منذ حوالي العام أقدمت الحكومة الإسرائيلية على وقف تحويل كافّة إيرادات المقاصّة للسلطة الفلسطينية، الأمر الذي أفقد الخزينة العامة حوالي ثلثيّ إيراداتها المستحقة، وبقيمة تصل الى أكثر من (10) مليار شيكل سنوياً، ويأتي "تصفير" كافّة إيرادات المقاصة، دون أي مبررات، ولا حتى ضمن قانون للكنيست الاسرائيلي أو قرار حكومي رسمي، وانما قرار لوزير المالية المتطرف "سموتريتش"، بدعم من أقطاب الحكومة الإسرائيلية، وضمن سياق استراتيجية إسرائيلية واضحة المعالم، بل ومُعلنة، تجاه الخنق الاقتصادي للفلسطينيين، من أجل تقويض الكيانية الفلسطينية، وتجفيف موارد السلطة الفلسطينية المالية، واظهارها بمظهر العاجز عن تلبية الخدمات الأساسية للمواطنين، وخاصة رواتب الموظفين الحكوميين، والمتقاعدين، وغيرها من الجهات التي تعتمد على الرواتب الحكومية، وصولاً إلى عدم انتظام الخدمات العامة للمواطن الفلسطيني وعلى رأسها خدمات الصحة والتعليم والحماية الاجتماعية وغيرها.
ولم تقتصر الإجراءات الإسرائيلية على "تصفير" إيرادات المقاصّة، وقطع أهم موارد الخزينة العامة فحسب، بل تزامنت مع جملة إجراءات إسرائيلية أخرى لضرب مفاصل الاقتصاد الوطني مثل القطاع المصرفي والقطاع الخاص وحتى مؤسسات المجتمع المدني، بل وتعدّى الأمر ذلك إلى منع الفلسطيني من أبسط حقوقه في فرص العمل، وشملت تلك الإجراءات خلق أزمة تكدّس الشيكل، والتي باتت تهدد القطاع المصرفي والقطاع الخاص والمواطنين على حد سواء، واغلاق السوق الإسرائيلي أمام حوالي (205) آلاف من العمال الفلسطينيين منذ عامين ونصف، والتهديد المستمر بقطع العلاقة البنكية بين البنوك الفلسطينية والإسرائيلية، والحصار المطبق على كافة القرى والمدن الفلسطينية من خلال سياسة البوابات والحواجز، والتي بلغ عددها أكثر من ألف بوابة وحاجز وسدّة ترابية، والمعيقات أمام حركة الاستيراد والتصدير، ورفع التكلفة على سلاسل التوريد، عدا عن التضييق والخنق المتصاعد لعمل وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين UNRWA، وكذلك تقييد عمل المؤسسات الدولية في الأراضي الفلسطينية، وخلق قيود على عمل مؤسسات المجتمع المدني في فلسطين، عدا عن عنف المستوطنين في الضفة الغربية، والذي اضحى يهدد حياة وأرزاق المواطنين الفلسطينيين.
وليس من قبيل المصادفة أن تتزامن تلك الإجراءات المتصاعدة، مع تقرير منظمة "ريغافيم" الاستيطانية المتطرفة، أو تصريحات قادة ومسؤولين إسرائيليين وعلى رأسهم وزير المالية "سموتريتش" ورئيس حزب الصهيونية الدينية، ووزير الاقتصاد "بركات" من حزب الليكود، وحتى وزير الدفاع الإسرائيلي السابق "ليبرمان" من المعارضة ورئيس حزب اسرائيل بيتنا، والتي تقاطعت جميعها بضرورة انهاء الكيانية الفلسطينية خاصّة في الضفة الغربية، ومنع قيام دولة فلسطينية، وتجريد المواطن الفلسطيني من حقوقه الوطنية، وخلق بيئة طاردة للحياة أو الاستثمار في فلسطين من خلال القوة الخشنة أو الناعمة على حد سواء، وأضحى الاقتصاد هو استراتيجية عمل رئيسة في تحقيق تلك الرؤيا، وخلق حالة شعبية – تحت الضغط الاقتصادي والافقار المُمنهج- تجاه تقبل أي حلول أخرى على حساب الكيانية الفلسطينية، والحقوق الوطنية، وعبر العمل على إعادة هندسة الوعي الجمعي الفلسطيني، وتوظيف أدوات الضغط الاقتصادي لخلق انهيارات بنيوية واجتماعية، وخلق حالة من "الفوضى الخلّاقّة"، تجعل الفلسطيني باحثاً عن حلول فردية لأزماته المعيشية، لاهثاً خلف متطلباته اليومية، على حساب قضاياه الوطنية.
ومن خلال تحليل السلسلة الزمنية للإجراءات الإسرائيلية، وخاصة على صعيد الخنق الاقتصادي، فهي متصاعدة باستمرار، وتُطبق على أنفاس الفلسطينيين، وتشكّل تهديداً وجودياً للشعب الفلسطيني، الأمر الذي يتطلب تكاتف وتكامل الكلّ الفلسطيني لاجتراح وبلورة استراتيجية وطنية لمواجهة هذا التهديد الوجودي، قبل فوات الأوان، فالأزمة ليس أزمة "رواتب" فحسب، وليست قضية فنية في كتلة الشيكل في الاقتصاد الفلسطيني، وتقزيم الأزمة في أزمة الماليّة العامّة، هو هروب من الواقع، فالإجراءات الفنية لوزارة المالية، على كل جهودها في التكيّف مع الأزمة، لن تُنهي الأزمة كون جذرها سياسيّ بامتياز، ونابعة من استراتيجية إسرائيلية شاملة، كما أن الانتظار لموعد الانتخابات الإسرائيلية، أو الانتخابات النصفية للكونغرس الأمريكي، على أمل التغيير، هو تعويلّ على المجهول.
ومرة أخرى ربما بقي من الوقت ما يسمح بتدارك الحالة، عبر استراتيجية وطنية فلسطينية جامعة، ولكن انتظار "غودو"، الذي لن يأتِ أبداً، على أمل إيجاد حلول مستقبلاً، سيجعل من تكلفة أي حلول قادمة أعلى، خاصّة وأن إسرائيل تسابق الزمن للسيطرة الفعلية على الضفة الغربية، وخلق بيئة طاردة للحياة، وخلق وقائع على الأرض وصفها "سموتريتش" بأنها تغييرات تشبه تغيير الحمض النووي للنظام، بحيث تكون بطيئة ومستدامة وغير قابلة للاسترجاع.
أقلام وأراء
الخميس 26 مارس 2026 9:41 صباحًا - بتوقيت القدس
الخنق الاقتصادي: من أزمة ماليّة عامّة إلى تهديد وجوديّ
أقلام وأراء
الخميس 26 مارس 2026 9:40 صباحًا - بتوقيت القدس
فائض التضحية وفشل الإنجاز: أزمة العقل السياسي الفلسطيني
نجح المحتلون، عبر محطات الصراع الممتدة خلال ما يزيد عن سبعة عقود، باستدراجنا إلى الساحة التي يحقق بها تفوقًا حاسمًا ومضمونًا، فمنذ أن أُجهضت انتفاضة الشعب عام 1987 قبل أن تؤتي ثمارها، نصب المحتلون لنا فِخاخًا وقعنا بها جميعًا: فصائل، وحركات، وقوى، وفعاليات، ورأي عام، وإعلام، ومنظّرون، ومؤسسات تعليمية ودينية وثقافية واجتماعية، عبر جرّنا إلى العنف المسلح، في التوقيت الذي اختاره الاحتلال، والساحة التي أرادها. إذ جاءت انتفاضة الأقصى عام 2000، والتي استطاع المحتلون خلالها جرّنا جميعًا إلى مربعه القادر على تحقيق إنجازات سياسية حاسمة، وتحقيق قاعدته المقدسة”أرض أكثر وعرب أقل”. فقد نجح المحتلون، خلال انتفاضة الأقصى بحقن الرأي العام الفلسطيني بكل مقومات العسكرة، عبر خطاب شعبوي يمجّد شكلًا أحاديًا للمقاومة، ويُقصي أي دعوة للمراجعة ونقد الأداء وترشيده، ليتم نقل الصراع إلى ساحة عسكرية مفتوحة، في توقيت وسياق اختارهما المحتلون بعناية، بما مكّنه من تحقيق مكاسب سياسية واستراتيجية عميقة.
في هذا السياق، لم يكن عسكرة الانتفاضة مجرد خيار ميداني، بل تحوّلت إلى حالة ذهنية عامة، جرى من خلالها إعادة تشكيل الوعي الجمعي الفلسطيني. فقد ساد خطاب شعبوي يُمجّد الفعل المسلح بوصفه الخيار الوحيد، ويُقصي كل دعوة إلى المراجعة أو العقلنة، باعتبارها تعبيرًا عن ضعف أو تراجع. وتكامل هذا الخطاب مع أداء إعلامي وحركي ورسمي، ساهم بدرجات متفاوتة في تكريس رؤية أحادية للمقاومة، الأمر الذي أدى إلى تضييق المجال أمام أي نقاش نقدي حقيقي حول جدوى الأدوات المستخدمة ومآلاتها.
ولم تكن نتائج هذه المرحلة بحاجة إلى تحليلٍ معقّد لإدراك آثارها، فقد أفضت انتفاضة الأقصى إلى تحولات عميقة في بنية الصراع، تجلّت في بناء جدار الفصل، وتسارع الاستيطان، وتعميق تهويد القدس، وإعادة تشكيل البيئة الأمنية والسياسية بما يخدم مشروع المحتلون وأجندتهم . كما ساهمت في صعود اليمين الديني المتطرف داخل إسرائيل، مقابل تراجع غير مسبوق لقوى اليسار، وانكماش أي أفق سياسي تقدمي داخل المجتمع الإسرائيلي، بل إن حالة الانقسام الدامي التي ابتدأت عام 2007 هي أحد مخرجات حالة العسكرة التي سادت منذ الانتفاضة، هذا الانقسام " الذي تم تسميته " بالحسم العسكري " والذي أكد ان أولويات جهات نافذة بالمجتمع الفلسطيني ليست أولويات الشعب، إنما تمجيد عسكرة المجتمع، حتى لو كان ذلك على حساب الوطن والشعب والقضية.
ثم جاءت أحداث السابع من أكتوبر، بوصفها لحظة مفصلية في التاريخ الفلسطيني المعاصر، والتي يحاجج البعض أنها أعادت القضية الفلسطينية إلى مركز الاهتمام الدولي، وكسرت وهم “الاستقرار” الذي ساد في السنوات التي سبقتها. إلا أن قراءة مآلات هذه العملية، بعيدًا عن العاطفة والتنظير والاستقطاب الحزبي، تُظهر أنها قد فتحت الباب أمام مرحلة أكثر قسوة على الشعب الفلسطيني، وعدد من الشعوب العربية، فها هي غزة تُحكم من خلال إرادة أمريكية منفردة، وها نحن نعيش مرحلة تراجع الزخم الدولي، وتقدّم أولويات أخرى على جدول الاهتمام العالمي، كإيران وسوريا والسودان، في حين يستمر مسار التطبيع الإقليمي دون تراجع يُذكر، بل إن بعض الأطراف أعادت تموضعها وفق حسابات تتجاوز القضية الفلسطينية.
وفي المقابل، شهدت فلسطين وشعبنا وأجيالنا وخاصة قطاع غزة تصعيدًا غير مسبوق في مستويات العنف، وصل إلى حد الإبادة الجماعية للبشر والحجر والمياه والمؤسسات، وكل مقومات الحياة في القطاع. وها هو الاحتلال يعيد احتلال ما يزيد عن نصف قطاع غزة، ويتحكم بكل ما يدخل للقطاع من دواء وطعام وهواء. يجري ذلك بالتوازي مع سياسات في الضفة الغربية تقوم على حسم الصراع ميدانيًا عبر التهجير والتوسع الاستيطاني، وتكريس واقع من الإفلات الكامل للمستوطنين تحت حماية رسمية. وهي مؤشرات لا تعكس فقط واقعًا راهنًا، بل تفتح على احتمالات مستقبلية أكثر خطورة.
إن التأكيد على أن المقاومة حق وواجب لا ينبغي أن يُختزل في تبني مسارا واحداً ، أو في تحصينها ضد النقد والمراجعة. فالمقاومة الواعية هي التي تخضع باستمرار للمتابعة والمراقبة والتقييم العقلاني، وتُعيد النظر في أدواتها وفق معايير الفاعلية والكلفة والمآلات. وهذا يتطلب قراءة نقدية معمّقة لتجربة عسكرة انتفاضة الأقصى، كما يتطلب دراسة تجارب المجموعات المسلحة في الضفة الغربية، عبر تقييم موضوعي لمدى قدرتها على تحقيق اختراق سياسي أو عسكري، بما لا يقلل من نضال أفرادها.
إن الإشكالية لا تكمن في النوايا أو التضحيات، بل في غياب الرؤية الشمولية والبرنامج السياسي الجامع، وفي الانفصال بين الفعل الميداني والنتائج الاستراتيجية، وهو ما يجعل من الضروري إعادة قراءة هذه التجارب بعيدًا عن ثنائية التقديس أو الشيطنة، او أغراض المديح والهجاء، وبمنهجية تستند إلى استراتيجية تعطي الأولوية لمصلحة البلاد والعباد ولمصلحة فلسطين الوطن والشعب والقضية والمقدسات، لا إلى الانفعال أو تسجيل النقاط.
وفي السياق ذاته، فإن أحداث السابع من أكتوبر تستدعي مقاربة تحليلية معمّقة، وحوار جدي، يتجاوز الأحكام المسبقة، سواء تلك التي تُضفي عليها طابعًا بطوليًا مطلقًا، أو تلك التي تختزلها في نتائجها الكارثية. فهي محطة فارقة أعادت تشكيل المشهد الفلسطيني والإقليمي، وبالتالي فإن إخضاعها للنقد والدراسة ليس ترفًا فكريًا، بل ضرورة وطنية.
إن الشعب الفلسطيني لا يملك خيار التخلي عن المقاومة، كما قاومت كل الشعوب التي تعرضت للاحتلال، بما في ذلك مقاومة الفرنسيين وغيرهم للاحتلال النازي، لأن ذلك يعني الاستسلام لمراحل جديدة من تهجيرنا وسلب ارضنا وتدنيس مقدساتنا، فلو سلّمنا جدلا بالاستسلام، فالاحتلال لن يرضى بذلك، لأن هدفه إقامة دولة احادية، لا يُسمع فيها سوى الصوت الواحد، والوجه الواحد، واللغة الوحيدة، غير أن المقاومة، بوصفها مفهومًا انسانيا واستراتيجيا لا تختزل في نمط واحد، بل هي فضاء متعدد الأدوات، يتطلب اختيار الشكل الأكثر قدرة على تحقيق الأهداف الوطنية بأقل كلفة وأكثر فائدة. وهذا يقتضي تبني مقاربات عقلانية وجدية، تُوازن بين الفعل والنتيجة، وبين الكلفة والعائد، دون الوقوع في فخ الجمود أو الانتظار.
كما أن استمرار الصمت أمام تصاعد عنف المستوطنين، وتوسّع سياسات القمع، لن يؤدي إلا إلى مزيد من التمادي، في ظل مشروع يرى في الوجود الفلسطيني ذاته تهديدًا يجب اقتلاعه، وهو ما يؤكد أن المواجهة ليست خيارًا ظرفيًا، بل ضرورة وجودية.
وعليه، فإن المرحلة الراهنة تستدعي تبني مقاربة وطنية جديدة، تنطلق من إعادة تعريف أنماط المقاومة بما يعزز صمود المجتمع الفلسطيني، ويحمي بقاءنا في وطننا، ويُقوّض قدرة الاحتلال على فرض وقائعه. وهذه المقاربة تتطلب، قبل كل شيء، إعادة الاعتبار للعمل المؤسسي، وتغليب المصلحة الوطنية على الحسابات الفصائلية، وإشراك الجماهير في صياغة القرار الوطني.
إننا أمام مفترق حقيقي، لا بين خيارات متعددة، بل بين مسارين: مسار يُفضي إلى تعزيز البقاء والصمود، وآخر يفتح الباب أمام التآكل والتفكك. وفي مثل هذه اللحظات، لا يكون التردد خيارًا، بل يصبح القرار الواعي مسؤولية تاريخية.
أقلام وأراء
الخميس 26 مارس 2026 9:39 صباحًا - بتوقيت القدس
قراءة قانونية وسيكولوجية في مشروع إعدام الأسرى الفلسطينيين
في اللحظة التي يفترض فيها أن يكون القانون حصناً للعدالة، وضابطاً للعنف، وحامياً للكرامة الإنسانية، ينقلب في بعض السياقات إلى أداة لإعادة إنتاج القتل بغطاء شرعي. ذلك ما يتجلى بوضوح في مشروع قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين، الذي لا يمكن قراءته بوصفه نصا قانونياً مجرداً، بل باعتباره بنية مركبة تتداخل فيها الأبعاد القانونية والسياسية والسيكولوجية، لتكشف عن أزمة عميقة في مفهوم العدالة ذاته.
من الناحية القانونية، يثير هذا المشروع إشكالات جوهرية تتعلق بتعارضه الصريح مع مبادئ القانون الدولي الإنساني، وخاصة اتفاقيات جنيف، التي تضع قيوداً صارمة على معاملة الأسرى، وتؤكد على ضمان حقوقهم الأساسية، بما في ذلك الحق في الحياة والمحاكمة العادلة. إن إقرار عقوبة الإعدام في سياق نزاع ذي طابع سياسي واستعماري، لا يمكن فصله عن إرادة تحويل القانون إلى أداة ردع جماعي، لا تستهدف الفعل بقدر ما تستهدف الهوية.
هنا، لا يعود القانون معيارا للعدالة، بل يتحول إلى امتداد للسيادة القهرية، حيث يتم توظيفه لإضفاء الشرعية على ما هو في جوهره فعل انتقامي. إن الخطورة لا تكمن فقط في العقوبة ذاتها، بل في المنطق الذي يؤسس لها؛ منطق يقوم على نزع الإنسانية عن الأسير، وتحويله إلى كيان قابل للإلغاء، لا يستحق الحماية القانونية الكاملة.
أما من الزاوية السيكولوجية، فإن هذا القانون يكشف عن بنية نفسية مأزومة، تتغذى على الخوف العميق من الآخر، وعلى الرغبة في السيطرة المطلقة. فالإعدام هنا ليس مجرد عقوبة، بل رسالة نفسية موجهة إلى مجتمع كامل، مفادها أن المقاومة ستقابل بالإفناء، وأن الحياة ذاتها يمكن أن تصبح رهينة قرار سيادي.
غير أن هذه الرسالة تحمل في طياتها تناقضا بنيويا؛ إذ أن الإفراط في استخدام العنف القانوني يعكس في جوهره هشاشة داخلية، وشعورا مزمنا بالتهديد. فالسلطة التي تلجأ إلى أقصى درجات العقاب، إنما تعلن بشكل غير مباشر عن عجزها عن إدارة الصراع بوسائل سياسية أو قانونية متوازنة. وهنا، يتحول القانون إلى مرآة تعكس القلق الوجودي، لا الثقة في العدالة.
على مستوى الوعي الجمعي الفلسطيني، لا يمكن لهذا القانون إلا أن يعمق الإحساس بالظلم، ويعيد إنتاج سردية الاضطهاد، مما يعزز من تماسك الهوية المقاومة، بدلا من تفكيكها. فالتاريخ يعلمنا أن العقوبات القصوى، حين تطبق في سياقات استعمارية، لا تؤدي إلى إخماد المقاومة، بل إلى إعادة تشكيلها بأشكال أكثر صلابة وتعقيدا.
إن ما يجري هو عملية إعادة تعريف للعدالة، بحيث تصبح خاضعة لموازين القوة، لا لمعايير الحق. وهذا التحول يحمل مخاطر بعيدة المدى، ليس فقط على الفلسطينيين، بل على النظام القانوني الدولي برمته، الذي يفقد مصداقيته كلما تم التغاضي عن انتهاكاته الصارخة.
في العمق، نحن أمام سؤال فلسفي يتجاوز حدود النص القانوني: هل يمكن للقانون أن يظل قانونا حين يفقد جوهره الأخلاقي؟ وهل العدالة التي تنتهي إلى الإعدام في سياق غير متكافئ، يمكن أن تسمى عدالة؟
إن الإجابة عن هذه الأسئلة لا تتعلق فقط بمصير الأسرى الفلسطينيين، بل بمصير فكرة القانون نفسها. فإذا كان القانون قادرا على أن يتحول إلى أداة قتل، فإن الحاجة تصبح ملحة لإعادة التفكير في أسسه، وفي الضمانات التي تمنع انحرافه عن غايته الأصلية.
في الختام، لا يمكن النظر إلى مشروع إعدام الأسرى الفلسطينيين بمعزل عن سياقه الأوسع؛ إنه تعبير عن أزمة مركبة، قانونية وسياسية ونفسية، تكشف عن خلل عميق في بنية العدالة تحت الاحتلال. وبين نص القانون وروح العدالة، تتسع الهوة، ليبقى السؤال معلقا: من يحاكم من، حين يصبح القانون نفسه في قفص الاتهام؟
أقلام وأراء
الخميس 26 مارس 2026 9:38 صباحًا - بتوقيت القدس
أبوابٌ موصدة، وعيونٌ بلا رجاء
للمرة الثانية خلال أيام قليلة، حتى المدينة المقدسة لم تسلم من شر الحرب. هذه المرة، سقطت شظايا صواريخ على مسافة قريبة جداً من كنيسة القيامة. فقد وقع حطام صاروخ ضخم في سقف غرفة داخل دير الروم الأرثوذكس، الذي لا يبعد سوى أمتار قليلة عن المكان المقدس، مُلحقًا أضرارًا جسيمة بالمبنى. في تلك الغرفة كان أسقفٌ يبلغ من العمر 92 عامًا. وبفضل الله نجا دون أذى، لكنه عاش لحظات من خوفٍ شديد على وقع الصوت المدوي وسقوط أجزاء من السقف الذي اخترقه الحطام. وقد أُحصي أكثر من 300 شظيةٍ وحطامٍ سقطت فوق القدس.
يُثيرُ الرعبَ مجردُ التفكيرِ فيما كان يمكن أن تسببه هذه الشظايا من أذى للبشر، فحجمُها يبعثُ على الذهول، فبعضُها يُشبه تماماً الحطامَ الذي سقط في حقل الرعاة ببيت ساحور وفي مدرسة حراسة الأرض المقدسة عند باب الخليل، وبعضُها الآخر أصغرُ حجماً لكنه لا يقلُّ خطورة.
لا يجوز أن تُترك القدس عرضةً لانتهاكاتٍ وعنفٍ يقتل ويدمّر. ومن قلبِ هذه المدينة المقدسة، ينطلقُ مرّةً أخرى نداءٌ عاجل للعودة إلى لغةِ التفاهمِ والحوار، والعودة إلى إنسانيتنا احتراماً لكرامة الحياة البشرية.
أما البابُ الكبيرُ الذي يحمي مدخلَ كنيسةِ القيامةِ منذ مئات السنين، فهو مغلقٌ منذ 28 شباط الماضي، ولم يسبق في التاريخ أن ظلَّ موصداً لفترةٍ طويلةٍ ومستمرةٍ كهذه، حتى في أحلكِ الأوقاتِ من حروبٍ ومخاطرَ وتوتراتٍ وأوبئةٍ كانت تَحُدُّ من الوصولِ إلى المكان المقدس، لكنها لم تمنعه يوماً بهذه المدة المتواصلة.
لقد تزامن هذا الإغلاق مع زمن الصوم الكبير، زمن التأمل والصلاة، الذي يدعونا، في مسيرتنا الروحية، إلى العبور نحو ذلك الباب، حتى في الأوقات التي لم يكن يُفتح فيها إلا بمصراعٍ واحد.
وبينما نسير في درب الآلام، حيث شهدت تلك الطريق آلام يسوع المسيح، ندخل إلى المكان الذي قدّم فيه ذاته ذبيحةً، محوِّلًا موته إلى خلاصٍ أبدي.
تلك الأبوابُ، التي ستبقى دوماً مقدسةً، لا تزالُ موصدةً منذ 28 شباط؛ ولم يُسمح لنا بفتحِها لإقامةِ الطقوسِ العريقةِ التي تعودُ لقرونٍ طويلة، فهي ليست مجردَ عاداتٍ أو تقاليد، بل هي جوهرُ إيمانِنا.
إنّ السيرَ في دربِ آلامِ يسوعَ يبقى مسيرةَ إيمانٍ متجددةً لمَن يعيشُ في الأرضِ المقدسة، وهو اختبارٌ روحيٌّ عميقٌ لكل مَن يحيا الإيمانَ في هذه الأرضِ المجروحة. فلا يمكننا أن نتخلى عن التأملِ في آلامِ يسوعَ وموتِه ونحن نسيرُ على الحجارةِ التي تشهدُ لحضورِه الخلاصي.
ولهذا ينبغي أن نتمكّن، على الأقل، من الاحتفال بأسبوع الآلام داخل الجدران التي تحتضن الجلجثة والقبر الفارغ. ونصلّي معًا، وبمزيد من الإيمان، إلى المخلّص، لكي يعيد إلى العالم توازن السلام.
وسنبذل كل ما في وسعنا لنكون حضورًا ملموسًا وشهادة إيمان حيّة في الكنيسة الأم لجميع الكنائس، ولنتمكّن، من خلال وسائل التواصل الحديثة، من مشاركة احتفالات ورتب الأسبوع المقدس مع المسيحيين في جميع أنحاء العالم.
ولا نزالُ نشعرُ بقوةِ كلماتِ القديسِ يوحنا بولس الثاني وهي تـرنُّ في مَسامِعنا منذُ بدايةِ حبريتِه: «لا تخافوا! افتحوا، بل شرّعوا الأبوابَ للمسيح!». واليوم، تترددُ هذه الكلماتُ كدعوةٍ للشجاعةِ لكي نعيشَ إيمانَنا بصدقٍ وحق.
لم يُسمح لنا بالاحتفالِ في كنيسةِ القيامةِ في آحادِ الصومِ الكبيرِ الثاني والثالثِ والرابعِ والخامس، ولا حتى خلفَ الأبوابِ الموصدة؛ الأمرُ الذي كان متاحاً لنا خلالَ زمنِ الجائحة، وحتى في فتراتٍ تاريخيةٍ أخرى بالغةِ الظلمةِ والألم.
إنَّ مناخَ الرعبِ في الأرضِ المقدسةِ ينعكسُ اليومَ في الخوفِ المستمرِّ من "الآخر”، فخطرُ الحربِ وعدمُ الأمانِ يرفعانِ جدراناً لا تُرى ولا تُلمس، وهي جدرانٌ أشدُّ صلابةً من الإسمنتِ، ويبدو عبورُها مستحيلاً. لكنَّ علينا أن نتحدَ لفتحِها، بل لشرعِها على مصراعيها بمحبةِ القريبِ المتألم.
تتحملُ الأرضُ المقدسةُ آلاماً ومعاناةً فوقَ التصور. فلبنانُ يتعرضُ لهجماتٍ مستمرة، ونحوُ مليونِ مدنيٍّ هُجّروا قسراً، لا يجدونَ مأوىً ولا طعاماً ولا علاجاً. وفي غزة، يستمرُّ الموتُ في ظلِّ صمتِ العالم. أما في الضفةِ الغربية، فتزدادُ المعاناة بشكلٍ خارجٍ عن السيطرةِ وسطَ القيودِ والانتهاكاتِ والصعوباتِ الهائلةِ التي يواجهُها بشرٌ أرهقتهم السنون.
إننا نصلي لكي تنتهي هذه الحربُ الدمويةُ في أقربِ وقت، وألا تصبحَ واحدةً من تلك الحروبِ المنسية، القاتلةِ والفظيعةِ التي يضجُّ بها عالمُنا.
في صلاة التبشير الملائكي للأحد الرابع من الصوم الكبير، صرخ قداسة البابا بقوة:"أوقفوا إطلاق النار"؛ نطق بالكلمات بعزم، وكان صوتها يعبر عن المعاناة الإنسانية ووجع أبٍ قلق على أبنائه وعلى البشرية بأسرها. لقد طلب منا أيضاً أن "نفتح أعيننا"، وأن "نعيش مسيحيةً بعيون مفتوحة". حبران أعظمان، القديس يوحنا بولس الثاني والبابا لاون الرابع عشر، يحثاننا على الثبات والمشاركة والعمل الفاعل في الحياة مع المسيح وفي الإيمان، بثقة ليست عمياء، بل مفعمة بالرجاء.
إن كنا وحدَنا، فمنَ المستحيلِ هزيمةُ الشرِّ واستئصالُ جذورِ العنف؛ لكنَّ الأمرَ يصبحُ ممكناً إذا وحدنا قوانا وواجهنا معاً ما يبدو مستحيلاً ومرهقاً. لقد فتحَ يسوعُ عيني المولودِ الأعمى الذي آمنَ ورجا الخلاص، أما العيونُ المغلقةُ عن الخير، والمُعماةُ بحبِّ السلطة، فلا ترى آلامَ الآخرين، ولا تستطيعُ وقفَ نتائجِ الكراهيةِ التي تنتشرُ وتفتكُ بالجميع. فلنساعدِ العيونَ التي أطفأها اليأسُ لكي تنفتحَ على شجاعةِ الاتحادِ من أجلِ طلبِ الحقيقة.
لتحقيقِ ذلك، لا بدَّ من فتحِ الأبوابِ وعيونِ القلبِ والعقل. إنه أمرٌ صعبٌ... لكنه ممكنٌ. إنه يتطلبُ شجاعةً!
أقلام وأراء
الخميس 26 مارس 2026 9:38 صباحًا - بتوقيت القدس
مازال شعب غزة يعيش داخل مربع الموت..!
مازال الشعب الفلسطيني في غزة يمر بمرحلة سوداء في تاريخه الوطني برغم وجود خطة أمريكية لإنهاء الحرب، خطة تم تجميد مرحلتها الثانية بسبب الحرب الامريكية الإسرائيلية الإيرانية، مازال يعيش مرحلة المتناقضات البينة والمترادفات اللينة، مرحلة الشرف والصبر ومرحلة الكرامة والكبرياء والثبات ومقاومة الظلم، مرحلة يعتقد الناس ان الكل أختلط بالكل الشرف بالعار والعمالة بالوطنية واللصوصية بالأمانة، لكن شعبنا ماهر في تصنيف الناس وفرز الرث من السمين، الشريف من الخائن، التاجر المستغل لحاجات الناس من التاجر المحقق لحاجات الناس، ويعرف ان كل فريق يلزم صفاته، من لا وطنية له فهو ابن العار ومن يموت من اجل الوطن فهو يصبر ويدافع عن شرفه وشرف الوطن، من يجوع ويصبر يحفظ كرامته وتبقي رأسه مرفوعة بكبرياء يظفر في النهاية بلقب الفلسطيني.
يعيش معظم أهل غزة اليوم في مخيمات هي ليست اكثر من مربع موت بشع يضاعف المعاناة ويكرس المأساة، يكون الموت فيه اما جوعاً او قهراً او قتلاً، لهذا فان غزة اليوم عبارة عن جسد يمزق بشتي الطرق، يموت اهلها اما حرقاً بالقنابل الحارقة التي تسقطها طائرات الاحتلال الصهيوني فوق رؤوس الاطفال وتتفحم أعضائهم، او يموتوا قتلاً برصاص "الكواد كابتر " التي تلاحقهم متى حاول أي منهم اجتياز الخط الاصفر، الجوع قد يعود من جديد يحدث موتا جديداً لكن يبقي الموت حرقاً ارحم بكثير من الموت جوعاً او قهراً .
لم يعد يملك هذا الشعب شيء الا ونهب حتى ان بعض من كرامته هتك شرفها على ايدي مجموعة خارجة على الوطن لا تنتمي للشعب ولا للأرض ولا للتاريخ ولا للدين ولا للقبيلة ولا حتى لقطيع من الكلاب الضالة، لا نعرف لمن تنتمي هذه الفرق فهم بالتأكيد ليسوا من الشعب الفلسطيني، انهم اناس خلقوا بالمال وعاشوا من اجل المال ...! خلقوا وتربوا في دهاليز الخيانة وتجارة الدم، ينتمون لشهوة السيطرة والاتجار الممنوع وتكديس الأموال والعيش الرغيد في وقت كانت تموت فيه الناس والأطفال جوعاً، يعتقدون ان بروجهم عالية ومشيدة لا يصلها واصل من بشر او غير بشر سوى من ارادوه ان يصل، لكنها بروج من قش لا تحميهم من شمس ملتهبة او مطر غاضب.
أيها القراء اغفروا لي غضبي الذي وصل حد السماء، فلم اعد احتمل رؤية الأطفال تجوع من جديد يصرخوا طالبين قطعة خبز، ولم احتمل رؤية ام تدور على الخيام تطلب غطاءً لأطفالها او خيمة بدل تلك التي طارت مع العاصفة، اغفروا لي غضبي حبا لشعبي وانتماء لتاريخي ومعتقداتي ومسيرة وطني الذي لم تكن يوماً من الأيام بهذه البشاعة، ولا اعتقد ان تأتي مرحلة أبشع من التي نعيشها اليوم.
نعم قد تكون الدروس قاسية لكنها في النهاية ناجحة برغم الوجع، ولا اعتقد ان تمضي الحرب دون ان يماط اللثام عن كل المتخفين وراء مبادئ وطنية زائفة او عروش تالفة او أموال رابية، لا اعتقد ان لا ينكشف كل عابث بوحدة الوطن، وكل عابث بقوة الشعب وكل عابث بسلامة الناس، لا اعتقد ان تنتهي الحرب ويبقي هؤلاء، ولا اعتقد ان يبقي الحال على حاله، ولا تتغير السياسات ويتبرأ الذين اتَبعوا من الذين اتُبعو، لا اعتقد ان يستمر الجوع والموت للابد فسياتي صباح تقف فيه النار وتعود الطائرات الى مخادعها ويهرب اللصوص والصرافين والتجار الي جحورهم التي سرعان ما تلفظهم امهاتهم واموالهم ليحاسبهم الشعب ..حتما فان فاتورة الحساب ستكون ثقيلة وقد افترى هؤلاء دون خشية من يوم تستعرض فيه الاعمال، وينصب الميزان ليحاسب كل من اعتدى على حدود الاخلاق والدين والضمير والإنسانية.
مهما بلغت الحرب بشاعة والجوع شناعة، ومها بلغ جنون الاحتلال ومهما نفذ من مذابح وارتكب من مجازر وجرائم، ومهما برع في حبك الدسائس وجند العسس والعملاء والمليشيات، فان الفجر آت لا محالة، وسيخرج الشعب من مربع الموت يوما ما ويعرف من هي الايدي التي تشابكت لتقهره وتجوع اطفاله بقصد او بغير قصد، ومن هي الوجوه التي تاجرت في دماء أبنائه واثخنت القتل فيها، وسيعرف الشعب كيف يتجرع مرارة الماضي، وكيف يستجمع قواه ليكون قادراً على إعادة صياغة الحاضر والمستقبل، وبالتالي يتخذ موقفا بالغ الشدة من كل العابثين بمستقبل اطفالهم وتعليمهم وطعامهم، لكني اخشى في ذات الوقت ان يلبس أصحاب السعادة لباس المنتصرين ويدوروا في الشوارع مهللين مطبلين يصدقهم بعض الساذجين، واخشى ان يخرج التجار والصرافين متباهين بوطنيتهم واسنادهم الشعب اثناء الحرب ويروجوا حكايات زائفة عن تفكيك معاناة الناس واسناد الفقراء بأعمال الخير وما شابه وهم ليسوا اكثر من لصوص.
لعل هذه الحرب هي حرب كاشفة ستعري كل مندس ومتستر وراء أي ستار وطني او غير وطني انساني او غير انساني، وهي في ذات الوقت درس كبير ليصحوا الغافلين من غفلتهم ويدركوا بان تحرير الأوطان لا يأتي مرة واحدة ولا يأتي بمغامرة غير محسوبة، ولا يأتي من المنتصرين لأحزابهم او المتباهين براياتهم والمتجاهلين لراية الوطن والعابثين بوحدته والمتشدقين بالنضال والثبات والمرابطة.
ان خروج الشعب وتحرره من مربع الموت ليس نهاية المطاف، فاعتقد ان الموت سيتوقف، لكن المعاناة ستبقي والحرمان سيتواصل لان ذيول المشهد طويلة وتحتاج الي وقت لكي تتلاشي تبعات الحرب وتعافي الامة، وانتهاء معاناة أهل غزة، نعم ستنتهي الحرب وتبدأ حرب جديدة ليست بين اهل غزة ولكن حرب من أجل البقاء، واحياء المدن والحارات والشوارع، وهذا يأخذنا لمسار خطة الرئيس ترمب، ومرحلة تسلم لجنة التكنوقراط الحكم وبدء اعادة الاعمار الذي سيشهد مسارا تحت شروط لان يتغير المشهد السياسي في غزة، ولا تبقى حماس المتسبب الرئيس في معاناته، واعتقد ان الجميع متفق ان اليوم التالي للحرب يجب ان يكون مختلفا عما قبله، خاصة ان هناك اتفاق بين الفصائل لتسلم حماس الحكم للجنة وطنية مستقلة تدير القطاع خلال فترة معينة تحددها الأطراف الراعية، وهناك موافقة عربية أوروبية امريكية على ذلك .
إسرائيل لن تنجوا بفعلتها وتدميرها القطاع فسوف تكون مسؤولة الى الابد عما فعلته بغزة وهذه المسؤولية لن تتلاشي حتى إذا تم إيجاد حلول للصراع، وعلى المجتمع الدولي ان يستمر في محاكمة قادة الاحتلال على ارتكابهم لجرائم الإبادة الجماعية في القطاع، حتى لا ينجون بفعلتهم ويصفح عنهم العالم مقابل وقفهم الحرب على غزة، فالجرائم لا تموت بالتقادم بل تبقى محفوظة في سجلات الأمم وفي أذهان الضحايا الذين هدمت بيوتهم بلا ذنب وقتل أبنائهم تحت ركام بيوتهم ولا يعرفوا اين دفنوا والذين حرموا من الطعام و الشراب والمأوى .
قد تكون هناك محاولات لتهجير الناس طوعا تحت ذريعة استحالة الحياة في غزة لان الحياة معدومة في غزة، فهناك لا مدارس ولا مستشفيات ولا جامعات ولا بيوت ولا مخابز ولا بنية تحتية من مياه وكهرباء وصرف صحي، وكأن الفلسطينيين يحتاجوا لإنشاء مدن جديدة وهذا يحتاج الى وقت لن يأتي بدعسة زرار او عبر تطبيق الكتروني. لن تعجز العقول عن إيجاد حلول لمشكلة الإسكان في غزة وإزالة الركام والاستفادة منه لتوسيع مساحة القطاع على حساب ردم مياه البحر، وإقامة مدن جديدة هناك يمكن تحويلها في المستقبل لإقامة مدن سياحية الي حين إعادة إعمار القطاع بالكامل، ولن تعجز العقول عن إيجاد أماكن بديلة للناس في غزة حتى يتم انشاء مدن جديدة وتبنى مساكن كبيرة تستوعب كل الذين تسببت الحرب في تدمير بيوتهم وباتوا بلا مساكن، واعتقد ان نسبتهم تفوق ال 99%، أي اننا نتحدث عن كامل سكان قطاع غزة البالغ عددهم ما يفوق 2 مليون ونصف نسمة.
ان مسؤولية تقديم كل العون والأموال والمعدات وإعداد خطط للتعافي المبكر لغزة تنفذ فوراً مع بدء المرحلة الثانية، والإسراع في خطوات تطبيقها هي مسؤولية الوسطاء والضامنين وعلى راسهم الولايات المتحدة الامريكية والعالم كله بما فيها اسرائيل التي مازالت تنفد خطط عسكرية تهدم فيها ما تبقى من مبان مدنية برغم خطة الرئيس ترمب الداعية لإنهاء الحرب.
[email protected]
عربي ودولي
الخميس 26 مارس 2026 9:33 صباحًا - بتوقيت القدس
تحركات تركية لمنع انزلاق الخليج نحو المواجهة العسكرية مع إيران
تبذل الدبلوماسية التركية جهوداً حثيثة في محاولة لاحتواء التصعيد الإقليمي ومنع دول الخليج العربية من الانخراط في المواجهة العسكرية المفتوحة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى. وتأتي هذه التحركات في ظل مخاوف أنقرة من اتساع رقعة الصراع وتحوله إلى مواجهة شاملة تهدد استقرار المنطقة بأسرها وتؤدي إلى تدمير البنى التحتية الحيوية.
وحذر الرئيس التركي رجب طيب أردوغان من مغبة تحول النزاع الحالي إلى حرب استنزاف طويلة الأمد تستنزف مقدرات دول المنطقة، مشيراً إلى أن أي أعمال انتقامية قد تطال دول الخليج ستمثل خطراً داهماً على الأمن الإقليمي. وجاءت تصريحات أردوغان عقب اجتماع لمجلس الوزراء، مؤكداً رغبة بلاده في خفض التصعيد وتجنيب العواصم الخليجية تبعات الصدام العسكري المباشر.
وفي سياق هذا الحراك، أجرى وزير الخارجية التركي هاكان فيدان جولة شملت السعودية والإمارات وقطر، تضمنت مباحثات معمقة مع نظرائه في تلك الدول لبحث سبل التهدئة. وتهدف هذه الاتصالات المكثفة إلى بناء جدار صد دبلوماسي يحول دون انزلاق المنطقة نحو سيناريوهات مجهولة النتائج، خاصة مع تزايد الضغوط الدولية والميدانية.
من جانبها، أشارت تقارير صحفية دولية إلى وجود تحول تدريجي في مواقف الرياض وأبوظبي نحو الانخراط في الصراع، وذلك عقب سلسلة من الهجمات التي استهدفت منشآت نفطية وبنى تحتية استراتيجية. وأوضحت المصادر أن تكرار الاستهداف الإيراني للمصالح الخليجية دفع هذه الدول إلى إعادة تقييم استراتيجياتها الدفاعية والسياسية تجاه طهران بشكل جذري.
وذكرت مصادر مطلعة أن السعودية اتخذت خطوات عملية تعكس هذا التحول، من بينها الموافقة على استخدام القوات الأمريكية لقاعدة الملك فهد الجوية في المنطقة الغربية. ويمثل هذا القرار تغييراً لافتاً في الموقف السعودي الذي كان يميل سابقاً إلى رفض استخدام أراضيه أو أجوائه لشن هجمات عسكرية مباشرة ضد الأهداف الإيرانية.
لا نريد أن تتحول الحرب إلى حرب استنزاف بين دول المنطقة، فالأعمال الانتقامية، وخاصة ضد دول الخليج، تنطوي على مثل هذا الخطر.
وفي الإمارات، بدأت السلطات باتخاذ إجراءات مالية وإدارية صارمة استهدفت أصولاً ومؤسسات مرتبطة بالحرس الثوري الإيراني، شملت إغلاق مرافق صحية واجتماعية في دبي. وتهدف هذه الخطوات إلى تضييق الخناق المالي على طهران وتقليص قدرتها على الوصول إلى الأسواق العالمية، في إطار استراتيجية تهدف لإضعاف التمويل العسكري الإيراني.
وتشير المعطيات الميدانية إلى أن إيران شنت بالفعل هجمات بالصواريخ والطائرات المسيرة طالت منشآت طاقة في عدة دول خليجية، رداً على ضربات إسرائيلية استهدفت مرافق نفطية إيرانية. هذا التصعيد المتبادل وضع المصالح الاقتصادية الخليجية في عين العاصفة، مما عزز القناعة لدى القادة بضرورة استعادة قوة الردع لحماية أمن الطاقة العالمي.
وصرح وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان بأن صبر المملكة تجاه التجاوزات والهجمات الإيرانية له حدود، محذراً من أي سوء تقدير لقدرة دول الخليج على الرد. وتعكس هذه التصريحات نبرة حازمة تشير إلى أن خيار المشاركة في العمليات العسكرية بات مطروحاً بقوة على طاولة القرار السياسي في العواصم الخليجية.
ورغم هذه التحركات التصعيدية، لا يزال الحذر يخيم على الموقف الخليجي العام خشية الانجرار إلى حرب شاملة قد تؤدي إلى تدمير واسع للمنشآت الحيوية. ويشعر القادة في المنطقة بأنهم جزء من تحالف دولي أوسع تقوده واشنطن، لكنهم يوازنون بدقة بين ضرورة الرد العسكري وبين التبعات السياسية والأمنية بعيدة المدى لأي مشاركة مباشرة.
عربي ودولي
الخميس 26 مارس 2026 9:18 صباحًا - بتوقيت القدس
تصعيد غير مسبوق جنوب لبنان: حزب الله يدمر 21 دبابة ويستهدف مقر وزارة الحرب
تشهد الجبهة الجنوبية في لبنان تصعيداً ميدانياً هو الأعنف منذ بدء المواجهات، حيث أفادت مصادر ميدانية بأن حدة الاشتباكات تتصاعد طردياً مع محاولات جيش الاحتلال الإسرائيلي التوغل في البلدات الحدودية. وسجلت الساعات الأربع والعشرون الماضية ذروة العمليات العسكرية، إذ أعلن حزب الله عن تنفيذ 87 مهمة قتالية استهدفت تجمعات وآليات الاحتلال على مختلف المحاور.
وتركزت الضربات النوعية على سلاح المدرعات الإسرائيلي، حيث كشفت البيانات العسكرية عن تدمير أو إصابة 21 دبابة من طراز 'ميركافا'، بالإضافة إلى إعطاب ثلاث جرافات عسكرية من نوع 'D9' ومركبتين من طراز هامر. وتعكس هذه الأرقام ضراوة التصدي البري الذي تواجهه القوات المتوغلة في ظل اعتماد المقاتلين على تكتيكات الكمائن المخططة بدقة.
وفي تفاصيل كمين القنطرة، أوضحت مصادر أن مقاتلي الحزب استدرجوا قوة إسرائيلية مدرعة كانت تحاول السيطرة على البلدة، مما أسفر عن تحييد 10 دبابات ميركافا في منطقة واحدة. وتؤكد التقارير الواردة من الميدان وقوع اشتباكات مباشرة من 'مسافة صفر' داخل أحياء البلدة، مما يشير إلى وصول وحدات المشاة الإسرائيلية إلى نقاط التماس المباشرة.
ولم تقتصر العمليات على الدفاع البري، بل امتدت لتطال العمق الإسرائيلي بضربات صاروخية نوعية استهدفت قلب تل أبيب. وأعلن الحزب لأول مرة عن استهداف مقر وزارة الحرب الإسرائيلية، إلى جانب قاعدة تابعة للاستخبارات العسكرية في شمال المدينة، في رسالة تصعيدية واضحة تهدف إلى ردع الهجمات الجوية المستمرة على لبنان.
ميدانياً، تتوزع خارطة المواجهات على عدة قطاعات، حيث تدور معارك طاحنة في بلدات القوزح والخيام ومحيط بلدة الطيبة. وأشارت المصادر إلى أن المقاتلين تمكنوا من استهداف آلية هامر قرب مستشفى ميس الجبل ودبابة أخرى في بلدة دبل، مما يعيق تقدم القوات الإسرائيلية التي تحاول تثبيت نقاط ارتكاز جديدة داخل الأراضي اللبنانية.
أعلن الحزب عن تنفيذ أكبر عدد من العمليات في يوم واحد منذ بدء التصعيد، بواقع 87 عملية استهدفت تحركات الاحتلال وآلياته.
في المقابل، يواصل الجيش الإسرائيلي استراتيجية 'الأرض المحروقة' لتوسيع ما يسمى بالمنطقة العازلة، والتي يطمح أن تصل إلى عمق 8 كيلومترات وصولاً إلى مجرى نهر الليطاني. وتتحرك قوات الاحتلال عبر محاور متعددة تبدأ من الناقورة غرباً وصولاً إلى حاصبيا وحلتا شرقاً، مع تركيز الضغط العسكري على القطاع الأوسط لخلخلة الدفاعات.
وترافق التوغل البري مع حملة جوية واسعة شملت غارات على أكثر من 35 بلدة في الجنوب اللبناني خلال يوم واحد. ولم يتوقف القصف عند الغارات الجوية، بل شمل قصفاً مدفعياً مكثفاً طال 20 بلدة حدودية، مما أدى إلى تدمير واسع في البنية التحتية والمنازل السكنية في محاولة لتهجير من تبقى من السكان.
وعلى الصعيد الإنساني، واصلت الطائرات المسيّرة الإسرائيلية استهداف الفرق الطبية والإسعافية بشكل مباشر، حيث استشهد مسعفان في مدينة النبطية أحدهما نجل رئيس فريق الإسعاف المحلي. ووفقاً لبيانات وزارة الصحة اللبنانية، فإن هذا الاستهداف يرفع حصيلة الشهداء في صفوف الكوادر الطبية إلى 42 شهيداً منذ بداية العدوان.
وتشير المعطيات الميدانية إلى أن الاحتلال يسعى لفرض واقع جغرافي جديد عبر السيطرة الكاملة على التلال الحاكمة في الجنوب. إلا أن المقاومة في المقابل تبدي مرونة عالية في الانتقال من الدفاع السلبي إلى الهجمات المرتدة، مستغلة التضاريس الوعرة لإيقاع أكبر قدر من الخسائر في صفوف القوات المهاجمة.
ويبقى المشهد مفتوحاً على مزيد من التصعيد في ظل غياب أي أفق للحل السياسي القريب، ومع إصرار الجانب الإسرائيلي على المضي قدماً في عمليته البرية. وتؤكد المصادر أن الأيام القادمة قد تشهد توسعاً في رقعة الاستهدافات المتبادلة، خاصة مع دخول أسلحة صاروخية جديدة في المعركة قادرة على الوصول إلى أهداف استراتيجية وحساسة.
عربي ودولي
الخميس 26 مارس 2026 9:18 صباحًا - بتوقيت القدس
طهران تترقب تحركات برية أمريكية وتلوح بفرض قواعد جديدة في مضيق هرمز
تتصاعد مؤشرات التوتر في المنطقة مع تركيز القيادة الإيرانية على رصد التحركات العسكرية الأمريكية، وسط مخاوف جدية من انزلاق الأوضاع نحو مواجهة ميدانية مباشرة. وأفادت مصادر بأن طهران تتعامل بصرامة مع معلومات تشير إلى إمكانية نشر فرقة قتالية من الجيش الأمريكي في مواقع لم يُعلن عنها رسمياً بعد.
وتشير التقديرات الأمنية إلى احتمال نقل وحدات عسكرية من ولاية نورث كارولاينا الأمريكية، وهو ما تعتبره الدوائر السياسية في إيران تمهيداً لعمليات برية واسعة النطاق. وتسود حالة من انعدام الثقة في النوايا الأمريكية، مما دفع القوات المسلحة الإيرانية لرفع وتيرة الاستعداد في المناطق الحدودية والحيوية.
وتحذر الأوساط العسكرية الإيرانية من خطط محتملة لتنفيذ عمليات إنزال جوي أو توغل بري يستهدف مواقع استراتيجية، لا سيما جزيرة خرج الحيوية في شمال الخليج. كما تشمل التحذيرات الجزر الثلاث، أبو موسى وطنب الكبرى وطنب الصغرى، التي تعتبرها طهران خطاً أحمر في استراتيجيتها الدفاعية.
وفي إطار الردع، أكدت طهران جاهزية قواتها للتعامل مع أي سيناريو عسكري بري، سواء كان من القوات الأمريكية بشكل مباشر أو عبر أطراف إقليمية مدعومة منها. وتعتمد إيران في رؤيتها الدفاعية على الأهمية الجيوسياسية لهذه الجزر التي تشرف بشكل كامل على حركة الملاحة الدولية في مضيق هرمز.
وبالتوازي مع الاستعداد العسكري، برز توجه إيراني جديد نحو إعادة صياغة قواعد التعامل مع مضيق هرمز كمرر مائي حيوي بعد انتهاء العمليات القتالية الجارية. وتفيد المعطيات بأن طهران تسعى لتثبيت واقع قانوني وأمني جديد يمنحها سلطة إشرافية أوسع على حركة السفن التجارية والناقلات.
طهران نقلت مقترحات لواشنطن عبر وسيط إقليمي تتعلق بقبول دور إيراني مباشر في إدارة مضيق هرمز وإخضاع العبور لتنسيق أمني.
وكشفت مصادر مطلعة عن قيام طهران بنقل مقترحات إلى واشنطن عبر وساطة باكستانية، تتضمن رؤية لإدارة مشتركة أو تنسيق مباشر مع بحرية الحرس الثوري. وتهدف هذه الخطوة إلى إخضاع حركة العبور في المضيق لأطر تنسيقية تضمن المصالح الأمنية الإيرانية مقابل استقرار الملاحة.
وعلى الصعيد التشريعي، يناقش البرلمان الإيراني حالياً مسودات قوانين تتيح فرض رسوم مالية على السفن وناقلات النفط التي تعبر المضيق. وتعكس هذه التحركات رغبة إيرانية في استثمار موقعها الجغرافي لتحقيق مكاسب اقتصادية وسياسية في ظل الضغوط الدولية المستمرة.
ورغم جدية هذه الطروحات، يرى مراقبون أنها ما تزال في طور المناورة السياسية، حيث يكتنف الغموض مدى قدرة طهران على فرض هذه الرسوم دولياً. ومع ذلك، تظل هذه الملفات أوراق ضغط قوية بيد المفاوض الإيراني في أي جولات حوار مستقبلية مع القوى الكبرى.
ومن المتوقع أن تشهد الأيام المقبلة حراكاً دبلوماسياً في إحدى دول الجوار، حيث يرجح أن تلعب باكستان دور الوسيط لتقريب وجهات النظر وتجنب الانفجار العسكري. ويؤكد المسؤولون الإيرانيون أن مضيق هرمز سيبقى الورقة الاستراتيجية الأهم في صياغة التوازنات الإقليمية لمرحلة ما بعد الحرب.
عربي ودولي
الخميس 26 مارس 2026 8:48 صباحًا - بتوقيت القدس
تصعيد إقليمي واسع: هجمات إيرانية بالصواريخ والمسيرات تستهدف 4 دول خليجية
شهدت منطقة الخليج العربي فجر اليوم الخميس تصعيداً عسكرياً خطيراً، حيث أعلنت كل من السعودية والإمارات والكويت والبحرين عن تعرض أراضيها لهجمات متزامنة بالصواريخ والطائرات المسيرة الإيرانية. يأتي هذا التطور الميداني في وقت تدخل فيه المواجهة العسكرية المباشرة بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، يومها السابع والعشرين، وسط حالة من الاستنفار القصوى في كافة أرجاء المنطقة.
في المملكة العربية السعودية، كشفت وزارة الدفاع عن نجاح قواتها في اعتراض وتدمير 33 طائرة مسيرة أطلقت على دفعات باتجاه المنطقة الشرقية. وأكدت مصادر رسمية أن الدفاعات الجوية تعاملت بكفاءة عالية مع التهديدات الجوية، في حين أشارت تقارير إعلامية إلى أن الهجمات كانت تركز بشكل أساسي على القواعد والمصالح الأمريكية المتواجدة في تلك المناطق الحيوية.
أما في مملكة البحرين، فقد أعلنت وزارة الداخلية أن فرق الدفاع المدني تمكنت من السيطرة على حريق شب في إحدى المنشآت بمحافظة المحرق نتيجة هجوم إيراني مباشر. وبالرغم من عدم تسجيل إصابات بشرية، إلا أن السلطات قامت بتفعيل صفارات الإنذار مرتين متتاليتين، موجهة نداءات عاجلة للسكان بضرورة الالتزام بالتعليمات الأمنية والتوجه فوراً إلى الملاجئ والأماكن الآمنة لضمان سلامتهم.
وفي دولة الإمارات العربية المتحدة، أكدت وزارة الدفاع أن أنظمة الدفاع الجوي تصدت بفاعلية لهجمات صاروخية وطائرات مسيرة قادمة من الأجواء الإيرانية. وأوضحت الوزارة أن دوي الانفجارات الذي سُمع في مناطق متفرقة من البلاد كان ناتجاً عن عمليات الاعتراض الناجحة للأهداف المعادية، مشددة على جاهزية القوات المسلحة للتعامل مع أي تهديدات تمس أمن واستقرار الدولة.
قواتنا اعترضت ودمرت 33 طائرة مسيّرة على دفعات في المنطقة الشرقية، ضمن جهود حماية الأجواء والمنشآت الحيوية.
وعلى الصعيد الكويتي، أعلنت وزارة الدفاع أن دفاعاتها الجوية تعاملت مع هجمات مماثلة استهدفت مناطق مختلفة، حيث سُمعت أصوات انفجارات ناجمة عن التصدي للصواريخ والمسيرات. ودعت السلطات الكويتية المواطنين والمقيمين إلى ضرورة اتباع إرشادات السلامة الصادرة عن الجهات المختصة، مؤكدة أن الوضع تحت السيطرة الأمنية الكاملة رغم كثافة الهجمات الجوية.
من جانبه، صرح المتحدث باسم الحرس الوطني الكويتي، العميد جدعان فاضل جدعان، بأن القوات تمكنت من إسقاط طائرتين مسيرتين ضمن نطاق مسؤوليتها الأمنية. وأوضح العميد جدعان أن هذه العمليات تأتي في إطار خطة شاملة لحماية المواقع الحيوية في البلاد وتعزيز الجاهزية القتالية لمواجهة أي تهديدات خارجية محتملة في ظل الظروف الراهنة التي تمر بها المنطقة.
وتأتي هذه الموجة من الهجمات في سياق حرب إقليمية واسعة بدأت أواخر فبراير الماضي، شنت خلالها إسرائيل والولايات المتحدة عمليات عسكرية مكثفة ضد أهداف إيرانية. وقد أسفرت تلك العمليات عن مقتل مئات الأشخاص، كان أبرزهم المرشد الإيراني علي خامنئي وعدد من كبار المسؤولين الأمنيين، مما دفع طهران للرد عبر استهداف حلفاء واشنطن ومصالحها في الدول العربية المجاورة.
وتشير التقارير إلى أن إيران تتبنى استراتيجية استهداف المنشآت المدنية والمصالح الأمريكية في المنطقة كأداة للضغط ووقف العمليات العسكرية الموجهة ضدها. وقد تسببت هذه الهجمات في أضرار مادية ببعض المنشآت، مما أثار موجة من الإدانات الدولية والمطالبات بضرورة وقف التصعيد العسكري فوراً لتجنب انزلاق المنطقة نحو حرب شاملة لا تحمد عقباها.
عربي ودولي
الخميس 26 مارس 2026 8:34 صباحًا - بتوقيت القدس
طهران تعلن استهداف حاملة الطائرات 'أبراهام لينكولن' بصواريخ كروز وواشنطن تنفي
أعلنت قيادة القوة البحرية في الجيش الإيراني عن تنفيذ عملية استهداف صاروخي طالت حاملة الطائرات الأمريكية 'أبراهام لينكولن' المتمركزة في المنطقة. وأكدت مصادر عسكرية أن الهجوم تم باستخدام صواريخ من طراز كروز، مما أدى إلى إجبار القطعة البحرية الضخمة على تغيير موقعها والابتعاد عن نطاق التهديد المباشر.
وأوضح الأدميرال شهرام إيراني، قائد القوة البحرية أن التحركات الأمريكية في المنطقة تخضع لمراقبة دقيقة ومستمرة من قبل وحدات الرصد الإيرانية. وأشار إلى أن أي اقتراب إضافي من المجال الحيوي للبلاد سيواجه بردود فعل عسكرية قاسية، مشدداً على أن الأسطول الأمريكي بات ضمن مدى المنظومات الصاروخية المتطورة.
من جانبها، سارعت وزارة الدفاع الأمريكية إلى نفي هذه الأنباء، مؤكدة أن حاملة الطائرات 'أبراهام لينكولن' لم تتعرض لأي هجوم أو استهداف مباشر. وأوضحت المصادر الأمريكية أن الحاملة تواصل مهامها الروتينية في منطقة بحر عمان، نافية وجود أي أضرار مادية أو بشرية في صفوف طواقمها.
وفي سياق متصل، كشف المتحدث باسم هيئة الأركان العامة الإيرانية، أبو الفضل شكارجي، عن تفاصيل إضافية تتعلق بعمليات سابقة جرت في منتصف شهر مارس الجاري. وادعى شكارجي أن الحاملة الأمريكية اضطرت للانسحاب من نطاق العمليات بعد تعرضها لضغوط عسكرية ميدانية ناتجة عن عمليات الرصد والاستهداف الإيرانية.
وتأتي هذه التطورات في ظل تقارير إيرانية سابقة تحدثت عن خروج حاملة الطائرات 'جيرالد فورد' من الخدمة العملياتية الأسبوع الماضي نتيجة استهداف مماثل. وتصر طهران على أن القدرات الدفاعية البحرية باتت قادرة على تحييد أكبر القطع البحرية التابعة للولايات المتحدة في مياه المنطقة.
بمجرد دخول هذا الأسطول المعادي مدى منظومات صواريخنا، سيصبح هدفاً لضربات قوية من البحرية الإيرانية.
على المقلب الآخر، قدمت البحرية الأمريكية رواية مغايرة تماماً حول خروج الحاملة 'جيرالد فورد' من الخدمة، حيث أرجعت السبب إلى نشوب حريق في قسم المغاسل. وأكدت المصادر الأمريكية أن الحريق تسبب في أعطال فنية جسيمة استدعت سحب الحاملة من مسرح العمليات لإجراء صيانة طارئة وشاملة.
وذكرت وسائل إعلام دولية أن الحاملة 'فورد' نُقلت بالفعل إلى الموانئ القبرصية لبدء عمليات الإصلاح، وسط شكوك حول سرعة عودتها للعمل. وتشير التقارير إلى وجود تعقيدات فنية كبيرة تتعلق بأنظمة تحليق الطائرات النفاثة على متن الحاملة، مما يزيد من فترة غيابها عن الخدمة الفعلية.
وتشهد المنطقة حالة من التوتر المتصاعد بين طهران وواشنطن، حيث تسعى إيران لإثبات قدرتها على فرض معادلات اشتباك جديدة في الممرات المائية الحيوية. وتستخدم وكالات الأنباء الإيرانية هذه الإعلانات لتعزيز الرواية الرسمية حول تراجع النفوذ العسكري الأمريكي في مياه الخليج وبحر عمان.
ويرى مراقبون أن تضارب الروايات بين الطرفين يعكس حرباً إعلامية ونفسية موازية للتحركات العسكرية على الأرض. فبينما تؤكد إيران نجاح ضرباتها الصاروخية، تصر واشنطن على أن تحركات قطعها البحرية تأتي في إطار إعادة التموضع الاستراتيجي وليس نتيجة لتهديدات عسكرية مباشرة.
عربي ودولي
الخميس 26 مارس 2026 8:19 صباحًا - بتوقيت القدس
صحيفة لوموند: سوء تقدير ترامب في مواجهة إيران يتجاهل تحذيرات أوباما التاريخية
أفادت تقارير صحفية فرنسية بأن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وقع في فخ سوء التقدير تجاه الملف الإيراني، نتيجة تجاهله المتعمد لخبرات أسلافه في البيت الأبيض. وأشارت صحيفة لوموند إلى أن ترامب، الذي أبدى دائماً ازدراءً لسياسات باراك أوباما، فضل المضي قدماً في خيار المواجهة العسكرية التي بدأت ملامحها في فبراير الماضي بالتعاون مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو.
وبحسب التحليل، فإن ترامب كان مقتنعاً بأن النظام في طهران ليس سوى نسخة شرق أوسطية من نظام نيكولاس مادورو في فنزويلا، حيث اعتقد أن استعراض القوة العسكرية سيؤدي إلى انهيار سريع للنظام. هذا التصور قاده إلى الاعتقاد بأن النصر مضمون، وأن الضغط المكثف سينتهي باستسلام إيران وتفكيك برامجها النووية والباليستية وإنهاء نفوذ ميليشياتها في المنطقة.
إلا أن مجريات الأحداث على الأرض خالفت توقعات الإدارة الأمريكية، حيث وجدت واشنطن نفسها في خضم تصعيد عسكري لم يحقق النتائج الخاطفة المرجوة. وأوضحت المصادر أن ترامب حاول في ذروة العمليات العسكرية إعادة فتح قنوات التفاوض، لكن طهران اعتبرت هذه الدعوات مجرد غطاء لضربات أعمق تستهدف قياداتها العليا.
وتشير المعطيات إلى أن الحرب التي انطلقت بناءً على ادعاءات بوجود تهديد وشيك، لم تستطع الاستخبارات الأمريكية إثبات صحتها بشكل قاطع حتى الآن. ومع استمرار العمليات، بات المنطق السائد هو التصعيد المستمر، حيث تُستخدم ردود الفعل الإيرانية كذريعة لمزيد من الهجمات في حلقة مفرغة من العنف.
وفي ظل هذا الانسداد السياسي، بدأ الحديث في واشنطن يتصاعد حول إمكانية إرسال قوات برية، وهو الأمر الذي كان يمثل خطاً أحمر في السابق. ويبدو أن هذا الخيار بات مطروحاً بقوة مع استمرار العمليات العسكرية وتزايد الضغوط من قبل الجناح المتشدد في الحزب الجمهوري الذي يدفع نحو حسم الصراع بالقوة.
وفي هذا السياق، برزت تصريحات السيناتور ليندسي غراهام، المقرب من البيت الأبيض، الذي دعا صراحة إلى السيطرة على المنشآت النفطية الإيرانية الحيوية، وتحديداً في جزيرة خرج. واستحضر غراهام نماذج تاريخية من الحرب العالمية الثانية، مشيراً إلى ضرورة خوض معارك حاسمة لتأمين المصالح الأمريكية الحيوية في المنطقة.
وترى لوموند أنه لو استطاع ترامب تجاوز خصومته الشخصية مع أوباما، لكان قد استخلص العبر من خطابه الشهير في عام 2015. ذلك الخطاب الذي دافع فيه أوباما عن الدبلوماسية كبديل وحيد لتجنب حرب جديدة في الشرق الأوسط، محذراً من أن العمل العسكري لن يؤدي إلا إلى نتائج مؤقتة وغير مضمونة.
إن الخيار الذي أمامنا هو في النهاية بين الدبلوماسية أو نوع من الحرب.. ربما ليس غدًا، ولكن قريبًا.
وكان أوباما قد حذر بوضوح من أن ضرب المنشآت الإيرانية لن يكون نزهة سريعة أو غير مؤلمة كما يروج البعض. وأكد حينها أن أي تدخل عسكري سيقوض الإجماع الدولي حول منع الانتشار النووي، وسيؤدي حتماً إلى طرد المفتشين الدوليين، مما يجعل مراقبة طموحات طهران النووية أمراً مستحيلاً.
وعلى الرغم من وعود ترامب الانتخابية في 2016 بالانسحاب من الاتفاق النووي وفرض شروط أقسى، إلا أن الواقع أثبت فشل هذه الاستراتيجية في تحقيق أهدافها. فقد اكتشف البيت الأبيض متأخراً أن النظام الإيراني يمتلك قدرة على الصمود تتجاوز التوقعات الأولية، خاصة في ظل اعتماده استراتيجية 'الفوضى' لمواجهة الضغوط.
وتواجه إدارة ترامب حالياً ضغوطاً داخلية متزايدة مع اقتراب انتخابات منتصف الولاية في نوفمبر المقبل، حيث يخشى المراقبون من انعكاس الحرب على أسعار الوقود في الولايات المتحدة. فالتوتر في مضيق هرمز والتهديدات التي تواجه إمدادات الطاقة العالمية قد تؤدي إلى أزمة اقتصادية تؤثر مباشرة على الناخب الأمريكي.
كما كشف التحليل عن وجود انقسامات عميقة داخل أروقة الإدارة الأمريكية فيما يخص التعامل مع الملف الإيراني. فقد تم إبعاد خبراء بارزين، مثل نيت سوانسون، الذي كان يمتلك رؤية استباقية لتحركات طهران، وذلك نتيجة صراعات داخلية وتأثير شخصيات مثيرة للجدل على قرارات الرئيس.
إن غياب الرؤية الموحدة والمحسوبيات السياسية داخل البيت الأبيض ساهمت في تعقيد المشهد العسكري والسياسي الحالي. وبدلاً من الاعتماد على التحليلات الرصينة لمراكز الأبحاث، يبدو أن القرار الأمريكي بات رهينة للتجاذبات الحزبية والرغبة في تصفية الحسابات مع الإدارات السابقة.
في الختام، تظل المنطقة أمام سيناريوهات مفتوحة على كافة الاحتمالات، في ظل غياب أي أفق للحل الدبلوماسي حالياً. ومع استمرار التصعيد، يبدو أن التحذيرات التي أطلقها أوباما قبل سنوات تتحول الآن إلى واقع ملموس يهدد بجر المنطقة والعالم إلى صراع طويل الأمد وغير محسوم النتائج.
فلسطين
الخميس 26 مارس 2026 7:48 صباحًا - بتوقيت القدس
إيران تضع 5 شروط لإنهاء الحرب وترفض المقترح الأمريكي الأولي
كشفت مصادر إيرانية رفيعة المستوى عن الموقف الأولي لطهران تجاه المقترح الأمريكي الرامي لإنهاء الحرب الدائرة في المنطقة، حيث وصفت الرد الإيراني بأنه ليس إيجابياً حتى اللحظة. وأوضحت المصادر أن طهران لا تزال تعكف على دراسة تفاصيل المقترح بعمق، مشيرة إلى أنها قامت بتسليم ردها الأولي إلى الجانب الباكستاني بصفته وسيطاً لنقله إلى الإدارة الأمريكية في واشنطن.
وفي سياق متصل، أكد مسؤولون في طهران أن الدولة الإيرانية هي من ستحدد توقيت إنهاء العمليات العسكرية بناءً على تحقيق مصالحها وشروطها الخاصة. وشددت التصريحات الرسمية على رفض الانصياع لأي ضغوط زمنية قد يحاول الرئيس الأمريكي دونالد ترامب فرضها، مؤكدة أن الأولوية تكمن في الوقف الكامل للعدوان وإنهاء كافة عمليات الاغتيال التي تستهدف الكوادر والمسؤولين.
وتتمحور الشروط الإيرانية الخمسة لوقف الحرب حول الحصول على ضمانات دولية ملموسة تمنع تكرار الاعتداءات مستقبلاً، بالإضافة إلى وضع آلية واضحة ومضمونة لدفع تعويضات عن الأضرار الجسيمة التي خلفتها الحرب. كما تطالب طهران بإنهاء شامل للعمليات القتالية على كافة الجبهات، بما يضمن حماية فصائل المقاومة الحليفة لها في المنطقة من أي استهداف مستقبلي.
ومن بين المطالب السيادية التي طرحتها طهران، ضرورة الاعتراف الدولي الصريح بسيادتها الكاملة على مضيق هرمز، معتبرة ذلك حقاً طبيعياً وقانونياً لا يقبل التفاوض. وتأتي هذه المطالب في وقت تشير فيه تقارير سابقة إلى أن المقترح الأمريكي يتضمن 15 نقطة، من أبرزها وقف عمليات تخصيب اليورانيوم وتسليم المواد النووية مقابل رفع العقوبات الاقتصادية المفروضة على البلاد.
لن نسمح بفرض توقيت لإنهاء الحرب، والمطلوب هو وقف العدوان بشكل كامل وإنهاء سياسة الاغتيالات.
من جانبه، نفى وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي وجود أي مفاوضات مباشرة أو جارية مع الولايات المتحدة في الوقت الراهن. وأوضح عراقجي أن عمليات تبادل الرسائل التي تتم عبر الوسطاء الدوليين لا يمكن تصنيفها كجولة مفاوضات، بل هي قنوات تواصل لنقل المواقف فقط، مؤكداً أن بلاده نجحت في إفشال مخططات تقسيمها أو تحقيق نصر سريع ضدها.
وعلى الصعيد الميداني، تتزامن هذه التحركات السياسية مع استمرار العدوان الإسرائيلي على لبنان، والذي أسفر منذ مطلع مارس الجاري عن سقوط أكثر من ألف شهيد وآلاف الجرحى، فضلاً عن نزوح مليون شخص. ورغم التوغل البري الإسرائيلي في الجنوب اللبناني، تصر طهران على أن أي حل يجب أن يكون شاملاً ولا يستثني أي جبهة من جبهات المواجهة المفتوحة.
واختتمت المصادر الإيرانية تأكيدها على أن الحرب شكلت نقطة تحول في تاريخ البلاد، حيث استطاعت طهران منع قوى نووية كبرى من تحقيق أهدافها الاستراتيجية. وشددت على أن وحدة الصف الداخلي والدعم الشعبي المستمر هما الركيزة الأساسية التي تستند إليها القيادة الإيرانية في إدارة ملف المواجهة الحالية وفرض شروطها على طاولة المجتمع الدولي.
أقلام وأراء
الخميس 26 مارس 2026 7:35 صباحًا - بتوقيت القدس
خطاب 'أهل الشر': لماذا يطارد شبح الإخوان تصريحات السيسي المستمرة؟
يلاحظ المتابع لخطابات الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي تكراراً لافتاً لذكر جماعة الإخوان المسلمين في مختلف المناسبات، حيث لا يكاد يخلو خطاب رسمي من الإشارة إليهم. وفي آخر ظهور له بمناسبة عيد الفطر، واصل السيسي نهجه في نفي تهمة الخيانة عن نفسه وإسقاطها على الجماعة، محملاً إياهم مسؤولية تخريب البلاد وتعطيل مسيرة التنمية.
ويرى مراقبون أن هذا التركيز المكثف على فصيل معارض واحد يمثل حالة استثنائية في تاريخ الحكم العسكري بمصر، حيث لم يعتد الحكام السابقون جعل المعارضة محوراً دائماً لخطابهم. فبالرغم من الصدامات العنيفة التي خاضتها الأنظمة السابقة مع خصومها، إلا أن ذكرهم في الخطابات الرسمية كان يقتصر عادة على فترات الأزمات الكبرى فقط.
وبالعودة إلى عهد جمال عبد الناصر، نجد أن خطاباته على مدار ستة عشر عاماً نادراً ما ركزت على الإخوان إلا في محطتين رئيستين هما عام 1954 وعام 1965. وكان الإعلام الناصري ينشغل بمشاريع قومية كبرى مثل تأميم القناة وبناء السد العالي، مما جعل قضايا المعارضة تأتي في سياق ثانوي مقارنة بالمشروع العروبي والدولي.
كذلك سار الرئيسان أنور السادات وحسني مبارك على نهج مشابه، حيث كان الهجوم الإعلامي على المعارضة، سواء من اليسار أو الإسلاميين، يرتبط بمواسم سياسية أو محاكمات عسكرية محددة. ولم تكن شيطنة الخصوم تمثل الركيزة الوحيدة التي تقوم عليها شرعية النظام أو تبرير السياسات الاقتصادية والاجتماعية المتبعة.
أما في عهد السيسي، فقد تحول الحديث عن 'أهل الشر' إلى استراتيجية ثابتة تتبناها كافة أذرع الدولة الإعلامية والفنية والسياسية. ويبدو أن هذا الخطاب يهدف إلى وصم كل صوت معارض بتبعية الجماعة، مما يسهل عملية تهميش المطالب الشعبية المتعلقة بالحريات أو تحسين الأوضاع المعيشية المتدهورة.
ويعزو محللون هذا الإصرار على استحضار 'خطر الإخوان' إلى رغبة النظام في الحفاظ على شرعية 'الخلاص' التي تأسست في صيف 2013. فبما أن النظام يسوق نفسه محلياً ودولياً كمنقذ للبلاد من حكم الإسلام السياسي، فإن إعلان انتهاء هذا الخطر قد يعني انتفاء الحاجة لاستمرار السياسات الاستثنائية الحالية.
وتشير التقارير إلى أن النظام المصري حصل على تمويلات ومساعدات خارجية غير مسبوقة في تاريخ البلاد الحديث، ومع ذلك لم يلمس المواطن تحسناً حقيقياً في حياته الاقتصادية. هذا الفشل في تحقيق منجز مادي ملموس يدفع السلطة للهروب نحو الأمام عبر استدعاء شماعة الإخوان وتحميلها مسؤولية الإخفاقات المتلاحقة.
السيسي بنى شرعيته، ولا يزال، على زعم واحد: بأنه قضى على حكم الإخوان وخلص مصر منهم، وهو يسوق نفسه للعالم بهذا الشأن كذريعة دائمة.
لقد غاب المنجز الاقتصادي والسياسي والثقافي، وحتى روح الفكاهة السياسية التي تميز بها الشعب المصري أصابها الركود نتيجة القبضة الأمنية المشددة. وأصبح الخيال الشعبي محاصراً بين واقع معيشي صعب وبين خطاب رسمي لا يقدم سوى التخويف من عودة الماضي كبديل عن تقديم رؤية للمستقبل.
وتتبنى النخبة المحيطة بالسيسي نفس البوصلة، حيث يتسابق الإعلاميون والمثقفون في اختلاق قصص ونسبها للإخوان لضمان الرضا السيادي. هذا السلوك يعكس عجزاً في الطرح وفراغاً فكرياً، حيث يتم استبدال البرامج التنموية والنقاشات الجادة بـ 'بضاعة' التحريض المستمر ضد الخصوم السياسيين.
ويربط البعض بين هذا الأسلوب وبين منهج وزير الداخلية الأسبق حبيب العادلي، الذي كان يصر دائماً على أن خطر الإرهاب لا يزال قائماً رغم الهدوء الأمني. كان الهدف من ذلك هو إقناع السلطة والمجتمع بضرورة بقائه في منصبه وبقاء قوانين الطوارئ، وهو ما يفعله النظام الحالي على مستوى أوسع.
إن استدعاء السيسي الدائم لأحداث رابعة والمواجهات مع الإخوان ليس مجرد تذكير بالتاريخ، بل هو محاولة لترسيخ فكرة أن البديل عن حكمه هو الفوضى. وتزداد هذه النبرة حدة كلما شعر الناس بالفارق بين وعود الرخاء وبين الواقع المرير الذي يعيشونه، مما يهدد شرعية النظام القائمة على الوعود الأمنية.
وفي ظل هذا المشهد، تراجعت أدوار مؤسسات الدولة التقليدية التي كانت تعمل بعقلية احترافية بعيداً عن الاستقطاب السياسي الحاد. ورغم وجود بعض النجاحات في ملفات الوساطة الإقليمية التي تقودها الأجهزة السيادية، إلا أن رأس النظام يصر على حصر 'إنجازه' في نقطة واحدة وهي إزاحة الخصوم.
لقد تحول هدف 'إزاحة الإخوان' إلى ما يشبه 'هدف مجدي عبد الغني' في الذاكرة الكروية المصرية، حيث يتم اجتراره باستمرار رغم مرور سنوات طويلة عليه. هذا الاجترار يعكس حالة من الإفلاس في تقديم منجزات جديدة تواكب التحديات الراهنة التي تواجهها الدولة المصرية على الصعيدين الداخلي والخارجي.
في الختام، يظل خطاب السيسي وأذرعه الإعلامية أسيراً لبوصلة واحدة لا تحيد عن شيطنة المعارضة والتقرب من السلطة عبر بوابة 'مكافحة الإرهاب'. ومع استمرار تدهور الأوضاع المعيشية، يبدو أن هذه الشماعة بدأت تفقد بريقها أمام تساؤلات الشارع حول المستقبل ومصير الوعود التي لم تتحقق.
أقلام وأراء
الخميس 26 مارس 2026 7:34 صباحًا - بتوقيت القدس
المؤسسات الصورية.. حين يتحول الكيان الإداري إلى 'خشب مسندة' بلا وظيفة
تتوقف القراءة التحليلية بعمق عند التوصيف القرآني في سورة المنافقين، حيث تبرز صورة 'الخشب المسندة' كاستعارة بليغة تتجاوز الأفراد لتشمل الكيانات والمؤسسات. هذه الصورة ترسم ملامح كل كيان يحرص على إظهار التماسك والقوة في المشهد العام، بينما يفتقر في جوهره إلى الفاعلية والوظيفة الحقيقية التي أُسس من أجلها.
إن الفارق الجوهري بين الهيبة الحقيقية والوقوف الصوري يتجلى في المقارنة بين مشهد النبي سليمان عليه السلام وبين 'الخشب المسندة'. ففي الحالة الأولى كانت هناك حياة وفعل قبل الموت، أما في الحالة الثانية فإن الجسد أو الهيكل يبقى واقفاً بينما تموت الوظيفة تماماً، ويحل الخطاب محل الفعل المنتج.
تتميز هذه المؤسسات 'الخشبية' بأنها لا تسقط بسهولة، بل تظل تشغل حيزاً جغرافياً وإدارياً، مما يجعل مواجهتها أو اقتلاعها أمراً في غاية الصعوبة. نحن هنا أمام حالة من 'الفراغ المقنع' الذي يرفض الانكشاف، ويفضل البقاء كجثة هامدة تمنع ظهور أي بديل حيوي يمكنه ملء المكان.
بالعودة إلى أصل 'الخشب'، نجد أنه كان يوماً شجرة نابضة بالحياة قبل أن تنقطع عنه أسباب النمو ويبقى مجرد هيكل. وبالمثل، تمر المؤسسات بمراحل انحدار تدريجي تنفصل فيها الغاية الكبرى عن الممارسة اليومية، لتتحول الوسيلة الإدارية إلى غاية بحد ذاتها، ويصبح الحفاظ على الكيان أهم من المهمة.
يوضح العلامة الطاهر بن عاشور في 'التحرير والتنوير' أن الخشب المسندة هي تلك التي لا يُنتفع بها في سقف ولا يُشد بها جدار رغم ضخامتها. هذا الوصف ينطبق بدقة على مؤسسات تملأ المشهد بحجمها وضجيجها، لكنها عند لحظات الاختبار الحقيقية تفشل في حماية المجتمع أو إسناد الدولة.
إن سر بقاء هذه الهياكل الفارغة لا يعود لقوتها الذاتية، بل لكونها 'مسندة' بجدار من المصالح المتبادلة. فسقوط المؤسسة الفاشلة يمثل خسارة للموظف المرتبط براتبه، وللمسؤول المستفيد من نفوذه، وللسياسي الذي يستغل رمزيتها، مما يخلق توازناً صامتاً يحمي الفشل.
تطور هذه المؤسسات آلية دفاعية فريدة تعتمد على تضخيم الخطاب الإعلامي والسياسي لتعويض العجز عن تحقيق النتائج. فتكثر الاجتماعات وتتزين السرديات وتُعاد صياغة الخطط مراراً وتكراراً، في محاولة مستمرة لتبرير الوجود أمام الذات وأمام الآخرين دون إحداث أثر ملموس على أرض الواقع.
المؤسسة الفارغة أحياناً أخطر من الفراغ نفسه؛ لأن وجودها الذي يشغل الحيز دون وظيفة يوهم بأن المهمة منجزة، فتُهدر الميزانيات وتُصادر الصلاحيات.
هناك قاعدة مجربة في الواقع العربي تشير إلى أنه كلما ضعف الفعل الحقيقي، ارتفعت الأصوات وكثرت الشعارات الجوفاء. هذا الضجيج ليس إلا محاولة للتغطية على الخواء الداخلي، حيث يصبح الصراخ وسيلة لإثبات الوجود في ظل غياب الإنجازات الحقيقية التي تتحدث عن نفسها.
تعيش المؤسسات الصورية حالة دائمة من القلق والارتباك، وهو ما يفسره قوله تعالى 'يحسبون كل صيحة عليهم'. فهي ترى في كل صوت نقد أو تساؤل تهديداً مباشراً لوجودها، وتتعامل مع الكفاءات الوطنية كمصدر خطر قد يفضح حقيقتها المخفية خلف الجدران المسندة.
إن خطورة المؤسسة الفارغة تكمن في أنها تقتل المبادرة؛ فغياب المؤسسة تماماً قد يدفع المجتمع لابتكار حلول بديلة ومبادرات شعبية. أما وجود مؤسسة 'شكلية' فإنه يعطي انطباعاً زائفاً بأن العمل مستمر، مما يؤدي إلى هدر الموارد ومصادرة الصلاحيات التي كان يمكن أن تُمنح لجهات أكثر كفاءة.
الخشب الساقط يترك خلفه مساحة للنمو من جديد ويفتح الطريق أمام العابرين، أما الخشب المسند فإنه يضيق الأفق ويصادر المستقبل. هو احتلال للمساحة العامة بما لا يحيا ولا يموت، مما يعيق أي عملية إصلاح حقيقية تتطلب إخلاء المكان للعناصر الفاعلة والمنتجة.
يشير المصطلح القرآني 'أنى يؤفكون' إلى الانقلاب عن الصواب والانصراف عن المعنى الجوهري للأشياء. وهذا هو مصير المؤسسات التي تقدم الشكل على الأصل، وتعتمد على ما يسندها من الخارج بدلاً من الاعتماد على جذورها ونموها الطبيعي في خدمة المجتمع.
يبقى السؤال المطروح أمام المجتمعات اليوم حول عدد المؤسسات التي تحولت إلى مجرد هياكل خشبية تستند إلى جدران المصالح. إن كلفة بقاء هذه المؤسسات موزعة على الجميع، وهي كلفة باهظة تُدفع من رصيد التنمية ومستقبل الأجيال التي تنتظر أفعالاً لا مجرد شعارات.
ختاماً إن العبرة من القصص القرآني والتوصيفات الإلهية تكمن في القدرة على تشخيص أمراضنا الاجتماعية والمؤسسية. فالمؤسسة التي لا تسند جداراً ولا تحمل سقفاً هي عبء على البناء، والاعتراف بوجود 'الخشب المسندة' هو الخطوة الأولى نحو التغيير الحقيقي.
اقتصاد
الخميس 26 مارس 2026 7:03 صباحًا - بتوقيت القدس
زلزال اقتصادي يضرب المنطقة: تقرير أممي يكشف فاتورة الحرب على إيران وتداعياتها على العرب
قرعت لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغرب آسيا (إسكوا) جرس الإنذار بشأن التداعيات الكارثية للحرب الجارية على إيران، مؤكدة أن المنطقة العربية دخلت نفقاً اقتصادياً مظلماً. وقدّرت اللجنة في تقرير حديث لها أن الخسائر الأولية بلغت نحو 63 مليار دولار خلال الأسبوعين الأولين فقط من اندلاع المواجهات، وهو ما يمثل استنزافاً سريعاً للمقدرات الإقليمية.
وحذرت المصادر الأممية من أن استمرار العمليات العسكرية لمدة شهر واحد قد يرفع فاتورة الخسائر إلى 150 مليار دولار، أي ما يعادل 3.7% من الناتج المحلي الإجمالي للمنطقة. وأشار التقرير إلى أن الصدمة تجاوزت ساحات القتال المباشرة لتضرب بعمق قطاعات الطاقة والتجارة الدولية والملاحة الجوية، مما خلق حالة من عدم اليقين في الأسواق المالية العالمية.
وتواجه المنطقة العربية حالياً اختلالاً بنيوياً في ركائز اقتصادها، حيث تأثرت الممرات البحرية الحيوية التي تعتمد عليها دول الخليج في تصدير النفط والغاز. هذا الزلزال الاقتصادي كشف عن هشاشة الاعتماد الواسع على الاستيراد، خاصة في السلع الغذائية الأساسية، في وقت تغلبت فيه الجغرافيا السياسية على المصالح الاقتصادية المشتركة.
وتشير البيانات الميدانية إلى أن دول مجلس التعاون الخليجي تتحمل العبء الأكبر من هذه الخسائر المالية، رغم امتلاكها احتياطيات ضخمة. فمنطقة الخليج، التي تُعد عقدة الطاقة العالمية ومركزاً لوجستياً للموانئ، شهدت اضطراباً حاداً انعكس فوراً على تكاليف التأمين وثقة المستثمرين الأجانب في استقرار المنطقة.
وفي تطور دراماتيكي، سجلت حركة الشحن عبر مضيق هرمز تراجعاً مخيفاً بنسبة 97%، حيث انخفض عدد السفن العابرة من 137 سفينة يومياً إلى 5 سفن فقط. هذا الاختناق الملاحي أدى إلى تعطيل تدفق بضائع تقدر قيمتها بـ 2.4 مليار دولار يومياً، مما تسبب في خسائر تجارية ناهزت 30 مليار دولار في فترة وجيزة.
ولم تقتصر الأضرار على حركة التجارة، بل طالت البنية التحتية للطاقة بشكل مباشر، حيث وثقت مصادر ميدانية استهداف منشآت نفطية ومصافٍ ومحطات غاز في عدة دول خليجية. وأكد مسؤولون في قطاع الطاقة أن الهجمات عطلت سدس قدرة قطر على تصدير الغاز الطبيعي المسال، وهي خسارة قد يستغرق إصلاحها ما يصل إلى خمس سنوات.
وعلى صعيد الملاحة الجوية، تسببت الحرب في إلغاء أكثر من 18,400 رحلة جوية في تسعة مطارات رئيسية بالمنطقة خلال 12 يوماً فقط. وقدرت 'إسكوا' خسائر شركات الطيران بنحو 1.9 مليار دولار، مع توقعات بزيادة هذا الرقم في ظل استمرار إغلاق الأجواء أو تحويل مسارات الرحلات بعيداً عن مناطق النزاع.
المنطقة لا تواجه تكلفة حرب بالمعنى التقليدي، بل تواجه اختلالاً في البنية التي يقوم عليها اقتصادها المعاصر مثل الممرات البحرية وصادرات النفط والغاز.
ويواجه العالم حالياً شبح أزمة طاقة غير مسبوقة، حيث يمر عبر مضيق هرمز نحو 20% من تجارة النفط العالمية و25% من تجارة الغاز المسال. ومع استمرار الشلل اللوجستي، انخفض إنتاج النفط في الدول المتضررة بمعدل 20 مليون برميل يومياً، مما دفع أسعار الغاز في أوروبا إلى مستويات قياسية تهدد الأمن الطاقي العالمي.
وفي ظل هذه المعطيات، تبرز مخاوف جادة من قفزة هائلة في معدلات التضخم، حيث تؤدي كل زيادة بقيمة 10 دولارات في سعر برميل النفط إلى رفع التضخم العالمي بنسبة تصل إلى 0.3%. هذا الارتفاع يضع ضغوطاً هائلة على الدول العربية المستوردة للطاقة، والتي تعاني أصلاً من عجز مالي وضغوط على موازناتها العامة.
وحذر خبراء من أن الحرب تعيد إنتاج الانقسام الاقتصادي العربي، حيث تخسر دول الخليج أصولها وبنيتها التحتية، بينما تدفع الدول الأقل دخلاً الثمن من قوت يومها. وتوقعت منظمة الفاو أن يهدد الجوع نحو 700 مليون شخص حول العالم نتيجة اضطراب صادرات الأسمدة والمواد الغذائية الأساسية من منطقة الشرق الأوسط.
سياسياً، بدأت آثار الحرب تنعكس على الداخل الأمريكي، حيث تراجعت شعبية الرئيس دونالد ترامب إلى 36% نتيجة الارتفاع الجنوني في أسعار الوقود. وأظهرت استطلاعات الرأي أن 61% من الأمريكيين يعارضون هذه الضربات العسكرية التي بدأت في فبراير الماضي، مما يضع الإدارة الأمريكية في مأزق داخلي متزايد.
ويبدو المواطن العربي البسيط هو الحلقة الأضعف في هذا الصراع، حيث يجد نفسه أمام سلة غذائية تزداد غلاءً وفرص عمل تتلاشى مع تباطؤ القطاعات غير النفطية. وتؤكد التقارير أن كلفة الحياة ارتفعت بشكل حاد، مما يضع الحكومات أمام خيارات صعبة بين زيادة الإنفاق الاجتماعي أو الحفاظ على التوازنات المالية الهشة.
وحتى في حال التوصل إلى وقف سريع لإطلاق النار، فإن الآثار الاقتصادية لن تختفي فوراً، إذ ستبقى تكاليف التأمين مرتفعة وستظل الأسواق تتعامل بحذر. إن استعادة الثقة في الموانئ والمنشآت المتضررة قد تستغرق سنوات، مما يعني أن الفاتورة الاقتصادية للحرب ستظل تثقل كاهل الأجيال القادمة لفترة طويلة.
ختاماً، يفرض الواقع الجديد إعادة رسم للخريطة الاقتصادية في المنطقة، حيث تفقد الممرات المائية تنافسيتها التاريخية أمام المخاطر الأمنية المتزايدة. إن الحرب على إيران، كما يصفها التقرير الأممي، ليست مجرد مواجهة عسكرية، بل هي اختبار وجودي للاقتصاد العربي برمته، حيث يدفع الجميع ثمن نار لا يملكون قرار إطفائها.
أقلام وأراء
الخميس 26 مارس 2026 7:03 صباحًا - بتوقيت القدس
بين وهم الصراع ووهم الوفاق: قراءة في رؤية فهمي هويدي للعلاقات العربية الإيرانية
يعد كتاب 'أزمة الخليج، العرب وإيران: وهم الصراع ووهم الوفاق' للمفكر فهمي هويدي، مرجعاً مهماً في فهم تعقيدات العلاقة بين ضفتي الخليج. الكتاب الذي صدرت طبعته الأولى مطلع التسعينيات، جاء نتاج رصد دقيق لمحطات الصراع الكبرى، محاولاً تفكيك السرديات السائدة حول العداء التاريخي والجغرافي.
يرتكز تحليل هويدي على أن منطقة الشرق الأوسط تقوم على ثلاثة أعمدة رئيسية هي مصر وتركيا وإيران، بينما يتشكل توازن القوى في الخليج من مثلث السعودية والعراق وإيران. هذا التوصيف يجعل من طهران قاسماً مشتركاً لا يمكن تجاوزه عند الحديث عن أي ترتيبات أمنية أو سياسية في المنطقة.
ويذهب الكاتب إلى أن جوهر الخلاف القائم ليس طائفياً بين السنة والشيعة كما يروج البعض، بل هو صراع سياسي بامتياز على النفوذ والمصالح. ويرى أن الأنظمة السياسية غالباً ما تستدعي التاريخ وتلبسه ثوباً دينياً لتعبئة الجماهير وتبرير الصدامات العسكرية، مستشهداً بتوظيف مصطلحات مثل 'القادسية' و'المجوس'.
في مفهوم 'وهم الصراع'، يحذر هويدي من خطورة الإيمان بحتمية الحرب الدائمة، معتبراً أن هذا التصور يصب في مصلحة القوى الخارجية والمشروع الصهيوني. إن استنزاف مقدرات المنطقة في حروب صفرية يمنع شعوبها من تحقيق التنمية والاستقرار المستدام الذي تنشده الأجيال القادمة.
وعلى النقيض، يطرح الكاتب مفهوم 'وهم الوفاق' لينتقد النظرة العاطفية السطحية التي تتجاهل الملفات الاستراتيجية العالقة. فالتصالح الحقيقي لا يتم بالتغافل عن قضايا مثل احتلال الجزر أو التدخل في الشؤون الداخلية عبر الوكلاء، بل بمواجهتها بوضوح فوق طاولة المفاوضات.
يتناول الكتاب أيضاً العمق التاريخي للعلاقة المصرية الإيرانية، مشيراً إلى أنها تمتد لقرون طويلة قبل الميلاد مرورا بالعصور الإسلامية المختلفة. ويؤكد أن هذه العلاقة شهدت فترات من التقارب الفكري، كان أبرزها قرار شيخ الأزهر الأسبق محمود شلتوت بالاعتراف بالمذهب الجعفري.
ويشدد هويدي على حقيقة جغرافية ثابتة وهي أن إيران بلد جار لا يمكن إلغاؤه أو القفز فوق وجوده في المنطقة. لذا فإن أي محاولة لتحقيق الأمن في الخليج عبر استبعاد إيران أو التحالف ضدها مع قوى دولية غريبة لن تؤدي إلا إلى مزيد من التوتر.
إن التسليم بأبدية الصراع الصفري وحتمية الحرب فكرة خطيرة تخدم المشروع الصهيوني أكثر مما تخدم شعوب المنطقة.
شكلت الثورة الإيرانية عام 1979 نقطة تحول جذري، حيث انتقلت الدولة من دور 'الشرطي' الحليف للغرب إلى قوة ثورية تسعى لتغيير الخارطة الإقليمية. هذا التحول أثار مخاوف عميقة لدى الجانب العربي، مما أدى إلى اتساع الفجوة وتعميق حالة الريبة المتبادلة بين الطرفين.
ورغم أن الكتاب لم يواكب الأحداث الأخيرة في سوريا واليمن والعراق، إلا أن إطاره التحليلي يظل صالحاً لفهم الدوافع القومية والإسلامية لإيران. فلكل وجه من وجوه الدولة الإيرانية مشروعه الخاص الذي يتطلب من العرب فهماً دقيقاً للتعامل مع تداعياته الميدانية والسياسية.
يرى الكاتب أن الحل يكمن في تبني مقاربة 'التعايش المصلحي'، وهي ضرورة تفرضها الجغرافيا والتاريخ المشترك. هذا المسار يتطلب شجاعة في الانتقال من عقلية إدارة الصراع المستمر إلى عقلية إدارة المصالح المتبادلة التي تضمن حقوق كافة الأطراف.
إن تحجيم البعد الطائفي يعد خطوة أساسية في هذا الطريق، وذلك عبر التوقف عن شحن النفوس مذهبياً والتركيز على القضايا القانونية والسياسية. فالخلافات حول الحدود والنفوذ هي مسائل قابلة للتفاوض والحل، بخلاف النزاعات العقدية التي لا تنتهي.
ويؤكد هويدي على ضرورة امتلاك إرادة سياسية مستقلة بعيداً عن التدخلات الدولية التي تقتات على استمرار النزاع العربي الإيراني. فالقوى الكبرى غالباً ما تجد في هذا الصراع سوقاً للسلاح وذريعة لفرض الوصاية على مقدرات المنطقة وشعوبها.
يتميز أسلوب فهمي هويدي في هذا الكتاب بالجهد المضني في جمع المعلومات وتبويبها بعيداً عن العشوائية أو الانحياز الأعمى. فهو يحترم عقل القارئ ويقدم مادة فكرية دسمة تستوجب المطالعة والتأمل، حتى وإن اختلف البعض مع بعض استنتاجاته النهائية.
في الختام، يظل الكتاب صرخة في وادٍ يدعو للعقلانية والواقعية السياسية في منطقة أرهقتها الحروب. إن بناء نظام أمن إقليمي شامل يشارك فيه الجميع هو السبيل الوحيد لضمان استقرار الشرق الأوسط بعيداً عن أوهام الصراع والوفاق الزائف.
تحليل
الخميس 26 مارس 2026 7:02 صباحًا - بتوقيت القدس
بلينكن وغزة: اعتراف متأخر… وسياسة لم تتغيّر
Ramallah - "Al-Quds" Dot Com
واشنطن – سعيد عريقات – 26/3/2026
تحليل إخباري
في مشهد يعكس ارتباك الإرث أكثر مما يعكس وضوح المراجعة، عاد أنتوني بلينكن إلى الواجهة من بوابة جامعة هارفارد، حيث طُرح عليه السؤال الذي يلاحقه منذ شهور: ماذا لو تصرّفت واشنطن بشكل مختلف في غزة؟
اللافت أن من أعاد تسليط الضوء على هذا الحوار لم يكن مؤسسة إعلامية كبرى، بل الصحفي جوناثان غاير، الذي نشر خلاصة النقاش عبر منصة "إكس"، مذكّراً بأن القضية لم تُغلق، وأن حساب الإرث لا يزال مفتوحاً.
في ذلك الحوار داخل "كلية كينيدي في جامعة هارفارد Harvard Kennedy School، والذي أداره الصحفي في صحيفة "نيويورك تايمز" ديفيد سانغر، وُضع بلينكن أمام توصيف قاسٍ: غزة كـ"النقطة الأضعف" في مسيرته. لم يكن التوصيف مبالغاً فيه، بل يعكس إدراكاً متزايداً بأن السياسة الأميركية هناك لم تفشل فقط في الحد من الكارثة، بل ساهمت في إدامتها.
بلينكن، من جهته، لم ينكر المأساة. تحدث عن "معاناة إنسانية هائلة" و"خسائر مروعة"، وأقرّ بأن سؤال "هل كان يمكن فعل شيء مختلف؟" سيبقى يطارده. لكن هذا الاعتراف، رغم ثقله الإنساني، بدا خالياً من أي التزام سياسي بمراجعة فعلية. إذ كيف يمكن لمسؤول أن يقرّ بإمكانية الخطأ، ثم يواصل الدفاع عن السياسات ذاتها التي أنتجته؟
المواجهة الأكثر حدة جاءت من طالب استند إلى تقارير "وكالة الولايات المتحدة للتنمية العالمية USAID " التي أشارت إلى عرقلة وصول المساعدات، في تناقض مع إفادات بلينكن أمام الكونغرس. السؤال كان مباشراً: لماذا استمرت واشنطن في تسليح إسرائيل رغم كل المؤشرات؟ ولماذا جرى تجاهل تقييمات الخبراء؟
إجابة بلينكن—"ربما نعم"—مختزلا المأساة في احتمال، لا في مسؤولية.
ودافع الوزير السابق عن نفسه بالحديث عن "ضغوط يومية" لإدخال المساعدات. لكن هذا الدفاع، في جوهره، إدانة غير مباشرة: فإذا كانت واشنطن قادرة على الضغط لزيادة الشاحنات، فلماذا عجزت—أو لم تحاول—الضغط لوقف القصف؟ ولماذا بقيت السياسة الأميركية محصورة في إدارة تداعيات الكارثة، لا منعها؟
الأكثر إشكالية هو تبريره بأن إسرائيل كانت ستواصل الحرب بغض النظر عن الموقف الأميركي، وأن وقف إمدادات السلاح قد يؤدي إلى تصعيد إقليمي. هذه الحجة لا تبرر القرار، بل تفرغه من مضمونه. فهي تفترض مسبقاً فشل الضغط، لتبرير عدم ممارسته. أي أنها تحوّل النفوذ الأميركي من أداة تأثير إلى ذريعة للامتناع.
ورغم إشاراته إلى دور حماس، بدا خطاب بلينكن أقرب إلى إعادة توزيع اللوم منه إلى مواجهة جوهر السؤال: ماذا فعلت الولايات المتحدة عندما كانت تملك القدرة على التأثير؟ بل ماذا اختارت ألا تفعل؟
ثماني زيارات قام بها بلينكن إلى إسرائيل خلال الحرب—رقم يعكس كثافة دبلوماسية غير مسبوقة—لكنها في النهاية لم تُنتج مطلباً أميركياً واضحاً بوقف إطلاق النار في اللحظات الحاسمة. كانت زيارات لإدارة الأزمة، لا لإنهائها. حضور بلا ضغط، وحراك بلا نتائج حاسمة.
هنا يتكثف التناقض: دبلوماسية نشطة شكلاً، محدودة أثراً. اعتراف أخلاقي متكرر، يقابله ثبات سياسي لافت. والنتيجة أن بلينكن لا يُحاسَب اليوم على ما لم يكن يعرفه، بل على ما كان يعرفه ولم يغيّره.
في النهاية، لا تكمن المشكلة في أن وزير الخارجية السابق لم يرَ المأساة في غزة، بل في أنه رآها—واعترف بها—ثم اختار الاستمرار في المسار ذاته. وهذا، أكثر من أي شيء آخر، هو ما سيحدد إرثه.
ويظهر النص بوضوح الفجوة بين الاعتراف الأخلاقي والفعل السياسي، وهي فجوة ليست جديدة في السلوك الأميركي، لكنها في حالة غزة بدت أكثر حدّة وانكشافاً. فالإقرار بوجود مأساة لا يكتسب معناه إلا إذا ترافق مع تغيير ملموس في الأدوات والسياسات. ما يلفت هنا هو أن بلينكن لم يفتقر إلى المعلومات أو التحذيرات، بل إلى الإرادة السياسية لتوظيف النفوذ الأميركي بشكل مختلف. وهذا يعزز الانطباع بأن واشنطن فضّلت إدارة الأزمة بدل حلّها، تجنباً لكلفة المواجهة مع حليف استراتيجي.
ويثير المقال سؤالاً أعمق يتعلق بطبيعة صنع القرار في السياسة الخارجية الأميركية، حيث غالباً ما تُقدَّم الاعتبارات الإستراتيجية على المبادئ المعلنة. فحجة الخشية من التصعيد الإقليمي تبدو، في هذا السياق، أقرب إلى تبرير لاحق منها إلى تقدير استباقي دقيق. إذ إن عدم اختبار أدوات الضغط فعلياً يُفقد هذا التقدير مصداقيته. كما أن تجاهل تقارير مؤسسات حكومية مثل USAID يعكس خللاً في آلية استيعاب المعلومات داخل الإدارة، ويطرح تساؤلات حول مدى استقلالية التقييمات الإنسانية في مقابل الحسابات السياسية.
واللافت أيضاً هو البعد المتعلق بـ"إدارة الإرث"، حيث يتحول النقاش من مساءلة السياسات إلى محاولة تأطيرها سردياً بعد وقوعها. عودة بلينكن للإجابة عن هذه الأسئلة في محيط أكاديمي تعكس إدراكاً متأخراً لأهمية الرأي العام النخبوي في صياغة الحكم التاريخي. ومع ذلك، فإن الاقتصار على الاعتراف دون مراجعة عملية قد يعمّق الانتقادات بدلاً من احتوائها. فالتاريخ السياسي لا يُكتب فقط بما قيل لاحقاً، بل بما تم فعله-أو لم يتم فعله—في لحظات الحسم، وهو ما يجعل هذا الملف مفتوحاً على تقييمات أكثر صرامة مستقبلا.
أقلام وأراء
الخميس 26 مارس 2026 6:49 صباحًا - بتوقيت القدس
تحولات النظام العالمي: هل تفرض 'حروب الأنظمة' تحالفات إقليمية جديدة؟
تشير القراءات السياسية الراهنة إلى أن النزاعات المشتعلة في المنطقة لا يمكن فهمها عبر القوالب التقليدية للحرب الباردة، بل هي تعبير عن عصر جديد تسود فيه لغة القوة والمصالح على حساب القانون الدولي والمبادئ. إن ما يشهده العالم اليوم هو مخاض عسير لولادة نظام عالمي جديد، حيث يعاد رسم الخرائط وكتابة التاريخ وفق موازين القوى الميدانية، وسط قلق متزايد يمتد من العواصم الأوروبية وصولاً إلى عمق القارة الآسيوية.
وفي هذا السياق، برزت أصوات أوروبية تعكس حجم الانكسار القادم، حيث وصف الرئيس الألماني فرانك-فالتر شتاينماير الحرب الجارية بأنها خطأ كارثي من الناحية السياسية. هذا التوصيف يتجاوز حدود النقد الدبلوماسي ليشير إلى فقدان الثقة في المنظومة الدولية والاتفاقيات التي لم تعد توفر حماية حقيقية للدول، مما دفع عواصم عديدة للبحث عن بدائل أمنية مستقلة.
لقد أدركت دول كثيرة، من اليابان إلى إفريقيا، ضرورة الاعتماد على الذات في بناء صناعات دفاعية متطورة بدلاً من الارتهان لأسلحة القوى الكبرى. هذا التوجه الجديد نحو السيادة العسكرية قد يقود العالم حتماً إلى سباق تسلح نووي، مع تزايد القناعة بأن القوة العسكرية هي الضمانة الوحيدة للبقاء في ظل نظام دولي مضطرب لا يحترم القوانين المكتوبة.
إن التساؤلات حول الأهداف الحقيقية للتصعيد في المنطقة تتجاوز فكرة استهداف دولة بعينها مثل إيران، لتصل إلى مشروع أوسع لإعادة تشكيل الجغرافيا السياسية بالكامل. إن مصطلح 'الشرق الأوسط الجديد' المتداول يوحي بأن المسألة تتعلق بتغيير أنظمة وهدم حدود قائمة، وهو ما يمثل تحدياً وجودياً يتطلب رؤية استراتيجية مغايرة للتعامل مع هذه التحولات الجذرية.
إن هذا الحريق الذي بدأ في الشرق الأوسط ليس مجرد أزمة إقليمية؛ بل هو مخاض مؤلم لنظام عالمي جديد يُكتب فيه التاريخ بقلم المنتصرين.
من جانبه، قدم السياسي التركي دولت بهتشلي منظوراً لافتاً حين أشار إلى أن التغيير الحقيقي المطلوب لضمان استقرار المنطقة يجب أن يبدأ من إسرائيل وسياسات حكومة نتنياهو التي تزعزع أمن الإقليم. هذا الطرح يسلط الضوء على المصدر الحقيقي للاضطراب، ويؤكد أن المسار الحالي لا يهدد حدود دولة واحدة فحسب، بل يضرب خطوط الصدع العميقة في توازنات المنطقة بأكملها.
وفي مواجهة هذه الأزمات الأمنية متعددة الأبعاد، تبرز الحاجة الملحة لتشكيل تحالفات إقليمية واقعية وقوية قادرة على التأثير في موازين القوى العالمية. إن أي تكتل استراتيجي يجمع قوى مثل تركيا والسعودية ومصر وباكستان وقطر، سيكون بمثابة حائط صد أمام مشاريع الاستنزاف الاقتصادي والسياسي التي تهدف إلى إضعاف دول المنطقة وإعادة إخضاعها.
ختاماً، يبدو أن العالم يدرك أبعاد اللعبة الجارية، لكن الإدراك وحده لا يكفي دون وجود إرادة مشتركة قادرة على مواجهة النظام المدمّر. وكما أكد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، فإن المنطقة عادت لتكون ساحة صراع للنظام العالمي الجديد كما كانت قبل قرن من الزمان، وهو ما يستوجب استعداداً كاملاً لضمان عدم الخروج من هذه المرحلة في صفوف الخاسرين.
أقلام وأراء
الخميس 26 مارس 2026 6:34 صباحًا - بتوقيت القدس
التصعيد الإقليمي واستهداف الخليج: قراءة في تداعيات الصراع الإيراني مع القوى الدولية
لم تعد العلاقات العربية الإيرانية مجرد ملف سياسي خاضع للاجتهاد، بل تحولت إلى ساحة معقدة لصراع الإرادات واختلال موازين الثقة. يأتي ذلك نتيجة سياسات اختارت نهج التمدد والتدخل على حساب مبادئ حسن الجوار واحترام سيادة الدول الوطنية في المنطقة.
إن الواقع الراهن يكشف عن تغليب منطق النفوذ على منطق الشراكة، حيث تُدار الخلافات عبر أدوات الضغط والتصعيد بدلاً من الحوار. وكان مأمولاً أن يسهم الثقل الحضاري الإيراني في تعزيز الاستقرار، إلا أن الممارسات الميدانية أفضت إلى تعميق الانقسامات في عدة ساحات عربية.
يمثل استهداف النظام الإيراني لدول الخليج العربي، بذريعة الرد على العدوان الأمريكي الإسرائيلي، خطأً جسيماً من الناحيتين الاستراتيجية والأخلاقية. فهذه الخطوة تعكس خللاً في تقدير المواقف عبر توجيه السلاح نحو جيران لم يشاركوا في النزاع الدائر.
تعتبر دول الخليج العربي فضاءً للاستقرار في محيط مضطرب، وليست ساحة للصراعات العسكرية المفتوحة. كما أنها تؤدي دوراً محورياً في دعم القضايا العربية، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، عبر المساعدات الإنسانية والتنموية المستمرة للشعوب المنكوبة.
إن استهداف هذه الدول يفتح أبواب الفتنة ويعمق الانقسامات داخل الأمة الإسلامية، مما يحول الصراع من مواجهة عدوان خارجي إلى نزاع داخلي. هذا المسار يبدد إمكانات الشعوب ويستنزف طاقاتها في معارك لا تخدم سوى القوى المتربصة بالمنطقة.
يستذكر المراقبون السجل المثقل بالتدخلات الإيرانية في دول مثل سوريا ولبنان والعراق واليمن، حيث ساهمت تلك السياسات في إضعاف المؤسسات الوطنية. وقد أدت هذه التدخلات إلى مآسٍ إنسانية كبرى لا تزال شعوب تلك البلدان تعاني من آثارها الكارثية حتى اليوم.
إن تكرار هذا النهج في لحظة إقليمية شديدة الحساسية يعزز حالة انعدام الثقة بين الجيران. وتؤكد التجارب التاريخية أن السياسات القائمة على التوسع لا يمكن أن تشكل أساساً لمستقبل آمن أو علاقات صحية بين الدول.
إن توجيه السلاح إلى جيران مسالمين لم يكن لهم دور في النزاع يمثل خللاً عميقاً في تقدير المواقف الاستراتيجية.
تؤكد الشرائع السماوية، وفي مقدمتها الإسلام، على حرمة النفس البشرية وجعل حفظها أسمى من المصالح السياسية الضيقة. ويظل الحوار القائم على التفاهم والمصالح المشتركة هو الطريق الوحيد لضمان السلم والأمن الدوليين بعيداً عن لغة العنف.
يأتي قرار الولايات المتحدة وإسرائيل بشن حرب ضد إيران في توقيت يثير الاستغراب، تزامناً مع شهر رمضان المبارك. هذا الاختيار يمثل تجاهلاً صارخاً لمشاعر المسلمين واستفزازاً غير مبرر في وقت كان العالم يتطلع فيه إلى التهدئة الدبلوماسية.
تفتقر هذه الحرب إلى الشرعية القانونية والأخلاقية، كونها جاءت خارج أطر القانون الدولي ومؤسسات الأمم المتحدة. إن العودة إلى منطق القوة والهيمنة يعيد الأذهان إلى الحقبات المظلمة التي سبقت الحرب العالمية الثانية.
رغم أن القانون الدولي يكفل حق الدفاع عن النفس، إلا أن هذا الحق لا يجب أن يتحول إلى ذريعة لضرب دول بريئة. إن توسيع دائرة المواجهة يقوض فرص الحل السياسي ويجعل المنطقة رهينة لتصعيد مفتوح لا يمكن التنبؤ بنهايته.
في غضون هذا التصعيد، يستغل بنيامين نتنياهو الانشغال الإقليمي لمواصلة الانتهاكات بحق الشعب الفلسطيني في غزة والقدس. وقد وصلت هذه الانتهاكات إلى منع المصلين من دخول المسجد الأقصى، في سابقة خطيرة لم تشهدها المدينة منذ عام 1967.
إن ازدواجية المعايير الدولية في التعامل مع القضية الفلسطينية تساهم في تفاقم حالة عدم الاستقرار. ولا يمكن تحقيق سلام حقيقي دون احترام حقوق الإنسان والالتزام بالقوانين الدولية التي تحمي الشعوب تحت الاحتلال.
ختاماً، يحتاج الأمن والاستقرار في الدول العربية إلى قوة رادعة شاملة تشمل الجوانب العسكرية والسياسية والإيمانية. إن السلام لن يتحقق إلا بمحاسبة المعتدين وصون كرامة الإنسان، فالعدل هو الركيزة الوحيدة التي تصنع الأمن المستدام.
اسرائيليات
الخميس 26 مارس 2026 6:03 صباحًا - بتوقيت القدس
مطار طابا المصري يتحول إلى شريان حياة جوي للإسرائيليين وسط تعطل مطار بن غوريون
يشهد مطار طابا المصري تحولاً دراماتيكياً في دوره الإقليمي، حيث برز كوجهة بديلة ومفاجئة للمسافرين الإسرائيليين الراغبين في التوجه إلى القارة الأوروبية. يأتي هذا التحول نتيجة الانخفاض الحاد في الرحلات الجوية المغادرة من مطار بن غوريون، الذي يعاني من اضطرابات مستمرة بسبب التوترات الأمنية والقصف الصاروخي.
وأفادت مصادر إعلامية بأن مطار طابا، الذي كان يُعتبر سابقاً مرفقاً ثانوياً يعتمد على السياحة الموسمية، بات اليوم 'نجم الحرب' بلا منازع. فبينما كان مطار العقبة الأردني هو الخيار المفضل في فترات سابقة، أدت القيود المفروضة على التحليق فوق الأجواء الأردنية إلى تحويل الدفة نحو الأراضي المصرية.
وتشير التقارير الاقتصادية إلى أن شركات طيران إسرائيلية وأوروبية، من بينها 'أركيع' و'طوس' و'بلو بيرد'، بدأت بتسيير رحلات منتظمة من طابا إلى مدن أوروبية كبرى مثل روما. هذا النشاط المتزايد يعكس حاجة السوق الإسرائيلية لمنافذ خروج آمنة بعيداً عن الممرات الجوية التقليدية التي تأثرت بالصراع الدائر.
من جانبه، أوضح خبراء في قطاع الطيران أن مطار طابا لا يعمل كمنشأة عادية في الأوقات المستقرة، بل يعتمد أساساً على رحلات 'التشارتر' والشركات منخفضة التكلفة. ومع ذلك، فرضت حالة الطوارئ الحالية واقعاً جديداً جعل من المطار مركزاً حيوياً يربط المنطقة بمدن مثل براغ وبودابست ووارسو عبر شركات تشيكية وبولندية.
وتشهد الرحلات المغادرة من طابا اكتظاظاً كبيراً بالركاب الإسرائيليين الذين يقطعون مسافة 40 كيلومتراً من معبر 'بيغن' في إيلات للوصول إلى المطار. وتستغرق هذه الرحلة البرية نحو ساعة كاملة بواسطة سيارات الأجرة التي باتت تنتشر بكثافة خارج مبنى الركاب لتلبية الطلب المتزايد.
وعلى الصعيد المالي، رفعت السلطات المصرية رسوم العبور للمسافرين المتجهين إلى المطار بشكل ملحوظ، حيث وصلت التكلفة إلى 60 دولاراً بدلاً من 25 دولاراً. وتعد هذه الزيادة هي الثانية من نوعها خلال فترة وجيزة، مما أثار استياءً واسعاً بين المسافرين الذين يجدون أنفسهم مضطرين لدفع مبالغ إضافية.
ولم تقتصر الزيادات على الأفراد فقط، بل شملت رسوم عبور السيارات التي قفزت خمسة أضعاف لتصل إلى 50 دولاراً عند النقاط الحدودية. وتتوزع هذه المبالغ بين رسوم تُدفع على الجانب الإسرائيلي وأخرى نقدية تُسدد عند نقاط التفتيش المصرية القريبة من مبنى المطار.
مطار طابا المصري يتحول من موقع منسي إلى نجم الحرب المفاجئ، ليصبح الخيار الرئيسي للشركات الأوروبية في ظل توجيهات سلامة الطيران.
وفي سياق متصل، أكد مسؤولون في شركات السياحة أن مطار طابا خضع لعمليات تطوير تقنية لاستيعاب الطائرات الأوروبية الكبيرة رغم تواضع مبنى الركاب فيه. ويقارن هؤلاء بين نجاح طابا الحالي وفشل مطار 'رامون' الإسرائيلي القريب، الذي لم ينجح في جذب الحركة الجوية المطلوبة رغم الاستثمارات الضخمة.
وكشفت مصادر سياسية عن وجود خلافات داخلية في إسرائيل بشأن إعادة تفعيل مطار 'رامون' كبديل لمطار بن غوريون خلال فترة الحرب. ورغم ضغوط وزارة النقل لفتح المطار أمام الرحلات المدنية، إلا أن القيادة العسكرية رفضت الطلب بناءً على تقديرات أمنية تعتبر المخاطر في تلك المنطقة غير مقبولة.
وتشير البيانات إلى أن عشرات آلاف الإسرائيليين غادروا عبر المعابر البرية مع مصر والأردن منذ اندلاع المواجهات العسكرية الأخيرة. وقد تحول هؤلاء المسافرون إلى مصدر دخل هام للجانب المصري، الذي استغل زيادة الطلب لتحديث قوائم الرسوم والضرائب المفروضة على العابرين.
وزعمت مصادر من أوساط المسافرين أن مصر تتعامل مع الإسرائيليين العابرين كـ 'جمهور مستهدف للربح'، خاصة أولئك الذين لا يقيمون في سيناء. فالغالبية العظمى من المسافرين تستخدم الأراضي المصرية كمحطة ترانزيت فقط للوصول إلى المطار، وهو ما دفع القاهرة لرفع الرسوم لتعويض غياب العوائد السياحية المباشرة.
وتظهر مقارنات الأسعار في الفنادق والمنتجعات بمدينة شرم الشيخ وجود فوارق سعرية واضحة تفرض على السياح الإسرائيليين مقارنة بالأجانب. ففي بعض المنتجعات، يصل سعر الغرفة للزوج الإسرائيلي إلى 750 دولاراً، بينما تُعرض نفس الغرفة للسياح من جنسيات أخرى بسعر أقل بنحو 150 دولاراً.
هذه السياسة السعرية أدت إلى تصاعد الأصوات داخل إسرائيل للمطالبة بمقاطعة السياحة في سيناء أو إعادة النظر في جدوى السفر عبر المعابر المصرية. ويرى منتقدون أن الضرر الاقتصادي الذي قد يلحق بقطاع السياحة المصري هو الوحيد الكفيل بدفع السلطات للتراجع عن هذه الزيادات 'غير الطبيعية'.
ختاماً، يبقى مطار طابا الخيار الأكثر واقعية للإسرائيليين في ظل انسداد الأفق الجوي وتزايد التهديدات الصاروخية على العمق. ورغم التكاليف المرتفعة والإجراءات الحدودية المعقدة، يظل المطار المصري النافذة الوحيدة المتاحة للكثيرين للوصول إلى العالم الخارجي في ظل ظروف الحرب الاستثنائية.
عربي ودولي
الخميس 26 مارس 2026 6:03 صباحًا - بتوقيت القدس
تصعيد إيراني واسع: ضربات صاروخية تستهدف 70 موقعاً والبرلمان يلوح بفرض رسوم في مضيق هرمز
أعلنت قيادة العمليات في الجيش الإيراني، المعروفة بمقر 'خاتم الأنبياء'، عن تنفيذ سلسلة واسعة من الهجمات الصاروخية والجوية باستخدام الطائرات المسيرة ضد أهداف متعددة. وأوضحت المصادر العسكرية أن هذه الموجة من القصف تبعتها رشقات إضافية استهدفت عمق الأراضي المحتلة، في إطار تصعيد ميداني جديد يعكس توتر الأوضاع الإقليمية.
وأكد المتحدث باسم الجيش الإيراني أن العمليات العسكرية ركزت على ضرب مراكز استراتيجية وأمنية وعسكرية حساسة، مشيراً إلى أن عدد الأهداف التي طالها القصف تجاوز 70 موقعاً. وتأتي هذه الهجمات في سياق ردود الفعل الإيرانية المستمرة على التحركات العسكرية في المنطقة، وسط تأكيدات على دقة الإصابات المحققة في المنشآت المستهدفة.
وفي تطور لافت، ادعت طهران استهداف طائرة حربية أمريكية من طراز F-18 باستخدام منظومة دفاع جوي متطورة تابعة للقوة البحرية في الحرس الثوري بمنطقة تشابهار المطلة على المحيط الهندي. ورغم هذا الإعلان التفصيلي، سارع الجانب الأمريكي إلى نفي وقوع الحادثة بشكل رسمي، مؤكداً عدم تعرض أي من طائراته للإصابة في تلك المنطقة.
ولم تقتصر الهجمات على الداخل الإسرائيلي، بل شملت أيضاً استهداف تجمعات للقوات الأمريكية ومواقع تابعة لجماعات تصفها طهران بالانفصالية في مدينة أربيل بإقليم كردستان العراق. وتتهم إيران هذه الجماعات بتلقي دعم مباشر من واشنطن وتل أبيب، واستخدام الأراضي العراقية كمنطلق لتنفيذ عمليات تخريبية ضد الأمن القومي الإيراني.
وتشير المصادر إلى أن هذه التحركات تندرج ضمن استراتيجية إيرانية شاملة تهدف إلى الضغط على القوى الدولية والإقليمية عبر تفعيل جبهات متعددة. ويتزامن هذا التصعيد مع تقارير استخباراتية تتحدث عن وصول تعزيزات عسكرية أمريكية جديدة إلى الشرق الأوسط، مما يرفع من وتيرة القلق من احتمال اندلاع مواجهة برية واسعة.
الهجمات استهدفت مراكز استراتيجية وعسكرية وأمنية داخل إسرائيل، وأصابت أكثر من 70 هدفاً في الأراضي المحتلة.
وعلى الصعيد السياسي، برز ملف مضيق هرمز كأحد أبرز أوراق الضغط التي تلوح بها طهران في وجه المجتمع الدولي. حيث صرح وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، بأن بلاده تطالب بتغيير جذري في آليات التعامل مع المضيق، بما يضمن اعترافاً دولياً كاملاً بالدور الإيراني في إدارة حركة الملاحة وتأمين الممر المائي الحيوي.
وفي خطوة تعزز هذا التوجه، كشف البرلمان الإيراني عن دراسة مشروع قانون جديد يهدف إلى فرض رسوم مالية على السفن التجارية والناقلات العابرة لمضيق هرمز. ويهدف المقترح إلى تحصيل مبالغ مقابل خدمات التأمين والحماية التي توفرها القوات الإيرانية، على غرار الأنظمة المعمول بها في الممرات المائية الدولية الأخرى حول العالم.
ومن المتوقع أن يُعرض مشروع القانون على مراكز البحوث البرلمانية واللجان المختصة خلال الأسبوع المقبل لاستكمال الصياغة القانونية النهائية. ويرى مراقبون أن هذا التحرك التشريعي يمثل أداة سياسية قوية لدعم قرارات القيادة الإيرانية في أوقات الأزمات، كما حدث سابقاً عند إقرار قوانين استراتيجية للرد على العقوبات الدولية.
وتسود حالة من التشكيك في الأوساط السياسية بطهران تجاه النوايا الأمريكية المتعلقة باستئناف المفاوضات، حيث ترى إيران أن واشنطن تحاول كسب الوقت لإعادة تموضع قواتها. وبناءً على ذلك، ترفض طهران جملة من الشروط التي نُقلت عبر وسطاء، متمسكة بمطالبها بوقف الحرب والحصول على تعويضات مالية وضمانات أمنية ملزمة.
وفي ختام التصريحات، شدد قادة في الحرس الثوري على أن أي اتفاق مستقبلي لن يتم بمعزل عن حلفاء إيران في المنطقة، في إشارة واضحة إلى فصائل المقاومة. وتواصل طهران إبراز قوة 'وحدة الساحات' من خلال نشر توثيقات لعمليات عسكرية مشتركة، مؤكدة أن قرار السلم أو الحرب مرتبط بترابط هذه الجبهات بشكل عضوي.
فلسطين
الخميس 26 مارس 2026 5:18 صباحًا - بتوقيت القدس
جيش الاحتلال يسحب قوات من جبهة لبنان لمواجهة تصاعد إرهاب المستوطنين بالضفة
أفادت مصادر إعلامية عبرية بأن جيش الاحتلال الإسرائيلي يواجه تحديات غير مسبوقة في السيطرة على اعتداءات المستوطنين المتصاعدة في الضفة الغربية المحتلة. وأكدت المصادر أن المؤسسة العسكرية اضطرت لاتخاذ قرار مفاجئ بتحويل مسار كتيبة مشاة كانت في طريقها للمشاركة في العمليات القتالية بجنوب لبنان، وتوجيهها بدلاً من ذلك إلى مناطق التماس في الضفة الغربية.
ويأتي هذا التصعيد في وقت يستغل فيه المستوطنون انشغال المجتمع الدولي بالحرب الدائرة ضد إيران، والتي دخلت أسبوعها الرابع. وقد أقرت قيادات عسكرية إسرائيلية بصعوبة لجم المجموعات المتطرفة التي كثفت من هجماتها ضد القرى والبلدات الفلسطينية، مستفيدة من الغطاء السياسي الذي توفره حكومة اليمين المتطرف في تل أبيب.
وكشفت البيانات الميدانية عن مقتل ستة فلسطينيين وإصابة العشرات منذ مطلع الشهر الجاري جراء اعتداءات نفذها مستوطنون ينتمون لليمين المتشدد. وتشير الإحصائيات إلى أن معدل الجرائم التي يرتكبها المستوطنون قد قفز إلى نحو 70 جريمة شهرياً منذ بداية عام 2025، مما يعكس حالة من الفوضى الأمنية العارمة.
وسجلت الأجهزة الأمنية ذروة جديدة في العنف الاستيطاني خلال الأيام القليلة الماضية، حيث تم رصد 20 اعتداءً في ليلة واحدة فقط. ويصف قادة ميدانيون في جيش الاحتلال هذا الرقم بأنه قياسي ولم يسبق له مثيل منذ سنوات طويلة، محذرين من انفجار الأوضاع بشكل كامل في حال استمرار هذا النهج.
وفي سياق متصل، يبرز الخلاف السياسي داخل حكومة الاحتلال كعائق أساسي أمام وقف هذه الانتهاكات، حيث يرفض وزير الأمن يسرائيل كاتس تجديد أوامر الاعتقال الإداري بحق قادة المستوطنين. هذا الموقف ترك قادة الجيش في الميدان يشعرون بأن أيديهم مقيدة، وغير قادرين على اتخاذ إجراءات رادعة تتجاوز أوامر الترحيل المؤقتة.
وشهدت زيارة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو الأخيرة لفرقة الضفة الغربية، برفقة وزيري الأمن والأمن القومي، أجواءً مشحونة للغاية مع القادة العسكريين. وطالب قادة الألوية الإقليمية بضرورة منحهم صلاحيات أوسع، بما في ذلك الاعتقالات الإدارية، للسيطرة على العناصر المتطرفة التي باتت تهدد الاستقرار الأمني في المنطقة.
وتشير التقارير إلى أن عدد البؤر الاستيطانية والمزارع العشوائية قد تضاعف بشكل مخيف، حيث ارتفع من 30 بؤرة في بداية الحرب على غزة إلى أكثر من 140 بؤرة حالياً. وتعمل هذه البؤر، التي يتم تقنين أوضاعها بدعم من الوزير بتسلئيل سموتريتش، كمراكز انطلاق للهجمات الممنهجة ضد المزارعين الفلسطينيين وممتلكاتهم.
الجيش الإسرائيلي اعترف لأول مرة بصعوبة التعامل مع مستوى جرائم المستوطنين في الضفة الغربية، مما اضطره لتحويل قوات من الجبهة الشمالية.
وعلى الصعيد الدولي، تلقت الحكومة الإسرائيلية توبيخاً من الإدارة الأمريكية بسبب ما وصفته واشنطن بالمماطلة في التعامل مع عنف المستوطنين. وتخشى الولايات المتحدة من أن يؤدي هذا التصعيد إلى فتح جبهة جديدة في الضفة الغربية، تزيد من تعقيد المشهد الإقليمي المتوتر أصلاً بسبب المواجهة العسكرية مع إيران.
وتتزامن هذه التطورات مع تداعيات اقتصادية وسياسية عالمية للحرب على إيران، حيث تراجعت شعبية الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى مستويات متدنية بلغت 36%. ويعود هذا التراجع بشكل أساسي إلى الارتفاع الحاد في أسعار الوقود، وسط معارضة شعبية أمريكية واسعة لاستمرار العمليات العسكرية التي بدأت في فبراير الماضي.
وفي ظل استمرار الحرب، يواجه الاقتصاد العالمي تهديدات جدية نتيجة الاضطرابات في مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو 20% من تجارة النفط العالمية. وتتزايد المخاوف من وصول أسعار النفط إلى مستويات قياسية قد تتجاوز 200 دولار للبرميل، مما يفاقم من معدلات التضخم العالمي ويهدد الأمن الغذائي لمئات الملايين.
وتؤكد مصادر عسكرية أن المستوطنين يستغلون هذه الظروف الدولية المعقدة لفرض واقع جديد على الأرض في الضفة الغربية عبر مصادرة المزيد من الأراضي الفلسطينية. ويقوم جيش الاحتلال، رغم شكواه من عنفهم، بتزويد المزارع الاستيطانية الجديدة بمعدات أمنية ودفاعية، مما يعزز من قدرتها على البقاء والتوسع.
ويبدو أن المؤسسة العسكرية الإسرائيلية باتت تخشى من فقدان السيطرة الكلي، حيث لا تستبعد أوساط في رئاسة الأركان إرسال تعزيزات إضافية دائمة للضفة الغربية. هذا التوجه يعكس حجم القلق من تحول اعتداءات المستوطنين إلى عبء أمني يستنزف قدرات الجيش الموزعة على جبهات متعددة في غزة ولبنان وإيران.
وتظل الإجراءات القانونية المتخذة ضد المستوطنين المعتدين ضعيفة وغير فعالة، حيث يواجه مقترح استخدام الأصفاد الإلكترونية عقبات قانونية وسياسية كبرى. وفي معظم الحالات، تنتهي التحقيقات مع المستوطنين دون توجيه اتهامات حقيقية، أو تقتصر على عقوبات يصفها مراقبون بأنها 'سخيفة' ولا تتناسب مع حجم الجرائم المرتكبة.
إن المشهد الحالي في الضفة الغربية ينذر بمرحلة جديدة من الصدام، حيث تتداخل الأجندات السياسية لليمين المتطرف مع العجز العسكري الميداني. ومع استمرار الحرب الإقليمية، يجد الفلسطينيون أنفسهم في مواجهة مباشرة مع إرهاب استيطاني منظم يحظى بحماية رسمية، في ظل صمت دولي وانشغال بملفات الطاقة والنزاعات الكبرى.
عربي ودولي
الخميس 26 مارس 2026 4:33 صباحًا - بتوقيت القدس
بريطانيا تمنح جيشها صلاحية اعتراض وحجز سفن 'أسطول الظل' الروسي
أعلن مكتب رئيس الوزراء البريطاني، كير ستارمر، عن منح القوات المسلحة ووكالات إنفاذ القانون في المملكة المتحدة صلاحيات رسمية لاعتراض واحتجاز السفن التابعة لما يُعرف بـ 'أسطول الظل' الروسي. ويأتي هذا التحرك القانوني والعسكري لتمكين السلطات من التعامل مع السفن التي تخضع للعقوبات البريطانية عند دخولها أو عبورها المياه الإقليمية، بما في ذلك الممر الملاحي الحيوي في قناة المانش.
وأكد داونينغ ستريت في بيان رسمي أن هذا القرار يهدف إلى تضييق الخناق على المحاولات الروسية للالتفاف على القيود الدولية المفروضة على صادراتها النفطية. وتعتبر لندن أن هذه الخطوة ضرورية لتعطيل التدفقات المالية التي تعتمد عليها موسكو لتمويل عملياتها العسكرية المستمرة في أوكرانيا، مشددة على أن ملاحقة هذا الأسطول ستتم بصرامة غير مسبوقة.
من جانبه، أوضح رئيس الوزراء كير ستارمر أن تشديد الإجراءات ضد الناقلات الروسية يأتي في ظل مخاوف من استغلال الرئيس الروسي فلاديمير بوتين للارتفاع الكبير في أسعار الطاقة العالمية. وأشار ستارمر إلى أن التوترات العسكرية بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى ساهمت في قفزة بأسعار النفط، وهو ما قد يوفر لموسكو عوائد إضافية تسعى بريطانيا لتجفيف منابعها.
وتشمل الاستعدادات البريطانية الجديدة تأهب الوحدات العسكرية لاعتلاء السفن الروسية التي قد تبدي مقاومة أو ترفض الاستسلام للسلطات البحرية. كما لفتت الحكومة إلى أن بعض هذه السفن قد تكون مسلحة أو مجهزة بأنظمة مراقبة تقنية متطورة تهدف إلى التهرب من الرصد والاحتجاز، مؤكدة أن القانون سيطبق بصرامة على الملاك والمشغلين وأطقم العمل.
نلاحق أسطول الظل بقوة أكبر ليس فقط للحفاظ على أمن بريطانيا، بل لحرمان آلة الحرب التي يقودها بوتين من الأرباح القذرة.
وفي سياق متصل، كشفت تقارير رسمية أن بريطانيا أدرجت بالفعل نحو 544 سفينة ضمن قوائم العقوبات للاشتباه في انتمائها لأسطول الظل الذي يتكون غالباً من ناقلات نفط قديمة ومتهالكة. وتُقدر المصادر البريطانية أن هذه السفن مسؤولة عن نقل ما يقرب من ثلاثة أرباع إجمالي النفط الخام الروسي، مما يجعلها هدفاً استراتيجياً لتقويض الاقتصاد الحربي الروسي.
وتواجه الجهود الأوروبية المشتركة لملاحقة هذا الأسطول تحديات معقدة، لا سيما بعد قرار الإدارة الأمريكية برئاسة دونالد ترمب منح إعفاءات مؤقتة لمدة 30 يوماً لبعض المنتجات الروسية العالقة في البحار. ويهدف القرار الأمريكي إلى تهدئة الاضطرابات في أسواق الطاقة العالمية، إلا أنه أثار تساؤلات حول مدى انسجام المواقف الغربية في مواجهة آلة الحرب الروسية.
وتعتزم السلطات البريطانية تحويل عمليات الاعتراض إلى مسارات قضائية، حيث قد تُرفع دعاوى جنائية ضد الجهات المسؤولة عن تشغيل هذه السفن بتهمة انتهاك تشريعات العقوبات الوطنية. ويأتي هذا التصعيد في وقت تسعى فيه دول أوروبية أخرى لتعزيز رقابتها البحرية لمنع روسيا من استخدام مياه القارة كمنصة لتجارة النفط غير القانونية بعيداً عن الرقابة الدولية.
فلسطين
الخميس 26 مارس 2026 4:03 صباحًا - بتوقيت القدس
حزب الله يقصف مقر وزارة الحرب الإسرائيلية 'الكرياه' بصواريخ نوعية
أعلن حزب الله اللبناني، فجر اليوم الخميس، عن تنفيذ عملية عسكرية نوعية استهدفت عمق الاحتلال الإسرائيلي في مدينة تل أبيب. وأوضح الحزب في بيان رسمي أن مقاتليه أطلقوا رشقات من الصواريخ النوعية باتجاه مقر وزارة الحرب الإسرائيلية المعروف بـ 'الكرياه' الواقع في قلب المدينة، بالإضافة إلى استهداف ثكنة 'دولفين' التابعة لشعبة الاستخبارات العسكرية شمالاً.
وأكد الحزب أن هذا الهجوم يأتي في إطار الدفاع المشروع عن لبنان وشعبه، ورداً على التمادي الإسرائيلي في استهداف المدنيين والبنى التحتية. وشدد البيان على أن عمليات التدمير الوحشي التي ينتهجها الاحتلال ضد المجمعات السكنية لن تمر دون رد رادع يطال المواقع الحيوية والعسكرية في العمق.
في غضون ذلك، أفادت مصادر ميدانية بتفعيل صفارات الإنذار في نطاق واسع شمل عشرات المناطق والبلدات في منطقة المركز 'غوش دان'. وأشارت المصادر إلى أن دوي الانفجارات سُمع بوضوح في مناطق متفرقة، بما في ذلك المستوطنات القريبة من مدينة قلقيلية ومناطق في الضفة الغربية المحتلة، نتيجة قوة الرشقة الصاروخية.
وشملت حالة الاستنفار أكثر من 30 منطقة إسرائيلية، حيث دوت الصافرات في الأحياء الشمالية لتل أبيب والضواحي الشرقية مثل رمات بيتحكفا ورامات هاشارون. كما امتدت التحذيرات لتشمل مدن كفار سابا ورعنانا وهود شارون، مما دفع آلاف المستوطنين للهروب نحو الملاجئ والمناطق المحصنة بشكل جماعي.
ورصدت تقارير إعلامية وصول شظايا الصواريخ أو دوي انفجاراتها إلى بلدات عربية داخل الخط الأخضر، من بينها مدينة الطيرة في منطقة المثلث وكفر قاسم. كما سُمعت أصوات الانفجارات في منطقة رأس العين، وسط حالة من الإرباك الأمني في صفوف أجهزة الاحتلال التي حاولت اعتراض الصواريخ المنطلقة من لبنان.
استهدفنا مقر وزارة الحرب الإسرائيلية (الكرياه) وسط تل أبيب، وثكنة دولفين التابعة لشعبة الاستخبارات العسكرية شمال المدينة بعدد من الصواريخ النوعية.
من جانبها، ذكرت وسائل إعلام عبرية أن منظومات الدفاع الجوي حاولت التصدي لستة صواريخ على الأقل أُطلقت من الأراضي اللبنانية باتجاه وسط البلاد. وأكدت القناة 12 العبرية أن طواقم الإسعاف والإنقاذ هرعت إلى عدة مواقع وردت منها بلاغات عن سقوط شظايا أو وقوع إصابات وحالات هلع، دون الكشف عن حجم الخسائر المادية بدقة.
وتفرض سلطات الاحتلال الإسرائيلي رقابة عسكرية مشددة وتعتيماً إعلامياً على نتائج هذه الضربات، مانعةً نشر أي صور أو تفاصيل تتعلق بالمواقع المستهدفة. وتأتي هذه الإجراءات في محاولة للتقليل من التأثير النفسي للعمليات التي ينفذها حزب الله، ومنع تسرب معلومات قد تفيد المقاومة في تقييم دقة إصاباتها.
وعلى الصعيد الميداني، يواصل الاحتلال عدوانه الواسع على لبنان منذ مطلع شهر مارس الجاري، مستخدماً سياسة الأرض المحروقة في القرى الحدودية. وقد أدت هذه الهجمات الجوية والبرية إلى استشهاد أكثر من ألف مواطن لبناني وإصابة الآلاف، فضلاً عن موجة نزوح كبرى تجاوزت المليون شخص هرباً من القصف العشوائي.
وفي المقابل، يكثف حزب الله من وتيرة عملياته العسكرية مستخدماً الطائرات المسيرة والصواريخ الباليستية والنوعية لضرب القواعد العسكرية والمستوطنات. وتؤكد المقاومة اللبنانية أن هذه العمليات لن تتوقف إلا بوقف العدوان الشامل على لبنان وغزة، مشددة على قدرتها على الوصول إلى أهداف استراتيجية بعيدة المدى.
يُذكر أن التصعيد الحالي يأتي في ظل استمرار الاحتلال في احتلال أجزاء من الجنوب اللبناني، وتصاعد التوترات الإقليمية منذ أكتوبر الماضي. وتترقب الأوساط السياسية والعسكرية تداعيات استهداف 'الكرياه'، لما يمثله هذا الموقع من ثقل أمني وسياسي كونه يضم مكاتب القيادة العسكرية العليا للاحتلال.
عربي ودولي
الخميس 26 مارس 2026 4:03 صباحًا - بتوقيت القدس
سيناريوهات التورط والحياد: كيف تناور تركيا لتجنب الانزلاق في المواجهة الإقليمية؟
تبذل العاصمة التركية أنقرة جهوداً دبلوماسية مكثفة في محاولة لاحتواء التصعيد العسكري المتزايد بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى. وتدرك القيادة التركية أن مسار العودة إلى طاولة المفاوضات يواجه تحديات جسيمة، خاصة في ظل التطورات الميدانية العميقة التي شهدها الشهر الأول من المواجهات.
وتشير القراءات السياسية في أنقرة إلى أن سوابق التفاوض بين طهران وواشنطن، لا سيما في عهد الإدارة الأمريكية الحالية، لا تبعث على التفاؤل الكبير. فقد أثبتت التجارب السابقة أن العمليات العسكرية قد تستمر وتتفاقم حتى في ظل وجود مواعيد محددة لجولات تفاوضية، مما يجعل احتمال استمرار الحرب قائماً وبقوة.
لم يعد احتمال تورط تركيا في الصراع مجرد فرضية نظرية يتداولها المحللون، بل أصبح سيناريو مطروحاً بجدية على طاولة صناع القرار. وتتخوف أنقرة بشكل أساسي من عمليات "توريط" مقصودة تهدف إلى استدراجها للمواجهة، أكثر من خشيتها من التورط التلقائي الناتج عن تدحرج الأحداث الميدانية.
وقد عبر الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ووزير خارجيته هاكان فيدان عن هذا القلق بشكل مباشر، محملين رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو المسؤولية الكاملة. ويرى المسؤولون الأتراك أن الحكومة الإسرائيلية تسعى لتحويل المنطقة إلى ساحة حرب شاملة سيدفع العالم أجمع ثمن تداعياتها الكارثية.
من جانبه، حذر سليمان صويلو، رئيس لجنة الداخلية في البرلمان التركي، من الاستفزازات الإسرائيلية المستمرة التي تهدف لإقحام بلاده في الصراع. وتأتي هذه التصريحات في وقت تزداد فيه الضغوط الإقليمية والدولية على أنقرة لتحديد موقفها من التطورات المتسارعة في الملف الإيراني.
وتبرز أربعة سيناريوهات رئيسية قد تؤدي لانخراط تركي غير مرغوب فيه، أولها الرد المباشر على استهداف الأراضي التركية. وقد سجلت المصادر سقوط ثلاثة صواريخ في مناطق حدودية، ورغم نفي طهران، إلا أن تقارير الناتو أشارت إلى استهداف قواعد عسكرية تضم قوات تابعة للحلف.
السيناريو الثاني يتعلق بتوسع رقعة الحرب إقليمياً لتشمل أطرافاً مثل اليونان وقبرص، وهو ما سيفرض على تركيا تحركاً لحماية مصالحها الحيوية. هذا التوسع قد يغير موازين القوى في شرق المتوسط ويجبر أنقرة على اتخاذ إجراءات دفاعية أو هجومية استباقية.
نتنياهو وحكومته يسعون باستفزازاتهم لإقحام تركيا في كرة النار هذه، وهو ما يهدد السلم الدولي بشكل مباشر.
أما السيناريو الثالث فيتمثل في التدخل لحماية الأمن القومي التركي في حال حدوث فوضى عارمة أو بوادر لتقسيم الأراضي الإيرانية. وتخشى أنقرة من إعادة تفعيل "الورقة الكردية" على حدودها، وهو ملف استنزفت فيه جهوداً كبيرة لإغلاقه في كل من سوريا والعراق.
ويتمثل السيناريو الرابع في احتمال انخراط حلف شمال الأطلسي (الناتو) في الحرب، خاصة في حال إغلاق مضيق هرمز الاستراتيجي. ورغم عضوية تركيا في الحلف، إلا أنها حافظت تاريخياً على مسافة تمايز في مواقفها، كما ظهر جلياً في الأزمة الأوكرانية الروسية.
وفي إطار سعيها لتجنب هذه السيناريوهات، تبنت أنقرة خطاباً رسمياً يتسم بالحذر والحزم في آن واحد، مؤكدة على حقها في الدفاع عن شعبها وأراضيها. وقد لوحظ أن الخطاب التركي تجنب توجيه اتهامات مباشرة لطرف بعينه بخصوص الصواريخ الساقطة، مفضلاً الحفاظ على قنوات الاتصال مفتوحة.
ميدانياً، عززت تركيا قدراتها الدفاعية عبر نشر بطاريات صواريخ إضافية تابعة للناتو، لا سيما في قاعدة إنجيرليك الجوية جنوب البلاد. وتهدف هذه الخطوة إلى تقليل احتمالات الاستهداف المباشر وتوجيه رسالة ردع واضحة لأي طرف يحاول المساس بالسيادة التركية.
وعلى الصعيد الدبلوماسي، تنشط أنقرة في وساطة جماعية تضم دولاً مثل عمان وباكستان ومصر وقطر لتقريب وجهات النظر بين واشنطن وطهران. وتستغل تركيا موقعها الجيوسياسي وعلاقاتها المتوازنة مع الطرفين لتهيئة الظروف المناسبة للبدء في إجراءات بناء الثقة.
ورغم هذه الجهود، تظل الرئاسة التركية حذرة تجاه التقارير التي تتحدث عن تموضع قواتها داخل الأراضي الإيرانية في حالات الطوارئ، حيث سارعت لنفيها رسمياً. ومع ذلك، يبقى القلق التركي قائماً من أي تحول قد يؤدي إلى انهيار النظام المؤسسي في الجارة الشرقية.
ختاماً، تدرك أنقرة أن الضمانة الوحيدة لعدم الانجرار إلى أتون الحرب هي الوقف الفوري للأعمال العدائية ومنع تدحرج الصراع. ويتطلب هذا المسار عملاً دؤوباً وتنسيقاً عالي المستوى مع القوى الإقليمية والدولية لتفادي سيناريو الانفجار الشامل الذي يهدد استقرار المنطقة بأكملها.
فلسطين
الخميس 26 مارس 2026 3:34 صباحًا - بتوقيت القدس
صحة غزة: 4 إصابات جديدة جراء خروقات الاحتلال والحصيلة الإجمالية تتجاوز 72 ألف شهيد
أفادت مصادر طبية في قطاع غزة، اليوم الثلاثاء، بوصول أربع إصابات جديدة إلى المستشفيات خلال الساعات الأربع والعشرين الماضية، جراء اعتداءات نفذتها قوات الاحتلال الإسرائيلي. وأكدت وزارة الصحة أن هذه الإصابات تأتي في سياق سلسلة من الخروقات الميدانية المستمرة التي يرتكبها الاحتلال، مما يهدد استقرار الأوضاع الميدانية الهشة في مختلف مناطق القطاع.
وأوضح التقرير الإحصائي اليومي للوزارة أن حصيلة الضحايا منذ إعلان وقف إطلاق النار في الحادي عشر من أكتوبر العام الماضي شهدت ارتفاعاً ملحوظاً، حيث سُجل استشهاد 687 مواطناً وإصابة 1,849 آخرين. وتشير هذه الأرقام إلى أن آلة القتل الإسرائيلية لم تتوقف تماماً، بل استمرت في استهداف المدنيين بوسائل مختلفة رغم الاتفاقات المبرمة برعاية دولية.
وفي سياق متصل، تمكنت طواقم الدفاع المدني والإسعاف من انتشال جثامين 756 شهيداً من تحت أنقاض المباني المدمرة منذ بدء سريان التهدئة، وهو ما يكشف حجم الكارثة الإنسانية التي خلفها القصف الجوي والمدفعي. ولا تزال عمليات البحث مستمرة في عدة مناطق، حيث يُعتقد بوجود مئات المفقودين تحت الركام الذي طال نحو 90% من البنية التحتية للقطاع.
وعلى صعيد الحصيلة التراكمية منذ السابع من أكتوبر 2023، أعلنت المصادر الرسمية أن عدد الشهداء ارتفع ليصل إلى 72,263 شهيداً، فيما بلغت أعداد المصابين 171,948 شخصاً. وتعد هذه الإحصائيات دليلاً على حجم الإبادة الجماعية التي تعرض لها سكان القطاع، في ظل ظروف صحية ومعيشية قاسية تفتقر لأدنى مقومات الحياة الأساسية.
تستمر المستشفيات في استقبال الجرحى والمصابين رغم الإعلانات السابقة عن وقف إطلاق النار، مما يؤكد عدم التزام الاحتلال بالتهدئة.
سياسياً، انتقدت حركة حماس التصريحات الصادرة عن المبعوث الأممي نيكولاي ميلادينوف، والتي دعا فيها إلى نزع سلاح الفصائل الفلسطينية خلال جلسة لمجلس الأمن. واتهم المتحدث باسم الحركة، حازم قاسم، المسؤول الأممي بتجاهل دماء مئات الفلسطينيين الذين سقطوا جراء الخروقات الإسرائيلية المتكررة لاتفاق وقف إطلاق النار الساري منذ أكتوبر الماضي.
وتتزامن هذه التطورات مع تقارير دولية تشير إلى وجود مقترحات لمرحلة ثانية من الخطة الأمنية، تتضمن انسحاباً تدريجياً لقوات الاحتلال ونشر قوة دولية في مناطق التماس. ومع ذلك، تصر الفصائل الفلسطينية على أن أي ترتيبات أمنية يجب أن تضمن وقفاً شاملاً للعدوان ورفع الحصار بالكامل، بعيداً عن شروط نزع السلاح التي ترفضها المقاومة.
وفي ظل هذا الواقع الميداني المتأزم، تقدر الأمم المتحدة كلفة إعادة إعمار ما دمره الاحتلال في قطاع غزة بنحو 70 مليار دولار، وهو رقم يعكس حجم الدمار الهائل في الوحدات السكنية والمنشآت الحيوية. ويناشد المسؤولون المحليون المجتمع الدولي بضرورة التدخل الفوري لوقف الخروقات الإسرائيلية وتوفير الدعم اللازم لإغاثة آلاف الأسر النازحة والمصابة.
عربي ودولي
الخميس 26 مارس 2026 3:34 صباحًا - بتوقيت القدس
منخفض جوي واسع يضرب 10 دول عربية: تعليق للدراسة وإجلاء عائلات واستنفار للطوارئ
تواجه عشر دول عربية منذ فجر الأربعاء موجة من الطقس السيئ والاضطرابات الجوية العنيفة، التي تمثلت في هطول أمطار غزيرة وتشكل سيول وتساقط للثلوج. وشملت هذه الحالة الجوية كلاً من فلسطين ومصر والعراق وسوريا ولبنان، بالإضافة إلى دول الخليج العربي الست، مما استدعى اتخاذ إجراءات احترازية عاجلة لحماية المواطنين والممتلكات.
في مصر، أعلنت وزارة التربية والتعليم منح الطلاب إجازة رسمية لمدة يومين في ظل تدفق السحب الرعدية الممطرة على طول السواحل الشمالية الغربية والقاهرة الكبرى. وأفادت مصادر رسمية بأن مناطق الإسكندرية ومطروح والبحيرة شهدت تساقطاً لحبات البرد، وسط توقعات باستمرار التقلبات الجوية حتى نهاية الأسبوع.
أما في فلسطين، فقد حذرت الأرصاد الجوية من تأثر البلاد بمنخفض جوي عميق مصحوب بكتلة هوائية باردة جداً، ما يؤدي إلى هطول أمطار غزيرة وعواصف رعدية. ودعت السلطات المواطنين إلى توخي الحيطة والحذر من خطر تشكل السيول في الأودية والمناطق المنخفضة، خاصة في ظل الرياح النشطة التي ترافق المنخفض.
وفي العراق، وجه رئيس الوزراء محمد شياع السوداني بتعطيل الدوام الرسمي في كافة المؤسسات التعليمية والجامعات نتيجة الظروف الجوية القاسية التي تضرب البلاد. وتزامن هذا القرار مع إعلان وزارة الكهرباء حالة الاستنفار التام لضمان استمرار تدفق التيار الكهربائي ومعالجة أي أعطال طارئة قد تنجم عن الرياح والأمطار.
وشهدت سوريا وضعاً إنسانياً صعباً، حيث أدت الفيضانات في محافظة الحسكة شمال شرق البلاد إلى غرق أكثر من 400 منزل في منطقة تل حميس. وأكدت مصادر ميدانية إجلاء نحو 120 عائلة تضررت منازلها بشكل كامل، حيث جرى نقلهم إلى مراكز إيواء ومناطق أكثر أماناً بعيداً عن مجاري السيول.
لبنان بدوره دخل تحت تأثير منخفض جوي واسع النطاق، تسبب في تساقط الثلوج على المرتفعات الجبلية وهطول أمطار طوفانية في المناطق الساحلية. وتشير التوقعات إلى أن هذه الحالة ستستمر حتى مساء الجمعة، مع احتمال تأثر المنطقة بمنخفض آخر أكثر شدة مع بداية الأسبوع المقبل.
وفي منطقة الخليج، أصدرت الأرصاد القطرية تحذيرات بحرية شديدة من أمطار رعدية ورياح قوية ترفع موج البحر إلى نحو 13 قدماً. ودعت السلطات القطرية مرتادي البحر والصيادين إلى وقف كافة الأنشطة البحرية مؤقتاً لحين استقرار الحالة الجوية وتراجع سرعة الرياح.
تستمر جهود فرق الدفاع المدني في الاستجابة للظروف الجوية الصعبة، لا سيما الأمطار الغزيرة التي تسببت بحدوث سيول وفيضانات واسعة.
البحرين لم تكن بمنأى عن هذه الموجة، حيث سجلت الأرصاد الجوية هطول أمطار متوسطة إلى غزيرة مصحوبة بهبات ريح شديدة السرعة. وحثت السلطات البحرينية المواطنين على أخذ الحيطة والحذر أثناء القيادة وتجنب المناطق التي تشهد تجمعاً لمياه الأمطار لضمان السلامة العامة.
سلطنة عمان أصدرت تنبيهات عاجلة بشأن غزارة الأمطار المتوقعة في عدة محافظات، مشيرة إلى أن ذروة الحالة الجوية ستكون خلال الساعات القادمة. وتوقعت الأرصاد العمانية جريان الأودية بشكل جارف، مما يتطلب ابتعاد السكان عن مجاري السيول وعدم المجازفة بعبورها.
وفي المملكة العربية السعودية، رفع المركز الوطني للأرصاد درجة الإنذار إلى اللونين الأحمر والبرتقالي في عدة مناطق، من بينها المنطقة الشرقية. وحذر المركز من تساقط البرد وجريان السيول وانعدام الرؤية الأفقية، مما قد يؤثر على حركة التنقل بين المدن الكبرى.
دولة الإمارات العربية المتحدة حذرت من تكون سحب ركامية تؤدي إلى سقوط أمطار ورياح نشطة تصل سرعتها إلى 55 كيلومتراً في الساعة. وأوضحت المصادر أن الرياح ستكون مثيرة للغبار والأتربة، مما قد يؤدي إلى تدني مدى الرؤية الأفقية بشكل كبير على الطرق الخارجية.
تأتي هذه الموجة الجوية الشاملة في وقت تشهد فيه المنطقة تحولات مناخية متسارعة، حيث تكررت المنخفضات الجوية العميقة خلال الموسم الحالي. وتعمل غرف العمليات في الدول العشر على مدار الساعة لمراقبة تطورات الحالة الجوية وتقديم الدعم اللوجستي للمناطق المتضررة.
الجهات المختصة في بلاد الشام حذرت من أن ذروة المنخفض الجوي ستمتد من ظهر الأربعاء وحتى فجر الجمعة، مما قد يزيد من منسوب المياه في السدود. وطالبت المزارعين باتخاذ التدابير اللازمة لحماية المحاصيل الزراعية والبيوت البلاستيكية من الرياح القوية وتساقط البرد.
ختاماً، دعت مراكز الأرصاد الجوية العربية المواطنين إلى متابعة النشرات الرسمية الدورية وعدم الانسياق وراء الشائعات المتعلقة بحالة الطقس. وأكدت أن التنسيق مستمر بين مختلف الأجهزة الأمنية والخدمية للتعامل مع أي حالات طارئة قد تنجم عن استمرار هذه التقلبات الجوية.
فلسطين
الخميس 26 مارس 2026 3:18 صباحًا - بتوقيت القدس
سلبها الاحتلال بصرها بالفسفور.. حكاية الغزية زين الدلو التي أضاء القرآن بصيرتها
تجسد الشابة الفلسطينية زين الدلو مأساة جيل كامل في قطاع غزة، حيث ولدت فاقدة لعينيها نتيجة استنشاق والدتها للفسفور الأبيض الذي أطلقه جيش الاحتلال الإسرائيلي خلال عدوانه على المدينة عام 2008. هذه المادة المحرمة دولياً سلبت زين نعمة البصر قبل أن ترى النور، لتكبر بجفون خالية من المقل، في جريمة حرب صامتة تركت أثرها الدائم على وجهها وحياتها.
تروي زين أنها لم تدرك اختلافها عن بقية الأطفال حتى بلغت السابعة من عمرها، حيث كانت تظن أن الجميع يعيشون في ذات الظلام الذي يلف عالمها. وبدعم من عائلتها، حاولت التغلب على هذا التشوه الخلقي عبر تركيب عينين صناعيتين، إلا أن ظروف الحرب الحالية والنزوح القسري المستمر حالا دون استكمال رحلة العلاج الضرورية.
أوضحت مصادر أن زين اضطرت للتخلي عن إحدى عينيها الصناعيتين بسبب الآثار الجانبية الخطيرة، حيث تتطلب هذه العيون صيانة وتبديلاً دورياً كل ستة أشهر. وفي ظل الحصار المطبق وانعدام المستلزمات الطبية في مراكز النزوح، تدهورت حالة عينها لتصبح بحاجة ماسة لتدخل جراحي عاجل لا يتوفر حالياً في القطاع المنكوب.
رغم هذه المعاناة، شق نور القرآن الكريم طريقه إلى قلب زين، حيث بدأت رحلة الحفظ بالتلقين بمساعدة والدتها رولا الدلو. كانت الأم تقرأ الآيات من المصحف وترددها الابنة خلفها بصبر وعزيمة، حتى تمكنت من حفظ الأجزاء العشرة الأولى دون الحاجة لأي وسيلة مساعدة سوى ذاكرتها القوية وصوت والدتها.
تقديراً لهذا الإنجاز الاستثنائي، قدمت 'دار القرآن الكريم والسنة' لزين مصحفاً خاصاً مكتوباً بطريقة 'بريل'، مما فتح أمامها آفاقاً جديدة للقراءة والتدبر بشكل مستقل. وقد شكل هذا المصحف رفيقاً دائماً لها في رحلة العلم والتفوق الدراسي، حيث كانت دائماً من أوائل الطلبة في مدرستها رغم انعدام المؤسسات التعليمية المتخصصة للمكفوفين.
تصف زين علاقتها بالقرآن بأنها علاقة صداقة أبدية، تلجأ إليه في لحظات الحزن لتجد السكينة، وفي أوقات الفرح لتعبر عن امتنانها. ولم تكتفِ بالحفظ، بل انتقلت لتصبح مشرفة على دورات وحلقات نسائية لتعليم تجويد القرآن الكريم عبر الإنترنت، حيث تتابع طالبات من مختلف دول العالم رغم صعوبات الاتصال في غزة.
الحرب علمتنا كثيراً، وقبلها كان القرآن بالنسبة لي كل شيء، لكن في الحرب زادت غلاوته وخاصة خلال رحلات النزوح.
من جانبها، تستذكر والدة زين اللحظات الأولى لولادة ابنتها، حين أخبرها الأطباء أن الطفلة ولدت بلا مقل عينية، وهو ما شكل صدمة كبيرة للعائلة. وأشارت الوالدة إلى أن القرآن كان الوسيلة الوحيدة لتهدئة زين في طفولتها، حيث كان صوت التلاوة يوقف بكاءها المستمر ويمنحها الطمأنينة التي تفتقدها.
خلال رحلات النزوح المتكررة تحت القصف، حرصت العائلة على حمل مصحف 'بريل' الخاص بزين رغم كبر حجمه وثقله، إدراكاً منها لقيمته المعنوية والروحية لابنتهم. ومع ذلك، تسببت شدة القصف في النزوح الثاني بفقدان هذا المصحف الوحيد، مما أضاف فصلاً جديداً من المعاناة لرحلة زين مع الكلمة المقدسة.
تؤكد زين أن الحرب الأخيرة غيرت نظرتها للأشياء، فزادت قيمة القرآن في حياتها كونه الملاذ الوحيد وسط الدمار والنزوح. وتوجه رسالة لكل من حولها بضرورة التمسك بالقرآن وتدبر آياته، مؤكدة أنه الجزء الذي لا يمكن التخلي عنه في حياة الإنسان مهما بلغت شدة الظروف المحيطة به.
على الصعيد الطبي، تشير الإحصائيات الصادرة عن وزارة الصحة في قطاع غزة إلى أن إصابات العيون تشكل نحو 11% من إجمالي الجرحى، وهو رقم يعكس تعمد الاحتلال استخدام أسلحة تسبب إعاقات دائمة. وقد تجاوز عدد الذين فقدوا أبصارهم بشكل كامل خلال العدوان الأخير حاجز الـ 3 آلاف مصاب، مما يضع المجتمع الدولي أمام مسؤولياته.
تعاني زين اليوم من منع السفر الذي يحرمها من الحصول على عيون صناعية جديدة أو إجراء العمليات التصحيحية اللازمة لجفونها المتضررة. وتناشد المؤسسات الحقوقية والطبية التدخل لإنقاذ ما تبقى من قدرتها على ممارسة حياتها الطبيعية، وتوفير العلاج اللازم الذي يحول بينها وبين تفاقم الالتهابات في محيط العين.
تبقى قصة زين الدلو شاهداً حياً على إرادة الشعب الفلسطيني التي لا تكسرها القذائف ولا الفسفور الأبيض، فمن رحم الظلام الذي فرضه الاحتلال، استطاعت أن تصبح منارة للعلم والقرآن. هي حكاية تختصر صمود الغزيين الذين يبحثون عن النور في قلوبهم حين تضيق بهم سبل الأرض وتغلق في وجوههم المعابر.
أقلام وأراء
الخميس 26 مارس 2026 3:03 صباحًا - بتوقيت القدس
الحرب النفسية وصناعة الهزيمة: كيف يقرأ الغرب العقل العربي؟
يكشف مايلز كوبلاند في كتابه الشهير 'لعبة الأمم' عن استراتيجية استخباراتية عميقة تعتمد على المحاكاة النفسية للقادة الأعداء. حيث يتم إخضاع أفراد لظروف معيشية ونفسية مطابقة لظروف الخصم للتنبؤ بردود أفعاله تجاه الأزمات المختلفة.
تتجلى هذه الاستراتيجية في ادعاء كوبلاند بأنه اتخذ قرار تأميم قناة السويس في مخيلته قبل أن يعلنه الرئيس الراحل جمال عبد الناصر عام 1956. هذا النوع من الدراسة الدقيقة للنفسية العربية يمنح الغرب تفوقاً في إدارة الصراعات وتحقيق المآرب السياسية.
بعد نكسة عام 1967، واجهت الشعوب العربية صدمة قاسية بفقدان القدس وسيناء والجولان، بعدما غرق الإعلام في ترويج انتصارات وهمية. وبرزت حينها محاولات لإعادة تعريف الهزيمة، حيث اعتبر النظام أن بقاء القيادة السياسية هو الانتصار الحقيقي.
ساهم الكاتب محمد حسنين هيكل في هذا التوجه عبر التقليل من شأن الخسائر المادية، واصفاً سيناء بأنها مجرد 'حفنة رمال'. كان الهدف من هذا الخطاب هو الحفاظ على التماسك النفسي للجماهير، لكنه في المقابل غيّب الوعي بحجم الكارثة العسكرية.
إن الميل العربي للتمسك بمشاعر النصر حتى في أحلك الظروف الحضارية يمثل ثغرة يستغلها الأعداء بذكاء. فهم يمنحون الشعوب جرعات من 'النصر الإعلامي' لتخدير الوعي، بينما يستعدون لفرض واقع جديد على الأرض يسلب المزيد من المقدرات.
يبرز التساؤل حول مدى استسلامنا لفكرة أن الصراع مع القوى الكبرى هو صراع إعلامي في المقام الأول. فنحن ننتظر دائماً خطاباً خارقاً يكسر الحاجز النفسي، متجاهلين ضرورة العمل الواقعي على الأرض وتغيير موازين القوى الحقيقية.
بالعودة إلى السيرة النبوية، نجد أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يصف ما حدث في غزوة أحد بالانتصار رغم التفوق الأولي للمسلمين. بل تعامل مع النتائج بواقعية وشجاعة، وخرج بجيشه إلى 'حمراء الأسد' لإثبات أن المعركة جولات مستمرة.
إن العدو لم ينتصر لأننا ما زلنا معا؛ هكذا حاول الخطاب السياسي تحويل هزيمة الأرض إلى صمود زائف للنظام.
هذا الهدي النبوي يعلمنا ضرورة الاعتراف بالقصور وعدم تزييف الحقائق لإرضاء العواطف، لأن بناء الأمم يتطلب إخلاصاً في مواجهة الذات. إن الخلط بين السياسة والأخلاق أدى أحياناً إلى تبرير تجاوزات الأنظمة بحجة الضرورات الاستراتيجية.
يحرص الغرب في صراعه معنا على ترك مساحة للزهو بالنفس، كي لا تتحول الهزيمة الشاملة إلى طاقة انفجارية غير محكومة. وقد ظهر ذلك جلياً في الطريقة التي أُديرت بها الأزمات الكبرى في العراق وغيرها من الدول العربية.
إن عدم القدرة على مراجعة المواقف القديمة وتلمس مواضع الخلل يمنعنا من تغيير موقعنا الحضاري المتعثر. فالتغيير الحقيقي يبدأ من الاعتراف بالواقع كما هو، وليس كما نتمنى أن نراه عبر شاشات الإعلام الموجه.
تعاني النخب السياسية أحياناً من الرغبة في القفز المباشر إلى السلطة عبر صناديق الاقتراع دون تأهيل سياسي حقيقي. فالنهضة تتطلب تفكيراً وتدقيقاً وعملاً جاداً وتضحية، وليس مجرد الظهور بمظهر الأفضل بين السيئين.
رغم أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان مؤيداً بنصر إلهي، إلا أنه لم يغفل يوماً عن الأخذ بالأسباب الدنيوية والمشورة. ومن العجب أن يطالب البعض اليوم بنصر إلهي دون خوض غمار العمل والبحث العلمي والالتزام بمسيرة البناء.
يجب أن تدرك الأمة أن الغرب لا يمكنه مسالمة جزء منها بينما يلتهم جزءاً آخر في ذات التوقيت. فالتاريخ يعيد نفسه، وما حدث في الشام قديماً على يد التتار تكرر في مصر، مما يستوجب وحدة المصير والوعي.
ختاماً، يبقى التحدي الأكبر هو التحرر من فكرة أن كل ما يريحنا نفسياً هو بالضرورة الصواب المطلق. إن مواجهة الحقائق المرة هي الخطوة الأولى نحو صناعة نصر حقيقي لا تهزه رياح الحرب النفسية أو تزييف الخطابات السياسية.
عربي ودولي
الخميس 26 مارس 2026 2:49 صباحًا - بتوقيت القدس
تحركات عسكرية أمريكية مكثفة: الفرقة 82 تتأهب وسط احتمالات تصعيد ضد إيران
تشهد منطقة الشرق الأوسط تصعيداً عسكرياً أمريكياً ملحوظاً في توقيت يتسم بحساسية سياسية بالغة، حيث برزت تحركات ميدانية واسعة تشير إلى استعدادات لعمليات هجومية محتملة. وأفادت مصادر مطلعة بأن وزارة الدفاع الأمريكية تتجه لإرسال آلاف الجنود من الفرقة 82 المحمولة جوًا لتعزيز القدرات القتالية في المنطقة، في خطوة تتزامن مع تعثر المسارات الدبلوماسية.
تأتي هذه التعزيزات البرية بعد أيام قليلة من نشر آلاف من مشاة البحرية والبحارة على متن السفينة الحربية 'بوكسر'، مدعومة بوحدة مشاة بحرية استكشافية ومجموعة من السفن القتالية المرافقة. ويهدف هذا الانتشار البحري المكثف إلى توفير غطاء لوجستي وعسكري لأي تحركات برية أو جوية قد تتقرر في الأيام المقبلة ضد أهداف محددة.
تعد الفرقة 82 المحمولة جوًا من أبرز وحدات النخبة في الجيش الأمريكي، حيث تضطلع بدور محوري في استراتيجيات التدخل السريع والسيطرة على المواقع الحيوية. وتتميز هذه القوة بقدرتها الفائقة على تنفيذ عمليات الإنزال البرمائي والجوي، مما يجعلها الأداة المفضلة لواشنطن في فرض الهيمنة الميدانية على المناطق الاستراتيجية المتنازع عليها.
تمتلك الفرقة ترسانة عسكرية متطورة تشمل مروحيات الهجوم من طراز 'أباتشي' وطائرات النقل والقتال 'بلاك هوك'، والتي صممت للعمل على ارتفاعات منخفضة لدعم القوات الميدانية. كما تضم تجهيزاتها مدافع 'هاوتزر' الثقيلة وصواريخ 'ستينغر' قصيرة المدى المخصصة للتعامل مع التهديدات الجوية والطائرات المسيرة، مما يمنحها استقلالية قتالية عالية.
أشارت تقارير صادرة عن البنتاغون إلى أن الخطط العسكرية قد تشمل تحرك هذه الفرقة لدعم مشاة البحرية في عملية محتملة تستهدف جزيرة خرج الإيرانية. وتتضمن هذه الخطط تهيئة مدارج المطارات التي قد تتعرض للقصف لتأمين هبوط القوات والسيطرة الكاملة على الجزيرة، بهدف تحييد أي تهديدات إيرانية منطلقة منها.
هناك فجوة واضحة بين الأهداف العسكرية التي قدمتها وزارة الدفاع للكونغرس وبين ما يروج له البيت الأبيض ووسائل الإعلام حول طبيعة التحركات الحالية.
في واشنطن، سادت حالة من الترقب عقب إحاطة سرية ومغلقة قدمتها وزارة الدفاع لأعضاء الكونغرس حول طبيعة هذه التحركات العسكرية. وخرج بعض المشرعين بتصريحات تعكس قلقاً من احتمالات نشوب نزاع مسلح وشيك، خاصة في ظل التباين الواضح بين التقارير العسكرية والخطاب السياسي المعلن من قبل الإدارة الأمريكية.
أعربت النائبة نانسي ميس عن معارضتها الشديدة لنشر أي قوات برية في إيران، مؤكدة أن المعلومات التي طرحت في الإحاطة السرية عززت من مخاوفها تجاه التصعيد العسكري. وأشارت ميس إلى وجود فجوة عميقة بين الأهداف التي يسعى البنتاغون لتحقيقها وبين ما يتم تداوله في الأوساط الإعلامية والسياسية التابعة للبيت الأبيض.
يرى مراقبون أن التحركات العسكرية الحالية تأتي كأداة ضغط قصوى، خاصة بعد أن منح الرئيس الأمريكي الجانب الإيراني مهلة نهائية تنتهي يوم الجمعة للتوصل إلى اتفاق سياسي. وفي حال انقضاء هذه المهلة دون نتائج ملموسة، فإن الخيار العسكري البري سيصبح مطروحاً بقوة على طاولة القرار في واشنطن كبديل للدبلوماسية المتعثرة.
تتمركز الفرقة 82 بشكل دائم في قاعدة 'فورت براغ' بولاية نورث كارولينا، وتخضع لجداول زمنية صارمة في عمليات الانتشار الخارجي. ووفقاً للمعايير العسكرية، فإن عملية نقل هذه القوات الضخمة وتجهيزاتها إلى مسرح العمليات في الشرق الأوسط تستغرق نحو أسبوع واحد، مما يعني أن الجاهزية الميدانية قد تكتمل تزامناً مع نهاية المهلة السياسية.
يبقى المشهد مفتوحاً على كافة الاحتمالات، حيث تتسارع وتيرة الحشود العسكرية في مياه الخليج والمنطقة المحيطة، وسط تحذيرات من أن أي خطأ في التقدير قد يؤدي إلى مواجهة شاملة. وتراقب القوى الإقليمية والدولية هذه التحركات بحذر، بانتظار ما ستسفر عنه الساعات القادمة من تطورات على الصعيدين العسكري والدبلوماسي.




