الإسرائيليين مقابل 13% مع الفلسطينيين، غير أن هذه النسبة تمثل أدنى مستوى للتعاطف الجمهوري مع إسرائيل منذ نحو عقدين، ما يشير إلى أن التحول — وإن كان أبطأ — لم يعد مقتصراً على حزب واحد.

فجوة الأجيال تتعمق

أحد أبرز معالم الاستطلاع يتمثل في الانقسام العمري الواضح. فقد أظهرت النتائج أن 53% من الأميركيين بين 18 و34 عاماً يتعاطفون أكثر مع الفلسطينيين، وهي المرة الأولى التي يشكل فيها هذا الموقف أغلبية داخل هذه الفئة العمرية. في المقابل، أعرب 23% فقط من الشباب عن تعاطف أكبر مع الإسرائيليين، وهو أدنى مستوى مسجل تاريخياً.

كما شهدت الفئة العمرية بين 35 و54 عاماً تحولاً ملحوظاً، إذ قال 46% إنهم يميلون للفلسطينيين مقابل 28% للإسرائيليين، بعد أن كانت المعادلة معاكسة تقريباً قبل عام واحد فقط.

أما الأميركيون الأكبر سناً، فما زال الإسرائيليون يحافظون على تقدم بينهم بنسبة 49% مقابل 31% للفلسطينيين، لكنه يمثل أضيق فارق يُسجل منذ عام 2005، ما يوحي بأن التحول يمتد تدريجياً عبر الأجيال.

تغير في الصورة الذهنية للطرفين

إلى جانب التعاطف السياسي، رصد الاستطلاع تغيراً في الصورة العامة للطرفين لدى الأميركيين. فقد تراجعت النظرة الإيجابية لإسرائيل إلى 46%، مقتربة من أدنى مستوياتها التاريخية، بينما ارتفعت النظرة الإيجابية للأراضي الفلسطينية إلى 37%، وهي أعلى نسبة تسجل حتى الآن.

وللمرة الأولى، تساوت نظرة المستقلين الإيجابية للطرفين عند 41% لكل منهما، نتيجة تراجع تقييم إسرائيل بشكل ملحوظ منذ عام 2023 مقابل تحسن تدريجي لصورة الفلسطينيين.

أما بين الديمقراطيين، فقد أصبحت الأراضي الفلسطينية تحظى بصورة إيجابية أعلى من إسرائيل منذ عام 2025، في حين يظل الجمهوريون الأكثر إيجابية تجاه إسرائيل رغم تراجع التأييد لديهم خلال العامين الماضيين.

استمرار دعم حل الدولتين رغم الاستقطاب

على صعيد الحلول السياسية، أظهر الاستطلاع أن 57% من الأميركيين يؤيدون إقامة دولة فلسطينية مستقلة إلى جانب إسرائيل ضمن إطار حل الدولتين، وهي نسبة تقترب من أعلى مستوى سجلته غالوب منذ عام 2003.

ويحظى هذا الخيار بدعم واسع بين الديمقراطيين (77%) وأغلبية المستقلين (57%)، بينما تراجع تأييد الجمهوريين إلى 33% بعد تقلبات حادة منذ حرب غزة، ما يعكس اتساع الفجوة الحزبية حول الصراع.

ومن اللافت أن دعم الأميركيين لحل الدولتين يفوق بكثير مستويات التأييد لدى الإسرائيليين والفلسطينيين أنفسهم وفق استطلاعات دولية حديثة، ما يبرز التباين بين الرأي العام الأميركي والواقع السياسي على الأرض.

ويعكس التحول في نتائج غالوب تغيراً في السردية التي حكمت فهم الأميركيين للصراع لعقود طويلة. فالأجيال الجديدة لم تعد تنظر إلى النزاع حصراً من زاوية التحالفات الإستراتيجية أو ذاكرة الحرب الباردة، بل من خلال مفاهيم العدالة وحقوق الإنسان وعدم المساواة. ومع توسع مصادر المعلومات خارج الإعلام التقليدي، باتت الرواية الفلسطينية أكثر حضوراً في الفضاء العام الأميركي، ما أدى تدريجياً إلى إعادة توازن إدراكي لا يعني بالضرورة تراجع الدعم لإسرائيل بقدر ما يعني تعدد زوايا النظر.

ورغم أهمية التحول الشعبي، فإن تأثيره الفوري على السياسة الأميركية قد يظل محدوداً بسبب ثبات المؤسسات والتحالفات الاستراتيجية. إلا أن التاريخ السياسي الأميركي يظهر أن التحولات الكبرى تبدأ غالباً في الرأي العام قبل أن تصل إلى مراكز القرار. ومع دخول أجيال جديدة إلى العملية الانتخابية، قد يجد السياسيون أنفسهم أمام ناخبين أقل تقبلاً للسياسات التقليدية وأكثر ميلاً لربط المساعدات الخارجية بمعايير حقوق الإنسان، ما قد يعيد صياغة الخطاب الأميركي تجاه الصراع خلال العقد المقبل.

فلسطين

الجمعة 27 فبراير 2026 5:49 مساءً - بتوقيت القدس

مقررون أمميون يطالبون مصر بتوضيحات حول استمرار احتجاز متضامنين مع فلسطين

أعربت مجموعة من مقرري حقوق الإنسان في الأمم المتحدة عن إدانتهم الشديدة لاستمرار السلطات المصرية في احتجاز مواطنين شاركوا في فعاليات مؤيدة لفلسطين. وأكدت مصادر حقوقية أن هذه الإدانات جاءت في أعقاب رصد انتهاكات واسعة طالت المتظاهرين السلميين منذ اندلاع موجة الاحتجاجات في عام 2023.

ووجه فريق من خبراء المنظمة الدولية مخاطبة رسمية إلى الحكومة المصرية، كُشف عنها مؤخراً، تعبر عن القلق العميق إزاء مصير العشرات الذين جرى توقيفهم خلال تظاهرات أكتوبر 2023. وحذر الخبراء من مغبة توظيف تشريعات مكافحة الإرهاب وقوانين النظام العام كأداة لتقويض الحق في التعبير السلمي والمشاركة المدنية.

وقع على هذه المخاطبة ستة من أبرز أصحاب الولايات في إطار الإجراءات الخاصة للأمم المتحدة، من بينهم المقرر الخاص المعني بحماية حقوق الإنسان في سياق مكافحة الإرهاب. كما شارك في التوقيع الفريق العامل المعني بالاحتجاز التعسفي والمقرر الخاص المعني بحالة حقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة.

وكشفت التقارير الأممية أن حملة الاعتقالات طالت ما لا يقل عن 88 شخصاً، حيث جرى إيداع 67 منهم في الحبس الاحتياطي لفترات طويلة دون محاكمة عادلة. وأشارت المصادر إلى أن عدداً من هؤلاء المعتقلين تعرضوا للاختفاء القسري لعدة أيام قبل ظهورهم أمام جهات التحقيق القضائية.

وتواجه المجموعة المعتقلة اتهامات نمطية تشمل الانضمام إلى جماعة إرهابية والمشاركة في تجمعات غير قانونية، وهي تهم ترفضها الهيئات الحقوقية وتعتبرها وسيلة لقمع التضامن. وشدد الخبراء على أن هذه الممارسات تنتهك العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية الذي تعتبر مصر طرفاً موقعاً عليه.

وسلط الخطاب الأممي الضوء على حالات محددة، من بينها حالة المواطنين محمد سليم وعمر غازي اللذين اعتقلا من مدينة الإسكندرية في العشرين من أكتوبر 2023. وذكر التقرير أن الشابين تعرضا للاختفاء القسري لمدة يومين قبل عرضهما على نيابة أمن الدولة العليا التي قررت حبسهما على ذمة القضية رقم 2469.

وأبدى الموقعون على الخطاب مخاوف جدية بشأن حرمان المحتجزين من التواصل مع محاميهم أو ذويهم، مما يضعف من ضمانات المحاكمة العادلة. كما أشاروا إلى أن سياسة الحبس الاحتياطي المطول باتت تُستخدم كعقوبة مسبقة ضد النشطاء والمتضامنين مع القضايا القومية.

وتطرق التقرير إلى الأوضاع المأساوية داخل سجن العاشر من رمضان، حيث يعاني المحتجزون من اكتظاظ شديد في الزنازين ونقص حاد في التهوية. وأكد الخبراء أن ضعف الرعاية الصحية المقدمة للسجناء يمثل تهديداً مباشراً لسلامتهم الجسدية والنفسية في ظل القيود المفروضة.

واعتبرت الهيئات الأممية أن ظروف الاحتجاز الحالية قد ترقى إلى مستوى المعاملة القاسية أو اللاإنسانية والمهينة، وهو ما يتنافى مع المعايير الدولية الدنيا لمعاملة السجناء. وطالبوا بضرورة إجراء تحقيقات شفافة في مزاعم سوء المعاملة والاختفاء القسري التي تعرض لها المتضامنون.

وفي سياق متصل، طالبت الأمم المتحدة الحكومة المصرية بتقديم توضيحات مفصلة حول الأسس القانونية لاستمرار الحبس الاحتياطي لهؤلاء المواطنين. ودعت إلى مراجعة شاملة لمدى توافق القوانين المحلية مع الالتزامات الدولية التي تعهدت بها الدولة المصرية في المحافل العالمية.

وشدد المقررون على أن التعبير عن التضامن مع الشعب الفلسطيني هو حق أصيل لا ينبغي أن يؤدي بصاحبه إلى السجن أو الملاحقة الأمنية. وأوضحوا أن الصياغات الفضفاضة في قوانين مكافحة الإرهاب تفتح الباب أمام تأويلات تعسفية تستهدف العمل الأهلي والنشاط السلمي.

كما لفتت المصادر إلى أن استهداف المتظاهرين المؤيدين لفلسطين يبعث برسالة سلبية حول مساحة الحريات المتاحة في البلاد. وأكدت أن المجتمع الدولي يراقب عن كثب كيفية تعامل السلطات مع ملف سجناء الرأي الذين لم يرتكبوا أي أعمال عنف.

وختم الخبراء خطابهم بضرورة الإفراج الفوري عن كافة المعتقلين الذين ثبت أن احتجازهم جاء على خلفية ممارسة حقوقهم المشروعة. وأكدوا أن استمرار هذه السياسات يضعف من مصداقية التعهدات الرسمية بشأن الإصلاح الحقوقي وفتح المجال العام.

تأتي هذه التحركات الأممية في وقت تزداد فيه الضغوط الدولية على القاهرة لتحسين سجلها الحقوقي، خاصة فيما يتعلق بملف الحبس الاحتياطي. وتنتظر الأوساط الحقوقية رداً رسمياً من السلطات المصرية على هذه التساؤلات والاتهامات الموثقة في الخطاب الأممي الأخير.

فلسطين

الجمعة 27 فبراير 2026 5:49 مساءً - بتوقيت القدس

7 شهداء بينهم شرطي في غزة.. حماس: الاحتلال يخرق اتفاق التهدئة بتصعيد ممنهج

شهد قطاع غزة منذ فجر اليوم الجمعة تصعيداً ميدانياً جديداً أسفر عن استشهاد سبعة فلسطينيين، بينهم عنصر في الشرطة، وإصابة عدد من النساء والأطفال في هجمات إسرائيلية استهدفت مناطق متفرقة. وأكدت مصادر ميدانية أن قوات الاحتلال نفذت غارات جوية وعمليات قنص خرقت تفاهمات وقف إطلاق النار المعمول بها، مما أدى إلى سقوط ضحايا في صفوف المدنيين والنازحين.

وفي تفاصيل العدوان، أفادت مصادر بأن طائرة مسيرة إسرائيلية استهدفت خيمة للنازحين داخل مدرسة مصطفى حافظ القريبة من مستشفى ناصر غرب مدينة خانيونس. وأسفر القصف عن استشهاد فلسطيني وإصابة ثلاثة آخرين بجروح متفاوتة، في وقت تواصل فيه المسيرات التحليق المكثف فوق مراكز الإيواء المكتظة بالنازحين.

أما في شمال القطاع، فقد استشهد فلسطينيان برصاص قوات الاحتلال المتمركزة في محيط بلدة بيت لاهيا، حيث تركزت عمليات إطلاق النار في منطقتي أصلان والعطاطرة. وتأتي هذه الاعتداءات في ظل استمرار استهداف المواطنين الذين يحاولون التحرك في المناطق القريبة من التماس، مما يرفع حصيلة الضحايا اليومية بشكل مستمر.

وفي وسط القطاع، شنت الطائرات الحربية غارات على مخيم البريج، مما أدى إلى ارتقاء أربعة شهداء في حصيلة أولية لتلك الغارات التي طالت مناطق سكنية. كما أكد الدفاع المدني انتشال جثامين ثلاثة شهداء آخرين سقطوا جراء استهداف مجموعة من المواطنين في منطقة المسلخ الواقعة جنوب غرب مدينة خانيونس بواسطة طائرة مسيرة.

وعلى صعيد استهداف المؤسسات الأمنية، نعت وزارة الداخلية في غزة أحد عناصرها الذي استشهد إثر قصف جوي استهدف حاجزاً للشرطة على شارع صلاح الدين. وأوضحت الوزارة أن طائرات الاحتلال استهدفت النقطة الأمنية عند مدخل مخيم البريج في ساعة مبكرة من الفجر، ما أدى أيضاً إلى إصابة شرطي آخر بجروح وصفت بالخطيرة.

من جانبها، أدانت حركة المقاومة الإسلامية (حماس) هذا التصعيد، واصفة استهداف نقاط الشرطة بأنه خرق فاضح وخطير لاتفاق وقف إطلاق النار الساري. وصرح الناطق باسم الحركة، حازم قاسم، بأن هذه الهجمات الممنهجة تثبت أن الاحتلال لا يقيم وزناً للجهود الدولية الرامية لتثبيت الهدوء، ويصر على تجاهل كافة التفاهمات السياسية.

وفي سياق متصل، اعتبرت لجان المقاومة في فلسطين أن استمرار الخروقات الإسرائيلية يمثل إرهاباً منظماً يهدف إلى إشاعة الفوضى في القطاع عبر ضرب المنظومة الأمنية والشرطية. وأشارت في بيان لها إلى أن استهداف نقاط الشرطة في خانيونس والبريج يندد بخطة ممنهجة للتنصل من التزامات الاتفاق الذي تم التوصل إليه برعاية دولية.

وتشير الإحصاءات الرسمية الصادرة عن وزارة الصحة إلى أن عدد الشهداء منذ بدء سريان اتفاق وقف إطلاق النار في العاشر من أكتوبر الماضي قد تجاوز 618 شهيداً. كما سجلت الطواقم الطبية إصابة أكثر من 1663 فلسطينياً جراء الاعتداءات المتواصلة التي لم تتوقف رغم دخول الاتفاق حيز التنفيذ، مما يهدد بانهيار التهدئة الهشة.

وتأتي هذه التطورات الميدانية في اليوم العاشر من شهر رمضان المبارك، حيث وقعت معظم الغارات بالتزامن مع وقت السحور، مما ضاعف من حالة الذعر بين العائلات النازحة. وتؤكد التقارير أن المناطق المستهدفة، لاسيما في مواصي خانيونس والبريج، تقع خارج نطاق سيطرة جيش الاحتلال بموجب الخرائط المتفق عليها في التهدئة.

وعلى الصعيد الإنساني، يعاني نحو 1.9 مليون نازح فلسطيني من ظروف معيشية كارثية في خيام متهالكة تفتقر لأبسط مقومات الحياة الكريمة. وتتفاقم هذه المعاناة مع استمرار تدمير البنية التحتية التي طالت نحو 90% من المنشآت المدنية في القطاع على مدار عامين من حرب الإبادة الجماعية التي يشنها الاحتلال.

يُذكر أن إجمالي ضحايا العدوان الإسرائيلي منذ أكتوبر 2023 قد تجاوز 72 ألف شهيد وأكثر من 171 ألف جريح، في حصيلة غير مسبوقة تعكس حجم الدمار. وتواصل المنظمات الدولية التحذير من استمرار الخروقات الإسرائيلية التي تعيق وصول المساعدات الإنسانية وتزيد من تعقيد المشهد الميداني والسياسي في المنطقة.

أقلام وأراء

الجمعة 27 فبراير 2026 5:18 مساءً - بتوقيت القدس

نحو موقف معرفي مقاوم: في نقد التبعية الثقافية والبحث عن 'المثقف الحر'

يبرز في المشهد الثقافي العربي انقسام حاد في التعاطي مع الحداثة الغربية، حيث ينقسم المثقفون إلى تيارين متناقضين؛ أحدهما يتبنى الحداثة كعقيدة مطلقة مروجاً لها بتبعية تامة، والآخر يرفضها جملة وتفصيلاً هرباً إلى كهوف التاريخ والثقافة الماضوية. وبين هذين الموقفين، تبرز الحاجة الملحة لنموذج 'المثقف الحر' الذي يتبنى رؤية نقدية واعية لا تخضع للحداثة كقدر محتوم، ولا تتجاهل في الوقت ذاته منجزاتها المادية التي أفادت البشرية.

إن بناء موقع معرفي جديد يتطلب فتح ورشة داخلية لإعادة ترتيب الأفكار بعيداً عن تأثيرات 'حداثة الفضائح' والسياسات الدولية القائمة على الابتزاز. هذه الورشة ضرورية لتخليص العقل العربي من لوثة التبعية، والبدء في صياغة خطاب يتجاوز التوتر الأخلاقي الذي غالباً ما ينزلق إلى وعظ تعبوي يفشل في مواجهة التحديات الواقعية والمعرفية الكبرى.

تعتبر المرجعية الكونية الغربية، أو ما يعرف بالمركزية الأوروبية، نموذجاً كبد العالم الكثير من الآلام، وكان نصيب العرب والمسلمين من هذا الثمن التاريخي هو الأكبر. ومع ذلك، فإن الكتابة من موقع الضحية لا تقدم فهماً حقيقياً للواقع، بل يجب إدراك أن الحداثة هي نتاج سياق تاريخي محدد حولته القوة الاستعمارية إلى معيار عالمي مفروض بقوة السلاح لا بقوة المنطق وحده.

إن إسقاط الكونية المزعومة عن الحداثة الغربية يمهد الطريق لإنهاء كافة أشكال الاستعمار الفكري، حيث يتم التعامل مع التقدم كمفهوم تاريخي والأخلاق كإنتاج اجتماعي. هذا المدخل يخرج النقاش من دائرة الخطاب الديني أو المعياري المضاد، ويضعنا أمام حقيقة أن ما قُدم كنموذج واجب الاتباع ليس سوى تجربة محلية غربية تم تعميمها قسراً على بقية شعوب الأرض.

لا ينبغي للمثقف العربي أن يجادل الحداثة من موقع المتهم الذي يبحث عن براءة من تهمة 'التخلف'، بل يجب التأكيد بهدوء على الاختلاف التاريخي لا التأخر الأخلاقي. إن الشعور بالارتباك أمام نموذج نشأ في شروط مغايرة هو عائق أمام التحرر، ولذلك فإن استعادة الثقة في الذات هي الركيزة الأساسية لبناء الندية المعرفية القادرة على إنتاج مفاهيم خاصة ومستقلة.

الثقة بالذات تنهي حالة الارتباك المعرفي المتفشي بين كتاب الجنوب الذين صنفتهم المركزية الغربية كرجعيين، وتسمح بإعادة بناء التوازن الأخلاقي والمعرفي. هذه الدعوة العقلانية تهدف إلى تحقيق سيادة معرفية مبنية على المساواة، وليس مجرد مقاومة أخلاقية تستبطن الهزيمة النفسية، مما يلزم الحداثة الغربية بحجمها الحقيقي كتجربة تاريخية خاصة.

يسعفنا درس الأنثروبولوجيا الثقافية في هذا السياق، حيث طعنت تيارات نقدية غربية في كونية الحداثة وأقرت بالتعدد الثقافي كحقيقة إنسانية. ومع ذلك، يجب الحذر من الانزلاق نحو 'مركزية مضادة' تقوم على ادعاء نقاء الهوية أو الاكتفاء بالهجوم الأخلاقي على فساد الغرب، لأن هذا الموقف السجالي يعيد إنتاج أدوات الحداثة الغربية من جغرافيا مضادة فقط.

لقد تصدى المثقفون التابعون في المنطقة العربية لمهمة ترويج الحداثة الغربية بحماس يفوق أحياناً حماس منظريها الأصليين، محولين إياها إلى 'أصل تجاري' للاسترزاق. هؤلاء المثقفون تموقعوا في مؤسسات الدولة التابعة، وساهموا في تكريس الشعور بالدونية بين الشعوب، مبررين سياسات القهر بحجة أن المجتمعات العربية لم تنضج بعد لممارسة الديمقراطية.

بعد عقود من عمل هؤلاء التابعين، تحولت العديد من المجتمعات غير الغربية إلى 'مسوخ' ثقافية وسياسية، فلا هي حافظت على هويتها وتراثها، ولا هي تحولت إلى نسخ ناجحة من الغرب. لذا، فإن أولى خطوات الورشة النقدية تبدأ بتشخيص دور هؤلاء المثقفين كأدوات للهيمنة الرمزية، وتوجيه النقد المعرفي الصارم لأطروحاتهم التي تكرس التبعية.

إن تبني كونية الحداثة مكن النخب المحلية من أدوار وامتيازات مرتبطة بشرعية 'وسيط الحداثة'، مما جعل أي نقد يوجه لهذا النموذج يواجه بتهم التخلف أو حتى الإرهاب. هذا الترهيب الفكري مدعوم مالياً وسياسياً لمواصلة دور التخويف، ومنع أي محاولة جادة لزحزحة السلم التفاضلي الذي يضع الغرب دائماً في القمة والآخرين في القاع.

نقد الحداثة الغربية ليس موقفاً دينياً بالضرورة، بل هو فعل معرفي يقر بالتعدد الثقافي وينهي احتكار الحقيقة من قبل نموذج واحد. في ظل هذا التعدد، تصبح المرجعيات المختلفة، بما فيها الدينية، أبواباً مشروعة للحداثة لا يمكن استنقاصها، مما يفتح المجال أمام 'حداثات' متعددة تتصارع مرجعياتها دون أن تتنافى بالضرورة.

إن إعلان الندية المعرفية ينهي حالة الخوف الناتجة عن تاريخ طويل من إخضاع الوعي، ويسمح بصياغة قول واثق حول المستقبل يتجاوز ثنائية 'الغرب المتفوق والشرق المظلوم'. هذه الندية تعني أن الأخلاق لا توجد خارج التاريخ، وأن كل تجربة إنسانية لها الحق في صياغة شروط حداثتها الخاصة انطلاقاً من سياقها الذاتي.

لا توجد حداثة مقدرة أخلاقياً على بقية الحداثات، فكلها تجارب تاريخية عرضة للنقد والاشتباك المعرفي، وهذا هو جوهر الموقف الذي يجب أن يتبناه المثقف الحر. إن المهمة الراهنة هي بناء 'موقف معرفي مقاوم' يرفض التراتبية التي فرضها الاستعمار، ويعيد الاعتبار للتنوع الثقافي كقيمة إنسانية عليا تضمن كرامة الشعوب وسيادتها الفكرية.

في الختام إن الطريق نحو السيادة المعرفية يمر عبر تفكيك آليات الهيمنة التي غرسها المثقف التابع والمنكمش على حد سواء، والبحث عن مساحات إبداع خارج الحقل المفاهيمي الغربي. إنها دعوة للتحرر من 'الكونية المدعاة' والاعتراف بأن العالم يتسع لرؤى متعددة، حيث لا فضل لحداثة على أخرى إلا بقدر ما تحققه من كرامة وحرية للإنسان في سياقه الخاص.

اسرائيليات

الجمعة 27 فبراير 2026 4:18 مساءً - بتوقيت القدس

حروب الأحلاف وإعادة هندسة المنطقة: قراءة في رؤية نتنياهو للمحاور الثلاثة

تشير القراءات السياسية الراهنة إلى أن المنطقة مقبلة على نمط جديد من الحروب المتنقلة، حيث تبرز جبهات تُفتح وتُجمد وفقاً لمصالح القوى الإقليمية. وسواء كانت إيران حاضرة بشكل مباشر أو جرى تحييدها، فإن تعقيداتها البنيوية تظل عاملاً مؤثراً في معادلة الفعل ورد الفعل.

لم يعد الصراع في الشرق الأوسط مرشحاً لأن يكون مواجهة واحدة كبرى وحاسمة، بل تحول إلى سلسلة من اختبارات القوة المتدرجة. تتنقل هذه الاختبارات بين الجغرافيا والسياسة والاقتصاد، مما يخلق حالة من الاستنزاف المستمر للساحات المشتعلة.

تأتي تصريحات بنيامين نتنياهو الأخيرة لترسم معالم مرحلة إقليمية جديدة تتجاوز الاستهلاك الإعلامي التقليدي. حيث تحدث بوضوح عن تقسيم المنطقة إلى محاور متصارعة، واصفاً قوى إقليمية بأنها محاور جريحة أو معادية يجب احتواؤها.

طرح نتنياهو فكرة تأسيس محور ثالث تقوده تل أبيب، يهدف إلى ضم دول تعارض التوجهات الأيديولوجية للمحورين الشيعي والسني. وضع هذا الطرح كلاً من الإمارات واليونان والهند في صلب التشكيل الجديد، مما يعكس رغبة في إعادة هندسة الاصطفافات.

يعكس هذا التحول في الخطاب الإسرائيلي انتقالاً استراتيجياً من سياسة إدارة الصراع إلى سياسة إعادة تعريف العدو بشكل شامل. لم يعد التركيز محصوراً في التهديد الإيراني، بل اتسع ليشمل أي بنية سياسية تتبنى مشروع الممانعة أو الإسلام السياسي.

يسمح هذا التوصيف المزدوج ببناء تحالفات مرنة تتجاوز التناقضات التقليدية بين الدول، ويكون عنوانها الجامع هو ضبط البيئات الحاضنة للمشاريع المعارضة. إن الإشارة إلى محور خاص بإسرائيل توحي بإطار استراتيجي طويل الأمد يتقاطع مع مصالح الطاقة والممرات البحرية.

تمثل اليونان في هذا التصور بوابة حيوية لشرق المتوسط، بينما تبرز الهند كشريك صاعد في ممرات التجارة البديلة التي تربط الشرق بالغرب. أما الإمارات، فتؤدي دور اللاعب المالي واللوجستي المركزي في هذه المنظومة المقترحة.

نحن أمام محاولة جادة لتكريس شبكة مصالح تتجاوز البعد العسكري الصرف لتصل إلى صياغة منظومة نفوذ متكاملة. يتقاطع هذا الطرح مع تحولات دولية، لا سيما داخل الدوائر الأمريكية المحافظة التي تنادي بتقليص الأكلاف الخارجية.

تعكس تصريحات شخصيات أمريكية، مثل السيناتور جوش هاولي، ميلاً لدعم ترتيبات إقليمية تقوم على تحالفات وظيفية تتولى أعباء المواجهة. هذا التوجه لا يعني انسحاباً أمريكياً كاملاً، بل هو إعادة توزيع للأدوار لإدارة الصراعات عبر شركاء إقليميين موثوقين.

يأتي هذا الطرح الإسرائيلي في لحظة تشهد إنهاكاً واضحاً لمحور المقاومة بفعل الضغوط الاقتصادية والعسكرية المتواصلة. كما تستغل تل أبيب التحولات العميقة في البيئة السنية التي أعقبت موجات الربيع العربي لتثبيت وقائع سياسية جديدة.

تفترض القراءة الإسرائيلية أن اللحظة الحالية مؤاتية لتغيير موازين القوى قبل حدوث أي تبدلات استراتيجية غير متوقعة. لذا، فإن الحديث عن المحور الثالث ليس مجرد وصف للواقع، بل هو إعلان نوايا لبناء واقع جديد بالقوة.

يبقى السؤال الجوهري حول طبيعة الرد الإقليمي على هذه التحركات، وهل ستكتفي القوى الأخرى بإعادة تموضع بارد؟ إن التجربة التاريخية تشير إلى أن بناء الأحلاف الصلبة غالباً ما يكون مقدمة لانفجارات كبرى وصراعات وجودية.

تبدو المنطقة اليوم أمام مرحلة انتقالية مفتوحة على احتمالات عالية المخاطر، حيث تتصلب الاصطفافات وتضيق مساحات التسوية السياسية. إن تسريع سباق المحاور قد يؤدي إلى نتائج عكسية تزيد من حدة التوتر بدلاً من منعه.

في مثل هذه اللحظات التاريخية، لا تكون الحروب مجرد نتيجة لسوء التقدير، بل قد تكون نتاج تخطيط بارد يهدف لإعادة إنتاج التوازن. وبناءً على ذلك، فإن عنوان المرحلة المقبلة قد يتجاوز احتواء التهديدات ليصل إلى مواجهات مباشرة وشيكة.

أقلام وأراء

الجمعة 27 فبراير 2026 4:05 مساءً - بتوقيت القدس

بنية العنف والسرقة: قراءة في وحشية المنظومة الصهيونية بعد طوفان الأقصى

يواجه المعارضون للمشروع الصهيوني نظاماً يتسم بالعنصرية والدموية، حيث يستمد هذا النظام وحشيته من مكونات مجتمعية تتماهى مع أهدافه الإجرامية. وقد فتحت الأحداث التي تلت عملية طوفان الأقصى الباب واسعاً لتعرية القبح البنيوي لهذا المجتمع الذي يقتات على دماء الفلسطينيين.

تستمر المقتلة في قطاع غزة على مرأى ومسمع من العالم أجمع، في واحدة من أبشع عمليات التطهير العرقي التي سجلها التاريخ الحديث. ورغم فداحة الجرائم، يرى مراقبون أن ردود الفعل الشعبية في المنطقة لم ترقَ لمستوى الحدث نتيجة سياسات القمع التي تمارسها بعض الأنظمة ضد شعوبها.

استباحت قوات الاحتلال كل المحرمات، بدءاً من دماء الأطفال والنساء وصولاً إلى التنكيل بجثامين المقاومين واختطافهم وتشويههم. كما شمل العدوان هدم الملاذات الآمنة، مما دفع بآلاف الغزيين للنزوح القسري المتكرر الذي وصل لبعضهم إلى 19 مرة خلال عامين فقط.

يعكس هذا النزوح المتكرر حجم الخطر المحدق بكل زاوية في القطاع المنهك أصلاً بفعل حصار خانق مستمر منذ نحو عقدين. ولا تقتصر هذه العدوانية على المؤسسة العسكرية فحسب، بل تمتد لتشمل قطاعات واسعة من المستوطنين في الأراضي المحتلة عام 1948.

تتجلى وقاحة الفكر الاستيطاني في شهادات حية، مثل واقعة سرقة منزل عائلة الكرد في حي الشيخ جراح، حيث يبرر السارق فعلته بأن 'شخصاً آخر سيأخذه إن لم يفعل هو'. هذه العقلية تعكس حقيقة الصراع بوصفه صراعاً مع عصابات تمتهن السلب والنهب تحت حماية الدولة.

تتعدد صور الإجرام الميداني لتشمل إحراق الماشية وهي على قيد الحياة، وسرقة ممتلكات الفلسطينيين، وحرق المنازل والمرافق العامة. كما تنتشر النقاط المسلحة للمستوطنين الذين يمارسون إرهاباً منظماً ضد القرى الفلسطينية المجاورة لبؤرهم الاستيطانية.

تتسارع في الآونة الأخيرة عمليات سلب الأراضي والمنازل لإقامة بؤر استيطانية جديدة، مما يؤدي إلى تهجير قرى بأكملها. وتترافق هذه العمليات مع استباحة كرامة الفلسطينيين خلال اقتحامات المخيمات والمدن، في محاولة لكسر إرادة الصمود الشعبي.

لم تسلم دور العبادة من التدنيس، حيث يتم تحويل المساجد والكنائس إلى ساحات للرقص الاستفزازي الذي يعبر عن تعطش للدماء لا عن طقوس دينية. وتأتي هذه الأفعال في سياق خطاب تحريضي يقوده وزراء متطرفون في حكومة الاحتلال يتباهون بتعذيب الأسرى.

يحاول قادة الاحتلال، ومن بينهم إيتمار بن غفير، استرداد صورة القوة الزائفة عبر التنكيل بالسجناء العزل وسحق كرامتهم داخل المعتقلات. وتعد هذه التصرفات رد فعل بائس على الانكسار الذي تعرضت له هيبة المنظومة الأمنية الإسرائيلية في الميدان.

تظهر مقاطع مصورة جنوداً يتباهون بقتل الأطفال واغتصاب الفلسطينيين، في انحدار أخلاقي غير مسبوق للمؤسسة العسكرية. كما تتعالى الأصوات داخل الكيان للمطالبة باستخدام السلاح النووي ضد غزة، مما يعكس رغبة في إبادة شاملة لا تستثني أحداً.

يمتد العنف الصهيوني ليطال مكونات الكيان الداخلية، كما حدث في واقعة دعس متطرفين يهود نتيجة خلافات سياسية، أو مطاردة مجندات الجيش. هذا التوحش الداخلي ليس جديداً، بل يعود لسنوات طويلة حين اغتيل إسحاق رابين على يد متطرف يهودي.

يُذكر أن رابين، الذي قاد عصابات صهيونية وشارك في تهجير الفلسطينيين، قُتل لمجرد محاولته إبرام اتفاقيات سياسية محدودة. وكان بنيامين نتنياهو حينها أحد أبرز المحرضين ضد رابين للوصول إلى سدة الحكم عبر استغلال الخطاب المتطرف.

يعيش نتنياهو اليوم في منزل مسروق بمدينة القدس يعود في الأصل للطبيب الفلسطيني توفيق كنعان الذي هُجر عام 1948. هذه الواقعة تلخص جوهر الكيان القائم على اغتصاب حقوق الآخرين وممتلكاتهم التاريخية دون أي وازع قانوني أو أخلاقي.

أمام هذه الحقائق، تبرز أصوات عربية تروج لـ 'التعايش' مع هذه المنظومة تحت مسميات السلام، وهي دعوات تتجاهل طبيعة العدو. إن التمسك بسلاح المقاومة في غزة ولبنان واليمن يمثل ضرورة وجودية لتحقيق الحد الأدنى من الردع أمام كيان لا يفهم إلا لغة القوة.

اسرائيليات

الجمعة 27 فبراير 2026 4:04 مساءً - بتوقيت القدس

تقديرات إسرائيلية بانهيار المفاوضات مع إيران وتحذيرات أمريكية من تصعيد عسكري وشيك

أفادت مصادر إعلامية عبرية، اليوم الجمعة، بأن التقديرات السائدة في تل أبيب تشير بوضوح إلى احتمالية انهيار المفاوضات الجارية مع إيران بشأن ملفها النووي. وتتزامن هذه الترجيحات مع رصد تحشيد عسكري أمريكي مكثف في المنطقة، مما يعزز فرضية اقتراب عمل عسكري ضد طهران.

وذكرت تقارير صحفية أن الجانب الإسرائيلي يبدي ارتياحاً ملحوظاً تجاه الموقف المتشدد الذي تتبناه الإدارة الأمريكية في الوقت الراهن. حيث وضعت واشنطن شروطاً وصفت بأنها الأعلى سقفاً منذ بدء المسار التفاوضي، مما يقلص فرص الوصول إلى حلول وسط مع الجانب الإيراني.

ونقلت مصادر عن مسؤول إسرائيلي رفيع قوله إن استمرار المعطيات الحالية يعني انسداد الأفق الدبلوماسي بشكل كامل. وأضاف المسؤول أن السلوك الإيراني الحالي لا يوحي بالرغبة في تقديم تنازلات جوهرية تلبي المطالب الدولية المفروضة مؤخراً.

وفي سياق متصل، تدرس المؤسسة الأمنية الإسرائيلية سيناريوهات التصعيد المحتملة في حال اندلاع مواجهة مباشرة. وخلصت التقييمات إلى أن احتمال انخراط أطراف إقليمية أخرى في القتال، وتحديداً حزب الله في لبنان وجماعة الحوثي في اليمن، بات وارداً جداً.

وتشير التحليلات الأمنية إلى أن حزب الله، رغم التحديات الداخلية التي يواجهها، لن يبقى مكتوف الأيدي في حال تعرضت إيران لهجوم مباشر. ويرى الخبراء في تل أبيب أن الصراع القادم قد يتخذ طابعاً محورياً وشاملاً يمتد لعدة جبهات في آن واحد.

وعلى الصعيد الدبلوماسي، اتخذت الولايات المتحدة خطوة لافتة بالسماح لموظفيها الدبلوماسيين غير الأساسيين بمغادرة إسرائيل بشكل فوري. وجاء هذا القرار كإجراء احترازي يعكس حجم المخاوف من تدهور الأوضاع الأمنية بشكل مفاجئ وغير مسيطر عليه.

وحثت السفارة الأمريكية مواطنيها المتواجدين في المنطقة على التفكير بجدية في المغادرة طالما أن الرحلات الجوية التجارية لا تزال متاحة. وأوضحت أن التوترات المتصاعدة قد تؤدي في أي لحظة إلى تعليق حركة الطيران المدني من وإلى المطارات الإسرائيلية.

وأصدرت الخارجية الأمريكية بياناً أكدت فيه منح الإذن لموظفي الحكومة وأفراد أسرهم بمغادرة مقر السفارة بسبب المخاطر الأمنية المتزايدة. وشدد البيان على أن هذا الإجراء يأتي استجابة لتقييمات ميدانية تشير إلى احتمالية وقوع حوادث أمنية وشيكة.

كما حذرت السفارة من أنها قد تفرض قيوداً مشددة على حركة موظفيها المتبقين في مناطق محددة، بما في ذلك البلدة القديمة في القدس والضفة الغربية. وأشارت إلى أن هذه القيود قد تُطبق دون إشعار مسبق بناءً على تطورات الحالة الأمنية في الميدان.

وتضمنت التحذيرات الأمريكية تنبيهاً من مخططات لهجمات محتملة قد تستهدف تجمعات سياحية ومرافق عامة وأسواقاً تجارية. ودعت واشنطن رعاياها إلى الحفاظ على مستوى عالٍ من اليقظة والابتعاد عن أماكن التظاهرات أو التجمعات الكبيرة التي قد تكون هدفاً للتصعيد.

وتعيش المنطقة حالة من الترقب الشديد في ظل التهديدات المتبادلة بين واشنطن وطهران، وسط استعدادات إسرائيلية مكثفة لرد فعل إيراني محتمل. وتتزايد المخاوف من أن يؤدي الفشل الدبلوماسي إلى شرارة حرب إقليمية واسعة النطاق تتجاوز الحدود التقليدية للصراع.

ويرى مراقبون أن الخطوات الأمريكية الأخيرة، سواء على الصعيد العسكري أو الدبلوماسي، تمثل ضغطاً قصوى على صانع القرار في طهران. ومع ذلك، فإن تل أبيب تواصل رفع الجاهزية في كافة الجبهات تحسباً لأي سيناريو يتضمن إطلاق صواريخ أو هجمات بمسيرات.

وفيما يتعلق بالداخل الإسرائيلي، بدأت السلطات بتحديث تعليمات الجبهة الداخلية وتجهيز الملاجئ في بعض المناطق الحيوية. وتأتي هذه التحركات في ظل تقارير استخباراتية تتحدث عن تحركات غير عادية للقوات الحليفة لإيران في سوريا ولبنان.

ختاماً، يبقى المشهد مفتوحاً على كافة الاحتمالات، حيث يترقب العالم نتائج الساعات القادمة التي قد تحدد مصير الاتفاق النووي أو تفتح الباب أمام مواجهة عسكرية كبرى. وتظل الأنظار متجهة نحو التحركات الميدانية للقوات الأمريكية في مياه الخليج والمتوسط.

فلسطين

الجمعة 27 فبراير 2026 4:04 مساءً - بتوقيت القدس

هزيمة تاريخية لحزب العمال في معقله بمانشستر تضع مستقبل ستارمر على المحك

واجه رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر أزمة سياسية حادة عقب خسارة حزب العمال مقعداً تاريخياً في دائرة 'غورتون ودينتون' بمدينة مانشستر، وهو المقعد الذي هيمن عليه الحزب لقرابة قرن من الزمان. واعتبرت تقارير صحفية أن هذه الهزيمة تمثل تهديداً مباشراً لمستقبل ستارمر السياسي، خاصة بعد تراجع الحزب إلى المركز الثالث في هذه الانتخابات الفرعية.

وحقق حزب الخضر فوزاً ساحقاً في الدائرة بحصوله على نحو 41% من الأصوات، متفوقاً بفارق كبير على حزب العمال الذي لم يحصد سوى 25%. وجاء حزب 'إصلاح المملكة المتحدة' في المرتبة الثانية بنسبة 29%، مما يعكس تحولاً جذرياً في الولاءات السياسية داخل المعاقل التقليدية لليسار البريطاني.

وفي أول رد فعل له، أبدى ستارمر تحدياً واضحاً برفضه فكرة الاستقالة، مؤكداً إدراكه لإحباط الناخبين ورغبتهم في التغيير. ووصف ستارمر حزبي الخضر والإصلاح بأنهما 'متطرفان' ويسعيان لتمزيق وحدة البلاد، متعهداً بالاستمرار في منصبه والنضال من أجل ناخبيه رغم ما وصفته المصادر بالهزيمة المذلة.

وأرجعت مصادر سياسية هذا الإخفاق إلى عدة عوامل، أبرزها موقف ستارمر من الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، والذي أثار غضباً واسعاً بين الناخبين المسلمين. كما ساهم قراره المثير للجدل بمنع آندي بورنهام من الترشح في زيادة حدة الانقسامات الداخلية وتنفير قطاع واسع من المؤيدين التقليديين للحزب.

وأظهر تحليل أجرته مؤسسة 'إلكترال كالكولاس' نتائج صادمة، حيث توقعت خسارة رئيس الوزراء وجميع أعضاء حكومته تقريباً لمقاعدهم في حال تكررت هذه النتائج على المستوى الوطني. وأشار التحليل إلى أن حزب العمال قد يتقلص تمثيله إلى 33 مقعداً فقط، بينما قد يقفز حزب الخضر من 5 مقاعد إلى 249 مقعداً.

ولعبت الكتلة التصويتية المسلمة دوراً محورياً في هذه النتائج، حيث تضم دائرة غورتون ودينتون نسبة مرتفعة من السكان المسلمين الذين اتجهوا لدعم حزب الخضر. ويرى مراقبون أن حملة الخضر المؤيدة للحقوق الفلسطينية نجحت في استقطاب الناخبين الذين شعروا بخيبة أمل من سياسات القيادة الحالية لحزب العمال.

وأفادت مصادر داخل حزب العمال بأن هناك حالة من القلق المتزايد بين أعضاء البرلمان على مقاعدهم في الانتخابات المقبلة. وأكد أحد أعضاء مجلس الحزب في الدائرة أن قضية غزة لم تُنسَ ولن يغفر الناخبون للحزب مواقفه السابقة، مشيراً إلى أن الضغوط تتزايد الآن لدفع الحزب نحو تبني سياسات أكثر يسارية.

من جانبه، صرح تحالف 'الصوت المسلم' البريطاني بأن هذه النتيجة التاريخية تبعث برسالة واضحة مفادها أنه لا يمكن اعتبار أصوات المجتمعات المسلمة مضمونة لأي طرف. وأوضح البيان أن الناخبين اتخذوا خياراً واعياً بمعاقبة حزب العمال الذي خذلهم في قضايا جوهرية تشمل غزة، والاقتصاد، والحريات المدنية.

وشهدت الحملة الانتخابية مشاركة شخصية من ستارمر الذي دعا إلى وحدة الصف، إلا أن جهوده لم تنجح في مواجهة مرشحة حزب الخضر هانا سبينسر. وحصلت سبينسر على دعم علني من الزعيم السابق للعماليين جيريمي كوربين، مما عزز من موقفها أمام الناخبين الناقمين على توجهات القيادة الحالية.

وتأتي هذه النكسة في وقت يسجل فيه حزب الخضر صعوداً متواصلاً منذ تولي زاك بولانسكي قيادته في سبتمبر 2025. ويعكس هذا الصعود رغبة الناخبين في إيجاد بدائل سياسية قادرة على التعبير عن مواقفهم تجاه القضايا الدولية والمحلية التي يتجاهلها الحزبان الكبيران.

ويرى محللون أن المشهد السياسي البريطاني يمر بمرحلة إعادة تشكيل شاملة، حيث بدأت تهتز هيمنة حزبي العمال والمحافظين التاريخية. وتعتبر الانتخابات المحلية المقررة في مايو المقبل محطة مفصلية ستحدد بشكل نهائي قدرة ستارمر على البقاء على رأس الحكومة أو مواجهة تمرد داخلي يطيح به.

وعلى الرغم من محاولات الحكومة التقليل من شأن نتائج الانتخابات الفرعية باعتبارها لا تعكس دائماً التوجهات العامة، إلا أن النموذج الديموغرافي المستخدم في التحليلات الأخيرة يثير رعباً حقيقياً في داونينغ ستريت. فالأرقام تشير إلى أن حزب 'ريفورم يو كيه' قد يصبح القوة الأولى في البلاد إذا استمر نزيف الأصوات من الحزبين التقليديين.

وفي سياق متصل، شدد تحالف 'الصوت المسلم' على أن ما حدث في غورتون ودينتون ليس حادثاً معزولاً، بل هو بداية لواقع سياسي جديد سيواجهه حزب العمال. وأكد التحالف أن قضايا مثل الإسلاموفوبيا وتدهور الخدمات الصحية الوطنية كانت حاضرة بقوة في أذهان الناخبين بجانب القضية الفلسطينية.

وتختتم التقارير بالإشارة إلى أن الضغوط لا تقتصر على القاعدة الشعبية فحسب، بل تمتد إلى النقابات العمالية التي تطالب ستارمر بالتحرك نحو اليسار. ومع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية الكبرى، يجد رئيس الوزراء نفسه محاصراً بين إرث حزبه التاريخي وبين واقع سياسي جديد يرفض التنازل عن المبادئ الإنسانية مقابل الولاء الحزبي.

فلسطين

الجمعة 27 فبراير 2026 4:04 مساءً - بتوقيت القدس

الاحتلال يزعم استهداف مسلحين في رفح بذريعة خرق اتفاق وقف إطلاق النار

أفادت مصادر بأن جيش الاحتلال الإسرائيلي زعم تنفيذ هجمات جوية فورية في مدينة رفح جنوب قطاع غزة، استهدفت ما وصفهم بـ 'مسلحين' خرجوا من بنية تحتية تحت الأرض. وادعت الناطقة باسم جيش الاحتلال أن قوات لواء 'جولاني' العاملة في المنطقة تحت إشراف 'فرقة غزة' هي من رصدت التحركات في المنطقة الشرقية للمدينة، مما أدى إلى تدخل سلاح الجو بشكل مباشر.

وبحسب الرواية العسكرية للاحتلال، فإن القوات رصدت يوم الخميس الماضي تحركات لمسلحين زُعم أنهم خرجوا من نفق سري، وهو ما اعتبره البيان الإسرائيلي خرقاً صريحاً لاتفاق وقف إطلاق النار المعمول به. وبناءً على هذه الذرائع، شنت الطائرات الحربية غارات أدت إلى إصابة عدد من الأشخاص في الموقع المستهدف، وفقاً لما ورد في الادعاءات الرسمية لجيش الاحتلال.

وفي سياق متصل، أضافت المصادر أن جيش الاحتلال شن هجوماً آخر وصفه بـ 'الدقيق' ليلة الجمعة، مدعياً استهداف عناصر يتبعون لحركة حماس في مناطق متفرقة من رفح. وتأتي هذه التحركات العسكرية تحت غطاء الرد على ما يصفه الاحتلال بـ 'الخروقات المستمرة' من قبل الفصائل الفلسطينية، في محاولة لتبرير استمرار العمليات الجوية والقصف المركز.

وشدد بيان جيش الاحتلال على أنه ينظر ببالغ الخطورة إلى أي محاولات لتجاوز التفاهمات الأمنية، مؤكداً أن قوات 'القيادة الجنوبية' ستواصل انتشارها المكثف في المناطق الحدودية وداخل قطاع غزة. وتستخدم القيادة العسكرية هذه الحوادث كذريعة للبقاء الميداني ومواصلة العمل ضد أي تهديدات فورية قد تستهدف القوات المنتشرة أو العمق الإسرائيلي حسب تعبيرها.

وتأتي هذه التطورات الميدانية في وقت حساس، حيث يسعى الاحتلال لفرض واقع أمني جديد عبر استمرار الرصد الجوي والبري المكثف فوق مدينة رفح. وتتزايد المخاوف من أن تؤدي هذه الادعاءات المتكررة إلى تقويض حالة الهدوء النسبي، في ظل استمرار التحليق المكثف لطائرات الاستطلاع والقصف المتقطع الذي يطال مناطق مختلفة من القطاع.

تكنولوجيا

الجمعة 27 فبراير 2026 4:03 مساءً - بتوقيت القدس

تسونامي شرائح الذاكرة يضرب سوق الهواتف الذكية: توقعات بأكبر انخفاض تاريخي في 2026

كشفت تقارير بحثية حديثة صادرة عن مؤسسة 'آي دي سي' أن سوق الهواتف الذكية العالمي يتجه نحو تسجيل أكبر انخفاض في تاريخه خلال عام 2026. وتشير التقديرات إلى أن حجم الشحنات سيتراجع إلى أدنى مستوياته منذ أكثر من عشر سنوات، مدفوعاً بأزمات توريد معقدة أثرت على كبار المصنعين والمستهلكين على حد سواء.

وأوضحت المصادر أن من المتوقع انكماش شحنات الهواتف بنسبة تصل إلى 12.9%، لتستقر عند حدود 1.12 مليار وحدة فقط. ويعود هذا التراجع الحاد بشكل مباشر إلى الارتفاع الجنوني في أسعار شرائح الذاكرة، التي باتت تشكل عبئاً مالياً كبيراً يرفع من التكلفة الإجمالية لتصنيع الأجهزة الذكية بمختلف فئاتها.

وفي تحليل لمسببات هذه الأزمة، أشار خبراء إلى أن التوسع الهائل في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي كان المحرك الرئيسي لهذا الاضطراب. حيث قامت شركات تقنية كبرى مثل ميتا وغوغل ومايكروسوفت بالاستحواذ على الحصة الأكبر من إمدادات رقائق الذاكرة العالمية لتشغيل مراكز بياناتها المتطورة.

هذا التوجه دفع الشركات المصنعة للمكونات إلى إعطاء الأولوية لطلبيات مراكز البيانات التي تضمن هوامش ربح مرتفعة، مقارنة بالأجهزة الاستهلاكية. ونتيجة لذلك، وجد مصنعو الهواتف الذكية أنفسهم في مواجهة نقص حاد وارتفاع في الأسعار، مما أجبرهم على إعادة النظر في استراتيجيات الإنتاج والتسعير الخاصة بهم.

وتوقعت التقارير أن يرتفع متوسط سعر بيع الهاتف الذكي بنسبة 14% ليصل إلى مستوى قياسي غير مسبوق يبلغ 523 دولاراً خلال العام الجاري. ويسعى المصنعون من خلال هذه الزيادة إلى تعويض التكاليف المتزايدة للمكونات عبر التركيز على الطرز الفاخرة التي تحقق عوائد مالية مجزية.

وعلى صعيد المنافسة، يبدو أن شركتي أبل وسامسونغ هما الأكثر قدرة على الصمود في وجه هذه العاصفة بفضل ميزانياتهما الضخمة وسيطرتهما على سلاسل التوريد. وفي المقابل، يواجه المصنعون الصغار والشركات التي تركز على الأجهزة منخفضة التكلفة خطر الخروج النهائي من السوق أو فقدان حصصهم السوقية بشكل كبير.

وحذرت مديرة الأبحاث في 'آي دي سي'، نبيلة بوبال، من أن فئة الهواتف التي يقل سعرها عن 100 دولار قد تصبح غير مجدية اقتصادياً بصورة دائمة. وأكدت أن هذه الفئة التي كانت تمثل قطاعاً واسعاً من السوق لن تعود إلى مستوياتها السابقة حتى بعد استقرار أسعار الذاكرة المتوقع في منتصف عام 2027.

ورغم التوقعات المتشائمة لعام 2026، يرى المحللون بصيص أمل في انتعاش طفيف قد يبدأ في عام 2027 بنسبة 2%، يليه نمو بنسبة 5.2% في عام 2028. ومع ذلك، يجمع الخبراء على أن السوق لن يعود إلى سابق عهده، حيث تمثل هذه الأزمة إعادة هيكلة شاملة وجذرية لقطاع الهواتف المحمولة عالمياً.

منوعات

الجمعة 27 فبراير 2026 3:33 مساءً - بتوقيت القدس

الهريس الخليجي: طبق المناسبات الذي يجمع بين بساطة المكونات وصبر التحضير

يحتل طبق الهريس مكانة مرموقة في قائمة المأكولات التقليدية بدول الخليج العربي، حيث يبرز كعنصر أساسي في الولائم والمناسبات الكبرى وخاصة خلال شهر رمضان المبارك. وتعود جذور هذا الطبق إلى قرون مضت في شبه الجزيرة العربية، حيث ارتبط بقيم الكرم والمشاركة عبر توزيعه على الجيران والأقارب. ويشتق اسم الطبق من العملية اليدوية المجهدة لهرس القمح مع اللحم حتى يذوبا معاً في قوام واحد متماسك.

تتسم مكونات الهريس بالبساطة الشديدة، إذ تعتمد الوصفة الأصلية على كوبين من قمح الهريس ونصف كيلوغرام من لحم الغنم أو الدجاج، بالإضافة إلى الماء والسمن. وعلى الرغم من قلة العناصر المستخدمة، إلا أن إعداد الطبق يتطلب مهارة عالية في ضبط درجات الحرارة وتوقيت التحريك المستمر. ويؤكد الخبراء أن نقع القمح لمدة لا تقل عن أربع ساعات قبل البدء بالطهي يعد خطوة جوهرية لضمان نعومة القوام وتقليص الوقت المستغرق فوق النار.

تبدأ خطوات التحضير بغلي اللحم في قدر عميق قبل إضافة القمح المنقوع، ثم يُترك المزيج لينضج على نار هادئة جداً لفترة تتراوح بين ساعتين إلى ثلاث ساعات. وتعتبر عملية الهرس اليدوي أو التحريك القوي بعد النضج هي المرحلة الحاسمة التي تمنح الهريس هويته المعروفة، حيث تتداخل ألياف اللحم مع حبات القمح المهروسة تماماً. وفي اللمسات الأخيرة، يُضاف الملح ويُسكب الطبق في أوانٍ واسعة مع تزيينه بالسمن الساخن الذي يضفي نكهة غنية.

يكمن السر الحقيقي لنجاح الهريس في الالتزام بالطهي البطيء وتجنب استعجال النضج عبر رفع ألسنة اللهب، لأن الحرارة العالية قد تحرق القمح دون أن تمنحه القوام الكريمي المطلوب. كما يحذر الطهاة من إضافة الملح في بداية عملية الطهي، لما له من أثر في تأخير طراوة حبات القمح وجعلها قاسية. ويعد هذا الطبق مصدراً غنياً بالكربوهيدرات المعقدة والبروتينات، مما يجعله وجبة مثالية لتزويد الجسم بالطاقة المستدامة بعد ساعات الصيام الطويلة.

اقتصاد

الجمعة 27 فبراير 2026 3:33 مساءً - بتوقيت القدس

العراق في عين العاصفة.. لماذا يمثل إغلاق مضيق هرمز تهديداً وجودياً لاقتصاد بغداد؟

تتصاعد المخاوف الدولية من انزلاق المنطقة نحو مواجهة عسكرية شاملة بين الولايات المتحدة وإيران، وسط ترقب عالمي لما ستؤول إليه التهديدات المتبادلة. وتبرز قضية إغلاق مضيق هرمز كأداة ضغط استراتيجية قد تؤدي إلى شلل في مفاصل الاقتصاد العالمي، خاصة مع استمرار صعود أسعار النفط مدفوعة بالمخاطر الجيوسياسية المتزايدة.

يعد مضيق هرمز الشريان الحيوي الأهم للتجارة العالمية، حيث يربط الخليج العربي بالمحيط المفتوح عبر ممر ضيق لا يتجاوز عرضه في بعض النقاط 34 كيلومتراً. وتمر عبر هذا الممر المائي نحو 21 مليون برميل من النفط يومياً، ما يمثل ثلث تجارة الخام المنقولة بحراً في العالم، بالإضافة إلى كميات ضخمة من الغاز الطبيعي المسال.

وفي حين تمتلك دول مثل السعودية والإمارات بدائل استراتيجية عبر خطوط أنابيب تصل إلى البحر الأحمر، يجد العراق نفسه في وضع شديد الهشاشة. فالاقتصاد العراقي الريعي يعتمد بشكل شبه كلي على إيرادات النفط التي تمر عبر الموانئ الجنوبية، مما يجعل أي اضطراب في المضيق تهديداً مباشراً لاستقرار الدولة المالي.

وتشير التقديرات الاقتصادية إلى أن إغلاق المضيق سيكلف العراق فقدان نحو 90% من قدراته التسويقية للنفط الخام، مما يدخل الخزينة العامة في نفق مظلم. هذا السيناريو سيضع الحكومة أمام تحدٍ عاجز عن توفير الرواتب والنفقات التشغيلية، في ظل موازنة تعتمد كلياً على التدفقات النقدية النفطية.

ويرى خبراء أن الصادرات العراقية قد تهوي من 3.4 مليون برميل يومياً إلى نحو 210 آلاف برميل فقط، يتم تصدير أغلبها عبر ميناء جيهان التركي. وحتى في حال قفزت أسعار النفط إلى 150 دولاراً للبرميل، فإن العائدات لن تكفي لتغطية أكثر من 14% من التزامات الرواتب الحكومية المتضخمة.

وتواجه بغداد معضلة زيادة الإنفاق العام الذي قفز إلى 117 مليار دولار في عام 2025، مما قلص هوامش المناورة المالية لدى صانع القرار. إن الالتزامات القطعية تجاه قطاع الموظفين والمعاشات تجعل من أي انقطاع في الإيرادات النفطية شرارة لأزمة اجتماعية وسياسية كبرى داخل البلاد.

من الناحية التقنية، فإن اضطرار العراق لتقليص الإنتاج بسبب غياب طاقة الخزن الكافية سيؤدي إلى مشكلات فنية معقدة في الحقول النفطية. ويؤكد متخصصون أن توقف التصدير لعشرة أيام فقط سيراكم ملايين البراميل التي لا تجد مكاناً للاستيعاب، مما يسبب خسائر مادية تتجاوز 6 مليارات دولار في الشهر الواحد.

على الجانب الآخر، أعلن الحرس الثوري الإيراني جاهزيته الكاملة للسيطرة على المضيق أو إغلاقه فور صدور الأوامر العليا، مؤكداً استمرار المراقبة الاستخباراتية. وقد نفذت القوات البحرية الإيرانية مؤخراً مناورات 'السيطرة الذكية'، مما يعكس جدية التهديدات الإيرانية في حال تعرض مصالحها للخطر.

وتعد الأسواق الآسيوية، وعلى رأسها الصين والهند واليابان، الأكثر تأثراً بهذا السيناريو، حيث تستقبل أكثر من 80% من تدفقات النفط المارة عبر هرمز. وتعتمد بكين وحدها على نحو 5.4 مليون برميل يومياً من هذا الممر، مما يجعل أمن المضيق قضية أمن قومي للقوى الاقتصادية الكبرى في آسيا.

أوروبا والولايات المتحدة لن تكونا بمنأى عن التداعيات، حيث تعتمد القارة العجوز بشكل متزايد على الغاز القطري المار عبر المضيق لتعويض الغاز الروسي. كما أن اضطراب سلاسل الإمداد وارتفاع تكاليف الشحن سيؤديان إلى موجات تضخم عالمية تضرب الأسواق الغربية التي تعاني أصلاً من ضغوط اقتصادية.

والمفارقة تكمن في أن إيران نفسها قد تكون من أكبر المتضررين اقتصادياً من قرار الإغلاق، رغم كونه ورقة ضغط سياسية بيدها. فتعطيل الموانئ الإيرانية سيؤدي إلى انهيار قيمة العملة المحلية وتفاقم السخط الشعبي، فضلاً عن وضع طهران في مواجهة مباشرة مع حلفائها المستوردين لنفطها.

إن غياب الحلول الناجعة لتنويع طرق التصدير العراقية طوال العقدين الماضيين جعل من بغداد الحلقة الأضعف في أي صراع إقليمي محتمل. فالمنافذ البديلة الحالية عبر تركيا والأردن لا تمثل سوى 7% من القدرة التصديرية الكلية، وهي نسبة غير قادرة على إسناد موازنة دولة تعيش على 'الذهب الأسود'.

وفي ظل هذا المشهد المعقد، تظل الأسواق العالمية في حالة ترقب حذر، بانتظار أي إشارة لخفض التصعيد أو انفجار الموقف عسكرياً. ويبقى العراق رهينة لموقعه الجغرافي واعتماده الأحادي على النفط، في انتظار معجزات دبلوماسية تجنب المنطقة سيناريو الإغلاق الكارثي.

ختاماً، يمثل مضيق هرمز 'عنق الزجاجة' الذي يتحكم في مصير دول بأكملها، وفي حال تحول التهديد إلى واقع، فإن الخارطة الاقتصادية للمنطقة ستتغير للأبد. وسيكون على المجتمع الدولي التدخل لضمان حرية الملاحة، لتجنب انهيار اقتصادي شامل قد يطال الدول المصدرة والمستهلكة على حد سواء.

أقلام وأراء

الجمعة 27 فبراير 2026 3:25 مساءً - بتوقيت القدس

فَأَتْبَعَ سَبَبًا: الآية التي تُسقط عن ذلك منابر العجز

بقلم: د. ياسر أبو بكر.

هناك جريمة صامتة تُرتكب كل أسبوع، لا تُرى بالعين، لكنها تُرى في نتائجها: أمة تُصلّي أكثر ،،، لكنها تفعل أقل. أمة تسمع أكثر ،،، لكنها تتحرك أقل. أمة تُذكَّر بالإيمان باستمرار ،،، لكنها تُدرَّب، دون أن تدري، على العجز.

هذه الجريمة لا تُرتكب بالسلاح، بل بالكلمات. لا تُفرض بالقوة، بل بالتكرار. وتحدث حين يتحول المنبر- الذي كان يوماً مصنعاً للوعي - إلى منصة لإدارة العجز.

في كثير من المساجد، يقف خطباء يعتقدون بصدق أنهم يدلّون الناس على الطريق الصحيح. يتحدثون بثقة، يرفعون أصواتهم بالآيات والأحاديث، ويخرج الناس وهم يشعرون بالطمأنينة. لكن السؤال الحقيقي ليس: هل شعر الناس بالراحة؟ بل: هل خرجوا بخطة؟ هل تغير شيء في سلوكهم؟ هل اقتربوا خطوة واحدة من تغيير واقعهم؟

في معظم الأحيان، الجواب: لا.

لأن الخطبة، بدل أن تعيد تعريف الإنسان كفاعل، تعيد تعريفه كمنتظر. بدل أن تعلّمه كيف يواجه، تعلّمه كيف يتحمل. بدل أن تدفعه للفعل، تدربه على التكيف. وهكذا يتحول الدين، لا في جوهره، بل في طريقة تقديمه، من قوة تحرير إلى أداة تسكين.

لكن القرآن نفسه يهدم هذا النموذج بالكامل، في آية واحدة فقط.

 يقول الله تعالى عن ذي القرنين:

"إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا. فَأَتْبَعَ سَبَبًا."

تأمل هذا الترتيب. الله مكّنه. أعطاه الأسباب. وفّر له كل الأدوات. ومع ذلك، لم تتحقق النتائج وحدها. لم يحدث شيء حتى .. اتّبع السبب.

هذه هي القاعدة التي يحاول البعض تجاهلها: الله يعطي الإمكانات، لكن الإنسان هو من يفعل.

لو كان الدعاء وحده يكفي، لما احتاج ذو القرنين أن يتحرك. 

لو كان الإيمان وحده يغني عن الفعل، لما قال الله "فأتبع سبباً". لكن الرسالة واضحة: التمكين ليس نتيجة الإيمان فقط، بل نتيجة الإيمان حين يتحول إلى فعل.

خذ مثالًا بسيطا: طالب جامعة يريد النجاح. يمكنه أن يدعو الله ليلًا ونهارًا. لكن إن لم يفتح كتاباً، ولم يدرس، ولم يتعب، فلن ينجح. ليس لأن الدعاء بلا قيمة، بل لأن الدعاء لا يلغي القانون الذي وضعه الله نفسه: النتائج تأتي بعد الأسباب، لا بدلها.

المريض الذي يريد الشفاء، يحتاج إلى الدعاء ،،، لكنه يحتاج أيضًا إلى الطبيب. المجتمع الذي يريد القوة، يحتاج إلى الإيمان ،،، لكنه يحتاج أيضًا إلى العلم، والتنظيم، والعمل. الأمة التي تريد التحرر، تحتاج إلى اليقين ،،، لكنها تحتاج أيضاً إلى الفعل.

هذه ليست فلسفة حديثة. هذه هي القاعدة القرآنية نفسها.

لكن بعض الخطباء، بوعي أو دون وعي، يعلّمون الناس العكس. يربّون أجيالًا كاملة على عقلية الانتظار. يزرعون فيهم فكرة أن دورهم هو الصبر، لا المبادرة. التسليم، لا التغيير. وهكذا يتحول المنبر إلى فصل دراسي أسبوعي، لا لتعليم القوة، بل لتعليم التكيف مع الضعف.

الأخطر من ذلك أن هؤلاء الخطباء يصدقون أنفسهم. يعتقدون أنهم يهدون الناس، بينما هم، في الواقع، يعلّمونهم كيف يعيشون داخل عجزهم. لأن الإنسان الذي يتعلم أن الحل سيأتي دون أن يفعل شيئًا، سيتوقف عن المحاولة. والمجتمع الذي يتوقف عن المحاولة، يفقد قدرته على تغيير مصيره، حتى لو امتلك كل الإمكانات.

لم يكن المسجد في زمن النبي ﷺ مكانًا لتعليم الناس كيف ينتظرون، بل كيف يبنون. لم يكن مكانًا لإدارة الواقع، بل لتغييره. كان مكانًا يُصنع فيه الإنسان الذي يفهم أن الإيمان ليس بديلًا عن الفعل، بل هو ما يعطي الفعل معناه.

ولهذا، فإن أخطر آية على عقلية العجز ليست آية تتحدث عن الصبر، بل هذه الآية:

"فَأَتْبَعَ سَبَبًا."

لأنها تعيد تعريف العلاقة بين الإنسان وقدره. تقول له بوضوح: تحرك.

الأمم لا تسقط لأنها لا تؤمن، بل لأنها تتوقف عن الفعل. ولا تنهض لأنها تنتظر، بل لأنها تفهم أن الله لم يعدها بالنتائج، بل وعدها بالقوانين. ومن يفهم القوانين ،،، ويعمل بها ،،، يغير الواقع.

السؤال اليوم ليس: هل نؤمن؟

السؤال: هل نتبع السبب؟

هنا يبدأ الفرق بين أمة تسمع ،،، وأمة تنهض.

أقلام وأراء

الجمعة 27 فبراير 2026 2:18 مساءً - بتوقيت القدس

بين الدبلوماسية والكهنوت: ازدواجية المعايير في السياسة الدولية وتعيينات 'هاكابي'

تتصاعد التساؤلات الجوهرية حول المعايير المزدوجة التي تحكم السياسة الدولية، خاصة عندما يتعلق الأمر بإسقاط المعتقدات الدينية على المناصب الرسمية. يبرز هذا التناقض بوضوح عند مقارنة قبول النموذج الغربي لتدين مسؤوليه وبين إدانة أي مرجعية دينية في السياقات الإسلامية.

إن تعيين مايك هاكابي في موقع دبلوماسي رفيع لم يكن مجرد إجراء إداري عابر، بل كشف عن عمق الخلفية الإنجيلية التي يحملها وتأثيرها المباشر على قراراته. ومع ذلك، جرى التعامل مع هذه الخلفية كجزء من هوية شخصية مشروعة داخل منظومة مؤسساتية تدعي الفصل بين الدين والدولة.

تكمن المفارقة الكبرى في أن التدين الغربي يُسوق غالباً كقناعة فردية محكومة بضوابط دستورية حديثة، بينما يُصنف التوجه الإسلامي كمشروع رجعي يهدد المدنية. هذا التصنيف لا يستند إلى قيم موضوعية، بل يعكس موازين القوى التي تمنح طرفاً حق تعريف ما هو حضاري.

لم تظهر دعوات دولية جادة تطالب السفير هاكابي بترك معتقداته 'الانجليتلمودية' على عتبة المنصب، رغم أن مواقفه تزيد من تعقيد الاضطرابات في المنطقة. وبدلاً من ذلك، يُسمح له بصب الزيت على النار المشتعلة تحت غطاء الدبلوماسية الرسمية المنحازة.

إن الخطاب الكهنوتي الذي يتبناه بعض السياسيين الغربيين يُطلب من العالم فهمه ضمن سياق التعددية الثقافية، في حين يُفترض مسبقاً أن أي مرجعية إسلامية هي تهديد للتعددية. هذه الازدواجية المقيتة تكشف عن خلل بنيوي يهدد الأمن والسلم الدوليين ويقوض مفهوم العدالة.

وفي سياق متصل بالتحركات الدبلوماسية في المنطقة، شهدت تل أبيب مؤخراً مأدبة إفطار رمضانية أقامها السفير الإماراتي محمد آل خاجة، وحضرها الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ. عكست هذه الفعالية محاولات لترسيخ واقع سياسي جديد يتجاوز الصراعات التقليدية تحت مسمى السلام.

خلال تلك المأدبة، أشاد هرتسوغ بالرئيس الإماراتي محمد بن زايد، واصفاً إياه بأنه أحد أكثر القادة تأثيراً وحكمة في العصر الحالي. واعتبر هرتسوغ أن الإمارات تمثل ركيزة أساسية في اتفاقيات أبراهام ومحوراً للاستقرار في منطقة تعاني من اضطرابات مستمرة.

وندد الرئيس الإسرائيلي بما وصفه بحملات الكراهية والافتراءات التي تشنها بعض الدول ضد مسار السلام الإماراتي الإسرائيلي. وزعم أن هذه التحالفات تهدف إلى بناء مستقبل مشترك، رغم استمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية التي تثير انتقادات واسعة في الأراضي الفلسطينية.

إن اجتماع ممثلين عن ديانات مختلفة في مقر السفارة الإماراتية بتل أبيب يُقدم كنموذج للتسامح الديني، لكنه يثير تساؤلات حول توقيت هذه الفعاليات. فبينما تُعقد مآدب الإفطار، تستمر المعاناة الإنسانية في الأراضي المحتلة، مما يبرز فجوة بين الخطاب الدبلوماسي والواقع الميداني.

يرى مراقبون أن هذا الامتزاج بين القيم الدينية والسياسة يُباح فقط عندما يصدر عن القوى المهيمنة أو من يدور في فلكها. أما عندما يحاول الآخرون التمسك بموروثهم القيمي، فإنهم يواجهون اتهامات بالرجعية ومحاولات العزل والاحتواء السياسي.

إن إرث القوة والمعايير الاستعمارية لا يزال يتحكم في صياغة النظام الدولي الحالي، حيث يجتمع الهوس الكهنوتي مع المصالح الاقتصادية الكبرى. هذه الوصفة السياسية لا تؤسس لأمن مستدام، بل تدفع نحو تصادم حضاري محتوم نتيجة غياب مبدأ المساواة.

إذا كان النموذج الغربي يسمح بامتزاج الدين بالسياسة لخدمة مصالحه، فإن إدانة هذا السلوك لدى الآخرين تعبر عن امتياز فج للقوة. المسألة في جوهرها ليست هوية السفير الدينية، بل في غياب صوت العقل والعدالة في التعامل مع القضايا المصيرية للشعوب.

يواجه العالم الإسلامي اليوم تحدياً كبيراً في كيفية تأسيس شرعية سياسية تحترم قيمه وموروثه العريق دون الانزلاق إلى صراعات عبثية. المطلوب هو بناء مؤسسات تضمن الحرية والعدل للجميع، بعيداً عن هيمنة الشخصيات العنصرية التي تفرض رؤيتها الأحادية.

في نهاية المطاف، يبقى السؤال مفتوحاً حول قدرة المجتمع الدولي على تجاوز هذه الازدواجية والوصول إلى تفاهمات تحترم خصوصيات الشعوب. إن العدالة الحقيقية تقتضي الكف عن منح حصانة لهويات معينة وحرمان أخرى من حق التعبير عن ذاتها في الفضاء السياسي.

فلسطين

الجمعة 27 فبراير 2026 2:18 مساءً - بتوقيت القدس

تحول تاريخي في الرأي العام الأمريكي: 57% يؤيدون دولة فلسطينية وتراجع غير مسبوق لدعم الاحتلال

كشف استطلاع حديث أجرته مؤسسة 'غالوب' للأبحاث عن تحول جوهري وغير مسبوق في توجهات الرأي العام الأمريكي تجاه الصراع في الشرق الأوسط. وأظهرت النتائج أن 57% من المواطنين الأمريكيين باتوا يؤيدون الآن إقامة دولة فلسطينية مستقلة في الضفة الغربية وقطاع غزة، وهو ما يعكس استقراراً في هذا التوجه التصاعدي الذي بدأ منذ عام 2020.

وأشارت البيانات إلى أن التعاطف الشعبي في الولايات المتحدة شهد تحولاً دراماتيكياً نحو الجانب الفلسطيني بعد عقود من الدعم المطلق للاحتلال. فبينما كان 54% من الأمريكيين يميلون للاحتلال قبل ثلاث سنوات، تقلصت هذه النسبة لتصل إلى 36% فقط، في حين قفز التعاطف مع الفلسطينيين إلى 41%، مما يضع الطرفين في حالة تكافؤ تاريخي لأول مرة.

أفادت مصادر بحثية بأن هذا التغير الجذري تقوده بشكل أساسي القاعدة الشعبية للحزب الديمقراطي والمستقلون. إذ يعبر نحو ثلثي الديمقراطيين حالياً عن تعاطفهم مع الفلسطينيين، مقارنة بنحو 25% فقط في عام 2016، مما جعل قضية المساعدات العسكرية للاحتلال نقطة اشتباك رئيسية في الانتخابات التمهيدية للحزب.

ولم يقتصر التحول على الديمقراطيين فحسب، بل شمل فئة المستقلين التي أبدت لأول مرة في تاريخ استطلاعات 'غالوب' تعاطفاً مع الفلسطينيين أكبر من الاحتلال. حيث يميل 40% من المستقلين نحو الرواية الفلسطينية، مقابل 30% فقط يدعمون الاحتلال، وهي أدنى مستويات الدعم المسجلة لهذه الفئة السياسية المؤثرة.

وعلى صعيد الفئات العمرية، أظهر الاستطلاع فجوة جيلية واسعة، حيث يتصدر الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و34 عاماً طليعة المدافعين عن الحقوق الفلسطينية. ويؤكد نصف هؤلاء الشباب تعاطفهم مع الفلسطينيين، بينما لا تتجاوز نسبة الداعمين للاحتلال بينهم الربع، وهو ما يفسر زخم الاحتجاجات الطلابية في الجامعات الأمريكية.

كما رصد الاستطلاع تحولاً لافتاً لدى الأمريكيين في منتصف العمر (35-54 عاماً)، الذين أبدوا لأول مرة تعاطفاً أكبر مع الفلسطينيين مقارنة بالعام الماضي. وحتى في أوساط كبار السن الذين تزيد أعمارهم عن 55 عاماً، والذين يظلون الفئة الأكثر دعماً للاحتلال، فقد سجلت مستويات تعاطفهم أدنى مستوياتها منذ عام 2005.

يربط المحللون هذا التراجع في الدعم الأمريكي بسياسات الحكومة اليمينية في إسرائيل برئاسة بنيامين نتنياهو. وقد انخفضت شعبية نتنياهو في الولايات المتحدة بنحو 15 نقطة مئوية خلال السنوات السبع الماضية، متأثرة بخلافاته السابقة مع إدارة أوباما وارتباطه الوثيق بترامب، وصولاً إلى إدارته للحرب الحالية.

وفيما يتعلق بالحزب الجمهوري، لا يزال 70% من أنصاره يؤيدون الاحتلال، إلا أن هذه النسبة شهدت تراجعاً عن مستوى 80% الذي كانت عليه قبل اندلاع الحرب. وتبرز داخل الجناح الانعزالي في الحزب أصوات تشكك في جدوى الاستمرار في تقديم الدعم العسكري والمالي التقليدي للاحتلال دون قيود.

أوضحت مصادر أن الحرب المستمرة على قطاع غزة والرد العسكري الذي وُصف بغير المتناسب كانا محركين أساسيين لتسارع هذا التحول. ومع استشهاد أكثر من 72 ألف فلسطيني، نصفهم من النساء والأطفال، بدأ العديد من السياسيين والناشطين الأمريكيين بوصف ما يحدث بأنه 'إبادة جماعية'، وهو مصطلح بات يتردد بقوة في الأوساط التقدمية.

وبالرغم من التأييد الأمريكي الواسع لحل الدولتين، إلا أن الاستطلاع كشف عن فجوة بين تطلعات الأمريكيين والواقع الميداني في المنطقة. حيث أظهرت بيانات 'غالوب' العالمية أن 30% فقط من الفلسطينيين والمستوطنين في الأراضي المحتلة يؤيدون هذا الحل، مما يشير إلى تعقيد المشهد على الأرض مقارنة بالرؤية الخارجية.

ذكر بينيديكت فيجيرز، كاتب الأخبار العالمية في 'غالوب' أن إغلاق الفجوة في الرأي العام الأمريكي خلال سنوات قليلة يعد أمراً مذهلاً. وأضاف أن الاستقطاب الحزبي حول القضية الفلسطينية وصل إلى ذروته، حيث يؤيد 75% من الديمقراطيين قيام دولة فلسطينية مقابل ثلث الجمهوريين فقط.

تؤكد هذه الأرقام أن القضية الفلسطينية لم تعد موضوعاً ثانوياً في السياسة الأمريكية، بل أصبحت محركاً للانتخابات الداخلية ومحدداً للسياسة الخارجية. إن التحول في مشاعر المستقلين والشباب ينذر بتغييرات بعيدة المدى في طبيعة العلاقة الاستراتيجية بين واشنطن وتل أبيب في العقود القادمة.

ويرى مراقبون أن الاعتراف بالقدس عاصمة للاحتلال وسيادة الأخير على الجولان خلال حقبة ترامب، ساهمت في تعميق الانقسام الأمريكي حول الصراع. فبينما اعتبرها البعض انتصارات دبلوماسية، رآها قطاع واسع من الديمقراطيين والمستقلين تقويضاً لفرص السلام العادل، مما دفعهم لتبني مواقف أكثر إنصافاً للفلسطينيين.

ختاماً، يبرز الاستطلاع أن المجتمع الأمريكي يمر بمرحلة إعادة تقييم شاملة لدوره في الشرق الأوسط. ومع استمرار الحرب وتصاعد الأزمات الإنسانية، يبدو أن الرواية الفلسطينية بدأت تجد طريقها إلى وعي المواطن الأمريكي العادي، متجاوزةً عقوداً من التغييب الإعلامي والسياسي الممنهج.

تحليل

الجمعة 27 فبراير 2026 2:04 مساءً - بتوقيت القدس

بين الأيديولوجيا والواقع.. هل يعيد الخطاب الديني رسم خرائط الشرق الأوسط؟

تثير التصريحات التوسعية الصادرة عن مسؤولين أمريكيين رفيعي المستوى، والمستندة إلى مرجعيات توراتية حول حدود تمتد من النيل إلى الفرات، تساؤلات جوهرية حول طبيعة التحولات الاستراتيجية الراهنة. هذه اللغة لا تعد مجرد عبارات عابرة، بل تلامس ذاكرة تاريخية مثقلة بالصراعات وتوقظ مخاوف إقليمية عميقة تجاه نوايا القوى الكبرى في المنطقة.

إن المشهد السياسي الأمريكي شهد خلال العقدين الأخيرين تنامياً ملحوظاً في تأثير التيار الإنجيلي المحافظ داخل أروقة الحزب الجمهوري. هذا التيار لا يتعامل مع إسرائيل كحليف استراتيجي تقليدي، بل يراها امتداداً لرؤية لاهوتية ترتبط بنصوص غيبية وتصورات دينية حول نهاية التاريخ، مما يفسر تسرب المصطلحات التوراتية إلى الخطاب الرسمي.

على الرغم من قوة هذا الخطاب الأيديولوجي، إلا أن البنية المؤسسية للدولة الأمريكية تظل محكومة بشبكة معقدة من المصالح الحيوية. تشمل هذه المصالح ضمان أمن الطاقة واستقرار الأسواق العالمية، بالإضافة إلى الحفاظ على التحالفات الاستراتيجية مع دول الخليج وتركيا، ومواجهة المنافسة المتصاعدة مع الصين وروسيا.

تُدار الحسابات الأمريكية في المنطقة بلغة الأرقام والمؤشرات العسكرية والاقتصادية أكثر من نصوص اللاهوت. فالدولة العميقة تدرك أن أي مغامرة لتغيير خرائط المنطقة بشكل جذري قد تؤدي إلى انفجار شامل لا تستطيع واشنطن تحمل تبعاته، مما يفرض نوعاً من الكبح للطموحات الأيديولوجية المتطرفة.

تعتمد إسرائيل في وجودها واستمرارها على غطاء دولي واسع وشبكة علاقات دبلوماسية معقدة تمنعها من الانخراط في توسع إقليمي غير محسوب. ورغم القوة العسكرية التي تمتلكها، فإن أي محاولة لفرض واقع جغرافي جديد ستعني تفكك منظومة التحالفات التي تضمن لها الاستقرار النسبي في محيطها.

تكمن الخطورة الحقيقية في عملية 'تطبيع' اللغة التوسعية داخل المجال العام وتحويلها إلى مادة للنقاش المشروع. هذا التحول يمنح التيارات المتشددة جرأة سياسية أكبر، ويخلق بيئة نفسية مهيأة لتقبل خطوات ميدانية تدريجية قد لا تبدو عدوانية في ظاهرها لكنها تغير الواقع على المدى الطويل.

التاريخ لا يتغير دائماً عبر قفزات كبرى أو حروب خاطفة، بل غالباً ما يتشكل عبر تراكمات بطيئة وممنهجة. تشمل هذه التراكمات تعديل القوانين الإدارية، وتوسيع المستوطنات، وفرض وقائع جديدة على الأرض تعيد تعريف حدود السيطرة الفعلية دون الحاجة إلى إعلانات رسمية صاخبة.

تعتبر مشروعات السلام المطروحة في المنطقة أدوات لإعادة هندسة التوازنات الإقليمية وتوزيع أدوار النفوذ بين القوى الفاعلة. هذه المبادرات تخضع في جوهرها لحسابات القوة والمصلحة، بعيداً عن المثالية الأخلاقية، مما يتطلب قراءة بنيوية باردة لفهم أهدافها الحقيقية بعيداً عن العواطف.

يرتبط مستقبل المنطقة بثلاثة عوامل حاسمة، أولها قدرة المؤسسات الأمريكية على ضبط التوازن بين القناعات الأيديولوجية لبعض تياراتها والمصالح الاستراتيجية العليا. هذا التوازن هو الذي يحدد سقف الاندفاع نحو دعم الأجندات التوسعية التي قد تضر بمكانة واشنطن الدولية.

يتمثل العامل الثاني في موقف الحلفاء الإقليميين، وتحديداً الدول العربية وتركيا، تجاه أي تحول في الخطاب السياسي نحو التوسع الرمزي أو الفعلي. إن تماسك هذه المواقف وقدرتها على المناورة السياسية يشكل حائط صد أمام محاولات إعادة رسم الخرائط بناءً على تصورات دينية.

أما البوصلة الحقيقية لأي نوايا سياسية فتتجلى في مسار التغيير الميداني في القدس والضفة الغربية. ما يحدث على الأرض في هذه المناطق يعد المؤشر الأدق على توجهات القوى الكبرى، وهو ما يتجاوز التصريحات الإعلامية ليصل إلى جوهر الصراع الجيوسياسي.

التحليل الاستراتيجي الرصين لا ينفي وجود تيارات توسعية، لكنه يحذر من الانجرار وراء فرضية 'المخطط الشامل' دون رصد دقيق لموازين القوى. القوة الحقيقية تكمن في بناء أدوات تأثير قانونية وإعلامية قادرة على مواجهة الانحرافات السياسية قبل تحولها إلى واقع مفروض.

يجب على الفاعلين في المنطقة التمييز بدقة بين اللغة والقرار، وبين الرمز الديني والتنفيذ السياسي على أرض الواقع. فالسياسة في نهاية المطاف هي فن إدارة الممكن، والتاريخ لا يُقاد بالشعارات الحماسية بل بالقدرة على قراءة موازين القوى والتحرك في المساحات المتاحة.

في الختام، يبقى الشرق الأوسط ساحة للتدافع بين الأيديولوجيا والمصلحة، حيث يسعى كل طرف لفرض رؤيته. إن اليقظة تجاه تحول الخطاب إلى سياسات، والسياسات إلى وقائع، هي الضمانة الوحيدة لمنع تحويل الأساطير اللاهوتية إلى خرائط جغرافية تمزق استقرار المنطقة.

أحدث الأخبار

الجمعة 27 فبراير 2026 1:33 مساءً - بتوقيت القدس

إزاحة اللواء ممدوح شاهين: السيسي يطوي صفحة 'الحرس القديم' في المجلس العسكري

أفادت مصادر مطلعة بأن رئيس النظام المصري عبد الفتاح السيسي قرر الإطاحة باللواء ممدوح شاهين، مساعد وزير الدفاع للشؤون القانونية والدستورية، من منصبه الذي شغله لسنوات طويلة. ويعد شاهين العضو الأخير المتبقي في الخدمة من تشكيل المجلس الأعلى للقوات المسلحة الذي عاصر أحداث يوليو 2013، مما يجعل رحيله إيذاناً بانتهاء حقبة 'الحرس القديم' بالكامل.

وبحسب المعلومات المتداولة، فقد تم استقدام اللواء حاتم الجزار، رئيس هيئة القضاء العسكري الحالي، ليتولى المنصب الرفيع خلفاً لشاهين. ويأتي هذا التغيير في وقت حساس تشهد فيه البلاد ترتيبات تشريعية وسياسية جديدة، مما يثير تساؤلات حول طبيعة الدور المنوط بالقيادة القانونية الجديدة في المرحلة المقبلة.

شغل اللواء ممدوح شاهين موقعاً استراتيجياً كحلقة وصل بين المؤسسة العسكرية والسلطات التشريعية والقضائية في مصر. وبصفته مساعداً لوزير الدفاع، كان يتولى تمثيل الوزارة أمام البرلمان وصياغة كافة القوانين المتعلقة بالقوات المسلحة، بالإضافة إلى عضويته الأساسية في المجلس الأعلى للقوات المسلحة.

ويرى مراقبون أن شاهين كان 'ترزي القوانين' الأبرز في عهد السيسي، حيث ساهم بشكل مباشر في هندسة النظام القانوني الذي تلا أحداث عام 2013. وقد شملت مهامه صياغة التعديلات الدستورية والقوانين التي عززت من نفوذ المؤسسة العسكرية في القطاعات المدنية والاقتصادية للدولة.

ارتبط اسم شاهين بملفات مثيرة للجدل، أبرزها ما كشفته تسريبات صوتية عام 2014 حول التدخل في أوراق قضائية تتعلق بمكان احتجاز الرئيس الراحل محمد مرسي. وأظهرت تلك التسريبات دوراً محورياً لشاهين في محاولة إضفاء شرعية قانونية على إجراءات استثنائية اتخذت عقب الإطاحة بالنظام السابق.

وعلى الصعيد التشريعي، كان لشاهين دور بارز في إقرار المادة 204 من دستور 2014، والتي وسعت من صلاحيات القضاء العسكري في محاكمة المدنيين. كما ساهم في صياغة قانون تأمين المنشآت العامة الذي أدى لمحاكمة آلاف المواطنين أمام المحاكم العسكرية خلال السنوات الماضية.

وفي قراءة لدوافع هذا القرار، اعتبر محللون سياسيون أن التخلص من الوجوه القديمة يتماشى مع رغبة السيسي في تجديد دماء القيادة العسكرية بعناصر تدين له بالولاء المطلق. وأشاروا إلى أن هذه الخطوة قد تكون تمهيداً لتعديلات دستورية جديدة تسمح للسيسي بالبقاء في السلطة لما بعد عام 2030.

تاريخياً، برز اسم ممدوح شاهين عقب ثورة يناير 2011 كأحد الوجوه الإعلامية للمجلس العسكري، وشارك في إدارة الاستفتاءات والانتخابات التي تلتها. وظل محتفظاً بمقعده رغم تعاقب وزراء الدفاع ورؤساء الأركان، مما عكس نفوذه الواسع وقدرته على التكيف مع التحولات السياسية الكبرى.

ساهمت القوانين التي أشرف عليها شاهين في 'عسكرة' العديد من مفاصل الدولة المصرية، من خلال منح ضباط الجيش صفة الضبطية القضائية بشكل دائم. كما شملت هذه السياسات إلزام المتقدمين للوظائف المدنية والنيابة العامة بالحصول على دورات تدريبية داخل الأكاديمية العسكرية لضمان التوافق مع توجهات النظام.

اقتصادياً، مهدت التشريعات التي صاغها مكتب شاهين الطريق لتوسع الجيش في استغلال المحاجر والمناجم وتأسيس شركات تجارية بامتيازات ضريبية واسعة. وأدى ذلك إلى هيمنة الشركات المملوكة للقوات المسلحة على قطاعات استراتيجية مثل الأسمنت والحديد والمواد الغذائية والمقاولات.

وعلق سياسيون على القرار معتبرين أن المؤسسة العسكرية في مصر تتحرك وفق قواعد صارمة تضمن بقاء القيادة السياسية مسيطرة طالما لم تمس المصالح المباشرة للمؤسسة. وأوضحوا أن تغيير الأفراد، مهما بلغت أهميتهم، لا يؤثر عادة على الخطط الاستراتيجية طويلة الأمد للنظام.

واجه شاهين دعوات متكررة من المعارضة للمحاكمة بتهم تتعلق بتزوير وثائق رسمية والتغطية على أحداث دموية وقعت بين عامي 2011 و2013. واتهمه ناشطون بالمسؤولية القانونية عن صياغة نصوص برأت مسؤولين من جرائم قتل المتظاهرين في وقائع شهيرة مثل 'موقعة الجمل' و'ماسبيرو'.

يمثل رحيل شاهين نهاية جيل من القادة الذين أداروا المرحلة الانتقالية وما تلاها من اضطرابات سياسية، حيث أحيل معظم زملائه في مجلس 2013 إلى التقاعد. ويأتي تعيين اللواء حاتم الجزار ليعكس رغبة في استمرار النهج القانوني المتشدد مع تغيير الوجوه المرتبطة بملفات الصراع القديمة.

ختاماً، يبقى التساؤل قائماً حول ما إذا كان هذا التغيير مجرد إجراء روتيني أم أنه جزء من عملية إعادة هيكلة شاملة لموازين القوى داخل النظام المصري. ومع رحيل 'ترزي القوانين' القديم، تترقب الأوساط السياسية هوية التشريعات القادمة التي سيصيغها الخلف الجديد لتعزيز ركائز الحكم.

فلسطين

الجمعة 27 فبراير 2026 1:33 مساءً - بتوقيت القدس

تقرير استراتيجي يرصد تحولات القضية الفلسطينية: 15.5 مليون فلسطيني حول العالم وانهيار اقتصادي حاد في غزة

أصدر مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات ملخص تقريره الاستراتيجي الفلسطيني الدوري للأعوام 2024-2025، والذي يمثل مرجعاً بحثياً معمقاً شارك في صياغته 15 باحثاً متخصصاً. يأتي هذا الإصدار في لحظة تاريخية فارقة تلت معركة طوفان الأقصى، ليرصد التحولات البنيوية التي طرأت على المشهد الفلسطيني العام.

يرسم التقرير صورة معقدة للمشهد الداخلي الفلسطيني، حيث تتصاعد الانتقادات الشعبية لأداء السلطة الفلسطينية في ظل استمرار العدوان وتفاقم الانتهاكات بالضفة الغربية. كما يشير إلى أزمة ثقة عميقة تعصف بالنظام السياسي، تزامنت مع قرارات مثيرة للجدل تتعلق بمخصصات الأسرى والشهداء وإعادة ترتيب القيادة.

وفيما يخص ملف إدارة قطاع غزة لما بعد الحرب، رصدت الدراسة تبايناً في الرؤى بين استعداد السلطة لتولي المهام ومرونة حركة حماس تجاه تشكيل لجنة إسناد مجتمعي. ومع ذلك، تظل التعقيدات قائمة خاصة في ملف سلاح المقاومة الذي يواجه ضغوطاً خارجية مكثفة لإنهاء وجوده العسكري.

على الصعيد الديموغرافي، كشفت الإحصائيات أن عدد الفلسطينيين حول العالم وصل إلى 15.5 مليون نسمة بنهاية عام 2025، حيث يعيش أكثر من نصفهم في الشتات. وتشير التقديرات إلى أن الوجود الفلسطيني داخل فلسطين التاريخية تجاوز عدد اليهود، مع توقعات باتساع هذه الفجوة بحلول عام 2030.

ووثق التقرير خسائر بشرية هائلة في قطاع غزة، حيث قُدر عدد الشهداء بنحو 77 ألفاً خلال عامين، بالإضافة إلى إصابة 170 ألفاً آخرين بجروح متفاوتة. وأكدت المصادر أن القطاع فقد نحو 10.6% من سكانه نتيجة القتل المباشر أو التهجير القسري والظروف المعيشية القاتلة التي فرضها الاحتلال.

وفي مدينة القدس المحتلة، انتقلت عمليات التهويد إلى مراحل غير مسبوقة عبر تكثيف الاقتحامات للمسجد الأقصى التي تجاوزت 73 ألف مقتحم في عام 2025. ويهدف الاحتلال من خلال هذه السياسات، إلى جانب هدم المنازل في الشيخ جراح وسلوان، إلى تعديل الميزان الديموغرافي لصالح المستوطنين.

ولم تقتصر الاعتداءات على الأحياء السكنية، بل امتدت لتطال الهوية الدينية والتاريخية، حيث دمر جيش الاحتلال 93% من مساجد قطاع غزة وثلثي المقابر القائمة. كما تعرضت الكنائس التاريخية لاستهداف مباشر، في محاولة واضحة لمحو الذاكرة الحضارية للشعب الفلسطيني في القطاع المنكوب.

اقتصادياً، يعيش الفلسطينيون حالة من الانهيار شبه الكامل، لا سيما في غزة التي انكمش ناتجها المحلي بنسبة 84%، ووصلت فيها معدلات البطالة إلى 78%. وفي الضفة الغربية، لم يكن الحال أفضل بكثير، حيث تراجع الاقتصاد بنسبة 13% مع ارتفاع ملحوظ في صفوف العاطلين عن العمل.

وأوضح التقرير أن ميزانية السلطة الفلسطينية تظل رهينة للضغوط السياسية، حيث تعتمد بنسبة 84% على أموال المقاصة والمنح الدولية. كما يسيطر الاحتلال على مفاصل التجارة الخارجية، إذ يستحوذ التبادل التجاري مع الجانب الإسرائيلي على أكثر من 60% من إجمالي حركة التجارة الفلسطينية.

ميدانياً، استمرت المواجهة العسكرية بكثافة عالية خلال عامي 2024 و2025، حيث نفذ جيش الاحتلال آلاف الغارات الجوية التي استهدفت البنى التحتية والمدنيين. وفي المقابل، حافظت المقاومة الفلسطينية على قدرتها العملياتية في غزة والضفة، رغم الكلفة البشرية والمادية الباهظة التي دفعها الشعب الفلسطيني.

وأشارت المعطيات إلى فشل الاحتلال في تحقيق أهدافه الاستراتيجية المعلنة رغم حجم الدمار، حيث بقيت خلايا المقاومة قادرة على تنفيذ عمليات نوعية. وسجلت المصادر آلاف العمليات في الضفة الغربية، مما يعكس استمرارية نهج المواجهة الشعبية والمسلحة ضد التوسع الاستيطاني والاعتداءات اليومية.

دبلوماسياً، حققت فلسطين تقدماً في انتزاع الاعتراف الدولي، حيث وصل عدد الدول المعترفة بها إلى 159 دولة، رغم التعنت الإسرائيلي والتحفظات الأمريكية. وقد برز 'إعلان بكين' كأحد المحاولات الجادة لتوحيد الصف الفلسطيني، وإن واجه عقبات تنفيذية تتعلق بالبرنامج السياسي وشروط المجتمع الدولي.

يستشرف التقرير مستقبلاً يسوده الاستقطاب الداخلي والضغوط الاقتصادية المستمرة، مع توقع بقاء الوضع المعيشي هشاً ومرتبطاً بمدى استقرار التهدئة. ويرى الباحثون أن الاحتلال سيواصل محاولاته لفرض وقائع جغرافية جديدة في القدس والضفة الغربية لتقويض أي فرصة لإقامة دولة فلسطينية متصلة.

ختاماً، يشدد التقرير على أن هذه الأرقام والإحصائيات تعكس واقعاً مأساوياً لكنها تؤكد في الوقت ذاته على ديناميكية الصمود الفلسطيني. ودعا المركز إلى ضرورة تبني قراءات استراتيجية شاملة تستند إلى المعطيات العلمية لمواجهة التحديات الوجودية التي تعصف بالقضية الفلسطينية في هذه المرحلة.

فلسطين

الجمعة 27 فبراير 2026 1:33 مساءً - بتوقيت القدس

أزمة إنسانية غير مسبوقة: 37 منظمة دولية تغادر غزة بقرار إسرائيلي

تتصاعد حدة المعاناة الإنسانية في قطاع غزة مع بدء مغادرة 57 موظفاً دولياً من الكوادر الإغاثية، وذلك عقب انتهاء المهلة التي حددتها سلطات الاحتلال الإسرائيلي لتجديد تراخيص المؤسسات التي يعملون لصالحها. ويترك هذا الإجراء أكثر من مليوني فلسطيني في مواجهة فجوة إنسانية غير مسبوقة، وسط مخاوف من انهيار ما تبقى من منظومات خدمية متهالكة أصلاً.

ولم يتوقف القرار عند حدود مغادرة الأفراد، بل امتد ليشمل تقليصاً حاداً في نشاط 37 مؤسسة دولية فاعلة في الميدان، مع فرض حظر شامل على إدخال أي كوادر بديلة للتعويض عن المغادرين. وتعد هذه الخطوة ضربة قاصمة للجهود الإغاثية، خاصة وأن هذه المنظمات تمثل شريان الحياة الوحيد لمئات الآلاف من النازحين في مختلف مناطق القطاع.

ومن بين أبرز الهيئات المتضررة تبرز منظمة 'أطباء بلا حدود' وجمعية 'العمل ضد الجوع'، اللتان شكلتا ركيزة أساسية للرعاية الطبية والغذائية خلال الأشهر الماضية. وتعمل هذه المؤسسات في بيئة معقدة تعاني من نقص حاد في الدواء والغذاء والمياه الصالحة للشرب، مما يجعل غيابها تهديداً مباشراً لحياة المرضى والجرحى.

وحذرت كلير نيكولي، المسؤولة في منظمة أطباء بلا حدود، من أن المؤسسات الدولية لم تكن قادرة في الأصل على تلبية سوى جزء يسير من الاحتياجات الهائلة نتيجة الحصار المستمر. وأوضحت مصادر أن استمرار هذه القيود سيؤدي حتماً إلى حرمان السكان من الخدمات الطبية الأساسية، تزامناً مع تفشي الأمراض المزمنة والحاجة الماسة للدعم النفسي.

وفي مستشفى ناصر بمدينة خان يونس، الذي يعد المقر الرئيسي لطواقم أطباء بلا حدود في جنوب القطاع، تسود حالة من القلق الشديد بين آلاف المرضى والجرحى. ويخشى هؤلاء من توقف الخدمات الطبية المتخصصة التي تقدمها المنظمة، في ظل انعدام البدائل المحلية القادرة على التعامل مع الإصابات المعقدة والعمليات الجراحية الكبرى.

وتعكس شهادات النازحين في مخيمات الإيواء عمق المأساة، حيث عبرت سيدة تعاني من أمراض مزمنة عن خشيتها من فقدان مصدر علاجها الوحيد. وأكدت مصادر ميدانية أن المنظمات المغادرة كانت توفر أدوية حيوية لمرضى السكري والضغط، وهي أصناف لا تتوفر في الصيدليات العامة أو المراكز الحكومية التي تعرضت للتدمير.

وأفادت مصادر بأن منظمة أطباء بلا حدود كانت تجري يومياً أكثر من 40 عملية جراحية، بالإضافة إلى تقديم رعاية خاصة للأطفال المصابين بسوء التغذية الحاد. كما كانت المنظمة تشغل مستشفيات ميدانية تعمل على مدار الساعة، وتوفر المستلزمات الطبية والأجهزة الضرورية التي يمنع الاحتلال دخولها عبر المعابر التجارية.

من جانبها، وصفت شينا لاو، المتحدثة باسم المجلس النرويجي للاجئين، الوضع المرتقب بالكارثي، مؤكدة أن غزة بحاجة ماسة لزيادة حجم المساعدات وليس تقليص عمل المنظمات. وشددت على أن غياب التنسيق الدولي والحماية للكوادر الإغاثية سيؤدي إلى توقف توزيع الحصص الغذائية وتدهور خدمات المياه والصرف الصحي في مراكز الإيواء.

وكانت سلطات الاحتلال قد أعلنت نيتها وقف العمليات الإنسانية لمنظمة أطباء بلا حدود بحلول الثامن والعشرين من فبراير الجاري، متذرعة بامتناع المنظمة عن تقديم بيانات موظفيها. ويأتي هذا القرار في سياق تضييق الخناق الممنهج على المؤسسات الدولية التي توثق الجرائم الإنسانية وتقدم الدعم المباشر للضحايا في الميدان.

يذكر أن حرب الإبادة المستمرة منذ عامين خلفت أكثر من 72 ألف شهيد وما يزيد عن 171 ألف جريح، في حين طال الدمار نحو 90% من البنية التحتية المدنية. ومع رحيل المنظمات الدولية، يواجه القطاع الصحي المنهك تحدياً مصيرياً، حيث لا يكفي مخزون الأدوية المتبقي في المستشفيات سوى لأيام معدودة.

فلسطين

الجمعة 27 فبراير 2026 1:33 مساءً - بتوقيت القدس

قيود مشددة تحرم آلاف الفلسطينيين من الوصول للأقصى في الجمعة الثانية من رمضان

شهدت الحواجز العسكرية المحيطة بمدينة القدس المحتلة، فجر اليوم الجمعة، توافد آلاف المواطنين الفلسطينيين الساعين للوصول إلى المسجد الأقصى المبارك. وتجمع المصلون عند حاجز قلنديا العسكري شمالاً وحاجز بيت لحم جنوباً، آملين في أداء صلاة الجمعة الثانية من شهر رمضان الفضيل وسط إجراءات أمنية مشددة.

وأفادت مصادر ميدانية بأن قوات الاحتلال منعت أعداداً غفيرة من المواطنين من اجتياز الحواجز العسكرية، متذرعة بعدم حيازتهم للتصاريح اللازمة أو عدم استيفائهم للشروط العمرية. وقد تسببت هذه الإجراءات في حالة من الاكتظاظ الشديد والتوتر عند نقاط التفتيش التي شهدت تدقيقاً أمنياً معقداً.

وتأتي هذه التضييقات ضمن خطة إسرائيلية معلنة تقيد دخول مصلين الضفة الغربية بنحو 10 آلاف شخص فقط في كل يوم جمعة. وتهدف هذه السياسة الممنهجة إلى تقليص الوجود الفلسطيني في رحاب المسجد الأقصى، مما يؤدي إلى إحداث حالة من الاحتقان بين المنتظرين لساعات طويلة.

وحددت سلطات الاحتلال معايير صارمة لمنح التصاريح، حيث اشترطت أن يتجاوز عمر الرجال 55 عاماً، والنساء 50 عاماً، للدخول إلى القدس. كما فرضت الحصول على تصريح لمرة واحدة فقط للصلاة في المسجد الأقصى طوال شهر رمضان المبارك، عبر منصة إلكترونية تابعة لها.

وعزز جيش الاحتلال من انتشاره العسكري في محيط البلدة القديمة وأبواب المسجد الأقصى، ونصب حواجز حديدية إضافية لتدقيق هويات المارة. وشملت الإجراءات توثيقاً رقمياً للمصلين عند العودة عبر المعابر، في خطوة تهدف لتشديد الرقابة الأمنية على حركة الفلسطينيين.

وأكد شهود عيان أن مئات المصلين أُجبروا على العودة من حيث أتوا بعد رفض جنود الاحتلال مرورهم رغم حيازتهم لبعض الوثائق. وتبرز هذه المعاناة حجم الحرمان الذي يواجهه الفلسطينيون في ممارسة شعائرهم الدينية بحرية، نتيجة المعايير الصارمة التي يفرضها الاحتلال.

وتشير التقارير إلى أن هذه القيود أصبحت أكثر حدة منذ اندلاع الحرب في الثامن من أكتوبر 2023، حيث تحولت الحواجز إلى نقاط خنق دائمة. ويرى مراقبون أن تحويل العبادة إلى نظام تصاريح أمني يندرج ضمن محاولات فرض واقع جديد في المدينة المقدسة.

وفي ظل هذه الأجواء، يجد آلاف الشبان أنفسهم محرومين تماماً من الوصول إلى القدس بسبب القيود العمرية التي تستهدف الفئات الشابة بشكل خاص. ويضطر الكثيرون منهم للصلاة عند الحواجز العسكرية تعبيراً عن احتجاجهم على منعهم من الوصول إلى قبلتهم الأولى.

ختاماً، يبقى الوصول إلى المسجد الأقصى في أيام الجمع من شهر رمضان تحدياً يواجهه الفلسطينيون بصدورهم العارية أمام ترسانة الاحتلال. ومع استمرار هذه العوائق، يجدد الشعب الفلسطيني تمسكه بحقه في العبادة والوصول إلى مقدساته دون قيود زمانية أو مكانية تفرضها سلطة الاحتلال.

فلسطين

الجمعة 27 فبراير 2026 1:03 مساءً - بتوقيت القدس

ثماني سنوات من الإبعاد.. حكاية المرابط السبعيني 'أبو بكر شيمي' مع أسوار الأقصى

يقف المرابط الفلسطيني السبعيني خير الدين شيمي، المعروف بلقب 'أبو بكر شيمي'، على بعد خطوات قليلة من المسجد الأقصى المبارك، لكنه محروم من دخوله بفعل سياسة الإبعاد القسري التي تفرضها سلطات الاحتلال. وتحول شهر رمضان بالنسبة لشيمي من موسم للعبادة والطمأنينة إلى رحلة شاقة من الحنين والوقوف على الأبواب، يراقب المصلين بلهفة ويحملهم سلامه لجنبات المسجد الذي ارتبط به وجدانياً.

على مدار 15 عاماً من الرباط المتواصل، ذاق شيمي ويلات الملاحقة والاعتقال، حيث يعتبر أن ميلاده الحقيقي بدأ في عام 2011 حين قرر تكريس حياته للأقصى. ورغم أنه ينحدر من قرية المكر قضاء عكا، إلا أنه اختار الانتقال للعيش في القدس المحتلة ليكون قريباً من القبلة الأولى، مقتدياً بالصحابة الكرام الذين عاشوا ودفنوا في أكناف بيت المقدس.

تصاعدت وتيرة التنكيل بحق المسن الفلسطيني بشكل غير مسبوق منذ اندلاع العدوان على قطاع غزة في أكتوبر 2023، حيث بات هدفاً دائماً للاعتداء الجسدي من قبل جنود الاحتلال. ويروي شيمي بمرارة كيف يتم استهدافه بالضرب المبرح في أزقة البلدة القديمة، في محاولة لثنيه عن التواجد في المنطقة أو الوصول إلى الأبواب المؤدية للمسجد.

أفادت مصادر ميدانية بأن الاحتلال يسعى بشكل ممنهج لتعطيل وصول الرموز المقدسيين إلى البلدة القديمة عبر إصابات جسدية بليغة، وهو ما يشعر به شيمي الذي تعرض لإصابات بالغة أعجزته عن السير لفترات. ورغم تعرضه لإطلاق النار المباشر ثلاث مرات في ساحات الأقصى وإصابته بجروح خمس مرات سابقة، إلا أنه يصر على البقاء وعدم العودة إلى مسقط رأسه في عكا.

في اليوم الثالث من شهر رمضان الجاري، تعرض أبو بكر لاعتقال عنيف واعتداء جسدي أثناء محاولته الوصول لأداء صلاتي العشاء والتراويح قرب باب الأسباط. وقد أجبره الجنود على مغادرة المنطقة بالقوة، مستخدمين العنف المفرط تجاه شيبته وعكازه الذي يتكئ عليه، في مشهد يتكرر يومياً مع المرابطين المبعدين عن المسجد.

بسبب المنع الأمني المشدد عند بابي العمود والأسباط، يضطر شيمي للبحث عن طرق بديلة للوصول إلى أقرب نقطة ممكنة من السور الشرقي للمسجد الأقصى. وينجح في بعض الأحيان بالوصول إلى منطقة باب الساهرة، حيث يحاول أداء صلواته هناك رغم الملاحقة المستمرة من قبل دوريات الشرطة التابعة للاحتلال التي تمنع التجمعات.

يقضي المرابط السبعيني ثامن رمضان له وهو مبعد قسراً عن الصلاة داخل المسجد، ورغم انتهاء مدة إبعاده الرسمية منذ عام ونصف، إلا أن شرطة الاحتلال تمنعه 'شفهياً' من الدخول. ويؤكد شيمي أن نصف مدة رباطه التي بدأت قبل عقد ونصف قضاها خارج الأسوار، لكنه يشعر بالرضا لاحتسابه هذا الصبر في سبيل الدفاع عن المقدسات.

يستذكر شيمي بحزن الزوايا التي يحبها داخل الأقصى، واصفاً المسجد بأنه 'روح تسري في عروقه'، ويخص بالذكر مصلى الأقصى القديم الذي يعشق الصلاة فيه. ويضيف أن الحرمان لا يقتصر على الصلاة فقط، بل يمتد لمنعه من ممارسة مبادراته الفردية في إفطار الصائمين التي كان يحرص عليها سنوياً عند طريق المجاهدين.

أشارت مصادر إلى أن قوات الاحتلال تلاحق حتى المبعدين الذين يحاولون تناول إفطارهم على عتبات الأقصى، حيث مُنع شيمي وزوجته هذا العام من توزيع الطعام أو الجلوس للإفطار قرب الأبواب. هذا التضييق دفع المرابطين المبعدين للبحث عن أماكن بديلة للصلاة، حتى لو كانت بين القبور في مقبرة باب الرحمة الإسلامية الملاصقة للسور.

يقول شيمي إن الصلاة في المقبرة، رغم كراهتها الفقهية في الظروف العادية، أصبحت ضرورة لسماع صوت إمام المسجد الأقصى والشعور بالقرب من رحابه. ويؤكد أن الله مطلع على نياتهم وحالهم الذي وصلوا إليه بفعل القمع الإسرائيلي الذي لا يراعي حرمة المكان ولا كبر سن المرابطين والمرابطات.

يتشارك شيمي معاناة الإبعاد مع رفيقيه نظام أبو رموز والمسنة نفيسة خويص، حيث يشكلون معاً مثلثاً للصمود على أبواب القدس القديمة. ويوجه شيمي دعوة لآلاف المبعدين بضرورة التعاضد والتماسك أمام الأبواب، مؤكداً أن الثبات الجماعي يربك حسابات الاحتلال ويمنعه من الاستفراد بالمرابطين والتنكيل بهم.

رغم الشيب الذي غزا رأسه ولحيته، لا يزال الأمل يملأ قلب 'أبو بكر'، حيث يرفع دعواته في رمضان بأن يفرج الله الكرب عن الأمة الإسلامية وعن أهالي قطاع غزة. ويرى أن المحن التي تمر بها القضية الفلسطينية حالياً هي اختبار للصبر، متفائلاً بأن الفرج قريب كما حدث في أزمات تاريخية كبرى مرت بها الأمة.

تظهر معطيات محافظة القدس أن سياسة الإبعاد الممنهج طالت مئات الفلسطينيين من سكان القدس والداخل المحتل منذ بداية شهر رمضان المبارك. وتستخدم سلطات الاحتلال هذه القرارات كأداة لتفريغ المسجد الأقصى وتأمين اقتحامات المستوطنين، خاصة في الأوقات التي تشهد ذروة التواجد الإسلامي في المسجد.

يبقى خير الدين شيمي نموذجاً للمقدسي الذي رفض المساومة على حقه في الوصول لمقدساته، محولاً عكازه إلى رمز للصمود في وجه آلة الحرب الإسرائيلية. ومع كل اعتداء جديد، يزداد إصراره على البقاء مرابطاً عند الأبواب، مؤكداً أن جسده قد يُمنع من الدخول، لكن روحه ستبقى معلقة بقبة الصخرة ومآذن الأقصى.

منوعات

الجمعة 27 فبراير 2026 1:03 مساءً - بتوقيت القدس

مسلسل 'منّاعة'.. حين يتعثر البناء الدرامي لقصة إمبراطورية الباطنية رغم حضور هند صبري

رافق تصوير مسلسل 'منّاعة' للمخرج حسين المنباوي ضجة إعلامية واسعة، رفعت سقف التوقعات لعمل تقوده النجمة هند صبري. تدور أحداث المسلسل في كواليس 'القاهرة السفلى' خلال ثمانينيات القرن الماضي، حيث ازدهرت تجارة السموم في حي الباطنية الشهير.

يستند العمل إلى سيرة واقعية لنبوية عبد التواب، التي لُقبت بـ 'إمبراطورة الباطنية' وكانت من أبرز وجوه تجارة المخدرات في تلك الحقبة. تبدأ الحكاية بولادة البطلة 'غرام' في قلب الوكر، فوق الطاولة المخصصة لتقسيم البضاعة، لترسم قدرها المحتوم منذ اللحظة الأولى.

رغم الإمكانيات الإنتاجية وأداء هند صبري اللافت، يرى نقاد أن المسلسل وقع في فخ الإيقاع الرتيب الذي لم يواكب طبيعة الأحداث المتسارعة. فالقصة الجذابة تحتاج إلى بناء درامي متين يحولها من مجرد حكاية تُروى إلى تجربة بصرية حية ومشوقة.

تستهل الحلقة الأولى مشاهدها بتصوير دقيق لبيئة الباطنية، حيث يهرع الأب من عمله الشاق ليجد زوجته تضع مولودتها في ظروف قاسية. هذا المشهد الافتتاحي كان يهدف لترسيخ فكرة النشأة في بيئة إجرامية لا خيار فيها سوى الاستمرار في نهج العائلة.

تتزوج 'غرام' لاحقاً من أحد الموزعين الصغار، لكن حياتها تنقلب رأساً على عقب بعد مقتل زوجها في عملية أمنية فاشلة. تجد الأرملة الشابة نفسها وحيدة مع طفلين وحقيبة مليئة بالمخدرات، مما يضطرها لاتخاذ قرارات مصيرية للبقاء على قيد الحياة.

تنتقل البطلة للعيش في المدافن هرباً من الملاحقات الأمنية، وهناك تبدأ رحلة صعودها كتاجرة مستقلة بعد رفضها تسليم البضاعة لكبار المعلمين. وبمحض الصدفة، تجد زبونها الأول وتبدأ في تكوين فريقها الخاص والانتقال إلى طبقة اجتماعية أكثر ثراءً.

أحد أبرز المآخذ على السيناريو هو التوسع الأفقي للأحداث الذي استمر حتى الحلقة الثامنة دون حدوث ذروات درامية حقيقية. هذا البطء جعل الشخصيات تبدو ثابتة سيكولوجياً رغم التحولات الكبيرة التي طرأت على واقعها المادي والاجتماعي.

استغرق تحول اسم البطلة من 'غرام' إلى 'منّاعة' ثماني حلقات كاملة، وهو وقت طويل في مسلسل يتكون من 15 حلقة فقط. ومع ذلك، ظلت انفعالات الشخصية وملابسها وطريقة تعبيرها دون تغيير جذري يعكس نفوذها الجديد في عالم الجريمة.

يعيد المسلسل إنتاج بعض الأنماط التقليدية لعالم المخدرات، مثل وجود التجار الكبار الذين يتخفون وراء أعمال خيرية أو علاقات سياسية. كما يبرز الطبقة الوسطى من الموزعين الذين يلتزمون بقوانين 'الكلمة' والأمانة المهنية القاسية فيما بينهم.

تظهر الدراما المصرية غالباً تجار المخدرات كأبناء طبقات فقيرة أصابوا ثراءً فاحشاً، وهو ما ينعكس على مظاهرهم المليئة بالحلي الذهبية. 'غرام' لم تخرج عن هذا الإطار، حيث تم تصويرها بملابس شعبية مزينة بالذهب تعبيراً عن مكانتها الجديدة.

في أحد أقوى مشاهد المسلسل، تظهر هند صبري أداءً باهراً وهي تنتقم لشقيقتها من زوجها الخائن بأسلوب يتسم بالعنف والغلظة. هذا المشهد عكس بوضوح تداخل شخصية الأخت المدافعة مع شخصية التاجرة التي تفرض سطوتها بالقوة في الشارع.

ومع ذلك، يظل بناء الشخصية 'رخوًا' في مواقف أخرى تتطلب حزماً أكبر، وهو ما يُعزى إلى ضعف السيناريو في ملاحقة تحولات البطلة. كان من الممكن استثمار التشوّش العاطفي لـ 'غرام' بشكل إبداعي يوضح الصراع بين إنسانيتها ومتطلبات مهنتها القاسية.

عند مقارنة 'منّاعة' بأعمال كلاسيكية مثل فيلم 'العار' (1982)، نجد فجوة في عمق التناول الأخلاقي والاجتماعي لعالم المخدرات. فيلم 'العار' نجح في تقديم منظومات أخلاقية متصادمة بين أفراد الأسرة الواحدة، مما خلق صراعاً درامياً لا يزال حياً.

المسلسل الذي كتبه عمرو الدالي يضم نخبة من النجوم مثل رياض الخولي وأحمد خالد صالح، لكنه ظل أسيراً للصور النمطية. ورغم الإخراج المتميز لحسين المنباوي، إلا أن العمل افتقد إلى 'الروح' التي تجعل من رحلة الصعود والسقوط ملحمة إنسانية متكاملة.

أقلام وأراء

الجمعة 27 فبراير 2026 1:03 مساءً - بتوقيت القدس

الضوابط العلمية للانفتاح اللغوي: رؤية الدكتور أحمد بن نعمان لحماية السيادة والهوية

طرح الباحث والكاتب الجزائري الدكتور أحمد بن نعمان رؤية فكرية معمقة تتناول الجدل القائم حول الانفتاح على اللغات الأجنبية في المجتمعات العربية. وأكد بن نعمان أن هناك خلطاً كبيراً يمارسه البعض بين ضرورة اكتساب اللغات كأدوات معرفية وبين فرضها كبديل للغة الوطنية في المؤسسات التعليمية والسيادية.

وشدد الباحث على أن تعلم اللغات الأجنبية يمثل ضرورة علمية ووطنية لا يرفضها عاقل، مستشهداً بنماذج من أفذاذ الأمة الذين أتقنوا لغات عدة مثل الدكتور طه حسين ومولود قاسم نايت بلقاسم. ومع ذلك، اعتبر أن التعليم باللغات الأجنبية على حساب اللغة الأم يمثل تهديداً مباشراً للوحدة الترابية والشعبية للدولة.

ويرى بن نعمان أن اللغة الوطنية هي صمام الأمان للحفاظ على اللحمة الوطنية، تماماً كما هي العملة الوطنية في المجال الاقتصادي. فكما لا تقبل دولة ذات سيادة تداول العملات الأجنبية في أسواقها الداخلية دون تحويلها، لا ينبغي قبول اللغات الأجنبية في قطاعات الإدارة والسيادة.

وانتقد المقال بشدة استمرار تجميد قانون اللغة الوطنية في الجزائر لأكثر من ثلاثة عقود دون مبررات واضحة. وأشار إلى أن هذا التعطيل يفتح الباب أمام التبعية الثقافية التي تضعف مناعة المجتمع أمام التأثيرات الخارجية التي تستهدف الهوية الأصيلة.

وفيما يخص البحث العلمي، أوضح الدكتور بن نعمان أن التقدم التكنولوجي لا يتطلب بالضرورة التخلي عن اللغة الوطنية. واقترح استراتيجية تعتمد على توجيه فئة موهوبة من النجباء لا تتجاوز 3% من المجتمع للتخصص في اللغات الحية ليكونوا جسوراً للترجمة والنقل المعرفي.

وأكد أن الدول المتقدمة مثل اليابان والصين وألمانيا وفرنسا تدرس العلوم بلغاتها الوطنية، مما يثبت أن الإبداع العلمي مرتبط باللغة الأم. واعتبر أن محاولة فرض لغة أجنبية واحدة كوعاء للتعليم هي خيانة للمبادئ الوطنية وتكريس لنموذج التبعية الثقافية.

ودعا الباحث إلى ضرورة استبدال الهيمنة اللغوية الفرنسية بالانفتاح على اللغة الإنجليزية إذا كان الهدف هو التواصل العالمي الحقيقي. وأوضح أن التمسك بالفرنسية في الجزائر يمثل نوعاً من الإدمان الثقافي الذي يعيق التطور والاندماج في العصر الرقمي الحديث.

واقترح المقال ستة ضوابط أساسية لحماية السيادة اللغوية، تبدأ بمنح اللغة الوطنية الصدارة المطلقة في الإدارة والحياة العامة. كما طالب بغرس حب اللغة في المناهج التربوية كرمز مقدس لا يقل أهمية عن العلم والنشيد الوطني في وجدان الناشئة.

وطالب بن نعمان برفع المعامل التنقيطي للغة الوطنية في الامتحانات الرسمية لتكون المادة الأساسية التي تحدد نجاح الطالب أو رسوبه. ويرى أن هذا الإجراء سيحفز الأجيال الجديدة على التمكن من لغتهم الأم وإعطائها الأهمية التي تليق بمكانتها التاريخية والحضارية.

كما تضمنت المقترحات ضرورة تفضيل مجيدي اللغة الوطنية في فرص التوظيف العمومي، وحصر استخدام اللغات الأجنبية في المخابر والبحث العلمي فقط. وشدد على أهمية إبعاد اللغات الدخيلة عن الإعلام والثقافة العامة لضمان عدم تشتت الهوية المجتمعية.

وأشار الباحث إلى أن الدراسات العلمية والنفسية تؤكد أن استيعاب المعارف المعقدة يكون أسرع وأعمق عندما يتم باللغة الأصلية للمتعلم. وبالتالي، فإن العلماء وحدهم هم من يحتاجون للتبحر في اللغات الأجنبية، بينما يحتاج عامة الشعب للتعلم بلغتهم الوطنية لضمان انتشار المعرفة.

واختتم بن نعمان مقالته بالتأكيد على أن الوحدة الوطنية الحقيقية لا يمكن أن تتحقق في ظل تشتت لغوي أو ديني. واعتبر أن السيادة تبدأ من اللسان، وأن استعادة الدور الحضاري للأمة تتطلب العودة إلى اللغة العربية في الجامعة والشارع والمعمل على حد سواء.

إن الرؤية التي قدمها الدكتور بن نعمان تضع النقاط على الحروف في قضية الهوية، محذرة من الانزلاق نحو التبعية تحت مسميات الانفتاح. فالتطور الحقيقي يكمن في الأخذ من الآخرين مع الحفاظ على الذات، وليس في الذوبان في لغة المستعمر القديم.

ويبقى التحدي الأكبر أمام هذه الرؤية هو الإرادة السياسية لتفعيل القوانين المجمدة وإعادة الاعتبار للغة الوطنية في كافة مفاصل الدولة. فبدون حماية تشريعية وتنفيذية صارمة، ستظل اللغة الوطنية تعاني من التهميش أمام ضغوط العولمة واللوبيات الثقافية الفرنكوفونية.

عربي ودولي

الجمعة 27 فبراير 2026 1:03 مساءً - بتوقيت القدس

سلاح الشباك.. استراتيجية أوكرانية جديدة لتحصين طرق الإمداد ضد المسيرات الروسية

شرعت السلطات الأوكرانية في تنفيذ خطة دفاعية واسعة النطاق تعتمد على تغطية الطرق الحيوية بشبكات معدنية وهيكلية مضادة للطائرات المسيرة. وتمتد هذه التحصينات على مسافات تصل إلى عشرات الكيلومترات في المنطقة الواصلة بين مدينة خاركيف والحدود الشمالية مع روسيا، في محاولة جادة لتقليص الخسائر الناجمة عن الهجمات الجوية غير المأهولة التي تشنها القوات الروسية باستمرار.

وتأتي هذه الخطوة في ظل تصاعد استخدام الجانب الروسي للمسيرات الانتحارية بمختلف طرازاتها، حيث تركز هذه الهجمات على استهداف الآليات العسكرية والسيارات المدنية المخصصة لعمليات الإجلاء. وأفادت مصادر ميدانية بأن الكثافة النارية للمسيرات الروسية باتت تشكل تهديداً دائماً للتحركات اللوجستية، مما استدعى ابتكار حلول دفاعية سلبية تعيق وصول هذه الطائرات إلى أهدافها المباشرة.

وأكد عسكريون أوكرانيون أن هذه الشبكات أظهرت كفاءة عالية في اعتراض طائرات 'FPV' الانتحارية، التي تُعد السلاح الأكثر فتكاً واستخداماً على طرق خاركيف ونقاط التماس الحدودية. وتعمل هذه الشباك كحاجز مادي يؤدي إلى انفجار المسيرة قبل وصولها إلى المركبة أو يعطل مراوحها، مما يوفر حماية نسبية للقوات والمعدات المتحركة تحت ضغط القصف الروسي المتواصل.

ومن المثير للاهتمام أن كييف استلهمت هذا التكتيك الدفاعي من القوات الروسية، التي كانت قد نصبت في وقت سابق شبكات مماثلة لحماية مواقعها ومقاطعاتها من هجمات المسيرات الأوكرانية. ويعكس هذا التطور حالة من محاكاة التكتيكات الميدانية بين الطرفين، حيث يسعى كل جانب لتطوير وسائل صد رخيصة التكلفة لمواجهة التهديدات الجوية المتزايدة التي غيرت ملامح الصراع التقليدي.

ولا يقتصر نشر هذه الشبكات على جبهة خاركيف فحسب، بل تم رصد توسع في استخدامها بمناطق دونيتسك وزابوريجيا، خاصة فوق الطرق التي تُعد شرايين حياة للإمداد اللوجستي. وتعتبر هذه المسارات حيوية جداً لاستمرار العمليات العسكرية الأوكرانية، حيث تضمن تدفق التعزيزات وإخراج الجرحى من مناطق المواجهة المباشرة التي تشهد ضغطاً عسكرياً روسياً مكثفاً.

فلسطين

الجمعة 27 فبراير 2026 12:50 مساءً - بتوقيت القدس

واشنطن تسمح لموظفي سفارتها وعائلاتهم بمغادرة إسرائيل لدواعٍ أمنية

أصدرت السفارة الأمريكية في القدس المحتلة قراراً يقضي بالسماح لموظفيها غير الأساسيين وأفراد عائلاتهم بمغادرة الأراضي المحتلة، وذلك استجابةً لتقييمات أمنية تشير إلى مخاطر محتملة. وأوضحت مصادر دبلوماسية أن هذا الإجراء يأتي في سياق المخاوف المتنامية من اندلاع مواجهة عسكرية مباشرة مع إيران، خاصة مع وصول التوترات السياسية والعسكرية في المنطقة إلى مستويات غير مسبوقة.

ورغم أن السفارة لم تفصح عن طبيعة التهديدات الأمنية المحددة التي استدعت هذا الإجراء، إلا أنها أكدت أن القرار يندرج تحت بند 'الإذن بالمغادرة' الطوعي. ويمنح هذا التصنيف الموظفين المعنيين حرية اختيار البقاء أو الرحيل، وهو ما يختلف عن إجراءات المغادرة القسرية التي فُرضت مطلع هذا الأسبوع على طواقم دبلوماسية في العاصمة اللبنانية بيروت.

ويتزامن هذا التحرك الدبلوماسي مع تعزيز الولايات المتحدة لوجودها العسكري في منطقة الشرق الأوسط، حيث تشهد المنطقة واحداً من أضخم عمليات الانتشار للقوات الأمريكية. وتأتي هذه التحركات العسكرية في وقت حساس تخوض فيه واشنطن مفاوضات معقدة مع طهران بشأن ملفها النووي، والتي لم تسفر عن نتائج ملموسة حتى الآن.

وفي سياق متصل، أفادت مصادر مطلعة بأن الجولة الأخيرة من المحادثات النووية التي اختتمت يوم الخميس لم تحقق أي خرق ديبلوماسي يذكر. وقد زاد هذا الجمود من حدة الخطاب الإيراني، حيث لوحت طهران باستهداف القواعد العسكرية الأمريكية المنتشرة في المنطقة في حال تعرضت لأي هجوم، مع التحذير من أن أي تصعيد قد يجر إسرائيل إلى قلب المواجهة.

وعلى صعيد دولي أوسع، بدأت عواصم غربية أخرى في اتخاذ خطوات احترازية مماثلة عبر إجلاء عائلات دبلوماسييها من عدة دول في الشرق الأوسط. كما أصدرت دول عدة تحذيرات لمواطنيها تطالبهم بتجنب السفر إلى إيران، في ظل حالة الاستنفار والترقب التي تسود المنطقة نتيجة التجاذبات المستمرة بين واشنطن وطهران.